مات إلتون
ترجمة: كيڤورك خاتون وانيس
يُعتبر ميخائيل غورباتشوف شخصية مثيرة للجدل، فهو يحظى باحترام في الغرب، لكنه يُدان في كثير من الأحيان في موطنه الأصلي. بعد وفاته في أغسطس 2022، تحدث الصحفي مات إلتون مع ثلاثة خبراء – ديفيد رينولدز، وكريستينا سبور، وإيفان ماودسلي – لمعرفة آرائهم حول مسيرة وإرث الزعيم الأخير للاتحاد السوفيتي على الصعيد العالمي.
ديفيد رينولدز: أستاذ التاريخ الدولي في جامعة كامبريدج. من مؤلفاته كتاب “تجاوز الحرب الباردة: القمم، وفن الحكم، وتفكك الثنائية القطبية في أوروبا، 1970-1990”
كان ميخائيل غورباتشوف مثالاً كلاسيكياً للمصلح الذي أشعل فتيل الثورة دون قصد. فعندما تولى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي في مارس/آذار 1985، عن عمر يناهز 54 عامًا، بدا وكأنه نسمة هواء منعشة بعد قادة الماضي المنهكين. ولكن كما حدث مع النظام القديم في فرنسا في ثمانينيات القرن الثامن عشر، أدت محاولته لتحديث الحزب والدولة إلى انهيار النظام برمته، ثم أنجبت ديكتاتوراً إمبريالياً.
كان الشعار الطنان uskoreniye أو التسريع هو ما استهل به غورباتشوف عهده بهدف كسر الجمود الاقتصادي دون الخروج عن عباءة الاقتصاد الموجه لسيادة الدولة. لكن عدم تحقيق تقدم ملموس أجبره على الانتقال إلى مرحلة هيكلية أعمق شملت الحزب والصناعة (البيريسترويكا)، الأمر الذي استدعى مناخاً من الانفتاح والشفافية (الغلاسنوست).
كان انفجار محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية في أوكرانيا (التي كانت آنذاك إحدى الجمهوريات السوفيتية) في أبريل/نيسان 1986 بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة، إذ أطلق هذا الانفجار كميات من المواد المشعة في الغلاف الجوي تفوق ما أطلقته القنبلتان الذريتان اللتان ألقتهما الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما وناغازاكي عام 1945. وقد غيّر هذا الانفجار السياسة الداخلية والخارجية جذرياً، وفجّر موجة احتجاجات ضد التلوث البيئي المخيف الذي تسبب فيه الاتحاد السوفيتي، مما غذّى حراكاً سياسياً أوسع.
وقد قوّض هذا الانفجار مساعي غورباتشوف الحثيثة لتطوير الطاقة النووية لتعويض اعتماد الاتحاد السوفيتي على النفط والغاز الطبيعي، مما أدى إلى تآكل الاستقرار الاقتصادي في الوقت الذي بدأ فيه محاولاته المتعثرة لإنشاء “اقتصاد سوق منظم”. كما عزّز هذا الانفجار عزمه على تخفيف عبء التسلح على الاقتصاد من خلال اتفاقيات مع الولايات المتحدة، والتي تحققت في معظمها بفضل تنازلات سوفيتية كبيرة. ومع ذلك، فقد اكتسب غورباتشوف إحساساً جديداً بأننا “نعيش في عالم معرض للمخاطر” ولكنه “مترابط”، وهو شعور لم يفارقه قط.
في عامي 1988 و1989، تبنى غورباتشوف نهجًا ديمقراطيًا حذرًا. إذ أقرّ مؤتمر استثنائي للحزب الشيوعي السوفيتي إجراء انتخابات تنافسية ووضع حدودًا لفترات ولاية المناصب، بهدف ضخ دماء جديدة في الحزب الحاكم. وكان من بين المنتخبين بوريس يلتسين، حليف غورباتشوف الذي تحول إلى ناقد له، والذي فاز بمقعد خاص على مستوى مدينة موسكو. تلا ذلك في عام 1990، إلغاء الدور القيادي للحزب الشيوعي السوفيتي من الدستور، واستحداث منصب رئاسة مستقلة للاتحاد السوفيتي.
