Şenol Arslantaş وDüzgün Arslantaş
النسخة الانكليزية وعند الاستشهاد الاكاديمية يرجى استخدام الصيغة التالية:
Arslantaş, Ş., & Arslantaş, D. (2026). Ethno-regionalist parties beyond Western Europe: Kurdish parties in Turkey. Party Politics, 13540688261475512.
ترجمة : د . مسلم عبد طالاس
ملخص نقدي من المترجم
يقدم المقال دراسة مقارنة مهمة للتطور التاريخي للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية في تركيا، من HEP إلى HDP وDEM، من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: الأيديولوجيا، والتنظيم، والاستراتيجية الانتخابية. وتكمن أهم مساهماته في إخراج الحالة الكردية من المعالجة المنفصلة وإدخالها في الأدبيات المقارنة حول الأحزاب الإثنو-إقليمية التي تهيمن عليها حالات أوروبا الغربية.
يظهر المقال أن هذه الأحزاب حافظت على توجه يساري يجمع القضية الكردية والحقوق الاجتماعية، ثم وسعت أجندتها تدريجيا لتشمل النسوية والبيئة وحقوق الأقليات والديمقراطية التشاركية. أما تنظيميا، فيقدم مفهوم “حزب الحركة” تفسيرا مهما لقدرتها الاستثنائية على الاستمرار رغم الحظر والقمع وعزل رؤساء البلديات: فالحزب القانوني يمكن حظره، بينما تبقى الحركة الاجتماعية والسياسية الأوسع وشبكاتها قادرة على إعادة إنتاجه في صيغة حزبية جديدة. وانتخابيا، يكشف المقال مسارا من التحالفات اليسارية والمرشحين المستقلين إلى استراتيجية Türkiyelileşme، أي محاولة تحويل النواة الانتخابية الكردية إلى قاعدة لبناء قوة سياسية وتحالفية على مستوى تركيا.
مع ذلك، يترك المقال أسئلة تفسيرية أساسية مفتوحة. فهو يعزو الصمود إلى الانغراس في “الحركة الكردية الأوسع”، لكنه لا يفكك هذه الحركة بما يكفي، وخصوصا موقع منظومة PKK وما إذا كانت توفر موارد تنظيمية ورمزية وشبكية تساعد على تفسير الاستمرارية. كما تظهر مفارقة بين مأسسة القيادة الجماعية والرئاسة المشتركة وبين استمرار أوجلان كمرجعية أيديولوجية مركزية.
وتبرز مشكلة تصنيفية أخرى: فكلما نجحت Türkiyelileşme وأصبح HDP/DEM أكثر تعددا إثنيا ووطنية في الخطاب والتحالفات، أصبح وصفه ببساطة بأنه حزب إثنو-إقليمي أقل كفاية. وربما يكون الأدق النظر إليه بوصفه “حزب حركة متعدد الإثنيات ذا نواة إثنو-إقليمية”. وأخيرا، رغم حضور التفاوت الإقليمي والتهميش الاقتصادي، يبقى الاقتصاد السياسي خلفية للسرد أكثر من كونه آلية سببية متكاملة لتفسير نشوء هذه الأحزاب وتطورها.
الملخص
في حين توجد أدبيات واسعة حول الأحزاب الإثنو-إقليمية (Ethno-regionalist Parties – ERPs) في أوروبا الغربية، فإن الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية في تركيا لا تزال غير منظّرة بما يكفي. ومن خلال التركيز على أيديولوجيا الحزب، وبنيته التنظيمية، واستراتيجيته الانتخابية، تقدم هذه المقالة ثلاث نتائج. أولا، على المستوى الأيديولوجي، تطرح الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية باستمرار برنامجا ذا توجه يساري يتمحور حول العمل والديمقراطية، مع إدماجها بصورة متزايدة لمبادئ ما بعد مادية، مثل النسوية والبيئية. ثانيا، على المستوى التنظيمي، تعمل هذه الأحزاب بوصفها أحزاب حركة (movement parties)، وتتمتع ببنية عالية القدرة على الصمود. ثالثا، على المستوى الاستراتيجي، تتوسع هذه الأحزاب إلى ما وراء معقلها الإثني من خلال تحالفات يسارية واسعة وعملية “التحول إلى حزب لعموم تركيا” (Türkiyelileşme)، لتصبح بذلك فاعلا محوريا على المستوى الوطني. وتؤكد هذه النتائج ضرورة أخذ التفاعل بين التعبئة الإثنو-إقليمية، والقيود السياسية والمؤسسية، والروابط بين الحزب والحركة في الحسبان عند السعي إلى فهم الأحزاب الإثنو-إقليمية في الأطراف الأوروبية.
المقدمة
إن التوقع الراسخ منذ زمن طويل بأن السياسات الإثنية ستتلاشى في نهاية المطاف مع تقدم تحديث المجتمعات الأوروبية لم يتحقق إلى حد كبير. بل على العكس، فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، برزت الأحزاب الإثنو-إقليمية (Ethno-regionalist Parties، ويشار إليها فيما يلي اختصارا بـ ERPs) بوصفها قوى منافسة مستقرة ومؤثرة للأحزاب الرئيسية ضمن أنظمة حزبية وطنية متنوعة. فمن حزب ليغا (Lega) في إيطاليا (Mazzoleni and Ruzza, 2018)، إلى الحزب القومي الباسكي (EAJ) في إسبانيا (Vampa, 2016)، والتحالف الفلمنكي الجديد (N-VA) في بلجيكا (Abts et al., 2019)، والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) في ألمانيا (Falkenhagen, 2013)، أعادت الأحزاب الإثنو-إقليمية تشكيل المنافسة الحزبية. وفي بعض الحالات، وبصورة أبرز لدى الحزب القومي الاسكتلندي (SNP) (Strijbis, 2023) وشين فين في إيرلندا (Matthews and Whiting, 2022)، اكتسبت هذه الأحزاب “إمكانات الائتلاف” و”إمكانات الابتزاز” (coalition and blackmail potential) (Sartori, 1976).
وعلى الرغم من تنامي حجم الأدبيات التي تركز على الأحزاب الإثنو-إقليمية داخل أوروبا الغربية (مثلا: Mazzoleni and Mueller, 2017; Tronconi, 2015)، فإن نظيراتها في الأطراف الأوروبية حظيت باهتمام أقل بكثير. ومن اللافت أن الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية في تركيا، وعلى الرغم من الحظر المتكرر للأحزاب والحالات الموثقة من العنف السياسي الذي استهدف كوادرها منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، أظهرت قدرة تنظيمية لافتة على الصمود، مكنتها من البروز بوصفها فاعلا رئيسيا في النظام الحزبي الوطني، ولا سيما أنها تجاوزت باستمرار واحدة من أعلى العتبات الانتخابية في العالم، وهي 10%، قبل تخفيضها إلى 7% في عام 2022.
تقدم هذه المقالة ثلاث مساهمات رئيسية في الأدبيات. أولا، توسع تجريبيا النطاق الجغرافي للدراسات المتعلقة بالأحزاب الإثنو-إقليمية، من خلال دراسة الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية في تركيا بوصفها حالة كاشفة من الأطراف الأوروبية. ونحلل كيف شكلت الظروف السياسية-المؤسسية والظروف السياسية-الاقتصادية (البنيوية) المتميزة المسار الانتخابي لهذه الأحزاب.
ثانيا، تسهم المقالة في النقاشات المتعلقة بالتصنيف المفاهيمي للأحزاب الكردية. ففي حين تصف الدراسات القائمة هذه القوى في كثير من الأحيان بأنها أحزاب “مؤيدة للكرد” (pro-Kurdish) أو “يسار شعبوي” (populist left) مثلا: Kaya, 2019; Tekdemir, 2019; Celep, 2018)، تصوغ هذه الدراسة مفهومها للأحزاب الكردية — منذ تأسيس حزب العمل الشعبي (Halkın Emek Partisi, HEP) عام 1990 وصولا إلى حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الحالي (Halkların Eşitlik ve Demokrasi Partisi, DEM Party) — باعتبارها أحزابا إثنو-إقليمية يسارية جديدة، منظمة وفق نمط حزب الحركة[1] (new left-wing ERPs organized in a movement-party style).
ثالثا، ومن خلال وضع الأحزاب الكردية ضمن الإطار الأوسع للأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية، تسلط المقالة الضوء على الأنماط العامة للتعبئة الإثنو-إقليمية إلى جانب خصوصيات الحالة الكردية.
تعتمد هذه الدراسة تصميما بحثيا نوعيا مقارنا، يدمج تحليل المحتوى النوعي وتحليل الخطاب لدراسة المسارات الانتخابية للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية (Mayring, 2015; Ragin, 1987). وتستند قاعدتها التجريبية إلى تحليل محتوى وثائق حزبية أولية، تشمل البرامج الرسمية للأحزاب، وأنظمتها التنظيمية، وبياناتها الانتخابية.
ويستخدم التحليل إطارا مقارنا ذا مستويين: أولا، مقارنة طولية داخل الحالة نفسها، تتتبع التحول الخطابي من المطالب المتمحورة حول الإثنية نحو برامج ديمقراطية راديكالية وشاملة اجتماعيا؛ وثانيا، منظورا مقارنا عبر الحالات يضع هذه النتائج إلى جانب مسارات الأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية.
وتتضمن هذه المقاربة ثلاثة أبعاد أساسية: أيديولوجيا الحزب، وتنظيم الحزب، والاستراتيجية الانتخابية.
وتتكون حججنا من ثلاثة أجزاء. أولا، نجادل بأن الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية أخذت، بصورة متزايدة، تصوغ خطابا سياسيا يساريا جديدا يجمع بين المطالبة بالاستقلال الذاتي السياسي (الديمقراطي)، والمبادئ المادية المتمحورة حول العمل، والمبادئ ما بعد المادية، وبصفة خاصة النسوية والبيئية.
ثانيا، ندعي أن هذه الأحزاب شهدت تحولا تنظيميا جوهريا، إذ تبنت خصائص أحزاب الحركة. وتقدم سماتها المؤسسية المتمحورة حول المرأة — وأبرزها نظام الرئاسة المشتركة — نموذجا بديلا لتنظيم الحزب في مواجهة البنى الأبوية التقليدية في كل من السياسة التركية والأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية.
وأخيرا، نرى أنه في حين تبنت الأحزاب الكردية استراتيجيات مختلفة للبقاء، فإن استراتيجية “التحول إلى حزب لعموم تركيا” (Türkiyelileşme) التي اتبعها حزب الشعوب الديمقراطي (Halkların Demokratik Partisi, HDP) — والهادفة إلى تحويل الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية إلى قوة سياسية وطنية — أدت دورا حاسما في تسهيل التنسيق بين قوى المعارضة، ولا سيما مع حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري (Cumhuriyet Halk Partisi, CHP)، ومن ثم تحدي هيمنة الكتلة القومية-المحافظة الحاكمة.
وتنظم المقالة على النحو الآتي. أولا، نضع الأساس النظري من خلال مناقشة ظهور الأحزاب الإثنو-إقليمية وتطورها ضمن السياق الأوروبي الأوسع. ثانيا، نقدم تحليلا منهجيا للتطور الأيديولوجي للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية، ثم نحول التركيز التحليلي إلى سماتها التنظيمية المميزة. بعد ذلك، ندرس تحول الاستراتيجيات الانتخابية للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية، وبصفة خاصة كيفية تعاملها مع البيئات السياسية القمعية. ويلخص القسم الأخير النتائج الرئيسية للبحث، ويضعها ضمن النقاشات الأوسع حول الأحزاب الإثنو-إقليمية في الأطراف الأوروبية، ويقترح مسارات محتملة للبحث مستقبلا.
الأحزاب الإثنو-إقليمية في أوروبا
يمكن إرجاع أصول الأحزاب الإثنو-إقليمية (ERPs) في أوروبا إلى التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة التي شهدتها ستينيات القرن العشرين. فقد شهدت تلك الفترة تآكل السياسة التقليدية القائمة على الطبقة، وتزايد أهمية القضايا ما بعد المادية[2]، بما في ذلك حقوق الأقليات والاعتراف الثقافي (Bartolini and Mair, 1990) . كما أدت “الموجة الثالثة” اللاحقة من التحول الديمقراطي[3] إلى إضفاء الشرعية على مطالب الاعتراف Claims for recognition [4]، وسهلت مأسسة الأحزاب الإثنو-إقليمية داخل الأنظمة الحزبية الوطنية (De Winter and Türsan, 2003).
