إرساء الديمقراطية في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية!

شارك هذا المقال:

نموذج التحول الديمقراطي بعد مرحلة الديكتاتورية والحرب والاحتلال (عن موقع منظمة تعليم الديمقراطية)

ترجمة : كيڤورك خاتون وانيس

في يوليو/ تموز 1945، بعد استسلام ألمانيا بفترة وجيزة، اجتمع قادة الحلفاء في بوتسدام بالقرب من برلين لمناقشة سياسات ما بعد الحرب. وكان من بين هذه السياسات قرار احتلال الأراضي اليابانية فور تحقيق النصر في المحيط الهادي. كما اتفق الحلفاء على أن يؤدي الاحتلال إلى نزع سلاح القوات اليابانية بالكامل ومحاكمة مجرمي الحرب اليابانيين. ودعت اتفاقية بوتسدام أيضًا إلى إصلاحات ديمقراطية في نظام الحكم الياباني. وأعلن الحلفاء أخيراً أن الاحتلال لن ينتهي إلا بعد تحقيق جميع هذه الشروط وتأسيس “حكومة مسؤولة وذات توجه سلمي” في اليابان. فور إعلان اليابانيين قرارهم بالاستسلام، عُيّن الجنرال دوغلاس ماك آرثر قائدًا أعلى لقوات الحلفاء للإشراف على احتلال اليابان. ورغم أنه كان من الناحية الفنية خاضعًا لسلطة لجنة تابعة لقوات الحلفاء، إلا أن ماك آرثر كان يتلقى أوامره من واشنطن. وبدلًا من إنشاء حكومة عسكرية أمريكية لحكم اليابان خلال فترة الاحتلال، قرر ماك آرثر الاستعانة بالحكومة اليابانية القائمة. وللقيام بذلك، كان يصدر أوامر مباشرة مختلفة لمسؤولي الحكومة اليابانية ولكنه كان يسمح لهم بإدارة البلاد طالما أنهم اتبعوا أهداف الاحتلال التي حُددت في بوتسدام وواشنطن.

أدرك ماك آرثر أن فرض نظام جديد على اليابان سيكون مهمة شاقة حتى مع تعاون اليابانيين. فقد اعتقد أنه من المستحيل على أطراف خارجية فرض تغييرات جذرية على 80 مليون شخص يشعرون بالاستياء.

بعد أن قرر الإبقاء على البرلمان الياباني (الدايت) ومجلس الوزراء والجهاز الإداري، واجه ماك آرثر بعد ذلك مسألة الإمبراطور هيروهيتو. فقد أراد السوفييت والبريطانيون محاكمة هيروهيتو وإعدامه شنقًا باعتباره مجرم حرب. نصح ماك آرثر واشنطن بعدم إثارة غضب اليابانيين دون داعٍ بالقضاء على الرمز المقدس المتمثل في إمبراطورهم. فقد كتب لاحقًا في مذكراته: “…سأحتاج إلى مليون جندي على الأقل لتعزيز القوات إذا ما تم اتخاذ مثل هذا الإجراء… وسيتعين فرض حكم عسكري في جميع أنحاء اليابان، ومن المرجح أن تندلع حرب عصابات.”

في أول لقاء له مع ماك آرثر، أقر هيروهيتو بالمسؤولية الكاملة عن أعمال اليابان خلال الحرب، مدركًا أن هذا الاعتراف قد يُعرضه للإعدام. في نهاية المطاف، اتفقت الولايات المتحدة وقوى الحلفاء الأخرى مع ماك آرثر على عدم معاملة هيروهيتو كمجرم حرب، ولكن بشرط واحد.

في الأول من يناير/ كانون الثاني عام 1946، بعد أربعة أشهر من بدء الاحتلال، تخلى الإمبراطور هيروهيتو عن الاعتقاد بأنه كائن إلهي أو شبيه بالإله.

“لقد قامت الروابط التي تجمعنا بشعبنا على الثقة والمودة المتبادلتين، وهي لا تعتمد على مجرد أساطير وخرافات، ولا تقوم على التصور الخاطئ بأن الإمبراطور إلهي، وأن الشعب الياباني متفوق على الأعراق الأخرى ومقدّر له أن يحكم العالم.”

