محمد علي أحمد
يحتلّ يوسف نابي، المولود في أورفا سنة 1642 والمتوفى في إسطنبول سنة 1712، مكانة رفيعة في تاريخ الأدب العثماني، بوصفه أحد أبرز شعراء الديوان في القرن السابع عشر، وأهم ممثلي الاتجاه الذي عُرف في الدراسات الأدبية التركية باسم «الشعر الحكمي (Hikemî şiir)». وقد اقترنت شهرته بالشعر الذي يتجاوز الزخرفة اللفظية إلى التأمل في الإنسان والمجتمع والأخلاق والسياسة والمعرفة، حتى غدا اسمه في تاريخ الأدب العثماني مرادفاً تقريباً للنزعة الحكمية في الشعر.[1]
غير أن نابي لا يستحق أن يُقرأ بوصفه شاعراً عثمانياً فحسب، فأورفا، مسقط رأسه، كانت في القرن السابع عشر فضاءً ثقافياً ولغوياً شديد التداخل، تتجاور فيه التركية العثمانية والعربية والفارسية والكردية، وتتعايش فيه جماعات كردية وعربية وتركية وأرمنية وسريانية وغيرها، كما كانت تتقاطع فيها تقاليد دينية وثقافية متعددة، من الإسلام بمذاهبه المختلفة إلى المسيحية بتقاليدها وكنائسها المحلية. ولم يكن هذا التنوع مجرد وجود سكاني متجاور، بل كان جزءاً من المشهد الاجتماعي والثقافي للمدينة، التي شكلت موقعاً للتفاعل بين لغات وثقافات وذاكرات دينية مختلفة. ومن ثم فإن نشأة نابي في هذه البيئة تضع تكوينه المبكر ضمن فضاء حضاري متعدد، قبل انتقاله لاحقاً إلى إسطنبول ودخوله عالم الثقافة والدولة العثمانية.
ومن هنا اكتسبت شخصية نابي أهمية خاصة بالنسبة إلى الباحث في التاريخ الثقافي الكردي، حتى وإن كان نتاجه الأدبي الموثق قد وصل إلينا أساساً بالتركية العثمانية والفارسية. أما نسبته إلى الأصول الكردية، فتحتاج إلى تمييز منهجي بين ما تثبته المصادر التاريخية المبكرة وما استقر في الذاكرة الثقافية الحديثة، إذ لا تقدم المصادر الأساسية المتخصصة في حياته دليلاً حاسماً يسمح بتحويل هذه النسبة إلى حقيقة قطعية.[2]
أورفا والنشأة الأولى
ولد نابي في الرُّها، أي أورفا الحالية، سنة 1052هـ/1642م، واسمه يوسف، ثم اشتهر بلقبه الشعري «نابي». وتورد المصادر المتخصصة في سيرته أسماء أبيه وأجداده، فتذكر أن أباه كان سيد مصطفى، وجده سيد محمود، وجد أبيه سيد محمد باقر، ثم تذكر الشيخ أحمد النقشبندي في سلسلة النسب الواردة في بعض الروايات. كما تشير المصادر إلى وجود إخوة للشاعر، ومن بينهم سيد أحمد الذي ترك تسجيلاً مهماً على مخطوط من «الفتوحات المكية»، أسهم في توثيق بعض تفاصيل نسب الأسرة.[3]
قضى نابي طفولته وشطراً من شبابه في أورفا، وتلقى فيها تعليماً جيداً، ولا سيما في العربية والفارسية. وهذه المعلومة ذات أهمية خاصة عند محاولة فهم تكوينه الأدبي، إذ لم يبدأ مشروعه الشعري من التركية العثمانية وحدها، بل من بيئة علمية كانت العربية فيها لغة العلوم الدينية، والفارسية لغة أدبية راسخة، إلى جانب التركية التي ستصبح لاحقاً لغة إنتاجه الأدبي الأساسي.[4]
ولا نملك صورة تفصيلية يقينية عن كل مراحل شبابه في أورفا. فالمصادر المتأخرة تنقل روايات مختلفة حول حياته الأولى، فإحدى الروايات تربطه بشيخ صوفي يدعى يعقوب خليفة، وتقول إنه شجعه على التوجه إلى إسطنبول، بينما تروي رواية أخرى أنه اشتغل في أورفا بتحرير العرائض، وأن أحد المسؤولين المحليين لفت نظره إلى إمكانات الشاب ونصحه بالذهاب إلى العاصمة.[5]
