البروفيسور ألوين تورنر
ترجمة : كيڤورك خاتون وانيس
قيم ريث
حكمت إجراءات فريدة مماثلة هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، التي تأسست عام 1922، حيث عملت في البداية كشركة خاصة، ثم كمؤسسة خدمة عامة بموجب ميثاق ملكي. فاحتكرت الهيئة البث الإذاعي في بريطانيا، وأصبحت أهم مؤسسة ثقافية في البلاد. وبحلول نهاية عشرينيات القرن الماضي، بلغ عدد تراخيص الراديو 3 ملايين، ووصل إلى 9 ملايين بحلول نهاية الثلاثينيات، أي أن كل عائلة بريطانية تقريباً كانت تمتلك جهاز راديو. مع ذلك، كان الأمر غريبًا بعض الشيء. إذ أنه حتى في بداياتها التجارية، لم تكن هيئة الإذاعة البريطانية مؤسسة تقليدية تستجيب لطلبات الجمهور، ولم تصبح أبدًا جهازًا حكوميًا. بدلًا من ذلك، ابتكر المدير التنفيذي (الذي أصبح لاحقًا المدير العام) جون ريث رؤيته الخاصة للبث الإذاعي العام، وقاوم في الغالب الضغوط الخارجية من أولئك الذين أرادوا توجيه هذه الوسيلة الإعلامية الجديدة.
بالطبع، كانت هناك قيود، كما هو الحال مع السينما، لم يكن الراديو مكانًا لإثارة الفوضى. أوضح ريث أن الحكومة أصدرت “تعليمات صريحة بتجنب أي شيء من شأنه إثارة أي جدل على المستوى الديني أو السياسي أو قضايا العمل”. فقد خلت النشرات الإخبارية إلى حد كبير من التقارير الساخنة. خشية فقدان دورها، ضغطت مؤسسات الصحافة الورقية بنجاح على الحكومة لضمان عدم بث أول نشرة إذاعية في اليوم قبل الساعة السابعة مساءً، حتى لا تؤثر على مبيعات الصحف الصباحية أو المسائية.
تم كسر هذا الحظر – ولمرة واحدة فقط – خلال الإضراب العام الذي استمر تسعة أيام عام 1926، عندما توقف إنتاج الصحف المستقلة وأصبح الراديو المصدر الرئيسي للأخبار لكثيرين. خلال النزاع، اشتكى ريث في مذكراته من الحكومة : “لا أعتقد أنهم يعاملونني بإنصاف تام”، لكنه سعى جاهدًا للحفاظ على تغطية هادئة وموضوعية. حتى في خضم هذه الأزمة الوطنية، لم تكن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) محطة دعائية، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى رفض بالدوين ) ستانلي بالدوين رئيس وزراء بريطانيا في تلك الفترة – المترجم) لرغبة بعض أعضاء حكومته وخاصة ونستون تشرشل الذين سعوا إلى احتكار البث الإذاعي.
وعلى صعيد أشمل، مع توسع التغطية السياسية، سمحت هيئة الإذاعة البريطانية بظهور أصوات متنوعة، لكنها كانت تميل بوضوح نحو الديمقراطية البرلمانية: فنادرًا ما كان يُسمع صوت الشيوعيين والفاشيين على أثيرها. كانت الهيئة منفتحة على مختلف المذاهب الدينية، لكنها ظلت تعبر بوضوح عن التيار العام السائد. وهذا كان نهجها أيضاً تجاه الدين. فعلى الرغم من انتمائه إلى المذهب المشيخي ( اتباع اللاهوتي البروتستانتي جون كالفين- المترجم) ، كان ريث يؤمن بأن البث الديني يجب أن يقوم على “مسيحية غير طائفية تقتصر من حيث العقيدة على أبسط الأسس التي يمكن لجميع مسيحيي الغرب الالتزام بها”.
بوجود قناة وطنية واحدة فقط، مدعومة في معظم المناطق بمحطة محلية، كان الهدف هو إيجاد أرضية مشتركة. وكما هو الحال مع السينما، لم تكن هناك رغبة في إحداث أي بلبلة أو إثارة الاستياء ، وكانت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، كمؤسسة السينما، تُنظّم نفسها بنفسها بشكل أساسي.