تقوم الأحزاب الإثنو-إقليمية، في جوهرها، على ظاهرتين مترابطتين: الإثنية والإقليمية. ففي حين تنطوي الإثنية على وعي مشترك بالهوية قائم على خبرات تاريخية مشتركة، تشير الإقليمية إلى مشروع سياسي-إقليمي مرتبط بمنطقة جغرافية محددة (Keating, 1998).
ويعرف De Winter (2003) الأحزاب الإثنو-إقليمية بأنها الأحزاب:
“التي يتمثل هدفها الأساسي في تمثيل جماعات إثنية منتشرة إقليميا أو متركزة إقليميا، ترى نفسها فئات اجتماعية هامشية ذات هوية جماعية متميزة”.
ويميز هذا التصور الأحزاب الإثنو-إقليمية عن كل من “الأحزاب الإثنو-قومية” (ethno-nationalist parties) و”الأحزاب الإثنية” (ethnic parties) التي تخدم أساسا المصالح الضيقة لجماعة محددة مع استبعاد “الآخرين” (Chandra, 2005) . كما تختلف الأحزاب الإثنو-إقليمية عن “الأحزاب الإقليمية” (regional parties) التي تمثل جميع سكان إقليم معين بغض النظر عن خلفيتهم الإثنية (Brancati, 2008)، إذ تقوم الأحزاب الإثنو-إقليمية بالتعبئة صراحة حول هوية جماعية متميزة.
متى ينشأ الحزب الإثنو-إقليمي؟ يعزو بعض الباحثين ظهوره إلى عدم اكتمال عمليتي التحديث وبناء الأمة، بينما يربطه آخرون بالتعقيدات التي يولدها التحديث المتقدم (Nielsen, 1985) . أما المقاربات المؤسسية فتشدد على دور النظم الانتخابية، وتنظيم الحزب، والقيادة (Hauss and Rayside, 1978) . وفي المقابل، تبرز مقاربات الاقتصاد السياسي التنمية الإقليمية غير المتكافئة وتهميش أقاليم محددة[5] (Rodriguez-Pose, 2018).
أما هذه الدراسة فتعتمد بدلا من ذلك منظور علم الاجتماع السياسي، وتؤطر الأحزاب الإثنو-إقليمية بوصفها تعبيرا عن الانقسام بين المركز والأطراف (center–periphery cleavage) (Lipset and Rokkan, 1967) . ويبرز هذا الانقسام أوجه التفاوت بين المناطق المركزية والمناطق الطرفية، حيث تعرف الطرفية من خلال البعد عن المركز، والاختلاف الثقافي، والتبعية البنيوية (Hueglin, 1986).
وفي هذا السياق، تعكس تعبئة الأحزاب الإثنو-إقليمية حالات الفشل في بناء الأمة، التي تولد احتكاكا بين النخب المركزية والمجتمعات الطرفية المهددة بالاستيعاب الثقافي أو الإخضاع السياسي (Müller-Rommel, 2003).
وتتشكل طبيعة الانقسام بين المركز والأطراف بصورة جوهرية من خلال الاختيار الخطابي بين “الإقليمية البرجوازية” (bourgeois regionalism) و”الاستعمار الداخلي” (internal colonialism) انظر (Harvie, 1994) [6] . وتتيح هاتان الصياغتان للأحزاب الإثنو-إقليمية التعبير عن مطالبها استنادا إما إلى ميزة اقتصادية نسبية أو إلى استغلال بنيوي ممنهج.
تنشأ الإقليمية البرجوازية في المناطق الغنية، مثل فلاندرز أو كتالونيا، حيث تنبع المظالم من التصور القائل إن ثروة الإقليم تتعرض للاستغلال من جانب مركز أقل إنتاجية (Sorens, 2005) . وعلى النقيض من ذلك، يجد خطاب الاستعمار الداخلي صداه في المناطق المتخلفة تنمويا — مثل شرق تركيا — حيث تعمل الاستراتيجيات التي تقودها الدولة على تهميش المنطقة بصورة ممنهجة، وتعيد إنتاج التنمية غير المتكافئة من خلال نقص الاستثمار المزمن (Hechter, 1975). ويعد هذا الخطاب حيويا لفهم الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية؛ إذ إن مسارها لا يتشكل من خلال الدفاع عن رخاء الإقليم، وإنما من خلال مقاومة الهيمنة الثقافية والاقتصادية والسياسية للمركز.
أما أيديولوجيا، فإن الأحزاب الإثنو-إقليمية بعيدة كل البعد عن أن تكون كتلة متجانسة. فالأحزاب الإثنو-إقليمية اليسارية — مثل الحزب القومي الاسكتلندي (SNP) وPlaid Cymru في ويلز — كثيرا ما تجمع بين أهداف إعادة التوزيع وأجندة سياسية جديدة، متبنية قضايا النسوية والبيئية (Foley et al., 2023) . وفي المقابل، كثيرا ما تستخدم الأحزاب الإثنو-إقليمية اليمينية — مثل Vlaams Belang (VB) في بلجيكا أو Lega – خطابات إقصائية أو مناهضة للحداثة (Braghiroli and Makarychev, 2023).
وإلى جانب اختلاف توجهاتها الأيديولوجية، يمكن التمييز بين الأحزاب الإثنو-إقليمية على أساس مطالبها المتعلقة بالحكم الذاتي الإقليمي أو الاستقلال الذاتي السياسي (Dandoy, 2010) . فعلى سبيل المثال، يرى De Winter (2003) أن الأحزاب “الحمائية” (protectionist) تهدف إلى الحفاظ على الخصوصية الثقافية ضمن الأطر القائمة، بينما تناضل الأحزاب “الاستقلالية” (autonomist) من أجل ترتيبات رسمية لتقاسم السلطة. وفي الطرف الآخر، تسعى القوى “القومية-الفيدرالية” (national-federalist) أو “الاستقلالية الانفصالية” (independentist) إلى قدر أكبر من الحكم الذاتي، يصل في بعض الحالات إلى الانفصال الكامل.
يتفاوت الأداء الانتخابي للأحزاب الإثنو-إقليمية تفاوتا كبيرا في أنحاء أوروبا. فتحقق بعض الأحزاب مستويات مرتفعة من التأييد بصورة مستمرة، ولا سيما على المستوى الإقليمي، كما يتضح في حالة حزب شعب جنوب تيرول (SVP) في إيطاليا. وتحصل أحزاب أخرى على دعم انتخابي أكثر تواضعا ولكنه مستقر، مثل حزب الشعب السويدي في فنلندا (SFP). بينما تظل أحزاب أخرى محدودة نسبيا في تأثيرها الانتخابي، مثل Eusko Alkartasuna (EA) في إسبانيا[7].
ترى المقاربات التي تركز على جانب الطلب (demand-side perspectives) أن الأحزاب الإثنو-إقليمية تعمل بوصفها قنوات للاحتجاج الإقليمي ضد المؤسسات السياسية غير المستجيبة؛ وحيث تكون المظالم الإثنية أو اللغوية بارزة، تتمتع هذه الأحزاب بجاذبية أكبر (Detterbeck and Hepburn, 2018). وبما أن الأحزاب الإثنو-إقليمية تستمد عادة دعمها الأساسي من دائرة إثنية محددة، فإن قوة الهوية الإثنو-إقليمية وبروزها — والتي تقاس من خلال اللغة، أو الارتباط بالإقليم، أو تأييد الحكم الذاتي — غالبا ما تحدد النجاح الانتخابي (Mazzoleni and Mueller, 2017). وعلاوة على ذلك، يمكن للتفاوتات الاقتصادية بين المناطق، وكذلك تصورات الظلم المالي، أن تعزز التأييد للأحزاب الإثنو-إقليمية. لكن عندما تصبح هويات بديلة، مثل الطبقة أو الدين، أكثر بروزا، فقد يتراجع أداء هذه الأحزاب.
وعلى النقيض من ذلك، تشدد المقاربات التي تركز على جانب العرض (supply-side perspectives) على تأثير البيئة المؤسسية، وأنماط المنافسة الحزبية، وتنظيم الحزب، وأسلوب القيادة في نجاح الأحزاب الإثنو-إقليمية. وتحقق هذه الأحزاب أداء أفضل بكثير في ظل النظم الانتخابية النسبية ذات العتبات المنخفضة وضمن البنى اللامركزية أو الفيدرالية، كما هو ملاحظ في إيطاليا وبلجيكا وإسبانيا (Massetti and Schakel, 2016) . كما يعد التنظيم الحزبي القوي والقيادة الكاريزمية عاملين حاسمين في استدامة الأداء الانتخابي. وفي المقابل، يمكن أن تؤدي المنافسة داخل الكتلة الواحدة (intra-bloc competition) — حيث تمثل عدة أحزاب إثنو-إقليمية الدائرة الانتخابية نفسها، كما في كتالونيا أو إقليم الباسك — إلى إضعاف الدعم الانتخابي (Barrio and Rodriguez-Teruel, 2017).
نادرا ما تمكنت الأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية من الوصول إلى السلطة التنفيذية على المستويات المحلية أو الإقليمية أو الوطنية. ومن الاستثناءات البارزة الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، الذي حافظ على وجود شبه متواصل في الحكم في بافاريا منذ عام 1957، واليسار الجمهوري لكتالونيا (ERC)، الذي أدى دورا محوريا في حكومات كتالونيا منذ عام 2012، وعادة من خلال الائتلافات (Barrio and Rodriguez-Teruel, 2017; Hepburn, 2008).
وفي حين تتيح المشاركة في الحكومة التأثير المباشر في السياسات، فإنها تنطوي في الوقت نفسه على مخاطر؛ إذ يمكن أن تؤدي التسويات في السياسات التي تفرضها الحكومات الائتلافية إلى تنفير ناشطي الحزب وناخبيه الأساسيين، وهو ما قد يقوض التماسك الداخلي ويؤدي إلى عقاب انتخابي.
الأيديولوجيا: من السياسة الإثنية إلى اليسار الجديد
تشكل التطور الأيديولوجي للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية من خلال تفاعل معقد بين التعبئة الإثنو-إقليمية، والسياسة الطبقية، وأوجه اللامساواة الإقليمية البنيوية. وقد واجه الكرد، الذين يشكلون نحو 20% من سكان تركيا، تاريخيا التهميش السياسي، والقيود الثقافية، والتخلف الاقتصادي (Bozarslan, 2004).
وخلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أسهمت التحولات الاجتماعية-الاقتصادية — بما في ذلك التحضر السريع واتساع فرص الوصول إلى التعليم — في ظهور العديد من التنظيمات الاشتراكية الكردية. ومع ذلك، ظل الناخبون الكرد منحازين إلى حد كبير إلى الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، وتحديدا حزب الشعب الجمهوري (CHP) في سبعينيات القرن العشرين والحزب الشعبي الديمقراطي الاجتماعي (SHP) في ثمانينياته، اللذين تبنيا برامج تحويلية للإصلاح الزراعي وتوسيع الرعاية الاجتماعية، وسعيا بذلك إلى ردم الانقسامات الإقليمية والطبقية [8] (Emre et al., 2017). غير أن طرد عدد من نواب SHP من الحزب بسبب مشاركتهم في مؤتمر باريس الكردي عام 1989 أدى إلى تآكل التأييد الكردي للحزب (Arslantaş and Arslantaş, 2026a) .
وفي الوقت نفسه، أدى تعمق الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني (PKK) وقوات الأمن التركية إلى إعلان حالة الطوارئ في المحافظات الجنوبية الشرقية/الشرقية عام 1987، والتي ظلت سارية حتى عام 2002. وقد أدت انتهاكات حقوق الإنسان وعمليات التهجير القسري واسعة النطاق إلى “بلترة” (proletarianized) الجماهير الكردية، إذ تعرضت للهجرة القسرية نحو المدن الكبرى في غرب تركيا (Yörük and Sarı, 2025).
وفي سياق تصاعد اللامساواة الاجتماعية وفشل الأحزاب الرئيسية في معالجة المظالم المتزايدة لدى الكرد، تأسس عام 1990 حزب العمل الشعبي (HEP)، بوصفه أول حزب إثنو-إقليمي كردي ذي قاعدة جماهيرية واسعة. وعلى خلاف نظرائه، مثل Herri Batasuna أو Sinn Féin [9]، اللذين تبنيا في بعض الأحيان استراتيجيات مناهضة للنظام أو استراتيجيات الامتناع عن المشاركة (Leahy and Erdocia, 2026)، اندمج HEP والأحزاب التي خلفته في المجال السياسي الرسمي منذ البداية، مع استثناء بارز واحد: فقد دعا حزب الديمقراطية (DEP) إلى مقاطعة الانتخابات المحلية في مارس/آذار 1994.
وانسجاما مع الإجماع في الأدبيات على أن الأحزاب الإثنو-إقليمية نادرا ما تظل محصورة في أجندة ذات قضية واحدة (De Winter, 2003)، عرف HEP (1990) نفسه بأنه “حزب جماهيري يساري”. وطرح أجندة تحويلية تدعو إلى تعبئة العمال والفلاحين والمثقفين من أجل إقامة سلطة ديمقراطية “من الأسفل”، ودافع عن توسيع حقوق العمال والضرائب التصاعدية، إلى جانب المطالبة بإلغاء حالة الطوارئ في المحافظات الجنوبية الشرقية/الشرقية من تركيا.
وعزا HEP البطالة والتضخم وتفاقم الفوارق الاجتماعية-الاقتصادية إلى هيمنة الاحتكارات الوطنية والدولية، في الوقت الذي سلط فيه الضوء على وجود انقسام بنيوي بين المركز والأطراف. وتجسد ذلك في الفجوة الهائلة في الدخل بين المحافظات الغربية الصناعية والجنوب الشرقي الكردي المتخلف تنمويا؛ إذ أفادت البيانات بأن نصيب الفرد من الدخل بلغ 3211 دولارا في كوجالي، مقابل 200 دولار فقط في آغري و174 دولارا في هكاري. وصاغ HEP (1990) هذا التخلف الإقليمي باعتباره نتيجة متعمدة للمركزية الاقتصادية التي تقودها الدولة. وفي الوقت نفسه، دعا HEP إلى حل سلمي للقضية الكردية ضمن إطار وحدة أراضي تركيا، مثبتا مطالبه استراتيجيا في صكوك حقوق الإنسان الدولية، بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ووثيقة هلسنكي الختامية. وقد وضع هذا التركيز المزدوج على إعادة التوزيع والاعتراف HEP عند نقطة تقاطع السياسة الطبقية وسياسة الهوية (HEP, 1990).
ومع حفاظ حزب الحرية والديمقراطية ÖZDEP (1992)، على جوهره اليساري، فقد أدخل تركيزا أكثر صراحة على تقرير المصير والحقوق الثقافية الجماعية، مثل التعليم باللغة الأم. وقد أشار ذلك إلى تحول محوري من المظالم الاجتماعية-الاقتصادية البحتة نحو إطار يقوم على الاستقلال الذاتي المؤسسي. وكان أحد المحركات الرئيسية لهذا التحول إعادة تشكل القضية الكردية بفعل تحولات جذرية في المشهد الدولي، وتحديدا انهيار الاتحاد السوفييتي وتحول القضية الكردية إلى قضية إقليمية بصورة متزايدة في أعقاب حرب الخليج (Olson, 1992).
وكما حدث في التطور الخطابي لـ”الكتلة القومية الغاليسية” أو الاعتدال الاستراتيجي لـ”ليغا نورد”[10] (Albertazzi et al., 2018)، حولت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية مطالبها تدريجيا من الانفصال إلى الحكم الذاتي واللامركزية )انظر الجدول 1).
الجدول 1. تطور الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية (من تسعينيات القرن العشرين حتى الوقت الحاضر)
| منتصف الألفية – الوقت الحاضر | التسعينيات – أوائل الألفية | البعد | المجال |
| اليسار الجديد / اليسار الراديكالي | إثنو-إقليمية يسارية | الأيديولوجيا الأساسية | أيديولوجيا الحزب |
| اللامركزية، والاستقلال الذاتي السياسي | الحقوق الثقافية، الاعتراف، تقرير المصير | المطالب الإثنو-إقليمية | |
| تركيز قوي على النسوية، والبيئية، وحقوق الأقليات | محدود | تأثير «السياسة الجديدة» | |
| تأطير مناهض للسلطوية وديمقراطي راديكالي | مطالب ليبرالية-ديمقراطية قائمة على الحقوق | خطاب الديمقراطية | |
| حزب حركة (Movement Party) | حزب متمحور حول الإثنية | النمط التنظيمي | تنظيم الحزب |
| قيادة جماعية (نظام الرئاسة المشتركة) | قيادة ذات مركزية معتدلة | بنية القيادة | |
| مأسسة قوية: نظام الرئاسة المشتركة، والحصص، ومجالس المرأة | إدماج مؤسسي محدود | المأسسة الجندرية | |
| قدرة عالية على الصمود من خلال التكيف المؤسسي | الاستمرارية من خلال إعادة تأسيس الحزب | الصمود التنظيمي | |
| منافسة حزبية وكتل انتخابية، إضافة إلى التنسيق مع المعارضة | مرشحون مستقلون وكتل انتخابية | استراتيجية الانتخابات | الاستراتيجية الانتخابية |
| التحول إلى حزب على مستوى تركيا (Türkiyelileşme / nationalization) | قاعدة انتخابية إقليمية | استراتيجية توسيع النطاق | |
| قاعدة انتخابية هجينة: نواة كردية وحلفاء تقدميون في المدن | ناخبون كرد في الغالب | تركيبة القاعدة الانتخابية |
وكما يتجلى في برنامج حزب ديمقراطية الشعب HADEP (1994)، تصورت هذه القوى تحويل الهيئات الإدارية المحلية إلى مؤسسات شبه برلمانية، ودعت إلى انتخاب المحافظين ونقل الخدمات العامة — بما في ذلك التعليم والصحة والأمن الداخلي — إلى السلطات المحلية.
برز تحول أيديولوجي مهم في أوائل العقد الأول من الألفية، تجسد في برامج DEHAP حزب الشعب الديمقراطي، Demokratik Halk Partisi، وDTP حزب المجتمع الديمقراطي، Demokratik Toplum Partisi ، وBDP حزب السلام والديمقراطية (Barış ve Demokrasi Partisi) . وتعكس هذه المرحلة انتقالا من خطاب يغلب عليه الطابع الطبقي والإثني إلى إطار أكثر تعقيدا يدمج التحول الديمقراطي، واللامركزية، والمساواة بين الجنسين، والاهتمامات البيئية (Celep, 2018). فعلى سبيل المثال، طرح برنامج DEHAP (2003) مفهوم “نظام اجتماعي ديمقراطي” يستند إلى حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون. كما تناول قضايا عالمية ناشئة مثل الأزمة البيئية، وعدم المساواة بين الجنسين، والأشكال الجديدة للإمبريالية. وبذلك، تجاوز سياسات إعادة التوزيع التقليدية ليدمج عناصر ما بعد مادية. وفي الوقت نفسه، واصل DEHAP تأطير حل القضية الكردية بوصفه شرطا مسبقا للتحول الديمقراطي والسلام الاجتماعي، ودعا إلى الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية.
وتعزز هذا النمط مع DTP (2005)، الذي دافع عن الحوكمة التشاركية وطالب بحكم ذاتي محلي واسع. واقترح الحزب نقل جميع الصلاحيات الإدارية إلى الحكومات المحلية، باستثناء الوظائف الأساسية للدولة مثل الدفاع والسياسة الخارجية، وهو ما مثل تحولا واضحا نحو نموذج استقلالي للحكم (autonomist model of governance).
وعزز BDP (2008) هذه التطورات ووسعها، فطرح إعادة تعريف للمواطنة استنادا إلى إطار هوية فوقية (supra-identity)، مع المطالبة بالاعتراف بالتنوع الثقافي والحوكمة متعددة اللغات. كما اقترح الحزب إصلاحات بعيدة المدى في مجال اللامركزية، بما في ذلك منح الحكومات المحلية استقلالا ماليا وإداريا، ورفع تحفظات تركيا على الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلي.
وشكلت هذه المقترحات، مجتمعة، نموذجا متماسكا لـ”الاستقلال الذاتي الديمقراطي” (democratic autonomy) يقوم على الحكم الذاتي المحلي وصنع القرار التشاركي (Güneş and Yadırgı, 2020).
ومع أن برنامج HDP (2012) كان متجذرا في الإرث الأيديولوجي لأسلافه من الأحزاب الكردية، فإنه وضع الحزب بوصفه “حزبا يساريا راديكاليا”. وقد انسجم خطابه مع نظرائه في جنوب أوروبا، مثل سيريزا (Syriza) وبوديموس (Podemos)، مستهدفا مظالم الفئات التي تضررت من الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008 (Tekdemir, 2019). وطرح HDP رؤية “الطريق الثالث” لجمهورية ديمقراطية، بوصفها بديلا لكل من التركيب التركي-الإسلامي الذي تبنته حكومة حزب العدالة والتنمية (AKP)، والقومية الإقصائية للمعارضة التقليدية (Sunca, 2025). كما دعا الحزب إلى “جمهورية اجتماعية” تعطي الأولوية لحقوق العمال والضرائب التصاعدية، في الوقت الذي تعارض فيه تحويل الموارد الطبيعية إلى سلع. وانطلاقا من نقد نسوي للنظام الأبوي بوصفه شكلا بنيويا من أشكال الهيمنة، دفع HDP أيضا باتجاه تحقيق مساواة جندرية فعلية (Burç, 2019). ومن اللافت أنه، وعلى النقيض الحاد من معظم الأحزاب الإثنو-إقليمية المحافظة في أوروبا، اعتبر HDP (2012) التمييز القائم على المغايرة الجنسية (heterosexism) شكلا بنيويا من أشكال العنصرية، وعمل بنشاط على مكافحة التمييز ضد مجتمع LGBT+. ودافع HDP، ولاحقا حزب DEM (2023)، عن “الاستقلال الذاتي السياسي” (political autonomy)، وهو نموذج يمنح مستويات الحكم الإقليمية سلطات تشريعية وتنفيذية معا. كما أيد الحزب رفع تحفظات تركيا على الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلي، وإعادة هيكلة الدولة إلى نحو 20–25 إقليما يتمتع بالحكم الذاتي. واستنادا إلى حالات مقارنة مثل كتالونيا وحركة الزاباتيستا، قدم الحزب نموذجا للحكم اللامركزي يشمل تركيا بأكملها، ويقوم على الخصائص الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية المشتركة، بدلا من الاستناد إلى هوية إثنية واحدة (Gürer, 2015)[11]. وعلى المستوى المؤسسي، يحكم كل إقليم مجلس منتخب ديمقراطيا ولجنة تنفيذية. وتمنح هذه الهيئات صلاحية التشريع وسن القوانين المحلية وإدارة الميزانيات الإقليمية في قطاعات رئيسية مثل التعليم والرعاية الصحية والصناعة. ومن شأن تماسك هذه الأقاليم وظيفيا وإقليميا أن يمكنها من تعزيز الحوكمة التشاركية. ويحدد النموذج بوضوح الاختصاصات المركزية والإقليمية: فبينما تظل الشؤون الخارجية، والمالية الوطنية، والدفاع مركزية، تدار مجالات مثل الشرطة والعدالة بصورة مشتركة. ومع الحفاظ على الرموز الوطنية واللغة الرسمية، تمنح الأقاليم الحق في اعتماد رموز محلية وتيسير التعليم باللغة الأم، بما يهدف فعليا إلى إعادة تشكيل البنية الوحدوية لتركيا وتحويلها إلى نظام ديمقراطي متعدد المستويات (BBC, 2015).
وعموما، وعلى خلاف “أحزاب الأقليات الإثنية” في دول مثل بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا، التي تكون إمكاناتها الانتخابية مقيدة بنيويا بالحجم الديمغرافي لجماعات أقلوية محددة (Ishiyama and Breuning, 1998)، أخذت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية تقدم نفسها بصورة متزايدة بوصفها فاعلين سياسيين على المستوى الوطني. ومن خلال الجمع المتزامن بين القضايا المادية وما بعد المادية، أعادت هذه الأحزاب بصورة جوهرية تشكيل أنماط المنافسة السياسية في تركيا.
فمن ناحية، تمكنت من تحقيق “ملكية القضية” (issue ownership) للقضية الكردية داخل النظام الحزبي الوطني (Green-Pedersen, 2007) . ومن ناحية أخرى، وفي مسار مشابه لمسار ليغا نورد، فإنها تعمل بوصفها حركة احتجاجية أوسع من خلال تعبئة السخط البنيوي تجاه المؤسسة السياسية القائمة (Ignazi, 2005). وفي الانتخابات الأخيرة، أتاح هذا المزج المميز بين المظالم الإثنو-إقليمية والأجندة اليسارية ذات النزعة الكونية للحركة أن تعمل بوصفها جسرا بين الحركة الكردية الطرفية والشرائح الحضرية والعلمانية والتقدمية في المجتمع التركي، وبذلك تجاوزت دائرتها الإثنية الأساسية.
غير أن إعادة التموضع الأيديولوجي هذه لم تكن من دون تكاليف انتخابية. إذ تظهر مجموعة كبيرة من الدراسات التجريبية أن التدين، إلى جانب الإثنية، شكّل باستمرار السلوك الانتخابي الكردي؛ حيث مال الناخبون الكرد المحافظون دينيا بصورة غير متناسبة إلى تفضيل AKP على HDP، حتى خلال الفترات التي بلغ فيها الأخير ذروة قوته الانتخابية انظر (Akdağ, 2016; Sarıgil and Fazlıoğlu, 2013) . وتؤكد بيانات مسح KONDA (2018) هذا النمط داخل قاعدة تأييد HDP نفسها: فبين عامي 2010 و2017، انخفضت نسبة مؤيدي HDP الذين يعرفون أنفسهم بأنهم “متدينون” من 37% إلى 27%؛ وارتفعت نسبة من يعرفون أنفسهم بأنهم “حداثيون” من 24% إلى 31%؛ بينما انخفضت نسبة “المحافظين المتدينين” من 33% إلى 24%. . ومن ثم، يمكن القول إن المواقف ما بعد المادية نفسها — النسوية، وحقوق LGBT+، والتأطير العلماني — التي وسعت جاذبية HDP لدى الفئات الحضرية التقدمية، قد حدت في الوقت نفسه من قدرته على اختراق الدوائر الانتخابية الكردية المحافظة، وهو ما يشير إلى توتر داخلي بين النواة الهوياتية للحزب وأجندته اليسارية-التحررية.
التغير التنظيمي: صعود أحزاب الحركة
ما يميز الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية عن معظم نظيراتها الأوروبية هو استمراريتها التنظيمية الاستثنائية في ظل ظروف سياسية-مؤسسية شديدة التقييد. ويتمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه بقاءها في التهديد المستمر بحظر الأحزاب.
فالدستور التركي لعام 1982، المستند إلى نموذج “الديمقراطية المقاتلة” (militant democracy)، ينص على حل الأحزاب السياسية التي تعد تهديدا للنظام الدستوري (Cavanaugh and Hughes, 2016) . وعلى وجه الخصوص، شكلت المادة 68(4) من الدستور، التي تؤكد ضرورة احترام أنظمة الأحزاب السياسية وبرامجها وأنشطتها لاستقلال الدولة وسلامة أراضيها، الأساس القانوني لحل عدد من الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية، بدعوى تقويض وحدة الدولة غير القابلة للتجزئة أو تقديم المساعدة المزعومة لحزب العمال الكردستاني (PKK).
ومع ذلك، قوبل كل قرار بحل حزب بإعادة تنظيم الحركة بسرعة في حزب خلفا له، بما يدل على قدرة تنظيمية هائلة على الصمود. وتشمل هذه السلسلة تعاقبا من الكيانات القانونية، من بينها HEP وÖZEP (Özgürlük ve Eşitlik Partisi)[12]، حزب الحرية والمساواة، وÖZDEP، وDEP، وHADEP، وDEHAP [13]، وDTP، وBDP، وHDP، وأخيرا حزب DEM انظر الجدول 2.
الجدول 2. الاستمرارية المؤسسية وحظر الأحزاب
| تاريخ الحل / الوضع | تاريخ التأسيس | الحزب |
| يوليو/تموز 1993 — حُظر | يونيو/حزيران 1990 | HEP |
| اندمج مع HEP | يونيو/حزيران 1992 | ÖZEP |
| نوفمبر/تشرين الثاني 1993 — حُظر | أكتوبر/تشرين الأول 1992 | ÖZDEP |
| يونيو/حزيران 1994 — حُظر | مايو/أيار 1993 | DEP |
| مارس/آذار 2003 — حُظر | مايو/أيار 1994 | HADEP |
| نوفمبر/تشرين الثاني 2005 — حل نفسه للانضمام إلى DTP | أكتوبر/تشرين الأول 1997 | DEHAP |
| ديسمبر/كانون الأول 2009 — حُظر | نوفمبر/تشرين الثاني 2005 | DTP |
| يوليو/تموز 2014 — حل نفسه للانضمام إلى DBP | مايو/أيار 2008 | BDP |
| نشط — دعوى إغلاقه لا تزال جارية | أكتوبر/تشرين الأول 2012 | HDP |
| أعيدت تسميته ليصبح حزب DEM | نوفمبر/تشرين الثاني 2012 | YSP |
| نشط — الحزب الإثنو-إقليمي الكردي الرئيسي حاليا | أكتوبر/تشرين الأول 2023 | DEM |
وعلى الرغم من أن إغلاق الأحزاب يؤدي حتما إلى تقليص حضورها السياسي واستنزاف مواردها التنظيمية والمالية (Bertoa and Bourne, 2017)، فإن عمليات الإغلاق هذه لم تقطع الاستمرارية التنظيمية طويلة الأمد للحركة. فبعد رفع دعوى لإغلاق HDP عام 2021، استمرت الحركة من خلال تجسدها في حزب DEM، في حين ظلت القضية منظورة أمام المحكمة الدستورية حتى يوليو/تموز 2026.
وإلى جانب هذه الإجراءات القانونية للحظر، أصبح العنف السياسي ضد الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية أمرا معتادا خلال تسعينيات القرن العشرين؛ فقد تعرضت مقرات الأحزاب للتفجير، واغتيل عدد من الناشطين والسياسيين البارزين أو تعرضوا للاعتقال التعسفي (Watts, 2006)[14].
تعزى القدرة التنظيمية القوية للحركة الكردية على الصمود، بصورة أساسية، إلى تجذر الأحزاب العميق داخل المجتمع الكردي والشبكات الاجتماعية المحلية.
وعلى غرار أحزاب إثنو-إقليمية أخرى موضع نزاع في أوروبا — مثل Sinn Féin في إيرلندا الشمالية، الذي اعتمد على شبكة واسعة من الجماعات المجتمعية الجمهورية (Bean, 2007)، أو Herri Batasuna في إقليم الباسك، الذي كان مندمجا في الحركة الأوسع للتحرير الوطني الباسكي (Movimiento de Liberación Nacional Vasco) (Tejerina, 2001) — تعمل الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية بوصفها مكونا حيويا في حركة كردية أوسع، وتحافظ على روابط عضوية مع المجتمع المدني والفاعلين السياسيين. ولذلك، ليس من قبيل المصادفة أن نجاحها الانتخابي كان تاريخيا أكثر وضوحا على المستوى المحلي، حيث عززت تدريجيا قوتها الإقليمية.
بدأ هذا المسار بالانتصارات البلدية المبكرة لـHEP، وبلغ ذروته في الانتخابات الأخيرة: ففي عام 2009، فاز DTP بـ96 بلدية؛ وفي عام 2014 فاز BDP بـ97 بلدية؛ وفي عام 2019 فاز HDP بـ60 بلدية، من بينها ثلاث بلديات كبرى. وفي الانتخابات المحلية لعام 2024، فاز حزب DEM بثلاث بلديات كبرى و74 بلدية (YSK, 2026). ومن خلال هذه الهيمنة على البلديات، استفادت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية من الشبكات المحلية في تقديم الخدمات الاجتماعية، والانخراط في السياسة الرمزية، وتنمية الولاء المتبادل مع الناخبين، وهو ما عزز كلا من سلطة البلديات وقدرة الحركة الأوسع على الصمود (Watts, 2006). وعلاوة على ذلك، أدى التطور التنظيمي للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية دورا حاسما في قدرتها على الصمود منذ أوائل العقد الأول من الألفية. وكان إضفاء الطابع المؤسسي على “نظام الرئاسة المشتركة” (eşbaşkanlık) في جميع مستويات الحزب تطورا مفصليا. وقد أدخل DTP هذا النظام للمرة الأولى، ثم تبنته الأحزاب التي خلفته. وصمم هذا الترتيب بهدف منع احتكار السلطة، وفي الوقت نفسه مأسسة المساواة بين الجنسين.
وتعزز هذه المبادئ كذلك من خلال حصص جندرية ملزمة — بلغت أعلاها في HDP بنسبة 50% [15]— وآليات أخرى لتحقيق المساواة بين الجنسين (انظر الجدول 1). فعلى سبيل المثال، استخدمت قوائم المرشحين في الانتخابات المحلية لعام 2014 “نظام السحاب” (zipper system)، الذي يقوم على التناوب بين المرشحين الرجال والنساء (Sahin-Mencutek, 2016) . إضافة إلى ذلك، منح إضفاء الطابع الرسمي على “مجالس المرأة” المستقلة هذه الهياكل سلطة حاسمة في القضايا المتعلقة بالمساواة بين الجنسين وتمثيل المرأة داخل الحزب.
وورث HDP الخصائص التنظيمية لـمؤتمر الشعوب الديمقراطي (HDK – Halkların Demokratik Kongresi)، الذي عمل بوصفه منصة قاعدية غير هرمية منظمة حول المجالس المحلية (Kaya, 2019). وطوّر HDP انطلاقا من ذلك نموذجا يختلف بدرجة كبيرة عن الأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية التقليدية، ويشبه بدرجة أكبر “حزب الحركة” (movement party) (Della Porta et al., 2017).
وعلى خلاف الأحزاب التقليدية ذات النواة البيروقراطية المحترفة، عمل HDP بوصفه “حزبا ائتلافيا” (coalitional party)، مؤديا دور الأداة الانتخابية لنضالات متنوعة من خارج البرلمان (Kitschelt, 2006) . وسعى إلى إدماج ائتلاف واسع من الحركات الاجتماعية — بما في ذلك المنظمات النسوية والبيئية والعمالية — في بنيته التنظيمية، مع الاعتراف رسميا بهذه الحركات المكونة له باعتبارها تتمتع بشرعية متساوية. ومن خلال هذا النموذج، سعى الحزب إلى بناء هوية سياسية جماعية قادرة على توحيد فاعلين متنوعين منخرطين في نضالات ديمقراطية مختلفة (Tekdemir, 2016).
وعلى خلاف العديد من نظرائه الأوروبيين، جرت مأسسة الديمقراطية الداخلية في HDP بصورة أكبر من خلال آليات رسمية للمشاركة والمساءلة. فقد كانت هيئات الحزب ولجانه تشكل عبر انتخابات داخلية، بينما كانت عملية اختيار المرشحين تتضمن مشاورات مكثفة مع مختلف الجماعات الاجتماعية والسياسية المكونة للحزب. والأهم أن الأعضاء احتفظوا بحق سحب الثقة من المسؤولين المنتخبين، كما كان جميع شاغلي المناصب يخضعون لتقييم دوري.
وفُرضت كذلك قيود صارمة على مدة تولي المناصب؛ إذ لم يكن مسموحا لأي شخص بالعمل في اللجنة نفسها لأكثر من دورتين متتاليتين (النظام الأساسي لـHDP، 2023). وقد عملت هذه الآليات بوصفها ضمانة استراتيجية ضد تركز السلطة في قيادة مركزية. وكان الاعتماد على القيادة الجماعية سمة تنظيمية رئيسية أخرى ميزت HDP عن معظم الأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية، التي كثيرا ما هيمن عليها مؤسسون كاريزميون استمروا في القيادة فترات طويلة، مثل Jordi Pujol في كتالونيا، وUmberto Bossi في ليغا نورد، وFrans Van der Elst في Volksunie.
وفي حين شهد العديد من الأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية عدم استقرار تنظيمي أو تراجعا انتخابيا بعد تغيير القيادة — كما يتضح، مثلا، من أزمة الهوية التي شهدتها ليغا نورد بعد Bossi — فإن التغير المتكرر في قيادة الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية لم يكن له سوى تأثير ضئيل في أدائها الانتخابي (انظر الجدول 3).
الجدول 3. نسب الأصوات والمقاعد للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية (1991–2023)
| سنة الانتخابات | نسبة الأصوات وطنيا (%) | عدد المقاعد | الحزب (الاستراتيجية الانتخابية) |
| 1991 | لم تُقَس نسبة الأصوات بصورة منفصلة | 18 | HEP — خاض الانتخابات ضمن قائمة SHP |
| 1995 | 4.2 | — | HADEP |
| 1999 | 4.8 | — | HADEP |
| 2002 | 6.2 | — | DEHAP — خاض الانتخابات ضمن ائتلاف انتخابي |
| 2007* | 3.8 | 22 | DTP — خاض الانتخابات بمرشحين مستقلين |
| 2011* | 5.7 | 35 | BDP — خاض الانتخابات بمرشحين مستقلين |
| يونيو/حزيران 2015 | 13.1 | 80 | HDP |
| نوفمبر/تشرين الثاني 2015 | 10.8 | 59 | HDP |
| 2018 | 11.7 | 67 | HDP |
| 2023 | 8.8 | 61 | YSP / حزب اليسار الأخضر — خاض الانتخابات ضمن ائتلاف انتخابي |
المصدر: المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا (YSK).