ومهما يكن من أمر هذه الروايات، فإن الثابت أن نابي غادر أورفا في منتصف العشرينيات من عمره، ووصل إلى إسطنبول سنة 1666. وكانت هذه النقلة بداية التحول الكبير في حياته، من شاعر شاب في مدينة إقليمية إلى شاعر وموظف في قلب الدولة العثمانية.[6]
إسطنبول: الشاعر يدخل عالم الدولة
مثّلت إسطنبول بالنسبة إلى نابي فضاءً جديداً تماماً، ففيها التقى العلماء والكتاب والشعراء ورجال الإدارة، ودخل شيئاً فشيئاً في دوائر البلاط والدولة. وتشير المصادر إلى تعرفه إلى مصطفى باشا، أحد رجال الدولة المقربين من السلطان محمد الرابع، وإلى عمله كاتباً في ديوانه.[7]
ولم يكن العمل الإداري بعيداً عن تكوين نابي الأدبي. فقد أتاح له الاحتكاك بالوثائق والرسائل والإنشاء الديواني أن يطور أسلوباً لغوياً شديد الصلة بالتقاليد الكتابية العثمانية، كما وضعه في قلب عالم سياسي واجتماعي سيصبح لاحقاً مادة أساسية في شعره الحكمي.
وفي سنة 1672 شارك نابي في الحملة العثمانية على بولندا، وارتبط اسمه بفتح كامانيجه، فنظم «فتح نامه كامانيجه»، الذي يجمع بين التسجيل التاريخي والمعالجة الشعرية للحدث العسكري.[8] وفي سنة 1675 شهد احتفالات أدرنة بمناسبة ختان أبناء السلطان محمد الرابع، وهو الاحتفال الذي استمر أياماً طويلة، وسجل نابي وقائعه في «سورنامه»، أحد أشهر النصوص العثمانية في أدب الاحتفالات السلطانية.[9]
ومن خلال هذه الأعمال يظهر جانب آخر من شخصية نابي: فهو لم يكن شاعراً منعزلاً عن عصره، بل كان شاهداً على أحداثه السياسية والاجتماعية، يحول الوقائع إلى شعر، ويقرأ الاحتفال والسلطة والحرب ضمن منظومة أدبية وتاريخية واحدة.
رحلة الحج و«تحفة الحرمين»
أدى نابي فريضة الحج في أواخر سبعينيات القرن السابع عشر، وكانت الرحلة محطة مهمة في حياته الأدبية. فقد سجل مشاهداته وانطباعاته في كتاب «تحفة الحرمين»، الذي ينتمي إلى أدب الرحلة، ويمزج بين النثر والشعر.[10]
وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يكشف عن شاعر يتحرك بين عدة مستويات لغوية وثقافية. فالرحلة ليست مجرد تسجيل جغرافي للمنازل والطرق، وإنما تجربة دينية وأدبية، تتداخل فيها الذاكرة الشخصية مع الجغرافيا المقدسة ومع تقاليد أدب الرحلة الإسلامي.
كما أن مرور نابي بأورفا في سياق رحلته يضيف بعداً مهماً إلى علاقته بمدينته الأولى. فأورفا ليست مجرد مكان الميلاد في سيرته، وإنما نقطة ثابتة في ذاكرته الجغرافية والثقافية، وهو ما يجعل قراءة حياته من خلال المدينة أمراً ذا قيمة خاصة.[11]
حلب: مرحلة النضج الأدبي
بعد وفاة مصطفى باشا سنة 1687، انتقل نابي إلى حلب، حيث أمضى أكثر من عقدين، وكانت هذه أطول مرحلة مستقرة في حياته. وفي حلب تزوج، وأنجب ابنه أبا الخير، الذي سيصبح لاحقاً المخاطَب الأساسي في أشهر أعماله التعليمية، «الخيرية».[12]
وكانت حلب في تلك الفترة مركزاً تجارياً وثقافياً مهماً، وقد وفرت لنابي مجالاً للاستقرار والإنتاج الأدبي. وفي هذه المرحلة اكتمل نضج أسلوبه، واتخذ الشعر عنده منحى حكمياً واضحاً، يقوم على استخلاص العبرة من التجربة ومراقبة أحوال المجتمع.