أراد غورباتشوف فصل الحزب عن الدولة لزيادة كفاءة الأخيرة، لكنه استمر في قيادة كليهما. لم يفتح باب الانتخابات الديمقراطية أمام الرئاسة، ولم يسعَ إلى كسر شوكة المحافظين داخل الحزب الشيوعي السوفيتي، فكان افتقاره إلى المصداقية الديمقراطية وقاعدة السلطة الراسخة سببًا في سقوطه في نهاية المطاف. بحلول نهاية عام 1989، حوّلت الدول التابعة للاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية “التفكير الجديد” لغورباتشوف وشعاره “البيت الأوروبي المشترك” إلى حقبة جديدة لما بعد الشيوعية. كما نالت الجمهوريات السوفيتية حكماً ذاتياً أوسع، لا سيما في القوقاز ودول البلطيق: لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، التي كانت قد تحررت من الإمبراطورية القيصرية بعد عام 1918، قبل أن يضمها ستالين مجدداً عام 1944.
مع ذلك، فإن العملاق النائم الحقيقي كان هو روسيا نفسها، التي تُشكّل ما يقرب من 80% من مساحة الاتحاد السوفيتي، وتعد مصرفه الرئيسي؛ إذ أصبح يلتسين زعيمها، محققاً فوزاً ساحقاً في انتخابات يونيو 1991. ورغم كونه زعيماً حزبياً تقليدياً يمارس السياسة الشعبوية، إلا أنه كان يتمتع بقاعدة سياسية متينة ومصداقية ديمقراطية افتقر إليهما غورباتشوف بشكل واضح. لم يؤدِ الانقلاب المحافظ الفاشل في آب / أغسطس من ذلك العام إلا إلى تسريع تفكك الاتحاد الذي بات حتمياً. وشملت مراسم احتضاره الأخيرة في ديسمبر 1991 استفتاءً صوّت فيه 92% من الناخبين الأوكرانيين لصالح الاستقلال.
أشعل غورباتشوف فتيل ثورة عارمة لم يستطع السيطرة عليها. لكن مع تحوّل الإصلاح إلى ثورة في الفترة بين عامي 1989 و1991، لم يلجأ إلى القوة، باستثناء فترة وجيزة في دول البلطيق في يناير/كانون الثاني 1991. لذا، فهو يقف في تناقض صارخ مع ما قام به قادة الصين الشيوعيين في ساحة تيان آن مَن في يونيو/حزيران 1989 (مجزرة نفذتها الحكومة الصينية لقمع مظاهرات طلابية شَغَلت ساحة تيان آن من في بكين خلال عام 1989- المترجم) ، بل وأكثر من ذلك مع محاولة فلاديمير بوتين الوحشية في عام 2022 لاستعادة الإمبراطورية الروسية المفقودة. ولعلّ كيفية تخليد ذكرى غورباتشوف تتوقف، إلى حد كبير، على قدرة أوكرانيا على الحفاظ على استقلالها وسلامة أراضيها.
كريستينا سبور: أستاذة التاريخ الدولي في كلية لندن للاقتصاد. وهي، إلى جانب ديفيد رينولدز، محررة كتاب “تجاوز الحرب الباردة: القمم، وفن الحكم، وتفكك الثنائية القطبية في أوروبا، 1970-1990”
إن إرث غورباتشوف معقّد، وتقييم إنجازاته يعتمد على زاوية الرؤية. فبينما تنتقده الصين بشدة لتخليه عن مبادئه الأيديولوجية، وتنتقده دول البلطيق لعرقلته جهودها لاستعادة استقلالها الوطنية، يُبجّله الغرب لإدارته السلمية لنهاية الحرب الباردة.
ومن خلال أفعاله، المتجذرة في مزيج من المثالية والواقعية، نُظر إليه كصانع سلام وحامٍ له في زمن الاضطرابات الثورية. فقد سمح بحريات جديدة في الداخل، كحرية التعبير وحرية المعتقد، بل وتسامح في نهاية المطاف مع حق تقرير المصير داخل الاتحاد السوفيتي – وإن كان ذلك على حساب منصبه. في كل هذا، كان غورباتشوف المحرك الرئيسي للتغيير. هذا لا ينفي أهمية المتغيرات العالمية التي كانت تحدث منذ أواخر السبعينيات – في التوازن العسكري، والاقتصاد، والتكنولوجيا، وتزايد أهمية الإرادة الشعبية – لكن غورباتشوف هو من أحدث تغييرًا جذريًا في الشؤون الأوروبية والعالمية.
لتحقيق النجاح في الداخل، اعتقد غورباتشوف أنه بحاجة إلى تهيئة بيئة دولية مستقرة ومعالجة التوسع الإمبراطوري للاتحاد السوفيتي. ولتحقيق هذه الغاية، تفاوض على معاهدات الحد من الأسلحة النووية والتقليدية مع الرئيسين الأمريكيين رونالد ريغان وجورج بوش الأب. ومنح الحكم الذاتي لحكومات شرق ووسط أوروبا، مما ساهم في إزاحة الستار الحديدي الذي قسّم القارة لأكثر من أربعين عامًا.
كانت ألمانيا من بين الدول التي لاقت فيها تصرفات غورباتشوف استحسانًا كبيرًا. فبعد السقوط المدوي لجدار برلين، نظر غورباتشوف – الذي استقبله الألمان الشرقيون والغربيون بحماسة عارمة منذ صيف عام 1989 – إلى مسألة إعادة التوحيد كمسار طبيعي للتاريخ. واضطر، بالتعاون مع قادة ألمانيا الشرقية والغربية، إلى مواجهة العديد من المشكلات المعقدة، بما في ذلك مصير 380 ألف جندي من الجيش الأحمر المتمركزين في ألمانيا الشرقية، ومتى وكيف سيتخلى الاتحاد السوفيتي عن الامتيازات السيادية التي كان يتمتع بها الحلفاء هناك.
وفي نهاية المطاف، وافق غورباتشوف على التنازل عن حقوق الاتحاد السوفيتي بصفته منتصراً في الحرب العالمية الثانية، ومنح الألمان حقهم في تقرير المصير. واتُفق على أن تنال ألمانيا الموحدة سيادتها الكاملة، لتصبح حرّة في اختيار تحالفها، وهو ما أسفر عن بقاء جمهورية ألمانيا الاتحادية الجديدة الأكبر حجمًا عضوًا في حلف الناتو. كما تضمن نص معاهدة عام 1990، التي أعادت رسميًا توحيد ألمانيا، أحكامًا والتزامات خاصة بأراضي ألمانيا الشرقية السابقة.
في مقابل استعداده للتنازل بشأن هذه النقاط، منح المستشار الألماني هيلموت كول غورباتشوف، كجزء من محادثاتهما الثنائية في القوقاز في يوليو من ذلك العام، حزمة مالية تقارب 80 مليار مارك ألماني على شكل قروض ومساعدات اقتصادية، والتي من شأنها أيضًا تمويل انسحاب الجيش الأحمر، المقرر إتمامه بحلول عام 1994. وبفضل الثقة المتبادلة والرغبة الصادقة في إيجاد حلول وسط مقبولة للطرفين، تحقق السلام أخيراً في بؤرة الصراع السابقة للحرب الباردة. بعد ثورات أوروبا الشرقية عام 1989 والتوصل إلى تسوية نهائية مع ألمانيا، حظي غورباتشوف بحلول خريف عام 1990، بإشادة واسعة لإنهاء “الإمبراطورية المفروضة قسراً”.
آمن غورباتشوف بالتقارب التدريجي بين الشرق والغرب، لكن في الواقع، بدت إصلاحاته أشبه بمحاولة سوفيتية للحاق بالغرب. لم ينجح التحول النهائي في عامي 1990-1991 من نظام الحزب الواحد إلى التعددية السياسية، وكلما ازداد انزلاق البلاد في الفوضى، تضاءل النفوذ الدولي السوفيتي. ومع تزايد التحديات واجهها من قبل المتشددين الشيوعيين وغلاة الإصلاحيين الليبراليين، انتهى المطاف بالرجل الذي تبنى التغيير الجذري ورفض فرض إرادته بالوسائل الاستبدادية أو القسرية شاهداً على تفكك دولته وانهيارها.
لم يصل غورباتشوف قط إلى مرحلة إعادة بناء الاتحاد السوفيتي بشكل حقيقي، لأن شعبه انقلب في النهاية على زعيمه وعلى البنية الشيوعية القديمة، وأدار ظهره ببساطة لما كان يُعرف بالاتحاد السوفيتي. كانت تلك مأساته؛ فلم يكن غورباتشوف، قبل كل شيء، زعيمًا روسيًا عاديًا. إذ فتح الاتحاد السوفيتي على أوروبا والعالم، وجعل الروس أكثر حرية من أي وقت مضى.
