صبري رسول
هندسة السّرد:
يهندس الكاتب نزار آكري السّرد الفنّي في رواية فرح خاتون الصّادرة عن دار الزّمان للطّباعة والنّشر ٢٠٢٥ بتقنيّة سرديّة فائقة، تحتلّ الرّواية ١١٦ صفحة من القطع المتوسط.
تدور احداث الرّواية على لسان الأميرة الكُردية فرح خاتون، ابنة علي عيسى عبدالكريم آغا المليين، أحد الوجوه الاجتماعية في قرية كندور على تخوم الحدود المصطنعة التي قسّمت بلاد الكُرد بين تركيا وسوريا. يبدأ زمن الرّواية في مشفى ماغديبورغ سنة ٢٠١٧ حيث تبدأ رحلة العلاج للمريضة القابعة على السرير.
لكن الزّمن يسير وفق ذاكرة الشّخصية الرّئيسية في الرّواية، حيث يعود إلى أحداث ماضية، إلى طفولة فرح في قرية كندور، ويبقى متأرجحا بين الماضي، والحاضر، بين أحداثٍ ساحتها قرية كندور وجوارها، وبين جسد يعاني مرض أنهكه وأنهك الروح أيضا.
فرح خاتون تصف طفولتها، عائلتها، علاقات أفرادها فيما بينهم وبين النّاس، قرية كندور وغبارها وملاعبها، والتعليم فيها، وتنتقل من خلال تيار الوعي إلى حالتها المتهالكة، وإجراءات التّشخيص، والمعالجة الكيمياوية، وتأثيراتها على نفسيتها، والتّفكير بأهمية الوجود والغاية منه.
الكاتب نزار آكري أتقن بمهارة لعبة الانتقال السّردي من مكان في الجزيرة الكردية إلى المشفى في ماغديبورغ، وحالة المرضى اليائسين، والشّاب الحزين على حبيبته. هذا الانتقال يبعثر السّرد بهندسة أكثر تشابكاً من خيوط الشّبكة العنكبوتية في دقتها الفائقة. قد يبدو للقارئ أنّ فنية السّرد بسيطة، يستطيع أي قارئ حياكتها، لكن الأمر ليس بتلك السّهولة، فالألم العميق يدفع فرح إلى الحديث عن أجواء المشفى، المرضى، والممرضات وأجهزة التصوير، ثم تدفعها الذّاكرة، التي تختزن تاريخاً اجتماعياً وسياسياً حافلاً بالأحداث، إلى الحديث عن كندور وموقعها الجغرافي وعادات أهلها، وهي مرآة صادقة للحياة الكردية في النصف الثاني من القرن الماضي. والكاتب وبمهارة فائقة صاغ السّرد على لسان الأميرة خاتون وبلغة جميلة سلسة تنتمي إلى السهل الممتنع.
فالوعي هو وعي الإنسان بالتجربة الإنسانية، […] يشمل الأحاسيس، والذكريات، والمشاعر، والمفاهيم والأوهام والتخيلات، وتلك الظواهر التي ليست فلسفية ولكن لا يمكن تفاديها باطراد، وهى التى نسميها الحدس والرؤية والبصيرة(1).
فنية تيار الوعي أثّرت في توظيف هذه التقنية التجريبية في الرواية، على بنيتها الفنية، على الزمان والمكان وتأثيراتهما في تشكيل السّرد، وعلى ارتباط الأماكن الكثيرة في كندورالتي تتذكّرها فرح خاتون بذكرياتها الشخصية، في الطّفولة والصّبا وبمشاعرها. وهذه التقنية لا تلتزم بالترتيب المتسلسل للزمن السّردي للأحداث، ما جعلت الرواية تُبنى، في خطّها السّرد، على المفارقات الزمنية، على التّداخل الزّمني، الماضي مرة، والحاضر أخرى، الاعتماد على الاسترجاعات من خلال التذكّر وفيض التداعيات النفسية. وعلى تشظّي وحداتها السردية بما تتناسب مع الأزمنة؛ فتأتي الأحداث متقطعة، ومنقسمة بين الماضي والحاضر، بين قرية كندور ومشفى ماغديبوغ، في مشاهد قصيرة ومتناثرة. فكسّرت البنية التقليدية المعتادة.
ترتبط الأماكن الكثيرة في كندور التي تتذكّرها فرح خاتون بذكرياتها الشخصية، في الطّفولة والصّبا وبمشاعرها. حيث تنتقل فرح خاتون من أجواء المرض في المشفى، «روحي مثل الثلج، تتكسّر على زجاج النّافذة. أتساءل في سرّي ما إذا كنت سأموت هنا، بعيدة عن كندور».ص٦٨، إلى حكايات جدتها، وهي تحكي لها قصة ممو زين ص٣٦، سيامند وخجي ص٤١، زمبيل فروش ص٥٥، فاطمة صالح آغا ص٦٧، تتذكّر تلك الحكايات، لكنّها لاتذكر للقارئ التّفاصيل، وتكتفي بـ«هبو تنبو جي خودي مزنتر تنبو» كان ياماكان، هنا يعرف القارئ الكُردي تفاصيلها من التّراث الشعبي، لكن لا بدّ للقارئ العربي من البحث عن التفاصيل بحكم فضوله للمعرفة. هذه الانتقالات بين الماضي والحاضر زمنياً، بين المشفى وقرية كندور مكانياً، تُحدِثُ تشظّيا في السّرد، وهذا لا يُتقنه إلا كاتب ماهر في حبكة السّرد، والاحتفاظ بخيطه، ما يضع القارئ أمام مهمة الرّبط بين الأمكنة والأزمنة، وهي متعة القراءة القصوى.