*ملاحظة: نسب الأصوات لعامي 2007 و2011 مستمدة من حساب مجموع أصوات المرشحين المستقلين المرتبطين بالأحزاب المعنية (انظر Celep, 2018).
ولا يمكن فهم التنظيم الحزبي للحركة الكردية من دون أخذ عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني (PKK) المسجون وزعيمه لفترة طويلة، في الحسبان. فبعد اعتقاله عام 1999، تخلى أوجلان عن الهدف السابق للحركة المتمثل في إقامة دولة كردية مستقلة، لصالح الكونفدرالية الديمقراطية، والاستقلال الذاتي الديمقراطي، والديمقراطية التشاركية (Güneş and Yadırgı, 2020).
ومن سجنه، ظل أوجلان المرجعية الرئيسية للحركة، واستمر في توجيه المسار الأيديولوجي للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية، بما فيها HDP . غير أن هذا التأثير الأيديولوجي المستمر يتعايش مع بنية قيادة جماعية تختلف بدرجة كبيرة عن نموذج المؤسس الكاريزمي الذي جرت الإشارة إليه سابقا (De Winter, 2003). ولا تزال العلاقة بين HDP وPKK وأوجلان موضع خلاف سياسي؛ فقد نفى مسؤولو HDP، ومن بينهم الرئيس المشارك السابق صلاح الدين دميرتاش، مرارا وجود أي علاقة عضوية مع(Evrensel, 2022) PKK. وعلى الرغم من وجود بعض الآليات المؤسسية المصممة للحد من شخصنة القيادة — وهي آليات تذكر بتلك التي تبناها حزب تحالف 90/الخضر في ألمانيا خلال ثمانينيات القرن العشرين (Poguntke, 2002) — فقد استمر القادة الأفراد في أداء دور محوري، ولا سيما خلال الفترات الانتخابية.
ومن الأمثلة البارزة صلاح الدين دميرتاش، الذي ساعدت قيادته بعد عام 2014 HDP على التوسع إلى ما وراء قاعدته الكردية التقليدية. فقد استقطب أسلوبه السياسي المنفتح والقريب من الجمهور الناخبين الأصغر سنا والحضريين والتقدميين، وجذب نسبة مهمة من المؤيدين الجدد خلال انتخابات عام 2015 (KONDA, 2018) . حصل دميرتاش على 9.8% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية لعام 2014، و8.4% في الانتخابات الرئاسية لعام 2018.
غير أن القدرة التنظيمية للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية على الصمود أدت إلى حملة قمع حكومية في أعقاب انتخابات يونيو/حزيران 2015. فقد استهدفت البنية التحتية للحزب والتجمعات العامة بصورة متكررة. وكان أكثر هذه الأحداث مأساوية تفجير محطة قطارات أنقرة في أكتوبر/تشرين الأول 2015، الذي أسفر عن أكثر من 100 قتيل وأدى إلى الإلغاء القسري لفعاليات انتخابية رئيسية. ومن خلال رسم خريطة للعنف الموجه ضد HDP، يرى O’Connor وBaser (2018) أن هذه الهجمات كانت ممنهجة ومصممة لاستباق الزخم الانتخابي للحزب والحد منه.
وبعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اشتدت أجهزة القمع؛ إذ رفعت الحصانة البرلمانية[16]، وأدت حالة الطوارئ التي أعقبت عام 2016 إلى إصدار المرسوم بقانون رقم 674، الذي سمح بتعيين أوصياء حكوميين (kayyım) على البلديات التي يديرها الكرد (Tutkal, 2022). وجرى توسيع نظام الأوصياء بصورة ممنهجة، بينما أخذت التدخلات القضائية والإدارية تعيق بصورة متزايدة عمل التنظيمات الحزبية المحلية.
وفي أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016، عُزل 94 من أصل 102 من رؤساء البلديات المشاركين المنتمين إلى DBP، بحيث لم يتبق للحزب سوى خمس بلديات بحلول نهاية تلك الدورة (Medyascope, 2024).
وتكررت أحداث مماثلة عقب الانتخابات المحلية لعام 2019؛ فعلى الرغم من أن HDP فاز في البداية بـ65 بلدية، فإن عمليات العزل الممنهجة وتعيين الأوصياء أدت إلى بقاء ست بلديات فقط تحت إدارة الحزب بحلول نهاية الدورة الانتخابية (Euronews, 2020).
وعقب الانتخابات المحلية لعام 2024، كان قد عُزل ما مجموعه 31 رئيس بلدية من مناصبهم حتى أبريل/نيسان 2026، بينما تولى أوصياء معينون من الحكومة إدارة 13 بلدية، وكان حزب DEM الهدف الرئيسي لهذه الإجراءات (Bianet, 2026). وبلغ هذا التصعيد في القمع ذروته مع دعوى إغلاق HDP عام 2021، التي أجبرت الحركة على إعادة تشكيل نفسها تحت مظلة حزب اليسار الأخضر (YSP)، ثم لاحقا حزب DEM. ويظهر بوضوح نمط ممتد من الضغط السياسي على الإدارات المحلية التي يقودها الكرد، بما يعكس استراتيجية مستمرة للاحتواء المؤسسي (institutional containment)، سعى الحزب الحاكم من خلالها إلى تعطيل كل من قيادة الحزب والبنية التحتية التنظيمية المحلية للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية (Hintz and Ercan, 2024).
الاستراتيجية الانتخابية: من التحالفات اليسارية الواسعة إلى عملية “التحول إلى حزب على مستوى تركيا”
على خلاف الأحزاب الإثنو-إقليمية في إيطاليا، حيث دفعت التعبئة الإثنو-إقليمية الأحزاب الرئيسية إلى استيعاب انتقائي لبعض مطالبها (Basile, 2015)، حافظ الفاعلون السياسيون الأتراك، بمن فيهم الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، تاريخيا على موقف يقوم على الرفض القاطع.[17] وقد جرى تكريس هذا الإقصاء البنيوي من خلال عتبة انتخابية وطنية بلغت 10% — وكانت الأعلى في العالم آنذاك — وصممت خصيصا للحيلولة دون التمثيل البرلماني الكردي (Bayer and Kemahlıoğlu, 2023). وإلى جانب هذا العائق القانوني، أدى القمع السياسي، بما في ذلك ترهيب الناخبين والتهجير القسري، إلى مزيد من تقييد قدرة الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية على توسيع نطاقها الانتخابي (Tezcür, 2015).
وأجبرت هذه الظروف التقييدية الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية على تطوير استراتيجيات انتخابية مبتكرة للحفاظ على حضورها البرلماني. وإدراكا منها أن الاعتماد حصرا على قاعدة إثنية ضيقة قد يؤدي إلى عملية مدمرة من “المزايدة الإثنية” (ethnic outbidding) — حيث تؤدي المطالب المتزايدة في راديكاليتها في نهاية المطاف إلى إضعاف السياسة الديمقراطية (Chandra, 2005) — سعت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية باستمرار إلى بناء تحالفات يسارية أوسع.
ومنذ تسعينيات القرن العشرين، أنشأت هذه الأحزاب تشكيلات مظلية متعددة هدفت إلى ردم الفجوة بين الحركة الكردية واليسار الاشتراكي التركي (Güneş, 2020). فعلى سبيل المثال، ضمت كتلة العمل والسلام والحرية (Emek, Barış ve Özgürlük Bloğu) شخصيات اشتراكية تركية إلى قوائم HADEP الانتخابية، وحصلت على 4.2% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 1995 (انظر الجدول 3).
وبالمثل، حاول DEHAP “احتضان تركيا بأكملها” من خلال الانضمام إلى اتحاد القوى الديمقراطية (Demokratik Güç Birliği) في الانتخابات المحلية لعام 2004، حيث خاض الانتخابات تحت راية SHP وحصل على 5.1% من الأصوات. وشكلت استراتيجية “مرشحي الأمل الألف” (Bin Umut Adayları) خلال انتخابات عام 2007 سابقة تكتيكية مهمة. فمن خلال تقديم مرشحين مستقلين للتحايل على العتبة الانتخابية، تمكن DTP من الحصول على 22 مقعدا برلمانيا (انظر الجدول 3). كما تبنت “كتلة العمل والحرية والديمقراطية (Emek, Özgürlük ve Demokrasi Bloğu)”[18] هذا النموذج، وارتفع عدد نوابها إلى 36 نائبا عام 2011.
وكان أكثر تطبيقات استراتيجية التحالف المظلي شمولا تشكيل تحالف العمل والحرية (Emek ve Özgürlük İttifakı). وقد جمع هذا التحالف HDP — الذي خاض الحملة باسم حزب اليسار الأخضر (Yeşil Sol Parti, YSP) — مع عدد من القوى الاشتراكية، بما فيها حزب العمل (Emek Partisi, EMEP) وحزب حركة الكادحين (Emekçi Hareket Partisi, EHP)، وتمكن في نهاية المطاف من الحصول على 10.5% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 2023 (انظر الجدول 3).
مثلت انتخابات يونيو/حزيران 2015 تحولا محوريا، إذ تبنى HDP استراتيجية تتمحور حول الحزب، مدفوعة بخطاب Türkiyelileşme، أي التحول إلى حزب سياسي يخاطب تركيا بأكملها. وقد هدفت هذه الاستراتيجية إلى إعادة تموضع HDP من فاعل ذي طابع إقليمي في الغالب إلى قوة سياسية على المستوى الوطني (Burç, 2022). وكانت بوادر هذه الاستراتيجية قد ظهرت خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2014، عندما خاض صلاح الدين دميرتاش حملته على أساس برنامج “حياة جديدة” (Yeni Yaşam)، مقدما رؤية تقوم على الديمقراطية الراديكالية والتعددية والمساواة الاجتماعية.
ومن خلال دمج الجذور الإقليمية للحزب في خطاب أوسع للتحول الديمقراطي، وتبني الشعار التحدي “Seni başkan yaptırmayacağız” (“لن ندعك تصبح رئيسا!”) ، تحول HDP إلى جبهة واسعة مناهضة للسلطوية. ولم يعد HDP حزبا إقليميا بحكم الواقع لا بحكم التوجه المقصود ” (Ziegfeld, 2016)، بل استطاع تعبئة ائتلاف غير متجانس يضم الكرد المحافظين، والشباب الحضري، والناخبين الأتراك العلمانيين المحبطين (Grigoriadis, 2016). وأظهر الاختراق الانتخابي الذي حققه الحزب في يونيو/حزيران 2015 — عندما حصل HDP على 13.1% من الأصوات — ازدواجية سوسيولوجية فريدة. فمن ناحية، جذب الحزب “ناخبين جددا” في مناطق إسطنبول الميسورة ومرتفعة التعليم، مثل بشيكتاش (13.2%) وقاضي كوي (10.3%).
ومن ناحية أخرى، حافظ على قاعدته الإثنية التقليدية. وعلى خلاف تراجع دعم الطبقة العاملة الذي لوحظ لدى العديد من الأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية (Detterbeck and Hepburn, 2018)، ظلت قاعدة الحزب راسخة بقوة في الأطراف الحضرية للمدن الكبرى، مثل إسنيورت (22.6%) وسلطان بيلي (20.8%). وتفسر هذه القدرة على جذب الناخبين عبر الحدود الطبقية والإثنية الصعود الانتخابي للحزب (انظر الجدول 4)[19].
