في توقعاته لـ”المئة عام القادمة”..  هل أغفل جورج فريدمان إرادة الشعوب؟

شارك هذا المقال:

محمد علي أحمد

حين أصدر المفكر الجيوسياسي الأمريكي ومؤسس مركز “ستراتفور” للدراسات الأمنية، جورج فريدمان، كتابه المثير للجدل المئة عام القادمة:  توقعات للقرن الحادي والعشرين عام 2009، تعامل معه الكثيرون كنوع من الخيال السياسي. لكن مع مرور الربع الأول من هذا القرن، وتصاعد النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط، يجد القارئ نفسه مدفوعاً لإعادة فحص هذه الأطروحة. 

إن قراءة هذا الكتاب لا تقف عند حدود الانبهار بالتوقعات، بل تتعداها إلى تشريح الخلفيات الفكرية والتحيزات “الأطلسية المركزية” التي صاغت هذا العمل، ومحاكمة تهميشه المتعمد لإرادة الشعوب المضطهدة. 

ينطلق فريدمان من فرضية أساسية مفادها أن “الجغرافيا والديموغرافيا والموارد” هي المحركات الأزلية والحتمية للتاريخ، وأن الأيديولوجيات والشعارات السياسية ليست سوى قشور عابرة. ويقسم استشرافه للقرن الحادي والعشرين إلى محاور ديناميكية متسلسلة:  

1. الإمبراطورية الأمريكية الناشئة

على عكس الأطروحات التي تبشر بـ “أفول أمريكا” (مثل أطروحات بول كينيدي أو إيمانويل تود)، يرى فريدمان أن الولايات المتحدة تعيش في بداية صعودها الإمبراطوري وليس في نهايته. يرتكز تفوقها الحتمي على سيطرتها المطلقة على جميع المحيطات العالمية (الهادئ والأطلسي)، مما يجعلها تتحكم في خطوط التجارة الدولية، فضلاً عن تفوقها التكنولوجي والعسكري الجوي والفضائي. ويرى فريدمان أن الأزمات السياسية أو الاقتصادية التي تمر بها واشنطن ليست إلا “وعكات نمو” طبيعية لإمبراطورية شابة جغرافياً وديموغرافياً. 

2. سقوط العمالقة:  سيناريو انهيار روسيا والصين

  • روسيا والنزاع المأزوم:  توقع فريدمان بدقة أن روسيا لن تستسلم لضياع نفوذها السوفيتي، وأنها ستتحرك عسكرياً لإعادة فرض مناطق نفوذ عازلة في أوروبا الشرقية والقوقاز (وهو ما تجسد لاحقاً في غزو أوكرانيا والتدخل في سوريا). ومع ذلك، يتنبأ فريدمان بأن هذا المجهود العسكري سيؤدي إلى إنهاك كامل للاقتصاد الروسي المعتمد على الريع النفطي، وتعميق الأزمة الديموغرافية (الشيخوخة ونقص السكان)، مما سيقود حتماً إلى تفكك روسيا الفيدرالية تماماً بحلول ثلاثينيات القرن الحالي إلى دويلات ومناطق نفوذ أصغر. 
  • الصين.. نمر من ورق:  يكسر الكتاب الإجماع السائد حول صعود الصين كقوة عظمى بديلة لأمريكا. يرى فريدمان أن الصين تعاني من “هشاشة بنيوية مرعبة”، فالاقتصاد الصيني يعتمد كلياً على التصدير لأمريكا والغرب، والمجتمع منقسم بعمق بين مدن السواحل المزدهرة التي تستفيد من العولمة، وبين عمق بري شاسع وفقير يعيش في ظروف بائسة. ويتوقع فريدمان أن تؤدي الضغوط الاقتصادية والتوترات الطبقية والسياسية الداخلية إلى تراجع حاد في نفوذ بكين، أو انغلاقها على نفسها لحل أزماتها الداخلية، بدلاً من قيادة العالم. 