وفي سنة 1701 نظم «الخيرية»، أو «خيرِي نامه»، لابنه أبي الخير. وهو عمل شعري تعليمي طويل، اتخذ فيه من النصيحة الأبوية إطاراً لمناقشة قضايا العلم والأخلاق والدين والسلوك والحياة الاجتماعية. وقد أصبح الكتاب واحداً من أشهر النصوص التعليمية في الأدب العثماني.[13]
وفي السنوات الأخيرة من حياته عاد نابي إلى إسطنبول، حيث كان اسمه قد أصبح معروفاً بين الشعراء والكتاب، وعاش فيها حتى وفاته سنة 1712، ودفن في مقبرة قراجة أحمد.[14]
ديوان نابي: ثراء الأشكال والموضوعات
يعد «ديوان نابي» أهم مصادر دراسة تجربته الشعرية. وقد صدر الديوان في تحقيق علي فؤاد بيلكان في مجلدين سنة 1997 عن وزارة التربية الوطنية التركية، وهو من أهم الأعمال الحديثة التي أتاحت قراءة نتاج نابي الشعري في صورة علمية واسعة.[15]
وتكشف النسخ التي اعتمدت عليها الدراسات عن ديوان شديد التنوع في الأشكال الشعرية. ففي إحدى النسخ التي اعتمد عليها بيلكان نجد 29 قصيدة، و888 غزلاً، وتركيب بند واحد، وخمسة تخميسات، و156 تاريخاً، وعشرة مثنويات، و114 قطعة، و218 رباعية، فضلاً عن المطالع والمفردات والمعميات والألغاز.[16]
وهذا التنوع مهم لأنه يبين أن نابي لم يكن أسير نوع شعري واحد. فالغزل حاضر بقوة، لكنه لا يستنفد تجربته، فالقصيدة تخدم المدح والتاريخ والتأمل، والقطعة تتيح له تسجيل الحكمة والملاحظة الاجتماعية، والمثنوية تمنحه مجالاً للسرد والتعليم، أما التاريخ الشعري فيربطه بالأحداث والأشخاص والمؤسسات.
ومن أشهر غزلياته ذلك النص الذي يقول فيه:
Bâğ-ı dehrin hem hazânın hem bahârın görmüşüz
Biz neşâtın da gamın da rûzgârın görmüşüz
أي: لقد رأينا في بستان الدنيا خريفه وربيعه، ورأينا في الزمن أفراحه وأحزانه.
وتكشف هذه الأبيات عن جوهر النزعة الحكمية عند نابي: فالتجربة الإنسانية عنده ليست لحظة عاطفية معزولة، وإنما حصيلة من التقلبات، ومن ثم فإن الشاعر يتحدث من موقع من «رأى» واختبر وعرف.[17]
وفي غزل آخر يقول:
Çok da magrûr olma kim meyhâne-i ikbâlde
Biz hezârân mest-i magrûrun humârın görmüşüz
أي: لا تغتر كثيراً، فقد رأينا في خمّارة الإقبال كثيراً من المغرورين وهم يعانون سُكر زوال حظهم.
وهنا تتحول صورة الخمر، وهي صورة مألوفة في شعر الديوان، إلى استعارة اجتماعية وأخلاقية، فالإقبال نفسه يصبح خمراً، والغرور حالة من السكر، وسقوط صاحب السلطة هو الصحو المؤلم بعد ذلك السكر.[18]
ومن الأبيات التي تظهر اهتمامه بالمعرفة والفنون قوله:
موسیقی حکمتـه دائر فندور
بیلنه بیلمیانه روشنـدور
وهو بيت يكشف عن نظرته إلى الموسيقى بوصفها مرتبطة بالمعرفة والحكمة، لا مجرد وسيلة للترفيه. وتذكر بعض الدراسات والمصادر المتعلقة بالتراث الموسيقي الأورفي أن اسم نابي ارتبط أيضاً بالموسيقى، وأن بعض الألحان نسبت إليه.
