د. مسلم عبد طالاس
في عام 2019، وخلال زيارة بحثية إلى جامعة ساسكس البريطانية، التقيت بباحثة كورية جنوبية تهتم بقضايا التحول الديمقراطي في آسيا. وعندما علمت أنني كردي، روت لي قصة الديمقراطيين البورميين وحقوق اقلية الروهينغا. قالت باستغراب إن كثيراً من المناضلين الديمقراطيين البورميين الذين اضطهدهم الحكم العسكري، ولجأ بعضهم إلى كوريا ونال حمايتها، عادوا إلى ميانمار(او بورما) بعد استلامهم السلطة. لكنهم، رغم كل ما عاشوه من ظلم واستبداد، عجزوا عن استيعاب حقوق أقلية الروهينغا، واستمرت المأساة في ظل حكومتهم التي جاءت بأسماء الحرية والديمقراطية.
في تلك اللحظة، لم تكن القصة بالنسبة لي مجرد حالة غريبة في دولة بعيدة. لم أكن أفكر في ميانمار، بل قفزت إلى ذهني فوراً صور حواراتي مع أصدقائي المعارضين لنظام الأسد. تذكرت نقاشاتنا الشاقة، وصعوبة تقبلهم للعدالة القومية وللكرد كشركاء حقيقيين في الدولة السورية. لم تكن القصة مفارقة أسمعها لأول مرة، بل كانت تجربة عشتها بنفسي؛ كيف لأشخاص يضحون بكل شيء لمواجهة استبداد بشع، ويحلمون بدولة يعيشون فيها أحرارا ، أن يتعثروا بهذه البساطة عندما يصل الحديث إلى الشريك الكردي؟
تذكرت حينها عبارة ساخرة للكاتب السوري خطيب بدلة، عندما قال إنه يعرف صديقاً ديمقراطياً ومنفتحاً في كل شيء، لكنه ما إن يبدأ الحديث عن الحقوق الكردية حتى “يصاب بتأتأة في عقله”. كانت العبارة ساخرة، لكنها توصف تماماً ما جربته مراراً مع أصدقاء أحترم نضالهم ونواياهم.
المثير في الأمر أن كثيراً ممن يترددون في قبول الحقوق الكردية ليسوا قوميين متعصبين، ولا يحملون كراهية للكرد، بل إن بينهم من دفع ثمن مواقف الضمير ومواجهة الاستبداد، ويؤمن حقاً بالمواطنة وحقوق الإنسان. ومع ذلك، عندما يصل النقاش إلى الاعتراف بالكرد كشعب عانى الإقصاء وله حقوق جماعية في سوريا، يتغير المنطق فجأة، وتتوارى الأفكار البسيطة عن الحرية والمساواة. التفسير السهل هنا هو اتهام هؤلاء بسوء النية أو العنصرية الكامنة. لكن هذا التفسير لا يشرح الظاهرة، بل يكتفي بإدانتها. وإذا كانت هذه المشكلة تتكرر في مجتمعات مختلفة، كما رأينا في ميانمار، فالأفضل أن نبحث عن تفسير أعمق يفكك هذه العقدة.
وهنا تظهر فائدة فكرة طرحها عالم الاجتماع البريطاني مايكل بيلّيغ. يرى بيلّيغ أن القومية ليست مجرد خطابات حماسية وأعلام وأغاني ورفع شعارات متطرفة، بل هي أيضاً إطار ذهني”بارادايم” نفكر من خلاله دون أن ننتبه. هي التي تحدد لنا ما هو “طبيعي وبديهي” وما هو “استثنائي ويحتاج تبريراً”. وبسبب اعتيادنا على هذا الإطار، يصبح غير مرئي بالنسبة لنا، حتى نتوهم أن أحكامنا هي مجرد عقلانية ومنطق سليم، بينما هي في الواقع نتاج تصور قومي نشأنا عليه في مؤسسات الدولة.
إذا طبقنا ذلك على سوريا، تتضح المشكلة: القضية ليست في أفكار الأفراد الشخصية فقط، بل في تاريخ الدولة نفسها. منذ تأسيسها، لم تكن الدولة السورية مجرد أجهزة إدارية، بل صنعت رؤية محددة للهوية والسيادة. المدرسة، والجيش، والإعلام، والخرائط، والمناهج الدراسية، وحتى اللغة اليومية، كرست كلها تصوراً واحداً يقول إن سوريا دولة عربية فقط. مع الوقت، أصبح هذا التصور يبدو طبيعياً جداً، حتى إن أحداً لم يعد يراه كتصور سياسي قابل للنقاش، بل كحقيقة بديهية.
وعندما يتحول تصور معين إلى بديهية، يصبح أي حديث عن تغييره يبدو كأنه خروج عن الأصل. ولهذا، فإن المطالبة بالاعتراف بالكرد كشعب تعرض للإقصاء لا تُستقبل كطلب للمساواة، بل كأنها تهديد للنظام الطبيعي للأشياء. تكمن قوة هذا الإطار القومي في أنه لا يمنع التفكير المخالف بالقوة، بل يجعله يبدو غير معقول من الأصل.
هذا يوضح لماذا يدافع كثير من أصدقائنا بعاطفة صادقة وقوية عن حقوق الشعوب البعيدة في تقرير مصيرها، ويقبلون فكرة التعددية بشكل عام، لكنهم يترددون أمام الحالة الكردية في بلدانهم. هم لا يرفضون العدالة كقيمة، لكن مفهوم العدالة نفسه لديهم تشكل داخل هذا الإطار القومي على مدى عقود. بالتأكيد، هذا ليس حصرياً على العرب أو السوريين، فكل دولة قومية تعيد إنتاج هذا التصور بدرجات. لكن الخصوصية السورية تأتي من كون القومية العربية تحولت من هوية ثقافية للأغلبية إلى الشرط الأساسي لنشأة الدولة نفسها، مما جعل الفصل بين مفاهيم الدولة والقومية والمواطنة أمراً معقداً جداً.
من هنا، أحسب أن الحوار السوري( العربي – الكردي وبقية المكونات) بحاجة للتوقف عن تبادل التهم الشائعة، والانتقال إلى مراجعة هذه المسلمات نفسها. المشكلة ليست في النوايا، بل في الإطار الذهني الذي تتشكل داخله هذه المواقف. وما لم نضع هذا الإطار على الطاولة للنقد، فإن الديمقراطية القادمة قد تعيد إنتاج الإقصاء القديم نفسه بأسماء جديدة.
هذا هو الدرس الأبرز من تجارب دول كثيرة: التخلص من الاستبداد يغير طرق اختيار الحكام، لكنه لا يغير تلقائياً طريقة تفكير المجتمع في نفسه وفي الآخرين. وبناء سوريا جديدة يحتاج ما هو أكثر من صندوق الاقتراع والدستور؛ يحتاج إلى الشجاعة لمراجعة الإطار الذهني الذي قامت عليه الدولة لطوال قرن، لتصبح حقاً دولة لكل أهلها، يُنظر فيها إلى حقوق الجميع باعتبارها جزءاً طبيعياً من العدالة، لا استثناءً نتردد في قبوله.