رغم أن هذه الكلمات كانت صادمة لمعظم اليابانيين، إلا أنها مهدت الطريق لأكثر من ست سنوات من الاحتلال التي كانت ستأتي.

اتسمت بعض جوانب سياسة الاحتلال الأمريكي التي نفذها ماك آرثر بالقسوة الشديدة. فقد حوكم رئيس الوزراء توجو وستة قادة آخرين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وأُعدموا شنقًا. أدت هذه السياسات إلى تفكيك المؤسسة العسكرية اليابانية وإلغائها، ومنع 200 ألف من القادة العسكريين والمدنيين من تولي أي منصب عام، بمن فيهم غالبية أعضاء البرلمان آنذاك. كما تم تفكيك الاحتكارات الصناعية الكبرى التي كانت تمول المجهود الحربي. بل حتى الدعم الحكومي للديانة الرسمية اليابانية، الشنتوية، قد أُلغي.

في الوقت نفسه، شجع ماك آرثر على ترسيخ الديمقراطية في اليابان. فقد علّق العمل بالقوانين اليابانية التي تقيد الحريات السياسية والمدنية والدينية. وأمر بالإفراج عن السجناء السياسيين، وألغى الشرطة السرية. وأعلن عن إجراء انتخابات عامة في أبريل / نيسان 1946، بعد سبعة أشهر فقط من الاستسلام. كما دعا ماك آرثر البرلمان الياباني إلى إقرار قانون انتخابي جديد يضمن انتخابات ديمقراطية حرة، بما في ذلك، ولأول مرة في تاريخ اليابان، منح المرأة حق التصويت. إضافةً إلى ذلك، وبتوجيه من ماك آرثر، شُجّع نمو النقابات العمالية، وفُكّكت الملكيات الزراعية الكبيرة، وأُصلح نظام التعليم.

والمثير للدهشة أن كل هذه التطورات لاقت قبولًا، بل ورحب بها اليابانيون في بعض الحالات. صحيح أن اليابان كانت آنذاك تحت سيطرة القوات الأمريكية المسلحة، إلا أن عامة الشعب الياباني، وهم يرون الموت والدمار في كل مكان، بدا وكأنهم توصلوا إلى  الاستنتاج أن النهج القديم قد فشل. لقد جعلت الحرب والهزيمة المذلة اليابان مهيأة للتغيير الجذري.

دستور جديد

ركّز دستور ميجي لعام 1889 السلطة السياسية الفعلية في أيدي مجموعة صغيرة من قادة الحكومة المسؤولين أمام الإمبراطور، لا أمام الشعب. ومنذ عام 1930 وحتى نهاية الحرب، هيمن الجيش على هذه المجموعة الحاكمة.

قبل عام 1945، لم تكن للديمقراطية بمفهومها الحديث، فرصة تُذكر للتطور في اليابان. فلم تكن هناك انتخابات حرة، ولا أحزاب سياسية حقيقية. كما حُرمت النساء من المساواة في الحقوق. ومن وجهة نظر أمريكية، على الرغم من أن دستور ميجي نصّ على عدد من الحريات الفردية، إلا أن القليل منها كان ذا جدوى. فعلى سبيل المثال، مع أن الدستور حمى حرية التعبير، إلا أن الحكومة حظرت ما اعتبرته “أفكارًا خطيرة”.

في بداية الاحتلال، أدرك ماك آرثر ضرورة تغيير دستور ميجي تغييرًا جذريًا. وفي سيرته الذاتية، جادل ماك آرثر قائلًا:

“لم يكن كافياً أن نشجع نمو الديمقراطية، بل كان علينا ضمان نموها. بموجب الدستور القديم، كانت السلطة تنحدر من الإمبراطور، صاحب السلطة العليا، إلى الأشخاص الذين فوضهم ممارسة السلطة. لقد كانت في الأصل دكتاتورية وراثية، ولم يكن الشعب موجوداً إلا لخدمتها.”

أبلغ ماك آرثر قادة الحكومة اليابانية بآرائه، فشكلوا لجنة لإعادة صياغة دستور ميجي. بعد أربعة أشهر من العمل، وبحلول الأول من فبراير/ شباط عام 1947، أصدرت اللجنة نسخة منقحة مع تغييرات طفيفة في الصياغة. فعلى سبيل المثال، وصفت الصياغة الجديدة الإمبراطور بأنه صاحب السيادة العليا بدلاً من صفة المقدس كما كان في الدستور القديم.