الشعر الحكمي ونقد المجتمع
إن أكثر ما يميز نابي هو هذا الانتقال من التعبير عن التجربة الفردية إلى قراءة المجتمع. فهو يراقب أصحاب السلطة والجاه، ويحذر من الغرور، وينبه إلى تقلّب الدنيا، ويمنح العلم والأخلاق مكانة مركزية.
وفي بيت آخر من شعره يقول:
Bir devlet içün çarha temennâdan usanduk
Bir vasl içün ağyâra müdârâdan usanduk
وهو بيت يعبر عن ضجر الشاعر من طلب الحظ ومن مجاملة الآخرين من أجل بلوغ غاية شخصية. وهذا الحس النقدي هو أحد الأسباب التي جعلت نابي مؤثراً في شعراء جاءوا بعده، حتى أمكن الحديث عن «مدرسة نابي» في الشعر الحكمي.[19]
ولا ينفصل هذا الاتجاه عن تجربته المهنية. فقد عاش داخل مؤسسات الدولة، ورأى عن قرب صعود رجال السلطة وسقوطهم، واختبر علاقة الشاعر بالوالي والوزير والبلاط. ولذلك تبدو حكمته في كثير من الأحيان نابعة من تجربة اجتماعية وسياسية مباشرة، لا من تأمل فلسفي مجرد.
«الخيرية»: من النصيحة الأبوية إلى نقد المجتمع
تحتل «الخيرية» مكانة استثنائية في نتاج نابي. فالكتاب، واسمه الأصلي «خيرِي نامه»، نظم سنة 1701 لابنه أبي الخير، واتخذ شكل المثنوي التعليمي.[20]
وقد جمع نابي فيه بين التربية الدينية والأخلاقية والنصيحة العملية. فهو يحث ابنه على العلم، ويشرح له قيمة المعرفة، ويحذره من رذائل اجتماعية مختلفة، ويناقش قضايا تتصل بالمكانة والوظيفة والمال والصداقة والسلطة.
ومن المواضع اللافتة في الكتاب حديثه عن إسطنبول بوصفها مركز العلم والحرفة والمكانة الاجتماعية:
‘İlm ile maʻrifete cây-ı kabûl
Olmaz illâ ki meğer İstanbul
أي إن بلوغ مكانة القبول في العلم والمعرفة لا يكون ــ في نظر الشاعر ــ إلا في إسطنبول.
وهذا البيت مهم من زاوية السيرة المهنية، فهو يكشف عن إدراك نابي لمركزية العاصمة في النظام الثقافي العثماني، وعن اعتقاده بأن الموهبة تحتاج إلى فضاء مؤسسي لكي تجد الاعتراف.[21]
وقد أولى الباحث محمود كابلان «الخيرية» دراسة نقدية مهمة، صدرت في أنقرة سنة 1995، وهي من المراجع الأساسية لفهم بنية العمل ورؤية نابي إلى العلم والتصوف ومؤسسات الدولة والشعر.[22]
«خير آباد» والتفاعل مع التراث الفارسي
يمثل «خير آباد» جانباً آخر من موهبة نابي. وهو مثنوية سردية استند فيها الشاعر إلى حكاية ذات أصل فارسي، ووسعها وأعاد تشكيلها ضمن تقاليد الشعر العثماني.[23]
وتكشف هذه المثنوية عن مدى حضور التراث الفارسي في تكوين نابي. فالكاتب لا يتعامل مع الفارسية بوصفها لغة أجنبية عن تجربته، وإنما بوصفها جزءاً أصيلاً من الثقافة الأدبية التي تلقاها منذ شبابه. وقد تناولت الدراسات «خير آباد» بالتفصيل، ومنها دراسة مسرّت ديريوز التي خصصت للعمل صفحات واسعة.[24]
وهذا التفاعل بين الفارسية والتركية مهم أيضاً عند مقاربة نابي من منظور التاريخ الثقافي الكردي، لأن المنطقة التي نشأ فيها كانت جزءاً من مجال حضاري تشاركت فيه هذه اللغات أدواراً مختلفة. ومن الخطأ إسقاط الحدود القومية الحديثة على هذا الواقع الثقافي المتعدد.