3. بزوغ القوى الإقليمية الثلاث الكبرى

مع تفكك النفوذ الروسي والصيني، يتوقع الكتاب نشوء فراغ جيوسياسي هائل ستملأه ثلاث قوى صاعدة ومستقرة نسبياً:  

  • تركيا:  الوريث الشرعي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقوقاز. يرى فريدمان أن جغرافيا تركيا واقتصادها المتنوع سيجعلانها القوة المهيمنة التي ستعيد إحياء نفوذ إقليمي يشبه الإمبراطورية العثمانية، مستغلة حالة الفوضى المزمنة في العالم العربي. 
  • بولندا:  ستقدمها الولايات المتحدة كحليف استراتيجي أول في القارة الأوروبية، وستدعمها تكنولوجياً وعسكرياً لتصبح قائدة لكتلة أوروبا الشرقية، وحاجز صد يمنع أي تحالف مستقبلي بين ألمانيا وروسيا. 
  • اليابان:  رغم نهجها السلمي الحالي، ستضطر اليابان بحلول منتصف القرن إلى إعادة بناء آلتها العسكرية الهجومية بشكل مرعب لحماية خطوط إمداداتها البحرية في آسيا بعد تراجع النفوذ الصيني. 

4. الحرب العالمية الثالثة (منتصف القرن – قرابة 2050)

يتنبأ فريدمان بنشوب حرب عالمية جديدة ناجمة عن شعور القوى الصاعدة (تركيا واليابان) بالخنق نتيجة الهيمنة الأمريكية المطلقة على الممرات البحرية والفضائية. سيتشكل حلف (تركي – ياباني) يشن حرباً تكنولوجية مباغتة ضد حلف تقوده (الولايات المتحدة، بولندا، بريطانيا، وهندوراس). ستكون حرباً فضائية بامتياز تعتمد على القذائف الموجهة من مدارات الأرض والأنظمة الروبوتية، وتنتهي بهزيمة الحلف التركي-الياباني وإعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية لشغل النصف الثاني من القرن. 

5. الصراع الأمريكي المكسيكي في نهاية القرن

في العقود الأخيرة من القرن الحادي والعشرين (قرابة عام 2080)، يتوقع فريدمان أن تصبح المكسيك قوة اقتصادية كبرى، متزامناً ذلك مع تغير ديموغرافي هائل داخل الولايات المتحدة نتيجة تدفق ملايين المكسيكيين إلى الولايات الجنوبية الغربية (مثل تكساس وكاليفورنيا)، مما سينتج عنه صراع سياسي وثقافي حاد حول الهوية والسيادة على تلك الأراضي. 

الآن، حين نخضع هذه الرؤية الباردة لمشرط النقد، نرى أن فريدمان أهمل جيوسياسياً الحركات الاجتماعية وإرادة الشعوب، مع نزعة اختزالية تجعل تحليله قاصراً في مواضع عدة:  

1. وهم استقرار الطغاة وإغفال إرادة الشعوب (المنظور السوري)

يتعامل فريدمان مع المنطقة العربية والشرق أوسطية كـ “مساحة مفعول بها”، أو رقعة شطرنج فارغة تنتظر الشعوب فيها من يسوسهم، سواء كانت واشنطن أو أنقرة. هذا الفكر الجيوسياسي التقليدي يتجاهل “حتمية التغيير الاجتماعي”.

لقد أثبتت الثورة السورية مثلاً، رغم كل ما لها وما عليها، ورغم كل ما تعرضت له من خذلان دولي وتآمر وقمع وحشي من نظام الأسد وحلفائه، أن الشعوب يمكن أن تكون فاعلة في عملية تفتيت “الاستقرار الزائف” للأنظمة الديكتاتورية. فريدمان يرى الجغرافيا من الطائرة، بينما يمكن أن يكون للشوارع ودماء الضحايا رأي آخر. إن التغيير القادم في المنطقة لن تصيغه صفقات القوى العظمى وحدها، بل يحدد حركته الوعي الإنساني المتصاعد والرغبة العميقة للشعوب في الانعتاق والحرية والكرامة. 