«فالاسترجاع يحيلنا على أحداث سابقة على الزمن الحاضر. حاضر السرد. وفي هذه الحالة يسمى الرّدّ بالسّرد الاسترجاعي، والمؤشرات اللسانية الدالة على هذا السّرد الاسترجاعي هي صيغة الأفعال الدالة على زمن الماضي(2)،. كنتُ أصغي لجدتي وأحفظ كل ما ترويه لي.ص٣٢ «كانت هناك إمارة كردية في جزيرة بوتان ص٣٦، كان يا ما كان، كان سيامند ولداً يتيماً، ص٤١، كانت كفاح شديدة المرح مثل طفلة صغيرة، ص٥٣، كنت أميرة منذ نعومة أظافري ص62»، فالأفعال المستخدمة عند الاسترجاع للماضي، عن أحداث طفولتها، وذكرياتها هي أفعال في صيغة الماضي غالباً، فالسّرد الاسترجاعي يتطلب تلك الصّيغة.
شخصية فرح خاتون هي شخصية كلّ مغترب كردي في الشّتات، حيث تنعدم مقومات الحياة في بلادهم، ويتعرّضون للظلم في معتقداتهم ولغتهم وقوميتهم. حيث يحمل المغترب في داخله حكايات بلاده، وذاكرة ممتلئة بالحوادث، في ملاعب الطفولة والصّبا، في مقاعد التعليم،.
تتذكّر سؤالها لجدتها عن الإزيديين، فتردّ جدتها: «ربما نحن إيزيديون، أو أرمن، أو سريان. فتلك المنطقة كانت موطنهم قبل أن يقوم المسلمون من الكرد والترك بغزوهم والفتك بهم وإجبارهم على اعتناق الإسلام. الأرجح أن أجدادنا أجبروا على دخول الإسلام يا صغيرتي. كان المسلمون يقتلون من يرفض الدّخول في الإسلام ويسبون نساءهم ويستولون على ممتلكاتهم. ص٥١
يبقى المغترب مشتّتاً بين زمنين، ماضٍ مُستَلَب، وحاضرٍ عاجزٍ عن الخلاص من الأول، والأميرة الكُردية المليّة هنا أنموذجٌ لكلّ مهاجر يواجه الصّعوبات. تتذكّر صوراً من المظالم التي تعرّض لها الكُرد في بلادهم، حتى في التعليم، يُفرَض عليهم التعليمُ بغير لغتهم، وكتبٌ تتحدث عن تاريخ العرب والمسلمين. ففي حديثها مع السّيدة الألمانية في السّرير بالقريب منها التي ذكرت لها الكتب التي قرأتها عن الكُرد أرادت فرح خاتون أن تقول لها: «أننا كنا في المدرسة أكراداً. كلنا: الطلاب والمعلمون والمدير وأمين السر والموجه والآذن، ومع هذا يجبروننا أن نتكلم العربية ونتعلم التاريخ العربي والثقافة العربية والانتصارات العربية والهزائم العربية. الكتب التي كنا ندرسها لا تأتي على سيرتنا نحن الأكراد»ص٨٦.
لغة السّرد:
لغة السّرد الروائي في فرح خاتون تتميّز بالبساطة مع زخرفة شعرية أحياناً قادرة على تشكيل العالم الروائي ورسم الانعكاس النفسي للأميرة، وتمكّنت اللّغة في الدّخول إلى نفسية الشّخصية المحورية وصراعاتها النّفسية مع المرض، حيث تعيش خاتون مع خواطر المرض، وهي أشبه ماتكون حِكماً قيمة عنه منها إلى مجرد خوف منه «حين نكون قريببن من الموت نستوعب الحياة بشكل أعمق، ندرك أنها لحظة عابرة، سريعة، في مسيرة الوجود.»ص٣٨ […] «قد تكون هذه الحياة التي نعيشها مجرد حلم. نموت فنستيقظ وينتهي الحلم السّرد».ص٤٥
استطاعت اللغة تصوير الأماكن التي تدور فيها الأحداث، قرية كندور والمشفى الألماني الذي يحيط به الضّباب والتّنقل السّهل بين الأزمنة، بين الماضي والحاضر إلى درجة يشعر القارئ بأنه يعيش اللحظات نفسها، وهي تدرك أنّ الزّمن وحده يخفف وطأ المصاعب، «الزمن ممحاة
عملاقة تزيل كل شيء: الافراح والأحزان ولكن مثل كل ممحاة “تكركب” صفحة أرواحنا».ص٥٣، كلّنا نشعر بأنّ أحزاننا كبيرة، نعاني منها كثيراً ومع الزّمن ننساها، وهذه المشاعر يشترك فيها البشرية كلّها.
في مناخ المشفى المشحون بالوحدة والآلام، تختفي المظاهر الاجتماعية، حيث لا زيارات، ولا لقاءات عائلية، ولا الخروج إلى المقاهي، فيواجه المريض وحده مصيره مع المرض، نجحت لغة الرواية في نقل هذه المشاعر إلى المتلقي، فالعزلة المرضية القاتلة، تجعلها تشعر بأنّها مجرّد رقم (كل مريض أو مريضة، رقم، كلنا، في نهاية الأمر أرقام في هذه الدنيا.) ص٧٧.
اللغة السردية تتحكّم بزمن السّرد، وبتدفق الأحداث من خلال الوصف النفسي والوصف المكاني والنّاس وحياة الطفولة.
الرّواية ممتعة وجديرة بالقراءة.
———————–
(1) تيار الوعي في الرواية الحديثة، روبرت همفرى، ت: محمد الربيعي، دار غريب، القاهرة، ٢٠٠٠م ط١ص31
(2) تحليل النّصّ السّردي، محمد بو عزة، دار ردمك، الرباط، ٢٠١٠ ط١ ص89