نابي والكردية: سؤال يحتاج إلى توثيق لا إلى افتراض
هنا ينبغي التوقف عند المسألة التي تهم القارئ الكردي بصورة مباشرة: هل كان نابي شاعراً كردياً؟ وهل ترك نتاجاً أدبياً بالكردية؟
السؤال الأول لا يمكن حسمه بالسهولة التي توحي بها بعض الكتابات الحديثة. فالمصادر الأساسية في سيرته – القديمة منها على وجه التحديد – تذكر ولادته في أورفا ونسبه الأسري، لكنها لا تقدم، في صورتها التي أمكن التحقق منها، دليلاً حاسماً على تعريفه قومياً بوصفه كردياً.[25]
أما السؤال الثاني فهو أوضح من الناحية الوثائقية. فالمصادر والفهارس التي توثق أعمال نابي تقدم ديوانه بوصفه عملاً بالتركية العثمانية، مع وجود قسم فارسي مستقل داخل التراث الشعري المنسوب إليه، يعرف باسم «ديوانجة الغزليات الفارسية»، كما أن «الخيرية» مفهرسة بوصفها عملاً تركياً عثمانياً، وكذلك الأعمال الأخرى التي وصلت إلينا في نسخ مخطوطة أو طبعات علمية.
وبناء على ذلك، لا يصح ــ في الوقت الراهن ــ الحديث عن «ديوان كردي لنابي» أو عن نتاج كردي واسع له، ما لم تظهر مخطوطات أو مصادر مبكرة تثبت ذلك.
وهذا لا يعني بالضرورة أن نابي لم يكن كردياً أو لم يعرف الكردية أو لم يستخدمها في حياته اليومية. فالمعرفة الشفوية بلغة البيئة شيء، وترك نتاج أدبي مكتوب بها شيء آخر. لكن الباحث لا يستطيع أن يحول الاحتمال اللغوي إلى حقيقة أدبية من دون نصوص وشواهد.
إشارة محمد أمين زكي إلى كردية نابي
وتكتسب مسألة أصل نابي أهمية إضافية عند الرجوع إلى مؤرخ كردي بارز في القرن العشرين هو محمد أمين زكي بك، الذي خصص لنابي ترجمة مستقلة في كتابه «مشاهير الكرد وكردستان». ففي ترجمته التي حملت عنوان «نابي يوسف أفندي»، يصف زكي نابي صراحة بأنه «الشاعر الكردي الشهير»، ويذكر أنه من أورفا. كما ينسب إلى السجل العثماني القول بأن نابي يوسف، الشاعر الكردي الشهير، كان أورفلياً. ويضيف أن نابي كان كاتباً وشاعراً بارعاً، وأنه كان يتقن اللغات الشرقية الثلاث، وأن من آثاره المعروفة أعمالاً مثل «تحفة الحرمين» و«الخيرية» و«خبر آباد» و«ديوان نابي» .[26]
ولا يقتصر الأمر عند أمين زكي على الوصف النثري، بل ينقل بيتاً تركياً ينسبه إلى نابي، يقول فيه:
Nâbîyi Nâbî eden hüsn-i nazar
Urfa Kürdünde zarâfet ne gezer
أي، في ترجمة تقريبية:
«الذي جعل نابي نابيا هو حسن النظر
فمن أين تأتي اللباقة لكردي من أورفا؟»
ويكتسب هذا البيت أهمية خاصة في سياق البحث في علاقة نابي بأورفا وبالوسط الكردي، لأنه يتضمن إحالة صريحة إلى «كرد أورفا»، وإن كان تفسير البيت وسياقه الأدبي يحتاج إلى دراسة مستقلة قبل استخدامه دليلاً مباشراً على هوية الشاعر.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع شهادة أمين زكي بمنهجية تاريخية دقيقة. فهو مؤرخ كردي من القرن العشرين، وكتابه «مشاهير الكرد وكردستان» صدر في منتصف القرن العشرين، أي بعد وفاة نابي بأكثر من قرنين. ومن ثم فإن شهادته تمثل مصدراً تاريخياً متأخراً على كيفية تصنيف نابي في الذاكرة والتاريخ الكردي الحديث، ولا تعادل من حيث القيمة الزمنية شهادة معاصرة لنابي أو وثيقة تعود إلى القرن السابع عشر. لكن أهميتها تظل كبيرة، ولا سيما أنه لا يورد نابي في قائمة عابرة، وإنما يخصص له ترجمة مستقلة ويصنفه صراحة ضمن الشخصيات الكردية.
ورغم أن المصادر العثمانية الأساسية التي تتناول حياته ونسبه لا تقدمه، بحسب ما يظهر من الدراسات الحديثة المعتمدة، بوصفه «كردياً» بصورة صريحة؛ غير أن أمين زكي، الذي يمثل مصدراً كردياً تاريخياً مهماً ومتقدماً نسبياً، يقدمه صراحة باعتباره شاعراً كردياً. ولذلك فإن الصورة الأدق ليست إثبات كردية نابي بصورة قطعية، ولا نفيها، وإنما القول إن هناك تقليداً تاريخياً كردياً واضحاً، يعود على الأقل إلى محمد أمين زكي في القرن العشرين، يصنف نابي ضمن الشعراء الكرد.
البيت الكردي المنسوب إلى نابي
توجد، مع ذلك، رواية شعبية متأخرة تنسب إلى نابي بيتاً كردياً، وتربطه بحكاية عن ضائقة مالية تعرض لها الشاعر. ويُتداول البيت في الصورة الآتية:
Weyeke Nâbî, dixwe nan û henar،
Kîrê walî dikim, dîya defterdar.
وتروي الحكاية أن نابي كان يأكل الخبز والرمان حين جاءه من يخبره بأن الوالي يطلبه، وأنه سيعيده إلى وظيفته، فقال البيت ساخراً من الموقف.
غير أن هذا النص يختلف جذرياً عن نصوص نابي المثبتة في دواوينه ومخطوطاته. فلا يظهر ــ في المصادر العلمية الأساسية التي أمكن الرجوع إليها ــ ضمن ديوانه، ولا يوجد، بحسب ما تحققنا منه، شاهد مخطوطي قديم يثبت نسبته إليه.
لذلك فإن المنهج العلمي يقتضي تقديمه على أنه بيت كردي منسوب إلى نابي في رواية شعبية متأخرة، لا على أنه نص أصيل ثابت النسبة.
لكن الرواية نفسها تظل ذات قيمة ثقافية، فهي تكشف أن نابي بقي حاضراً في الذاكرة المحلية لأورفا، وأن هذه الذاكرة لم تكن تنظر إليه بالضرورة من خلال اللغة التي كتب بها ديوانه، بل من خلال شخصيته ومكانته وصلته بالمدينة.
نابي بين اللغات والهويات
ربما يكون من الأفضل، بدلاً من السؤال التقليدي: «هل نابي كردي أم عثماني؟»، أن نسأل: كيف أسهم أبناء البيئات الكردية في إنتاج الثقافة العثمانية بلغات متعددة؟
هذا السؤال يضع نابي في سياقه التاريخي الحقيقي. فمدينة أورفا لم تكن فضاءً أحادي اللغة، والثقافة التي تلقاها الشاعر لم تكن منفصلة عن العربية والفارسية. وحين انتقل إلى إسطنبول، دخل مؤسسة سياسية وثقافية كانت التركية العثمانية لغتها الأدبية والإدارية الأساسية.
وبذلك يمكن فهم نابي بوصفه نموذجاً لشخصية نشأت في بيئة محلية متعددة اللغات، ثم أسهمت في ثقافة إمبراطورية واسعة. وإذا ثبت في دراسات مستقبلية على أساس وثائق جديدة وجود أصل كردي لعائلته، فإن ذلك سيضيف بعداً مهماً إلى تاريخ الثقافة الكردية، لكنه لن يغير حقيقة أن نتاجه الأدبي المعروف وصل إلينا أساساً بالتركية العثمانية والفارسية.
ومن هنا يمكن أن يكون نابي موضوعاً مهماً للدراسات الكردية حتى من دون اختزاله في «شاعر كردي». فدراسة موقعه تفتح الباب أمام تاريخ أوسع: تاريخ المثقفين القادمين من المدن والمناطق الكردية الذين كتبوا بالعربية أو الفارسية أو التركية، وأسهموا في ثقافات متعددة، قبل أن تصبح اللغة القومية المعيار الأساسي لتعريف الأدب والكاتب.