الجدول 4. مقارنة بين الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية ونظيراتها في أوروبا الغربية
| Lega (إيطاليا) | N-VA (بلجيكا) | SNP (المملكة المتحدة) | HDP + حزب DEM (تركيا) | البعد | المجال |
| الشعبوية اليمينية | القومية الفلمنكية | يسار الوسط / الديمقراطية الاجتماعية | اليسار الجديد / اليسار الراديكالي | الموقع الأيديولوجي | أيديولوجيا الحزب |
| شوفينية الرفاه | اقتصاد مؤيد للسوق | دولة رفاه ديمقراطية اجتماعية | إعادة توزيعي / مؤيد للعمل والعمال | التوجه الاجتماعي-الاقتصادي | أيديولوجيا الحزب |
| إقصائي أصيلاني (Nativist) | قومية إثنو-ثقافية | قومية مدنية | مدني وشامل | تأطير الهوية | أيديولوجيا الحزب |
| قيادة مشخصنة | مركزي ومتمحور حول القيادة | نموذج قيادة مهيمنة | قيادة جماعية (نظام الرئاسة المشتركة) | بنية القيادة | تنظيم الحزب |
| منخفضة | منخفضة–متوسطة | متوسطة | مرتفعة | الديمقراطية الداخلية | تنظيم الحزب |
| منخفضة | منخفضة | متوسطة | مرتفعة | المأسسة الجندرية | تنظيم الحزب |
| استراتيجية التوسع الوطني | استراتيجية النفوذ الفيدرالي | الهيمنة الإقليمية | كتل انتخابية يسارية وسياسة التحالفات | استراتيجية الانتخابات | الاستراتيجية الانتخابية |
| التحول من الإقليمي إلى الوطني | المساومة ضمن المؤسسات الفيدرالية | ترسيخ الحضور على مستوى الإقليم الفرعي | التحول إلى حزب لعموم تركيا (Türkiyelileşme) | استراتيجية توسيع النطاق | الاستراتيجية الانتخابية |
| ائتلاف شعبوي يميني ذو قاعدة طبقية غير متجانسة | ناخبون لغويون–إثنيون | ناخبون إقليميون–وطنيون | هجينة (نواة كردية وحلفاء تقدميون حضريون) | تركيبة قاعدة الناخبين | الاستراتيجية الانتخابية |
| نظام مختلط ذي طابع أغلبي | تمثيل نسبي (قائمة مفتوحة، طريقة دونت) | الأكثر أصواتا يفوز (FPTP) ونظام العضو الإضافي (AMS) في اسكتلندا؛ FPTP في وستمنستر | تمثيل نسبي (قائمة مغلقة، طريقة دونت) | النظام الانتخابي | السياق المؤسسي |
| ديمقراطية | ديمقراطية | ديمقراطية | سلطوية | علاقات الدولة–الحزب | السياق المؤسسي |
ومن المهم أيضا الإشارة إلى أنه، وعلى خلاف حزب شعب جنوب تيرول (Südtiroler Volkspartei) أو الاتحاد الفالدوتاني (Union Valdôtaine)، لم يتمكن HDP قط من تحقيق هيمنة انتخابية في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، بسبب المنافسة الشديدة مع حزب العدالة والتنمية (AKP) منذ عام 2002.
في وضع استثنائي بالنسبة إلى الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية، جعل الاختراق الذي حققه HDP عام 2015 الحزب مرشحا محتملا للمشاركة في تشكيل ائتلاف حكومي. وبينما غالبا ما تصور الأحزاب الرئيسية الأحزاب الإثنو-إقليمية على أنها تهديدات وجودية للوحدة الوطنية لتبرير استبعادها، فرض المشهد الذي أعقب انتخابات يونيو/حزيران 2015 إعادة النظر في ذلك. فقد أدى فقدان حزب العدالة والتنمية (AKP) أغلبيته البرلمانية إلى أن ينظر حزب الشعب الجمهوري (CHP) في ائتلاف يضم HDP إلى جانب حزب الحركة القومية (MHP) القومي المتطرف. وعلى الرغم من استعداد HDP للانخراط، فإن إمكانات تشكيل الائتلاف أُحبطت في نهاية المطاف من جانب MHP، مما عجل بإجراء انتخابات مبكرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 (انظر Arslantaş and Arslantaş, 2026b). وبناء على ذلك، وعلى خلاف نظيراتها الأوروبية التي جرى دمجها في هياكل الدولة أو في أطر الحكم القائم على نقل الصلاحيات — مثل Lega في إيطاليا أو SNP في اسكتلندا — تظل الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية مستبعدة بصورة منهجية من السلطة التنفيذية (انظر الجدول 4).
وعلى الرغم من انخفاض حصة HDP من الأصوات إلى 10.8% في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2015، في ظل تكثف العمليات ضد قيادته، أظهر الحزب قدرته على الصمود من خلال زيادة حصته من الأصوات لاحقا إلى 11.7%، وحصوله على 67 مقعدا. وهذا يدعم ما توصل إليه Musil (2022) من أن المواجهة العلنية مع الدولة، في السياقات شبه الديمقراطية، يمكن أن تعزز التأييد بما يتجاوز القاعدة الأساسية للحزب.
لكن حصة الحزب من الأصوات انخفضت عام 2023 إلى 8.8%. وكان ذلك نتيجة “عاصفة كاملة” من الضغوط البنيوية. فقد أجبر التهديد الوجودي المتمثل في دعوى الإغلاق الحزب على الانتقال المتأخر إلى اسم حزب اليسار الأخضر؛ واستمر القمع الذي تعرضت له الكوادر المحلية؛ كما أسهم التحول الانتخابي الاستراتيجي للطبقة الوسطى الكردية نحو CHP — وبدرجة أقل نحو حزب العمال التركي (Türkiye İşçi Partisi, TİP) — في المناطق الحضرية الكبرى، بوصفه وسيلة لمواجهة تحالف AKP–MHP، في هذا التراجع الانتخابي (BBC, 2023).
ومع ذلك، أثبتت استراتيجية الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية القائمة على تشكيل تحالفات غير رسمية — ولا سيما مع CHP في الانتخابات المحلية لعامي 2019 و2024 — فعالية كبيرة في إضعاف حكومة AKP (Arslantaş and Arslantaş, 2026a; Selçuk and Hekimci, 2020). فمن خلال اختيار عدم تقديم مرشحين في المحافظات الغربية الكبرى، أو خفض تعبئة الجهاز الحزبي استراتيجيا خلال فترة الانتخابات، سهلت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية (HDP وحزب DEM) انتصارات CHP في مراكز حاسمة مثل إسطنبول وأنقرة وأضنة وأنطاليا.
فعلى سبيل المثال، لم يخض أي مرشح من HDP الانتخابات المحلية لعام 2019 في أضنة وأنقرة وإسطنبول ومرسين. وعندما قدم حزب DEM مرشحين في المدن الثلاث الأولى من هذه المدن في الانتخابات المحلية لعام 2024، ظلت التعبئة الحزبية محدودة، إذ حصل مرشحوه على 0.8% و2.1% و5.6% من الأصوات، على التوالي.
ورد تحالف AKP–MHP الحاكم على فقدان هذه الهيمنة الحضرية بمواصلة “نظام الأوصياء” (trustee regime)، فعزل بصورة منهجية رؤساء البلديات المنتخبين في المعاقل الكردية مثل باتمان وهكاري وماردين (Tan and Özer, 2025). وبحلول عام 2025، كانت استراتيجية التجريم التي يتبعها قد توسعت غربا، مستهدفة بلديات مناطق مثل إسنيورت وشيشلي (Evrensel, 2025).
وهكذا، في حين أتقنت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية فن التعاون الاستراتيجي، أخذ التحالف الحاكم يرد بصورة متزايدة من خلال تأطير هذه التحالفات اليسارية الأوسع بوصفها تهديدات للاستقرار الوطني وملاحقتها قضائيا على هذا الأساس.
الخاتمة
ابتعادا عن التركيز السائد في الأدبيات على حالات أوروبا الغربية، تبحث هذه المقالة، من منظور مقارن، في التطور التاريخي للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية في تركيا، مستكشفة أيديولوجيتها وبنيتها التنظيمية واستراتيجياتها الانتخابية. ويخلص التحليل إلى ثلاث نتائج أساسية تسهم في النقاش حول الأحزاب الإثنو-إقليمية في الأطراف الأوروبية.
أولا، على المستوى الأيديولوجي، وانسجاما مع ملاحظة Massetti and Schakel (2015) بأن الأحزاب الإثنو-إقليمية في المناطق المحرومة اقتصاديا تميل إلى اليسار، أعطت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية باستمرار الأولوية للديمقراطية وحقوق العمال، مع إدماجها بصورة متزايدة النسوية والقضايا البيئية في برامجها السياسية. وبينما ظلت القضية الكردية المحفز الرئيسي للتعبئة الانتخابية، تحولت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية استراتيجيا من تطلعات الاستقلال نحو ترتيبات لتقاسم السلطة من خلال اللامركزية، مقتربة بذلك من الأحزاب الإثنو-إقليمية ذات التوجه الحكم الذاتي. وفي الوقت نفسه، فإن تعريف HDP لنفسه بوصفه “حزبا يساريا راديكاليا” — على نحو يمكن مقارنته بسيريزا (Syriza) وبوديموس (Podemos) — يتحدى كلا من المسار النيوليبرالي السلطوي للتحالف الحاكم والخطاب السياسي القائم على الإثنية.
ثانيا، على المستوى التنظيمي، أظهرت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية قدرة غير مسبوقة على الصمود على مدى سنوات طويلة في مواجهة إجراءات “الديمقراطية المناضلة” (militant democracy)، بما في ذلك حظر الأحزاب، والعتبات الانتخابية المرتفعة، ونظام الأوصياء (trustee regime). وتتجذر هذه القدرة على الصمود بصورة أساسية في انغراس هذه الأحزاب العميق داخل الحركة الكردية الأوسع — وهو مستوى من الاندماج المجتمعي يتجاوز ما هو قائم لدى معظم نظيراتها الأوروبية. وفي الوقت نفسه، ومن خلال تطورها إلى “أحزاب حركة” (movement parties)، عملت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية على مأسسة هياكل تشاركية وأفقية (Kitschelt, 2006). ولا تقل أهمية عن ذلك أنظمة الرئاسة المشتركة والحصص الجندرية الصارمة، التي تمثل ابتعادا واضحا عن البنى الأبوية التي تميز عادة كلا من النظام الحزبي التركي والعديد من الأحزاب الإثنو-إقليمية الأوروبية.
ثالثا، على المستوى الاستراتيجي، تطورت الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية من تمثيل قاعدة إثنية ضيقة إلى قيادة تحالفات يسارية واسعة. وبينما استخدمت تاريخيا الكتل الانتخابية والمرشحين المستقلين لضمان حضورها البرلماني، فإن استراتيجية HDP القائمة على Türkiyelileşme، أي التحول إلى حزب يخاطب تركيا بأكملها، حولت الفاعلين الكرد إلى قوة سياسية على المستوى الوطني. وقد أتاح لهم هذا التحول التغلب على مشكلة العتبة الانتخابية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على روابط عضوية مع مختلف الفاعلين المنتمين إلى اليسار الديمقراطي. كما سهلت الاستراتيجية الجديدة التعاون الانتخابي غير الرسمي مع حزب الشعب الجمهوري (CHP)، ولا سيما في بلديات المدن الكبرى خلال الانتخابات المحلية لعامي 2019 و2024، مما أضعف هيمنة تحالف AKP–MHP.
ويجب التأكيد أيضا على أن استراتيجية Türkiyelileşme لم تخل من التوترات. فعلى سبيل المثال، خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لعام 2023، صورت الأحزاب القومية والائتلاف الحاكم “التوافق الحضري” غير الرسمي بين CHP وHDP باعتباره دليلا على التعاون مع الإرهاب (BBC, 2025). وربما تكون محاولة التجريم هذه قد نفرت بعض ناخبي المعارضة القوميين، كاشفة بذلك عن التكاليف السياسية لاستراتيجية Türkiyelileşme. كما تعكس العقبات المستمرة التي تواجه اكتساب الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية الشرعية السياسية داخل النظام الحزبي التركي.
وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من الجهود المتواصلة لإعادة تموضعه كحزب على مستوى البلاد، لا يزال HDP — ومن بعده حزب DEM — يستمد الجزء الأكبر من دعمه الانتخابي من المحافظات ذات الأغلبية الكردية ومن التجمعات الكردية في المراكز الحضرية الكبرى، وهو ما يبرز الحدود المستمرة لاستراتيجية تحوله إلى حزب وطني. وفي الوقت نفسه، لا يزال AKP يحظى بدعم كبير لدى قطاعات من الناخبين الكرد، ولا سيما الناخبين المحافظين. وفي عدد من الدوائر الانتخابية في المدن الكبرى، دعم جزء من الناخبين الكرد العلمانيين، بصورة استراتيجية، مرشحي CHP لتعظيم فرص المعارضة في مواجهة AKP، مما أدى إلى انخفاض حصة HDP نفسه من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 2023.
وفي حين تسهم هذه المقالة في تطوير فهم الأحزاب الإثنو-إقليمية في الأطراف الأوروبية، فإنها تفتح عدة مسارات أمام المزيد من البحث. أولا، يمكن للتحليل المقارن للخصائص الاجتماعية والديموغرافية لناخبي الأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية ونظرائهم الأوروبيين أن يوفر فهما أعمق للطبيعة المتغيرة للتأييد الإقليمي. وإضافة إلى ذلك، تستحق ديناميات المنافسة والتشظي بين مختلف الفاعلين السياسيين الكرد مزيدا من البحث.