ومع أنه لم ينجح في الحفاظ على تماسك الاتحاد، إلا أنه استطاع من خلال سياساته السلمية القائمة على القيم، تجاوز العداوات القديمة وتعزيز مصالحة حقيقية في حقبة ما بعد الحرب. وبفضله، أطلق الشعب الروسي العنان لأحلامه في نيل فرص لم تكن تخطر على بال، تزامناً مع بزوغ فجر حقبة جديدة أكثر سلامًا بعد سقوط الجدار.
إيفان ماودسلي: باحث وبروفيسور في جامعة غلاسكو. من مؤلفاته: “النخبة السوفيتية من لينين إلى غورباتشوف: اللجنة المركزية وأعضاؤها، 1917-1991”
كانت التعليقات التي صدرت في الغرب عقب وفاة غورباتشوف إيجابية للغاية، وإن لم تكن دقيقة تماماً. يُنسب إلى الرئيس السوفيتي السابق الفضل في إسقاط النظام الشيوعي، رغم أن ذلك لم يكن هدفه الحقيقي، ولم يكن يرغب في تفكك الاتحاد السوفيتي متعدد الجنسيات. ويمكن القول، بدقة أكبر، إنه ساهم في إنهاء الحرب الباردة وسباق التسلح الذي لم يكن بمقدور روسيا الفوز به. وبصفته واقعيًا، فقد أقرّ أيضًا بأن نفوذ الاتحاد السوفيتي في الدول المجاورة، ولا سيما في ألمانيا، لا يمكن أن يستمر. وبذلك أحدث تغييرًا جذريًا في التاريخ الأوروبي.
أما في روسيا، فتتسم النظرة إلى غورباتشوف بمزيد من الانتقاد. فقد أدان الرئيس الحالي فلاديمير بوتين مراراً وتكراراً تصرفات سلفه، ولم يُقم له جنازة رسمية. ومن الصعب تقييم آراء عامة الناس في الاتحاد السوفيتي السابق، في ظل غياب استطلاعات رأي موثوقة، ولكن من الإنصاف القول إن الحنين إلى غورباتشوف ليس ظاهرة جماهيرية.
إن سنوات إصلاحاته الخمس قد مضت عليها ما يقارب الـ 35 عاماً، ما يعني أن حتى الروس الذين هم في الخمسينيات من عمرهم اليوم لا يتذكرون إلا القليل عن المحاولات التي جرت آنذاك، ناهيك عن صورة الاتحاد السوفيتي “القديم” في عهد القادة الشيوعيين ليونيد بريجنيف ويوري أندروبوف وقسطنطين تشيرنينكو. يتبنى العديد من سكان روسيا الاتحادية وجهة نظر قومية، تغذيها وسائل الإعلام الحكومية التي تُركز على المخاطر القادمة من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. كما يلقي الكثيرون باللوم على غورباتشوف في المصاعب الاقتصادية التي شهدتها روسيا في حقبة التسعينيات، مع أن هذه المصاعب لم تكن بسبب سياساته بقدر ما كانت نتاجاً للمشكلات الهيكلية المتأصلة في الاقتصاد السوفيتي الموجه، والذي أُسس قبل أكثر من 55 عاماً من ذلك التاريخ.
قد يشعر سكان “الجمهوريات” السوفيتية السابقة، وخاصة في دول البلطيق وجنوب القوقاز وأوكرانيا، بالامتنان للظروف التي أدت إلى استقلالهم، لكن ثمة إدراكاً عاماً بأن هذا الاستقلال لم يكن مدرجاً في أجندة غورباتشوف أصلاً.
وثمة جانب رئيسي آخر يتمثل في إرث غورباتشوف ونهجه السياسي بالنسبة لروسيا. فقد أحدثت أفعاله، سواء عن قصد أو غير قصد، قطيعة جوهرية في تاريخها. وأظهر فشل البيريسترويكا التي أطلقها غورباتشوف صعوبة تحقيق الانتقال نحو ما اعتبره هو وغيره من الإصلاحيين السوفييت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي “دولة طبيعية وحديثة”. ولعل بوتين وغيره من القوميين محقّون في أن حقبة غورباتشوف أضعفت روسيا كقوة عظمى بشكل كارثي، ديموغرافيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وهو أمر يتجلى بوضوح اليوم في ساحات القتال في أوكرانيا.
من جهة أخرى، وأمام الفشل الذريع للمغامرة العسكرية الحالية لبوتين في أوكرانيا – والتي تزامنت مع وفاة غورباتشوف – فإن حقبة أواخر الثمانينيات قد تظل تمنح شعوراً بأن ثمة بديلاً أفضل يمكن مراجعته.
