د. مسلم عبد طالاس
لا يخلو أي مجتمع من الاختلافات السياسية، ولا يعد وجود الأحزاب والتيارات المتنافسة دليلاً على أزمة بحد ذاته. فالتعدد السياسي ظاهرة تكاد تكون ملازمة للمجتمعات الحديثة، بل قد يكون مؤشراً على حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج بدائل متعددة لمعالجة مشكلاته. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود الاختلاف، وإنما بالطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف، وبالمعايير التي يُقيَّم على أساسها ما تنتجه القوى السياسية من أفكار ومؤسسات وإنجازات.
في الحالة الكردية، يبدو أن جزءاً مهماً من النقاش العام ما يزال محكوماً بمنطق يجعل هوية الفاعل السياسي أكثر أهمية من مضمون ما ينجزه. ولذلك كثيراً ما تتحول الإنجازات إلى موضوع للصراع الحزبي بدلاً من أن تصبح موضوعاً للتراكم المجتمعي. وقد ظهر ذلك بوضوح في الجدل الذي رافق استفتاء إقليم كردستان عام 2017، كما يظهر اليوم في النقاشات المتعلقة بتجربة التعليم باللغة الكردية في مناطق الإدارة الذاتية. ففي الحالتين، تجاوز الخلاف تقييم السياسات أو أخطاء التنفيذ ليصل، أحياناً، إلى التشكيك في قيمة الإنجاز نفسه لأنه ارتبط بجهة سياسية بعينها.
وأعتقد أن تفسير هذه الظاهرة لا يكمن في التنافس الحزبي وحده، بل في الطريقة التي نفهم بها العلاقة بين المجتمع والسياسة. ففي كثير من الأحيان نتعامل مع الأحزاب وكأنها هي التي تصنع المجتمع، بينما الصورة، في الواقع، أكثر تعقيداً. فالمجتمعات هي التي تنتج، عبر تاريخها، التنظيمات والتيارات والمؤسسات التي تحتاجها من أجل المحافظة على وجودها والتكيف مع المتغيرات التي تواجهها. ومن ثم فإن فهم السياسة يبدأ من فهم المجتمع، لا العكس.ومن هنا أرى أن مفهوم شروط إعادة الإنتاج المجتمعي يوفر مدخلاً أكثر تفسيراً لهذه العلاقة. فلا يستطيع أي مجتمع أن يستمر عبر الزمن إلا إذا نجح في إعادة إنتاج مقومات وجوده الأساسية: الحفاظ على هويته، وتنظيم القوة داخله، وإدارة موارده، ونقل معارفه، وبناء مؤسساته، وإيجاد آليات للتعامل مع محيطه. وعندما تتغير البيئة السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، تتغير هذه الشروط، فيضطر المجتمع إلى تطوير أدوات تنظيمية جديدة تساعده على الاستمرار. بهذا المعنى، لا تكون الأحزاب والتيارات السياسية مجرد اختيارات أيديولوجية، بل تمثل استجابات تاريخية لشروط إعادة الإنتاج التي واجهها المجتمع في مرحلة معينة. ولذلك يصعب تفسير نشأة أي تيار سياسي أو استمراره من خلال شخصية القائد أو البرنامج السياسي وحدهما، لأن نجاح أي تنظيم في البقاء يفترض أنه استطاع، بدرجة ما، أن يؤدي وظيفة اجتماعية احتاج إليها المجتمع في ذلك الوقت.
ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح عند مقارنة التجربتين الكرديتين في تركيا والعراق. فمن الصعب تفسير الاختلاف العميق بين النموذجين فقط باختلاف الأشخاص أو الأفكار. فقد واجه المجتمع الكردي في تركيا شروط إعادة إنتاج مختلفة جذرياً عن تلك التي واجهها المجتمع الكردي في العراق. ففي تركيا، فرضت سياسات الإنكار، وإغلاق المجال السياسي، وتفكيك كثير من البنى الاجتماعية التقليدية، البحث عن أشكال تنظيمية تمتلك قدرة عالية على التعبئة والانضباط والعمل في بيئة يغلب عليها الصراع المباشر مع الدولة (النموذج الاوجلاني الراديكالي). أما في العراق، فقد أتاح استمرار جزء من البنية الاجتماعية والقيادية التقليدية، ثم تطور مؤسسات الحكم الذاتي لاحقاً، إنتاج نموذج سياسي مختلف في بنيته وأولوياته ووظائفه(النموذج البرزاني الكلاسيكي). وليس المقصود من هذه المقارنة المفاضلة بين التجربتين، وإنما التأكيد على أن المجتمع لا ينتج تعبيراته السياسية بصورة اعتباطية، بل وفق الشروط التي يسعى من خلالها إلى إعادة إنتاج نفسه.
وإذا كانت الأحزاب والتيارات والمؤسسات هي، في جانب منها، نتاجاً لهذه العملية التاريخية، فإنها لا تمثل ملكية خاصة لقياداتها أو أعضائها، بل تتحول مع الزمن إلى جزء من الرصيد الذي يمتلكه المجتمع بأكمله. فهي تترك وراءها مؤسسات، وخبرات تنظيمية، وعلاقات، وحقوقاً، ومعارف، وكوادر بشرية، وشبكات اجتماعية، حتى عندما تتراجع سياسياً أو تفقد نفوذها. وهذه جميعها تمثل ما يمكن تسميته الأصول المجتمعية.
ومن المفيد هنا استعارة مفهوم من الاقتصاد. فالشركة الناجحة لا تُقاس بقيمة أصل واحد، وإنما بقيمة محفظة أصولها مجتمعة. كما أن المدير الكفء لا يهدم مصنعاً لأنه أُنشئ في عهد مدير سابق، ولا يغلق قسماً ناجحاً لأنه لا ينسجم مع تفضيلاته الشخصية، بل يعمل على رفع القيمة الإجمالية لجميع الأصول. وينطبق المنطق نفسه على المجتمعات. فكل مؤسسة ناجحة، وكل حق يُنتزع، وكل خبرة تتراكم، تزيد من القيمة الإجمالية لمحفظة الأصول المجتمعية، بصرف النظر عن الجهة التي أسهمت في إنتاجها.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن يكون السؤال: من أنجز هذا المشروع؟ بل: ماذا أضاف إلى القدرة المجتمعية على إعادة إنتاج نفسها؟ فاستمرار استخدام اللغة الكردية في التعليم، أو تراكم الخبرة في الإدارة المحلية، أو بناء مؤسسات سياسية، أو تطوير شبكات العلاقات الخارجية، كلها أصول تزيد من قدرة المجتمع على مواجهة تحدياته المستقبلية. وقد يختلف الناس حول طريقة إدارتها، لكن إضعافها أو تدميرها بسبب الخلاف الحزبي يعني إضعاف المجتمع نفسه. وهنا تكمن مشكلة عقلية المباراة الصفرية. فهي لا تحول المنافسة السياسية إلى وسيلة لتحسين الأداء، بل تجعلها وسيلة لإلغاء ما ينتجه الطرف الآخر، حتى عندما يكون هذا الإنتاج قد أصبح جزءاً من القدرة العامة للمجتمع. وبهذا تتحول السياسة من آلية لتوسيع شروط إعادة الإنتاج إلى آلية تستنزفها، لأن كل دورة من الصراع تنتهي بإهدار جزء من التراكم المؤسسي والمعرفي الذي تحقق في الدورة السابقة.
ولعل السياسة الكردية تحتاج اليوم إلى إعادة تعريف معنى النجاح السياسي. فالنجاح لا يقاس فقط بزيادة عدد المقاعد أو النفوذ، وإنما أيضاً بزيادة القيمة الكلية للأصول التي يمتلكها المجتمع. فالسياسي الذي يضيف مؤسسة فاعلة، أو يوسع حقاً لغوياً، أو يطور إدارة عامة، أو يبني خبرة تفاوضية، يضيف في الحقيقة مورداً جديداً إلى القدرة التاريخية للمجتمع، حتى لو كان خصومه هم أول من يستفيد منه لاحقاً.
إن المجتمعات لا تتجدد لأنها تتخلص من تنوعها السياسي، وإنما لأنها تحسن إدارة هذا التنوع وتحوله إلى تراكم مؤسسي ومعرفي مستمر. ولذلك فإن الانتقال من عقلية المباراة الصفرية إلى عقلية إدارة الأصول المجتمعية ليس مجرد دعوة إلى التسامح بين الأحزاب، بل هو شرط لتعزيز شروط إعادة الإنتاج المجتمعي نفسها. فكلما ازدادت قدرة المجتمع على المحافظة على أصوله وتطويرها، ازدادت قدرته على التعلم والتكيف والتجدد. أما عندما تتحول السياسة إلى منافسة على هدم إنجازات الآخرين، فإن المجتمع لا يخسر مشروعاً أو حزباً فقط، بل يخسر جزءاً من قدرته على صناعة مستقبله.