وأخيرا، يظل التأثير طويل الأمد لعملية “الانفتاح الجديد” في يوليو/تموز 2025 — التي اتسمت بالدعوات إلى نزع سلاح حزب العمال الكردستاني (PKK) وإنشاء لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية — في السلوك الانتخابي الكردي واستراتيجيات الأحزاب، مجالا بالغ الأهمية للبحث الأكاديمي المستقبلي.
References
Abts K, Dalle Mulle E and Laermans R (2019) Beyond issue diversification: N-VA and the communitarisation of political, economic and cultural conflicts in Belgium. West European Politics 42(4): 848–872.
Akdağ AG (2016) Rational political parties and electoral games: the AKP’s strategic move for the Kurdish vote in Turkey. Turkish Studies 17(1): 126–154.
Albertazzi D, Giovannini A and Seddone A (2018) No regionalism please, we are Leghisti! The transformation of the Italian Lega Nord under the leadership of Matteo Salvini. Regional and Federal Studies 28(5): 645–671.
Arslantaş Ş and Arslantaş D (2026a) Social democracy between decline and resilience: PASOK and CHP in comparative perspective. Mediterranean Politics: 1–27.
Arslantaş D and Arslantaş Ş (2026b) Opposition parties and hybrid regime change: evidence from Mexico, Russia, Taiwan, and Turkey. Contemporary Politics 32(2): 261–279.
Barrio A and Rodríguez-Teruel J (2017) Reducing the gap between leaders and voters? Elite polarization, outbidding competition, and the rise of secessionism in Catalonia. Ethnic and Racial Studies 40(10): 1776–1794.
Bartolini S and Mair P (1990) Identity, Competition and Electoral Availability: The Stabilisation of European Electorates 1885–1985. Cambridge University Press.
Basile L (2015) A dwarf among giants? Party competition between ethno-regionalist and state-wide parties on the territorial dimension: the case of Italy (1963–2013). Party Politics 21(6): 887–899.
Bayer R and Kemahlıoğlu Ö (2023) Democratic backsliding, conflict, and partisan mobilisation of ethnic groups: local government control and electoral participation in Turkey. South European Society and Politics 28(1): 19–46.
BBC (2015) DTK’dan özerk bölge çağrısı.
BBC (2023) Yeşil Sol Parti seçimde neden hedeflerinin gerisinde kaldı, HDP’nin bazı oyları TİP’e mi kaydı?
BBC (2025) İmamoğlu’na ‘terör’ soruşturmasına gerekçe gösterilen ‘kent uzlaşısı’ nedir?
BDP Programme (2008).
Bean K (2007) The New Politics of Sinn Féin. Liverpool University Press.
Bértoa FC and Bourne A (2017) Prescribing democracy? Party proscription and party system stability in Germany, Spain and Turkey. European Journal of Political Research 56(2): 440–465.
Bianet (2020) 3 vekil tutuklandı: Dokunulmazlıkların kaldırılması süreci ve sonrası.
Bianet (2026) 31 belediye başkanı görevden alındı, 13’üne kayyım atandı.
Bozarslan H (2004) Violence in the Middle East: From Political Struggle to Self-Sacrifice. Markus Wiener Publishers.
Braghiroli S and Makarychev A (2023) Conservative populism in Italy and Estonia: playing the multicultural card and engaging “domestic others”. East European Politics 39(1): 128–149.
Brancati D (2008) The origins and strengths of regional parties. British Journal of Political Science 38(1): 135–159.
Burç R (2019) One state, one nation, one flag – one gender? HDP as a challenger of the Turkish nation state and its gendered perspectives. Journal of Balkan and Near Eastern Studies 21(3): 319–334.
Burç R (2022) Kurdish transformative politics in Turkey. HAU: Journal of Ethnographic Theory 12(1): 17–26.
Cavanaugh K and Hughes E (2016) Rethinking what is necessary in a democratic society: militant democracy and the Turkish state. Human Rights Quarterly 38(3): 623–654.
Celep Ö (2018) The moderation of Turkey’s Kurdish left: the Peoples’ Democratic Party (HDP). Turkish Studies 19(5): 723–747.
Chandra K (2005) Ethnic parties and democratic stability. Perspectives on Politics 3(2): 235–252.
Connolly CK (2013) Independence in Europe: secession, sovereignty, and the European Union. Duke Journal of Comparative and International Law 24(51): 51–105.
Dandoy R (2010) Ethno-regionalist parties in Europe: a typology. Perspectives on Federalism 2(2): 194–220.
De Winter L (2003) Conclusion: a comparative analysis of the electoral, office and policy success of ethnoregionalist parties. In: De Winter L and Türsan H (eds) Regionalist Parties in Western Europe. Routledge, pp. 204–247.
De Winter L and Türsan H (eds) (2003) Regionalist Parties in Western Europe. Routledge.
DEHAP Program (2003).
Della Porta D, Fernández J, Kouki H, et al. (2017) Movement Parties against Austerity. Polity.
DEM Party Program (2023).
Detterbeck K and Hepburn E (eds) (2018) Handbook of Territorial Politics. Edward Elgar.
DTP Program (2005).
Elias A and Tronconi F (eds) (2011) From Protest to Power: Autonomist Parties and the Challenges of Representation. Braumüller.
Emre Y, Cop B, Aladağ A, et al. (2017) Haksızlıklar Ülkesinde Sosyal Demokrasi. Tekin Yayınevi.
Euronews (2020) 31 Mart seçimlerinde 65 yerel yönetimi kazanan HDP’nin elinde 6 belediye kaldı.
Evrensel (2022) Demirtaş: Kimse HDP’yi, PKK’nin siyasi uzantısı gibi göremez.
Evrensel (2025) İstanbul’da CHP’li belediyelere ‘kent uzlaşısı’ operasyonu: 10 kişi gözaltına alındı.
Falkenhagen F (2013) The CSU as an ethno-regional party. German Politics 22(4): 396–420.
Foley J, Montgomery T and Kerr E (2023) The antinomies of insurgency: the case of the Scottish National Party. Political Quarterly 94(4): 535–546.
Green-Pedersen C (2007) The growing importance of issue competition: the changing nature of party competition in Western Europe. Political Studies 55(3): 607–628.
Grigoriadis IN (2016) The Peoples’ Democratic Party (HDP) and the 2015 elections. Turkish Studies 17(1): 39–46.
Güneş C (2020) The transformation of Turkey’s pro-Kurdish democratic movement. Journal of Balkan and Near Eastern Studies 22(6): 746–761.
Güneş C and Yadırgı V (2020) Introduction: the transformations in Kurdish politics and society in Turkey since 2000. Journal of Balkan and Near Eastern Studies 22(6): 717–729.
Gürer Ç (2015) Aktörün perspektifinden demokratik özerkliğe bakmak: Kürt siyasal hareketinin demokratik özerklik yaklaşımı. Mülkiye Dergisi 39(1): 57–91.
HADEP Program (1994).
Harvie C (1994) The Rise of Regional Europe. Routledge.
Hauss C and Rayside D (1978) The development of new parties in Western democracies since 1945. In: Maisel L and Cooper J (eds) Political Parties: Development and Decay. Sage, pp. 31–57.
HDP (2014) Demirtaş: HDP olarak direnişin yanında olacağız.
HDP (2017) Kürdistan Bölgesel Yönetimi’ndeki referandum meşru ve demokratiktir.
HDP Program (2012).
HDP Statute (2023).
Hechter M (1975) Internal Colonialism: The Celtic Fringe in British National Development. University of California Press.
HEP Program (1990).
Hepburn E (2008) The neglected nation: the CSU and the territorial cleavage in Bavarian party politics. German Politics 17(2): 184–202.
Hintz L and Ercan H (2024) Permissive prejudice in localized authoritarian consolidation: evidence from Turkey’s municipalities. Democratization 31(8): 1912–1936.
Hueglin TO (1986) Regionalism in Western Europe: conceptual problems of a new political perspective. Comparative Politics 18(4): 439–458.
Huntington S (1991) The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. University of Oklahoma Press.
Ignazi P (2005) Legitimation and evolution on the Italian right wing: social and ideological repositioning of Alleanza Nazionale and the Lega Nord. South European Society and Politics 10(2): 333–349.
Ishiyama J and Breuning M (1998) Ethnopolitics in the New Europe. Lynne Rienner Publishers.
Kaya M (2019) The potentials and challenges of left populism in Turkey: the case of the Peoples’ Democratic Party (HDP). British Journal of Middle Eastern Studies 46(5): 797–812.
Keating M (1998) The New Regionalism in Western Europe. Edward Elgar.
Kitschelt H (2006) Movement parties. In: Katz RS and Crotty W (eds) Handbook of Party Politics. Sage, pp. 278–290.
KONDA (2018) Seçmen Kümeleri: HDP Seçmenleri.
Leahy T and Erdocia I (2026) The politics of abstentionism: comparing Sinn Féin’s Westminster abstentionism to the Basque nationalist left’s engagement with the Spanish parliament, 1979–2025. British Journal of Politics and International Relations: 1–24.
Lipset SM and Rokkan S (1967) Cleavage structures, party systems, and voter alignments: an introduction. In: Lipset SM and Rokkan S (eds) Party Systems and Voter Alignments: Cross-National Perspectives. Free Press, pp. 1–64.
Massetti E and Schakel AH (2015) From class to region: how regionalist parties link (and subsume) left-right into centre-periphery politics. Party Politics 21(6): 866–886.
Massetti E and Schakel AH (2016) Between autonomy and secession: decentralization and regionalist party ideological radicalism. Party Politics 22(1): 59–79.
Matthews N and Whiting S (2022) To the surprise of absolutely no one: gendered political leadership change in Northern Ireland. British Journal of Politics and International Relations 24(2): 224–242.
Mayring P (2015) Qualitative content analysis: theoretical background and procedures. In: Bikner-Ahsbahs A, Knipping C and Presmeg N (eds) Approaches to Qualitative Research in Mathematics Education: Advances in Mathematics Education. Springer, pp. 365–380.
Mazzoleni O and Mueller S (2017) Cross-regional coalitions and ethnoregionalist parties: explaining the success of the Lega Nord in Italy. Regional and Federal Studies 27(4): 361–383.
Mazzoleni O and Ruzza C (2018) Combining regionalism and nationalism: the Lega in Italy and the Lega dei Ticinesi in Switzerland. Comparative European Politics 16: 976–992.
Medyascope (2024) 2016’dan bugüne Türkiye’nin kayyum haritası.
Müller-Rommel F (2003) Ethnoregionalist parties in Western Europe: theoretical considerations and framework of analysis. In: De Winter L and Türsan H (eds) Regionalist Parties in Western Europe. Routledge, pp. 17–27.
Musil PA (2022) The Transformation of Kurdish and Islamist Parties in Turkey. Palgrave Macmillan.
Nielsen F (1985) Toward a theory of ethnic solidarity in modern societies. American Sociological Review 50(2): 133–149.
Olson R (1992) The Kurdish question in the aftermath of the Gulf War: geopolitical and geostrategic changes in the Middle East. Third World Quarterly 13(3): 475–499.
ÖZDEP Program (1992).
O’Connor F and Baser B (2018) Communal violence and ethnic polarization before and after the 2015 elections in Turkey: attacks against the HDP and the Kurdish population. Southeast European and Black Sea Studies 18(1): 53–72.
Poguntke T (2002) Green parties in national governments: from protest to acquiescence? Environmental Politics 11(1): 133–145.
Ragin CC (1987) The Comparative Method: Moving beyond Qualitative and Quantitative Strategies. University of California Press.
Rodríguez-Pose A (2018) The revenge of the places that don’t matter (and what to do about it). Cambridge Journal of Regions, Economy and Society 11(1): 189–209.
Şahin-Mencütek Z (2016) Strong in the movement, strong in the party: women’s representation in the Kurdish Party of Turkey. Political Studies 64(2): 470–487.
Sarıgil Z and Fazlıoğlu Ö (2013) Religion and ethno-nationalism: Turkey’s Kurdish issue. Nations and Nationalism 19(3): 551–571.
Sartori G (1976) Parties and Party Systems: A Framework for Analysis. Cambridge University Press.
Selçuk O and Hekimci D (2020) The rise of the democracy–authoritarianism cleavage and opposition coordination in Turkey (2014–2019). Democratization 27(8): 1496–1514.
Sorens J (2005) The cross-sectional determinants of secessionism in advanced democracies. Comparative Political Studies 38(3): 304–326.