2. الفخ التركي وتهميش المسألة الكُردية

عندما يسرف فريدمان في التنبؤ بصعود تركيا كإمبراطورية إقليمية تقود الشرق الأوسط، فإنه يسقط في فخ “الرومانسية الجيوسياسية” متجاهلاً لغمين داخليين وإقليميين:  

  • تجاهل القضية الكُردية:  لا يمكن لأي دولة، وخصوصاً تركيا، أن تتحول إلى قوة إمبراطورية مستقرة دون إيجاد حل عادل لقضيتها الكُردية الداخلية. الشعب الكُردي (البالغ تعداده ملايين البشر والموزع بين تركيا وسوريا والعراق وإيران) أثبت عبر العقود أنه رقم صعب في المعادلة الأمنية والسياسية، وصار فاعلاً جيوسياسياً على الأرض لا يمكن تجاوزه (كما نرى في تجربة إقليم كردستان العراق). إن أي استشراف يتجاهل وجود الكُرد وحقوقهم هو استشراف أعرج، فالاستقرار الإقليمي لن يتحقق عبر الهيمنة، بل عبر الاعتراف بالحقوق القومية المشروعة لشعوب المنطقة دون استثناء.
  • الرفض العربي والذاكرة الجمعية:  يتناسى فريدمان أن الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة، لن تفرش السجاد الأحمر لعودة نفوذ تركي بعباءة عثمانية جديدة، مما يجعل مشروع التمدد التركي مشروع نزاع مستمر وليس نفوذاً ناعماً ومستقراً كما يتخيل. 

3. صراع البقاء الروسي:  مصائب السوريين في طريق الانهيار

أصاب فريدمان بشكل مذهل حين توقع أن روسيا ستقوم بحركات عسكرية “انتحارية” لإثبات نفوذها قبل السقوط والتفكك. وكان الشعب السوري الشاهد الضحية على هذا التوقع، إذ تدخلت روسيا عسكرياً بوحشية عام 2015 لحماية نظام الأسد المتهالك، وجعلت من أجساد السوريين ومدنهم حقل تجارب لأسلحتها وعضلاتها الجيوسياسية قبل أن تنقل المعركة إلى أوكرانيا.
فريدمان هنا قلل من حجم المأساة، إذ تعامل مع التدخل والانهيار الروسي كأرقام ومعادلات، بينما كلف هذا التوقع إبادة جماعية، وتهجيراً للملايين، وتدميراً لبنى تحتية كاملة. 

4. عبادة القوة وإقصاء البُعد الأخلاقي

إن كتاب المئة عام القادمة هو تجسيد فج للمدرسة الواقعية السياسية (Realpolitik) في أقصى درجات برودها الاستعلائي. الكاتب يشرعن الحروب الكارثية ويرى دماء البشر كأعراض جانبية لتوازن القوى. إن استشراف القرن القادم بناءً على من يملك أقماراً صناعية أكثر أو صواريخ أدق، دون النظر إلى عدالة قضايا الشعوب وحقوقها المشروعة، هو استشراف مشوه ولا إنساني. 

في النهاية، يبقى كتاب جورج فريدمان وثيقة هامة لفهم العقلية الاستراتيجية التي تدار بها الإمبراطورية الأمريكية والقوى الطامحة يديرون بها العالم. فريدمان بارع في تحليل حركة الجيوش وسلاسل الإمداد والموارد، لكنه يتجاهل حركة الشعوب الحية وتطلعاتها الإنسانية. فالمستقبل لن يصنعه الطغاة ولا الإمبراطوريات العائدة بلباس جديد فحسب، بل ستصنعه أيضاً إرادة التحرر لدى الشعوب المضطهدة التي لن تقبل بأن تبقى مجرد بيادق صامتة على رقعة شطرنج فريدمان. 

شارك هذا المقال: