د. مسلم عبد طالاس
يطرح النقاش حول التعليم بالكردية في سوريا عادة بوصفه قضية حقوق لغوية تخص الكرد: هل يحق للطفل الكردي أن يتعلم بلغته الأم، وما المكان الذي ينبغي أن تشغله الكردية في النظام التعليمي؟ هذا سؤال أساسي، لكنه لا يستنفد إمكانات القضية. فالدفاع عن هذا الحق يمكن، إذا تحول إلى مطلب مشترك بين الكرد وغيرهم، أن يؤدي وظيفة أخرى لا تقل أهمية: بناء الثقة بين السوريين، وإنتاج خبرة في العمل المدني والسياسي السلمي في بلد يحتاج إلى كليهما.
لفهم هذا الإمكان، من المفيد التمييز بين منطق الحقوق ومنطق الامتيازات. فالامتياز يستمد قيمته من الحصرية؛ إذا كان موقع أو مورد ما متاحا لجماعة دون غيرها، فإن فتحه للآخرين يقلل قيمة الامتياز. أما الحقوق اللغوية فلا تعمل بالضرورة بهذه الطريقة. عندما يتعلم الطفل الكردي بلغته لا يخسر الطفل العربي حقه في التعلم بالعربية، ولا تصبح العربية أضعف، ولا تتراجع فرص أبنائها. بل قد تكون العلاقة تآزرية: حصول جماعة على حقها يزيد شعورها بالمساواة والانتماء، ويقلل الحاجة إلى استنزاف مواردها في الدفاع المستمر عن هويتها، ويزيد إمكان الثقة بالمؤسسات المشتركة.
يمكن الذهاب خطوة أبعد. ماذا لو لم يكتف السوري العربي بتأييد حق الطفل الكردي في التعلم بلغته، بل طالب أيضا بإتاحة تعلم الكردية لأطفاله؟
طبعا هنا ينبغي التمييز بين “التعلم بالكردية” و”تعلم الكردية”. الأول حق للطفل الكردي في أن تكون لغته أداة للتعليم والمعرفة، وليس مجرد مادة جانبية. أما الثاني فيمكن أن يكون جسرا يقترب من خلاله الطفل العربي من لغة مواطنه الكردي وثقافته. تعلم العربي الكردية لا يعوض حق الكردي في التعلم بها، لكنه ينقل اللغة من كونها علامة فاصلة بين جماعتين إلى مورد للتواصل بينهما.
وهنا يمكن استعادة فكرة “الكريفاني”. و كنت قد اقترحت في مقال سابق، انطلاقا من تجربة الكريفا بين الكرد والأرمن، مفهوم “الكريفاني” بوصفه إمكانية لبناء روابط تتجاوز حدود الجماعات من دون أن تلغي اختلافها. الكريفاني مؤسسة قرابة طقسية اختيارية عرفتها مجتمعات المنطقة، ومن أكثر صورها دلالة تلك التي كانت تنشأ بين أسرة كردية مسلمة وأسرة أرمنية مسيحية. في سياق ختان طفل الأسرة الكردية، كان رجل أرمني يمكن أن يصبح كريفا للطفل، فتتشكل بين الأسرتين علاقة تتجاوز الصداقة والجوار إلى قرابة اجتماعية ذات التزامات متبادلة. وكانت قوة هذه القرابة تصل إلى اعتبار الزواج بين الأسرتين المرتبطتين بالكريفا محرما اجتماعيا، كما لو أن الطقس قد أنشأ بينهما قرابة فعلية.
تكمن الأهمية المؤسسية لهذه الممارسة في الحدود التي استطاعت عبورها. كردي وأرمني، مسلم ومسيحي، وأسرتان لا تجمعهما رابطة دم، يصبحان أقارب من دون أن يضطر أحدهما إلى التخلي عن هويته. لم تلغ الكريفاني الاختلاف، بل بنت فوقه رابطة جديدة. وهذه نقطة مهمة: البديل عن الانقسام ليس بالضرورة صهر الهويات في هوية واحدة؛ يمكن للمجتمع أن يحتفظ بالاختلاف ويبتكر، في الوقت نفسه، مؤسسات تجعل التعاون والثقة ممكنين عبر حدوده.