رفض ماك آرثر قبول النسخة اليابانية المعدلة. وكلف فريقه الخاص بصياغة “دستور نموذجي” ليستعين به اليابانيون في إعداد نسخة منقحة أخرى، وقد أراد ماك آرثر إنجازها قبل الانتخابات العامة اليابانية المقررة إجراؤها بعد شهرين فقط؛ فقد رأى في الانتخابات اختبارًا لمدى تقبّل الشعب الياباني للتغييرات الديمقراطية في نظامه السياسي.

ووقعت مهمة كتابة ‘الدستور النموذجي’ لماك آرثر على عاتق شعبة الشؤون الحكومية في مقر قيادته العامة، حيث اجتمع سراً فريقٌ مؤلفٌ من نحو اثني عشر ضابطًا من الجيش والبحرية (جميعهم ممن تلقوا تدريبًا خاصًا في الشؤون الحكومية)، بالإضافة إلى عددٍ من الخبراء المدنيين  لمناقشة وبحث وصياغة نموذجٍ لدستورٍ ياباني جديد. واعتمد أعضاء الفريق على طبعة عام 1939 من كتابٍ عن دساتير العالم كمرجعٍ رئيسي. وقد تولى صياغة معظم النص النهائي ثلاثة ضباطٍ من الجيش، جميعهم من المحامين. واستغرق هذا ‘المؤتمر الدستوري’ ستة أيامٍ.

وقد استوحى الدستور الناتج ملامحه من النظام البريطاني في تأسيس مجلس وزراء ورئيس وزراء مسؤولين أمام البرلمان المنتخب. وتضمنت ضمانات الحقوق الفردية صياغةً مشابهةً لتلك الموجودة في وثيقة الحقوق الأمريكية. بل إن أحد بنوده، الذي يضمن المساواة في الحقوق، تجاوز الحماية القانونية التي كان يتمتع بها الأمريكيون أنفسهم آنذاك. وبدت موادٌ أخرى وكأنها مستمدة من السياسات التقدمية لبرنامج “الصفقة الجديدة” لفرانكلين روزفلت؛ فعلى سبيل المثال، مُنح العمال الحق في “التنظيم والتفاوض والعمل الجماعي…”.

لعلّ أبرز ما ميّز “الدستور النموذجي” هو “بند حظر الحرب”. فبموجب المادة التاسعة: “…يتخلى الشعب الياباني إلى الأبد عن الحرب كحق سيادي للأمة، وعن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية”. وقد نصّت المادة التاسعة على إلغاء جميع القوات العسكرية البرية والبحرية والجوية. أُدرجت هذه المادة بناءً على اقتراحٍ قدّمه رئيس الوزراء شيديهارا إلى ماك آرثر، إذ اعتقد شيديهارا أن هذا البند سيُظهر للعالم أجمع أن اليابان لن تُقدم على شنّ حرب عدوانية مُستقبلاً.

أما بالنسبة للشعب الياباني، فإن التغيير الأكثر جذرية عن دستور ميجي تمثّل في تجريد الإمبراطور من كونه مصدرًا لجميع سلطات الحكم. ففي “الدستور النموذجي”، غدا الشعب، ممثلاً بالبرلمان المُنتخب، هو صاحب السيادة العليا. قرر ماك آرثر الإبقاء على منصب الإمبراطور، ولكن فقط كـ “رمزٍ للدولة ووحدة الشعب”.

وقد صُدم قادة الحكومة اليابانية من التغييرات الجذرية المُقترحة في “الدستور النموذجي”، وجدوا صعوبة – على وجه الخصوص – في قبول فكرة “حكم الشعب” التي تتعارض مع التقاليد اليابانية المتمثلة في الطاعة المطلقة للإمبراطور. وبعد خلافات داخلية، توجه مجلس الوزراء الياباني إلى الإمبراطور. وفي 22 فبراير/ شباط، أنهى هيروهيتو حالة الجمود بإصداره أمرًا يقضي بأن يصبح “النموذج المقترح” أساسًا للدستور الياباني الجديد. وقال الإمبراطور هيروهيتو: “على هذه المبادئ سيرتكز حقًا رفاه شعبنا وإعادة بناء اليابان”.