كما يمكن العثور على صلة عميقة بين نابي وبعض التقاليد الشعرية الكردية الكلاسيكية في عصره، حتى من دون أن يكون ثمة تأثير مباشر مثبت بينه وبين شعراء كرد مثل أحمد خاني. فقد كان خاني نفسه يكتب في بيئة ثقافية إسلامية مشتركة، ويستثمر العروض والمصطلحات والصور الشعرية التي كانت عابرة للغات. لكن الفرق الجوهري أن خاني ترك لنا موروثاً كردياً واضحاً ومثبتاً، بينما لا نملك الشيء نفسه في حالة نابي.
ومن المفيد في هذا السياق ألا نخلط بين الشخصيتين. فأحمد خاني يمثل إحدى القمم المؤسسة للأدب الكردي المكتوب، بينما يمثل نابي إحدى القمم الكبرى للأدب العثماني. كلاهما ابن منطقة ثقافية متقاربة زمنياً وجغرافياً، وكلاهما يستخدم الإرث الإسلامي والفارسي والعربي، لكنهما اختارا مسارين لغويين مختلفين. وهذا الاختلاف نفسه جزء من تاريخ المنطقة، وليس سبباً لمحو أحد المسارين لصالح الآخر.
خاتمة
يوسف نابي شاعر كبير خرج من أورفا ليصبح واحداً من أبرز شعراء الأدب العثماني. وقد عاش بين أورفا وإسطنبول وحلب، وعمل في محيط الدولة، وشارك في أحداثها، وكتب في الحرب والرحلة والاحتفال والتاريخ، لكنه ترك أثره الأعمق في الشعر الحكمي الذي جعل من التجربة الإنسانية والأخلاق ونقد المجتمع مادة أساسية للشعر.
وتكشف أعماله، من «الديوان» إلى «الخيرية» و«خير آباد» و«تحفة الحرمين» و«سورنامه»، عن شاعر واسع الثقافة، متعدد الاهتمامات، شديد الوعي باللغة والمعنى، ومتصلاً في الوقت نفسه بالتقاليد العربية والفارسية والتركية التي شكلت الثقافة العثمانية.
أما علاقته بالأدب الكردي، فتحتاج إلى قدر أكبر من الدقة والبحث. فأورفا وبيئتها الثقافية تضعانه بوضوح في فضاء تتقاطع فيه الكردية والعربية والفارسية والتركية، وتوجد كتابات حديثة تربط شخصيته بالوسط الكردي، لكن المصادر الأساسية التي أمكن التحقق منها لا تثبت له، حتى الآن، نتاجاً كردياً أدبياً مستقلاً. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لاستعادة نابي في السياق الكردي قد لا تكمن في تحويله قسراً إلى شاعر كردي، وإنما في فهم ذلك التاريخ الثقافي المركب الذي جعل شاعراً من أورفا واحداً من أعلام الأدب العثماني.
ولعل هذه المسافة نفسها بين نابي الشاعر العثماني ونابي الذي بقي حاضراً في الذاكرة المحلية والكردية هي ما يجعل شخصيته جديرة بمزيد من البحث، فهي تذكرنا بأن تاريخ الأدب في هذه المنطقة لم يكن تاريخ لغات منفصلة، بل تاريخ تفاعل مستمر بين لغات وثقافات وذاكرات متجاورة.
الهوامش
1. عبد القادر قره خان، Nâbî، ط1، Kültür ve Turizm Bakanlığı Yayınları، أنقرة، 1987، ص 5–10، وانظر أيضاً: عبد القادر قره خان، «Nâbî»، İslâm Ansiklopedisi، ج9، إسطنبول، 1964، ص 6–7.
2. مسرّت ديريوز، Eserlerine Göre Nâbî، ط1، Fey Vakfı، إسطنبول، 1994، ص 32 وما بعدها.
3. مسرّت ديريوز، Eserlerine Göre Nâbî، ط1، Fey Vakfı، إسطنبول، 1994، ص 32. وانظر كذلك: عبد القادر قره خان، «Nâbî»، Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، ج32، إسطنبول، 2006، ص 258–260.
4. عبد القادر قره خان، Nâbî، ط1، Kültür ve Turizm Bakanlığı Yayınları، أنقرة، 1987، ص 10–15.
5. عبد القادر قره خان، «Nâbî»، Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، ج32، إسطنبول، 2006، ص 258.
6. المصدر نفسه، ص 258، وانظر أيضاً: مسرّت ديريوز، Eserlerine Göre Nâbî، ص 32–40.
7. عبد القادر قره خان، «Nâbî»، Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، ج32، إسطنبول، 2006، ص 258–259.
8. علي فؤاد بيلكان، Nâbî Dîvânı، ط1، وزارة التربية الوطنية التركية، أنقرة، 1997، ج1، ص 172–178.
9. آغاه صِرّي لَفَند، Nâbî’nin Surnâmesi، ط1، İnkılâp Kitabevi، إسطنبول، 1944، ص 1 وما بعدها.
10. م. محسن قلقشيم، Nâbî’nin Tuhfetü’l-Harameyn’i، رسالة ماجستير، معهد العلوم الاجتماعية، جامعة أتاتورك، أرضروم، 1988. وانظر كذلك: سلَامي توران، Nâbî, Tuhfetü’l-Haremeyn (İnceleme-Metin)، رسالة ماجستير، معهد العلوم الاجتماعية، جامعة إرجييس، قيصري، 1995.
11. م. محسن قلقشيم، Nâbî’nin Tuhfetü’l-Harameyn’i، رسالة ماجستير، معهد العلوم الاجتماعية، جامعة أتاتورك، أرضروم، 1988، وانظر كذلك: عبد القادر قره خان، «Nâbî»، Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، ج32، إسطنبول، 2006، ص 258–260.
12. مسرّت ديريوز، Eserlerine Göre Nâbî، ط1، Fey Vakfı، إسطنبول، 1994، ص 40–55.
13. محمود كابلان، Hayriyye-i Nâbî: İnceleme-Metin، ط1، مركز أتاتورك الثقافي، أنقرة، 1995، ص 41–42.
14. عبد القادر قره خان، «Nâbî»، Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، ج32، إسطنبول، 2006، ص 259–260.
15. علي فؤاد بيلكان، Nâbî Dîvânı، ط1، وزارة التربية الوطنية، أنقرة، 1997، ج1–2.
16. علي فؤاد بيلكان، Nâbî Dîvânı، ط1، وزارة التربية الوطنية، أنقرة، 1997، ج1، ص 172–178، وانظر أيضاً: «NÂBÎ, Yûsuf Nâbî Efendi»، Türk Edebiyatı İsimler Sözlüğü، جامعة أحمد يسوي، حيث تورد تفصيل عدد الأنواع الشعرية في النسخة المعتمدة من الديوان.
17. علي فؤاد بيلكان، Nâbî Dîvânı، ط1، وزارة التربية الوطنية، أنقرة، 1997، ج1، ص 664
18. المصدر نفسه، ص 664.
19. علي فؤاد بيلكان، Nâbî Dîvânı، ط1، وزارة التربية الوطنية، أنقرة، 1997، ج1، ص 756، وانظر كذلك: علي فؤاد بيلكان، «Nâbî’nin Hayrînâme Adlı Eseri»، Millî Kültür، العدد 71، 1990، ص 52.
20. محمود كابلان، Hayriyye-i Nâbî: İnceleme-Metin، ط1، مركز أتاتورك الثقافي، أنقرة، 1995، ص 41–42. (
21. المصدر نفسه، ص 107–120.
22. المصدر نفسه، ص 86–120.
23. عبد القادر قره خان، «Hayrâbâd»، Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، ج17، إسطنبول، 1998، ص 54–55.
24. مسرّت ديريوز، Eserlerine Göre Nâbî، ط1، Fey Vakfı، إسطنبول، 1994، ص 137–146.
25. مسرّت ديريوز، Eserlerine Göre Nâbî، ط1، Fey Vakfı، إسطنبول، 1994، ص 32؛ عبد القادر قره خان، «Nâbî»، Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، ج32، إسطنبول، 2006، ص 258. لا تقدم هذه المراجع الأساسية المتخصصة في سيرة نابي تعريفاً قومياً كردياً صريحاً له، وإنما توثق مولده في أورفا ونسب أسرته. ويقابل ذلك مصدر كردي متأخر هو محمد أمين زكي بك، الذي يصف نابي صراحة بأنه «الشاعر الكردي الشهير» ويذكر أنه من أورفا.
26. انظر: محمد أمين زكي بك، مشاهير الكرد وكردستان، الجزء الثاني، ص 163.