أما بالنسبة للأشكال الثقافية الأخرى، فقد وُجدت منظومة رقابة مشتتة تطورت عبر الأجيال دون أي منطق أو ترابط. كان مسرح لندن خاضعًا لسيطرة محكمة من قبل اللورد تشامبرلين (كبير أمناء البلاط الملكي – المترجم)، بينما كانت مسارح المنوعات تحت إشراف المجالس المحلية. لم تكن الكتب والمعارض تتطلب موافقة مسبقة، لكنها كانت خاضعة لقانون المنشورات الخادش للحياء العام. مُنح مكتب البريد صلاحية اعتراض رسائل البريد، وموظفو الجمارك صلاحية مصادرة المواد القادمة من الخارج.
لم يكن أي من هذه التدابير صارماً أو قاسياً، بل كانت ببساطة أشبه بغطاء يعزل البلاد عن الصراعات. كان غياب التفاعل الثقافي مع القضايا السياسية الملتهبة على خشبة المسرح والشاشة والإذاعة أحد أسباب شعور البلاد، وهي كذلك، باستقرار أكبر بكثير في ثلاثينيات القرن العشرين مقارنة بمعظم دول أوروبا. كانت الثقافة في بريطانيا أكثر هدوءًا بكثير من جيرانها.
كان هناك شيء ما أعمق يدعم هذه المظاهر الثقافية: القناعة بأن الديكتاتورية تتعارض مع طبيعة الأمة. كتب أحد كُتّاب الأعمدة في صحيفة “ويست ساسكس غازيت” عام 1933: “إن الحكم الاستبدادي يتنافى تماماً مع العقلية البريطانية، بل أن النموذج المعمول به في ألمانيا يبدو لنا ضرباً من الخيال والجنون”. لقد أساءت الدولة الشمولية، بتدخلها في الحياة الخاصة، إلى ثقافة لطالما افتخرت بالخصوصية والاستقلال؛ وبطريقة ما، بدا كل شيء غريبًا للغاية.
كان تقديس الزعماء الذي مُنح لهتلر وستالين وأمثالهما – وانتشار صورهم في كل مكان على الملصقات واللافتات والصور العامة – أمراً مستهجناً. فقد كانت الملكية تؤدي هذا الدور بالفعل، إذ كانت رموزها جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، من النشيد الوطني إلى الأوراق النقدية والعملات المعدنية، والطوابع البريدية وصناديق البريد. وقد وصف الروائي لويس غولدينغ عبارة “هتلر إنجليزي” عام 1931 بأنها “متناقضة بشكلٍ مثير للسخرية”. (وهذا لم يمنع الناس من تجربتها: ففي العام السابق، استخدم وزير العمل آرثر غرينوود هذه العبارة تحديدًا لوصف ونستون تشرشل).
لا داعي للغضب
كانت الأزياء شبه العسكرية للحركات الفاشية، بقمصانها أحادية اللون، غريبة بنفس القدر، لا بل وسخيفة تمامًا. فقد سخرت منها صحيفة “روسكومون هيرالد” قائلة: “يبدو أن عدد الشعوب التي قد تُقاد إلى الخلاص، وهو خلاص غير ديمقراطي في الغالب، يقتصر فقط على عدد الألوان التي يمكن صبغ القمصان بها”. أصبحت هذه الأزياء مادة للسخرية في أدب تلك الفترة. حيث ظهرت القمصان الخضراء في رواية جون بوكان “بيت الرياح الأربع” عام 1935، ومرة أخرى في رواية ريتشمال كومبتون “ويليام الديكتاتور”، والقمصان البيضاء في رواية إيفلين “سكوب” (كلاهما عام 1938)، والقمصان الإمبراطورية غير المحددة في رواية أجاثا كريستي “واحد، اثنان، اربط حذائي” (1940).
والأفضل من ذلك كله، أن بي جي وودهاوس قدّم في روايته “قانون ووستر” عام 1938 شخصية رودريك سبود، وهي محاكاة ساخرة لأوزوالد موزلي الذي يقود جماعة “السراويل السوداء”. كما توضح غوسي فينك-نوتل: “لم يتبقَّ أي قمصان”. وفي الكتاب نفسه، سخر وودهاوس من “تلك الصور في الصحف للديكتاتوريين ذوي الذقون المائلة والعيون المتوهجة، وهم يُلهبون حماسة العامة بكلمات نارية”.
كان هذا جانبًا آخر من مشكلة هؤلاء الشخصيات: فالتظاهر والخطابات الجوفاء بدت غريبة في السياق البريطاني، تمامًا كما أن الخطاب الإنجيلي الناري لا يُناسب لهجة المقاطعات البريطانية. عندما أسس موسلي الاتحاد البريطاني للفاشيين، استبدل ملابسه الصوفية التقليدية وبدلاته بكنزة سوداء بياقة عالية مدسوسة في بنطال أسود، مثبتة بحزام جلدي أسود عريض، واتخذت شخصيته على المسرح نبرة خطابية أكثر حدة وإيماءات ذراع مبالغ فيها. لكنه بدا غير مقنع، كما لو كان يؤدي دور ديكتاتور في عرض مسرحي هاوٍ.
إذا كان ثمة رمز ثقافي واحد يعكس عدم ثقة بريطانيا الفطرية بالديكتاتور، فربما كانت أغنية “لامبيث ووك” والرقصة المصاحبة لها، التي اجتاحت البلاد عام 1938. كانت الأغنية من أبرز فقرات المسرحية الموسيقية “أنا وفاتنتي”، لحنًا بسيطًا وجذابًا للغاية، تدفع ساعي البريد والسباكين إلى ترديده بفرح. أما كلماتها فكانت أبسط، لا سيما صيحة “أوي!” واللازمة الموسيقية :”كل شيء حر ويسير؛ افعل ما يحلو لك”.
بدت الأغنية وكأنها تتحدث عن شعب متحرر من دولة مستبدة – وهو أمر نادر في عالم يزداد استبدادًا. وقد لاقت رواجًا واسعًا في أوساط المجتمع بأسره – حيث تم تأديتها، وفقًا لتقارير “ماس أوبزرفيشن”، “في قاعات مايفير، وقاعات الرقص في الضواحي، وحفلات الكوكني، وحفلات الرقص في القرى”.
بيعت نحو 350 ألف نسخة من النوتة الموسيقية لأغنية “ذا لامبيث ووك” في بريطانيا خلال عامها الأول، وحققت نجاحًا كبيرًا في التصدير أيضًا. سجّلها عشرات الفنانين، من بينهم قائدا الفرق الموسيقية الأمريكيان آرتي شو وديوك إلينغتون، بالإضافة إلى أعظم فرقة جاز في أوروبا، وهي فرقة “كوينتيت أوف ذا هوت كلوب أوف فرانس”. وبينما كانت القارة تتجه نحو صراع آخر في عام مؤتمر ميونيخ (عُقد في 1938 وهو أحد أبرز المحطات التاريخية التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية – المترجم)، وتبددت أوهام فكرة “السلام في عصرنا”، توقعت صحيفة التايمز أن تكون الأغنية “مثل أغنية تيبيراري” في الحرب العالمية القادمة. (تيبيراري هي رمز ثقافي لأشهر أغنية حماسية وعاطفية رددها الجنود البريطانيون أثناء زحفهم إلى جبهات القتال في الحرب العالمية الأولى – المترجم)
لكن في ألمانيا النازية، واجهت الأغنية معارضة شديدة. مُنعت من احتفالات كرنفال عيد الفصح في ميونيخ، ومن جامعة هايدلبرغ – التي حصل جوزيف غوبلز منها درجة الدكتوراه – ويُقال إن هيرمان غورينغ منع فرق سلاح الجو الألماني من عزفها. وكتبت صحيفة “دير إس إيه مان”، صحيفة القمصان البنية، بصوت عالٍ: “هذه موسيقى منحطة، والذين يرقصون على أنغامها منحطون أيضًا”.
من منظور بريطاني، شكل هذا الأمر صداماً جوهريًا بين الثقافات والقيم. إذ علقت صحيفة ليفربول إيكو: “ليس ثمة ما هو حر أو يسير في ألمانيا النازية. لا بد أن أغنية ورقصة “لامبيث ووك” تبدو غريبة ومقحمة في بلاد يحكمها الحذاء العسكري”.
وإن بدت هذه المقارنة واهية بعض الشيء، وربما تافهة، إلا أنها كانت منطقية في ذلك الوقت. حتى أن كليمنت أتلي، زعيم حزب العمال، توصل إلى النتيجة نفسها تمامًا. إذ قال: “حسبما فهمت، يعتبر هتلر “لامبيث ووك” رقصة ديمقراطية أكثر من اللازم بالنسبة لألمانيا. فكل ما يبرعون في فعله هناك هو الخطوة العسكرية”.