في السادس من مارس / آذار، وافق مجلس الوزراء الياباني على الدستور الجديد، وتلا ذلك بيانات تأييد ومباركة من الإمبراطور هيروهيتو والجنرال ماك آرثر، الذي وصف الوثيقة لاحقًا بأنها “الدستور الأكثر ليبرالية في التاريخ”.

وقد نُشر الدستور على نطاق واسع ونوقش بحماس كبير من قِبل الشعب الياباني، لا سيما خلال الأيام التي سبقت الانتخابات العامة في أبريل / نيسان. وعندما اجتمع البرلمان (الدايت) خلال صيف عام 1946، ناقش المشرعون المنتخبون حديثًا الدستور ثم صوتوا على الموافقة النهائية. ودخل الدستور الديمقراطي الجديد لليابان حيز التنفيذ في الثالث من مايو/ أيار عام 1947.

هل حقق الدستور الديمقراطي الياباني نجاحًا؟ لقد وصفه ماك آرثر نفسه بأنه “ربما أهم إنجاز منفرد للاحتلال”. وانتقد آخرون ماك آرثر لاحقًا لإجباره اليابانيين، دون داعٍ، على التخلي عن تقاليدهم السياسية وقبول الديمقراطية بوتيرة متسارعة للغاية.

وفي عام 1952، انتهى الاحتلال الأمريكي لليابان. واستعاد اليابانيون استقلالهم وحريتهم في إدارة شؤون بلادهم كما يشاؤون. ومنذ ذلك الحين، عدّل اليابانيون أو ألغوا عددًا من الإصلاحات التي أقرها ماك آرثر. بيد أن إصلاحًا واحدًا ظلّ راسخًا في مكانه: دستور ماك آرثر؛ إذ لم يُراجع أو يُعدّل طوال أربعين عاماً (عقود طويلة). وكما يعبّر الباحث الياباني سودي رينجيرو قائلاً: من الواضح أن الدستور قد ضرب بجذوره عميقاً بين أبناء الشعب.”

تعليق المترجم:

بعد قراءة هذا المقال قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين وأنا منهم السؤال التالي:

لماذا فشلت أمريكا في إرساء الديمقراطية في العراق بينما نجحت في ذلك في اليابان؟

شخصياً لا أعتقد أن إرساء الديمقراطية كان الهدف من وراء غزو واحتلال العراق كما في حالة اليابان وألمانيا الغربية.

لم تفعل أميركا ذلك حباً في الشعب الياباني (فقد سبق وأن ألقت عليه قنبلتين ذريتين)، ولم تقم بذلك لأنها تكره العراق؛ فالسياسة كما يعلم الجميع لا تعرف إلا لغة المصالح الاستراتيجية.

أعتقد أن إيقاف المد الأحمر الشيوعي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان الدافع الأول والأخير وراء جهود أمريكا لإدخال اليابان وألمانيا الغربية في النادي الديمقراطي!

لكن لسوء حظ العراق أن احتلاله جاء بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة، وبالتالي لم تتوافر أي ظروف دولية أو تهديدات للمصالح الأمريكية تدفعها إلى  بذل جهود مماثلة لما قامت به في اليابان وألمانيا الغربية.

بعيداً عن دور العامل الخارجي الدولي في المساعدة على إعادة بناء الدول التي تكون قد خرجت للتو من صراعات وحروب ونزاعات، يبقى دور العامل الداخلي هو الأساس في الحفاظ على البناء الحديث وديمومته؛ أمريكا انسحبت من اليابان في عام 1952 ، ومن ألمانيا الغربية عام 1955 ومع ذلك صمدت الديمقراطية وأصبحت الدولتان من أقوى أقتصاديات العالم !

أخيراً وليس أخراً، وبعيداً عن جلد الذات أو القاء اللوم على الآخرين، لماذا فشلنا نحن السوريون في الحفاظ على المؤسسات الديمقراطية (البرلمان، القضاء، حرية تشكيل الأحزاب حرية الصحافة والتعبير…..الخ) التي وضع أسسها الانتداب الفرنسي، واستخدامها بالشكل الصحيح  من أجل السير باتجاه دولة المواطنة والقانون ( الديمقراطية وفق المصطلح العلمي) كما فعل اليابانيون والالمان بعد خروج قوات الاحتلال من بلدهم؟

شارك هذا المقال: