ئاريان كركوكي
تركيا بين صفة “دولة المؤسسات” التاريخية والتشريعات البرلمانية بحق الكورد
تأسست الجمهورية التركية عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك مستندة إلى عقيدة مركزية صارمة، حيث بُنيت الدولة قبل اكتمال تشكل الأمة ولعبت مؤسساتها التاريخية، كالجيش والقضاء والبيروقراطية، دور الحارس الحصري للنظام القومي. وقد شهدت البلاد عبر تاريخها تدخلات عسكرية متكررة في أعوام 1960 و1971 و1980 و1997 لإعادة ضبط مسار الدولة، مما خلق نمطاً لدولة ذات مؤسسات صلبة لكنها فوق ديمقراطية. ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، حدث زلزال هيكلي تمثل في تقليص نفوذ الجيش ووضعه تحت الإشراف المدني الكامل، تلاه الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي ألغي فيه منصب رئيس الوزراء ونُقل مركز الثقل الإداري والسياسي إلى المجمع الرئاسي. وتتضح اليوم ازدواجية واضحة في إدارة الدولة بين بيروقراطية عميقة وصلبة وفعالة في الأجهزة التقنية والخدمية، مقابل تراجع استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية لصالح تركز القرار بيد السلطة التنفيذية. وفي هذا السياق، لم يكن البرلمان التركي أبداً ساحة للاعتراف بالتعددية القومية أو منح الحقوق، بل ظل الأداة التشريعية الرسمية التي استخدمتها الدولة المركزية عبر العقود لفرض قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب وتشريعات حظر اللغات غير التركية بهدف احتواء الصراع أمنياً، لتقصر الحزم التشريعية المحدودة التي أُقرت لاحقاً على إصلاحات خدمية وثقافية مضبوطة بسقف رؤية الدولة الواحدة.
تاريخ تشريع القوانين بحق الكورد في البرلمان التركي
مرّ التاريخ التشريعي للبرلمان التركي تجاه الكورد منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 بمراحل حاسمة عكست سياسة الإنكار الصهر القومي، حيث خلت الدساتير المتعاقبة والقوانين التأسيسية من أي اعتراف بوجود قومية كردية مستقلة، وأصدر البرلمان في حقبة التأسيس والعقود اللاحقة حزم تشريعات أمنية واستثنائية استهدفت المنطقة بشكل مباشر تضمنت قوانين الطوارئ والمناطق العسكرية وقوانين صهر الهوية ومنع استخدام اللغات غير التركية في الفضاء العام والتعليم والإعلام. كما سُنّت في مراحل متقدمة قوانين مكافحة الإرهاب ذات الصياغات الفضفاضة في البرلمان، والتي وُظفت تشريعياً وقضائياً لملاحقة أي نشاط سياسي أو ثقافي أو حقوقي يطالب بالحقوق القومية الكردية باعتباره مهدداً لأمن الدولة القومي، وشهدت قبة البرلمان عبر تاريخها آليات مؤسسية لتقييد العمل السياسي الكردي المنظم تمثلت في إسقاط عضويات النواب، ورفع الحصانة البرلمانية عنهم، وإصدار وتمرير القرارات والتشريعات الناظمة لإغلاق الأحزاب السياسية الكردية المتعاقبة، لتقتصر التعديلات أو القوانين ذات الطابع الخدمي أو الثقافي المحدود مثل إطلاق قنوات رسمية باللغة الكردية أو السماح ببعض التدريس المحلي على كونها إصلاحات إدارية مضبوطة بسقف الدولة القومية الواحدة، دون أن ترقى أبداً إلى مرتبة الاعتراف الدستوري أو التشريعي بالشراكة القومية أو الحقوق الجماعية.
آليات التفاوض مع الكورد بمعزل عن البرلمان
يمكن للدولة التركية التفاوض أمنياً وسياسياً مع الكورد، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني، دون الرجوع الفوري أو المباشر إلى البرلمان، وذلك من خلال اعتمادها على الأجهزة الاستخباراتية والقنوات العسكرية والأمنية التي تدير المحادثات السرية والمباشرة بمعزل عن الرقابة التشريعية في مراحلها الأولى، حيث اعتمدت الدولة في تجارب التفاوض التاريخية والسابقة مثل محادثات أوسلو السرية وعملية الحل أو السلام على صيغة تولي السلطة التنفيذية والمخابرات إدارة الحوار بشكل كامل، مع إبقاء البرلمان خارج طاولات التفاوض المباشر لتجنب القيود الحزبية والسياسية ولحين الوصول إلى تفاهمات نهائية تتطلب غطاءً قانونياً، لتلجأ الدولة إلى البرلمان فقط في المراحل اللاحقة والحاسمة، لا كشريك تفاوض أو صانع قرار، بل كأداة تشريعية لتمرير القرارات، أو توفير الإطار القانوني لتنفيذ مخرجات الاتفاق مثل تشكيل لجان مراقبة أو قوانين العفو المشروط أو تسليم السلاح، مما يضمن سيطرة السلطة التنفيذية والمركزية على مجريات العملية السياسية برمتها.
عنصر “الاحتيال” والمناورة التشريعية في قرارات أمن الدولة
في ظل المشهد السياسي والتشريعي الحالي في تركيا، والنقاشات المستمرة حول مسارات التسوية المرتبطة بملف إنهاء النزاع، فإن فكرة وجود مناورة سياسية وقانونية في القرارات والتشريعات المتعلقة بالكورد تُعد واردة بقوة ومحط مخاوف مستمرة لدى الأوساط الكردية والمعارضة، حيث تعتمد السلطة التنفيذية والتشريعية تاريخياً وآنياً على صياغة قوانين أمنية ومكافحة إرهاب ذات مفاهيم مطاطية تتيح للدولة إعلان خطوات إصلاحية أو تسويات بينما تحتفظ بمخارج قانونية للانقلاب عليها وملاحقة الكورد عند تغير الظروف، ويُنظر إلى أي إطار تشريعي يُطرح بمعزل عن ضمانات دستورية حقيقية على أنه أداة تكتيكية مؤقتة لتحقيق أهداف أمنية مرحلية لنزع السلاح أو احتواء الاحتقان دون نية حقيقية لإحداث تحول ديمقراطي جذري يمنح الكورد حقوقهم القومية والسياسية، فضلاً عن غياب الضمانات المؤسسية المستقلة في ظل سيطرة السلطة التنفيذية وتراجع استقلالية القضاء والرقابة الدستورية، مما يجعل أي قانون يصدر لتنظيم العلاقة عرضة للتفسير الأحادي والمزاجي والتفريغ المضموني من قبل دوائر القرار المركزية