لا تعني “الكريفاني” المعاصرة بالطبع إعادة إنتاج الطقس التاريخي. المقصود استعادة منطقه الاجتماعي: الانتقال من قبول الآخر إلى بناء علاقة تجعل بعض حقوقه ومصالحه شأنا يخصني أيضا. ومن هنا يكتسب الشعار لغتي حقي… وحقك في لغتك قضيتي” معنى يتجاوز التضامن الأخلاقي. فهو يقترح قاعدة للعلاقة بين الجماعات: لا يكفي أن أطالب بحقي وأترك لك مهمة الدفاع عن حقك؛ يمكنني أن أشارك في حماية حقك لأن القاعدة التي تحميك اليوم يمكن أن تحميني غدا.
بهذا المعنى، قد يشكل الدفاع عن التعليم بالكردية فرصة عملية للكريفانية المدنية. يطالب الكرد بحق أطفالهم في التعلم بلغتهم، ويقف معهم عرب وسريان وأرمن وغيرهم دفاعا عن المطلب نفسه. وقد يذهب بعض العرب أبعد من ذلك بالمطالبة بإتاحة الكردية لأطفالهم، ولا سيما في المناطق الكردية والمختلطة، باعتبار معرفة لغة الجار استثمارا في العيش المشترك. ليس المطلوب فرض الكردية على جميع السوريين أو استبدال مركزية لغوية بأخرى، وإنما الانتقال من مجرد التسامح مع لغة الآخر إلى خلق فرص حقيقية للتبادل معها.
لكن الأثر المحتمل لا يتوقف عند اللغة. فإذا نشأ حول هذا المطلب حراك مدني سلمي مشترك، فإن السوريين يكونون بصدد إنتاج مورد سياسي هم في أمس الحاجة إليه: خبرة في التنظيم والعمل العام عبر الانقسامات القومية والدينية.
فالتقاليد الديمقراطية لا تنشأ بمجرد كتابتها في دستور. إنها معرفة تتكون بالممارسة والتكرار. يتعلم الناس العمل السياسي السلمي عندما يصوغون مطلبا واضحا، وينظمون أنفسهم حوله، ويبنون تحالفات، ويجمعون التأييد، ويتفاوضون مع المؤسسات ويمارسون الضغط العام من دون عنف. وكل تجربة ناجحة، أو حتى جزئيا ناجحة، تترك وراءها معرفة تنظيمية وشبكات وعلاقات وثقة يمكن نقلها لاحقا إلى قضايا أخرى.
هنا تصبح السلسلة السببية واضحة: يبدأ الأمر بحق لغوي، لكن تبني الآخرين لهذا الحق يخلق تضامنا عابرا للجماعات؛ والتضامن، عندما ينتظم في حراك سلمي، ينتج خبرة في التعاون والتنظيم والتفاوض؛ وتكرار هذه الخبرة يساعد على تكوين تقاليد سياسية تجعل إدارة الاختلاف أكثر مؤسسية وأقل قابلية للتحول إلى صراع.
وربما تكون هذه أهم دلالة معاصرة للكريفانية. ففي الماضي استطاعت أسرة كردية مسلمة وأسرة أرمنية مسيحية أن تبتكرا رابطة تجعل المختلف قريبا من دون أن يفقد اختلافه. واليوم يمكن استعادة المنطق نفسه سياسيا: أن يدافع العربي عن حق الطفل الكردي في لغته، وأن يدافع الكردي عن حقوق غيره، وأن يكتشف الاثنان من خلال العمل المشترك أن حقوقهما ليست بالضرورة موارد متنافسة.
سوريا لا تحتاج فقط إلى تسوية بين جماعاتها، بل إلى علاقات وممارسات تجعل هذه الجماعات قادرة على إنتاج الثقة فيما بينها. وقد تبدأ إحدى هذه الممارسات من شيء بسيط جدا: أن يتعلم الطفل الكردي بلغته، وأن يرغب الطفل العربي في تعلم لغة جاره، وأن يقف أبواهما معا دفاعا عن حقهما في ذلك.
هذه هي الكريفانية بمعناها المدني الممكن: ألا نلغي المسافة بين المختلفين، بل نبني فوقها جسرا.
لغتي حقي… وحقك في لغتك قضيتي.