Strijbis O (2023) Deindustrialization fosters ethnonationalism: a comparative analysis of ethnonational parties in Western Europe, 1918–2018. European Political Science Review 15(2): 177–193.
Sunca JY (2025) Unpacking inter-subaltern hierarchies: Gramsci, postcolonial nationalism, and the Kurdish third way. Ethnopolitics 24(2): 179–198.
Tan E and Özer I (2025) The politics of recentralisation: local governance under Türkiye’s illiberal turn. Urban Research and Practice.
Tejerina B (2001) Protest cycle, political violence and social movements in the Basque Country. Nations and Nationalism 7(1): 39–57.
Tekdemir Ö (2016) Radikal plüralist demokratik parti olarak HDP’nin “başka Türkiye” önerisi: Hasım politikası, agonizm ve popülizm. Ankara Üniversitesi SBF Dergisi 71(4): 1211–1240.
Tekdemir Ö (2019) Left-wing populism within horizontal and vertical politics: the case of Kurdish-led radical democracy in agonistic pluralism. Journal of Balkan and Near Eastern Studies 21(3): 335–349.
Tezcür GM (2015) Electoral behavior in civil wars: the Kurdish conflict in Turkey. Civil Wars 17(1): 70–88.
Tronconi F (2015) Ethno-regionalist parties in regional government: multilevel coalitional strategies in Italy and Spain. Government and Opposition 50(4): 578–606.
Tutkal S (2022) Trustees instead of elected mayors: authoritarian neoliberalism and the removal of Kurdish mayors in Turkey. Nationalities Papers 50(6): 1164–1186.
Vampa D (2016) The Regional Politics of Welfare in Italy, Spain and Great Britain. Palgrave Macmillan.
Watts NF (2006) Activists in office: pro-Kurdish contentious politics in Turkey. Ethnopolitics 5(2): 125–144.
Yener-Roderburg İÖ and Toivanen M (2024) Transnational citizenship: political practices of Kurdish migrants’ descendants in France and Germany. Citizenship Studies 28(3): 342–362.
Yörük E and Sari E (2025) The internal displacement of Kurds and class structure in Turkey: a quantitative analysis. Kurdish Studies Journal 3(2): 231–260.
YSK (2026) Turkey’s Supreme Election Council Website.
Ziegfeld A (2016) Why Regional Parties? Clientelism, Elites, and the Indian Party System. Cambridge University Press.
[1] -حزب الحركة (Movement Party): نمط هجين من التنظيم السياسي يجمع بين خصائص الحزب السياسي والحركة الاجتماعية. فهو يشارك في الانتخابات ويسعى إلى التمثيل داخل مؤسسات الدولة مثل الأحزاب التقليدية، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بروابط وثيقة مع حركة اجتماعية أوسع، ويعتمد على شبكاتها ونشطائها وأساليبها في التعبئة والاحتجاج والعمل خارج المؤسسات. ولذلك لا تقتصر قاعدته التنظيمية والسياسية على الجهاز الحزبي الرسمي، بل تمتد إلى البيئة الحركية والاجتماعية المرتبطة به. (المترجم)
[2] -القضايا ما بعد المادية (Post-materialist issues): قضايا سياسية واجتماعية لا تتمحور أساسا حول المصالح الاقتصادية والمادية المباشرة، مثل الأجور والعمل والدخل وإعادة التوزيع، بل حول نوعية الحياة والحقوق والقيم، مثل حماية البيئة، والمساواة بين الجنسين، والحريات الفردية، والمشاركة السياسية، وحقوق الأقليات. ارتبط المفهوم خصوصا بأعمال رونالد إنغلهارت حول تحول القيم في المجتمعات الحديثة. (المترجم)
[3] – ابتداء من سقوط نظام سالازار في البرتغال، أدى انهيار الحكم السلطوي في اليونان وإسبانيا، إلى جانب تطورات مماثلة في أجزاء من آسيا وأميركا اللاتينية، إلى انتقالات ديمقراطية في أكثر من 30 دولة انظر (Huntington, 1991) .
[4] – مطالب الاعتراف (Claims for recognition): مطالب الجماعات الإثنية أو الثقافية أو اللغوية بأن تعترف الدولة بهويتها المتميزة وبلغتها وثقافتها وحقوقها الجماعية، وأن ينعكس هذا الاعتراف في المؤسسات والسياسات العامة.(المترجم)
[5] – إلى جانب هذه المقاربات، أدت التحولات البنيوية الخارجية — ولا سيما تزايد أهمية الإقليمية داخل الاتحاد الأوروبي — إلى خفض التكاليف السياسية المترتبة على تمثيل المصالح المحددة إقليميا (انظر Connolly, 2013).
[6] – الإقليمية البرجوازية (Bourgeois Regionalism): نمط من التعبئة الإقليمية يظهر عادة في الأقاليم الأكثر ثراء وإنتاجية، عندما ترى قطاعات من سكانها ونخبها أن الحكومة المركزية تعيد توزيع جزء كبير من موارد الإقليم لمصلحة مناطق أقل إنتاجية. ومن ثم تقوم المطالب الإقليمية على الاحتفاظ بقدر أكبر من الموارد والصلاحيات داخل الإقليم، كما في بعض الخطابات السياسية في كتالونيا وفلاندرز. الاستعمار الداخلي (Internal Colonialism): منظور يفسر التفاوت داخل الدولة باعتباره نتيجة علاقة غير متكافئة بين مركز مهيمن وأقاليم طرفية، حيث يتركز القرار والموارد والسلطة في المركز، بينما تتعرض الأطراف للتهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي أو للاستغلال والتبعية. ووفق هذا المنظور، لا يعد تخلف الإقليم مجرد تأخر اقتصادي، بل يرتبط ببنية العلاقة بين المركز والطرف. (المترجم)
[7] – على سبيل المثال، ارتبط النجاح الأولي للأحزاب الإثنو-إقليمية في بلجيكا والمملكة المتحدة ارتباطا وثيقا بفشل الأحزاب التقليدية في استيعاب المطالب الإقليمية واللغوية (Elias and Tronconi, 2011).
[8] – في أعقاب الانقلاب العسكري في سبتمبر/أيلول 1980، حُل حزب الشعب الجمهوري (CHP)، إلى جانب جميع الأحزاب السياسية الأخرى. وفي مرحلة ما بعد عام 1983، برز الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي (SHP) بوصفه الوريث الرئيسي لتقليد حزب الشعب الجمهوري، معرفا نفسه بأنه حزب ديمقراطي اجتماعي حديث ملتزم بالتحول الديمقراطي والمساواة الاجتماعية.
وقبل ظهور الأحزاب الكردية الصريحة، كان السياسيون والناخبون الكرد ممثلين بصورة أساسية داخل حزب SHP، وقد شكل تحالف الحزب مع القواعد الانتخابية الكردية في شرق تركيا أساس هيمنته الانتخابية في المنطقة.
وفي أعقاب حكومة الائتلاف بين SHP وحزب الطريق القويم (DYP) خلال الفترة 1991–1995، التي أخفقت في معالجة كل من الأزمة الاقتصادية والقضية الكردية، اندمج SHP عام 1995 مع حزب الشعب الجمهوري (CHP)، الذي كان قد أعيد تأسيسه عام 1992 بقيادة دنيز بايكال.
وعلى خلاف SHP، تبنى حزب الشعب الجمهوري موقفا قوميا علمانيا أكثر وضوحا تجاه القضية الكردية، ولم يول اهتماما كبيرا للتمثيل السياسي للكرد داخل صفوفه (انظر Arslantaş and Arslantaş, 2026a).
[9] – Herri Batasuna كان حزبا/ائتلافا سياسيا قوميا باسكيا يساريا في إسبانيا، تأسس في أواخر السبعينيات. دعا إلى استقلال إقليم الباسك، وكان ينظر إليه على نطاق واسع بوصفه الجناح السياسي المرتبط بالبيئة السياسية لحركة ETA المسلحة. بخلاف الأحزاب الكردية التي يناقشها المقال، اتخذ أحيانا موقفا أكثر رفضا للمؤسسات السياسية الإسبانية، بما في ذلك ممارسات مقاطعة مؤسسات أو انتخابات معينة. حُظر لاحقا في إسبانيا بسبب صلاته بـETA.
أما Sinn Féin (شين فين) فهو حزب جمهوري إيرلندي يساري، هدفه التاريخي الأساسي توحيد إيرلندا وإنهاء السيادة البريطانية على إيرلندا الشمالية. ارتبط تاريخيا بالحركة الجمهورية الإيرلندية وبـالجيش الجمهوري الإيرلندي IRA. ومن أشهر استراتيجياته تاريخيا سياسة الامتناع (abstentionism)، أي خوض الانتخابات والفوز بالمقاعد مع رفض شغل مقاعده في برلمان وستمنستر، لأنه لا يعترف بشرعية السيادة البريطانية على إيرلندا الشمالية. (المترجم)
[10] – الكتلة القومية الغاليسية (Bloque Nacionalista Galego – BNG) هي قوة قومية يسارية في غاليسيا شمال غربي إسبانيا. تدافع عن الهوية واللغة الغاليسية وعن توسيع الحكم الذاتي، وقد تطور خطابها السياسي عبر الزمن. لذلك يستخدمها الباحثان مثالا على التطور الخطابي (discursive evolution) للحزب الإثنو-إقليمي.
أما ليغا نورد (Lega Nord) فهي حركة/حزب نشأ في شمال إيطاليا، وبنى جزءا مهما من خطابه تاريخيا على التمايز بين الشمال الإيطالي الأكثر ثراء وبين المركز والجنوب. مر الحزب بمراحل طالب فيها بدرجات قوية من الحكم الذاتي، بل استخدم في التسعينيات خطابا انفصاليا حول “بادانيا” (Padania). لكنه عدل لاحقا بعض هذه المطالب والاستراتيجيات، ولذلك يشير المقال إلى strategic moderation — الاعتدال الاستراتيجي. (المترجم).
[11] – تشكل المسار السياسي للأحزاب الإثنو-إقليمية الكردية في تركيا أيضا بفعل ظهور كيانات سياسية كردية تتمتع بالحكم الذاتي أو شبه الذاتي في الدول المجاورة. فقد شكل كل من حكومة إقليم كردستان (KRG) في العراق، التي مارست حكما ذاتيا فعليا منذ عام 1992 وحظيت باعتراف دستوري منذ عام 2005، والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)، المعروفة عموما باسم روجافا، والتي تأسست خلال الحرب الأهلية السورية ابتداء من عام 2012، نقطتي مرجعية مهمتين للحركة الكردية في تركيا، كما كانتا، في بعض الأحيان، مصدرين لتوترات أيديولوجية وسياسية داخلها. وقد أعرب HDP باستمرار عن تضامنه مع تجربة الكونفدرالية الديمقراطية في روجافا، ولا سيما خلال التعبئة التي شهدها عام 2014 لمواجهة حصار تنظيم الدولة الإسلامية لمدينة كوباني (HDP, 2014).
كما أيد الحزب مشروعية استفتاء استقلال إقليم كردستان لعام 2017، معتبرا أنه يعكس الإرادة الديمقراطية للشعب الكردي (HDP, 2017).
وفي الوقت نفسه، تشكلت العلاقات مع حكومة إقليم كردستان بفعل التنافس السياسي والاستراتيجي الأوسع بين الأحزاب المهيمنة في الإقليم — ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) — وحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو ما أدى إلى نشوء توترات دورية داخل الحركة السياسية الكردية الأوسع.
[12] – حل ÖZEP نفسه وعاد وانضم إلى HEP.
[13] – حل DEHAP نفسه وشارك في العملية التأسيسية لـDTP.
[14] – حل BDP نفسه عام 2014، ونقل كامل كوادره — بمن فيهم رؤساء البلديات وأعضاء البرلمان — إلى HDP.
[15] – كانت أحزاب DEHAP وDTP وBDP قد طبقت سابقا حصصا للنساء في إداراتها الحزبية بلغت 35% و40% و40% على التوالي.
[16] – اعتقل لاحقا عشرة نواب من HDP ونائب واحد من CHP (Bianet, 2020). وكان زعيم CHP، كمال كيليتشدار أوغلو، قد أيد التعديل الدستوري الذي رفع الحصانة البرلمانية، قائلا: “إنه غير دستوري، لكننا سنصوت لصالحه”.
[17] – انتهى التحالف الانتخابي بين SHP وHEP في الانتخابات البرلمانية لعام 1991 — والذي ضمن لـHEP الحصول على 22 مقعدا — بانقسام حاد ومثير.
[18] – توسع هذا التحالف لاحقا ليشمل النقابات العمالية، والمنظمات النسائية، ومجموعات LGBTQ+، والحركات البيئية، وبلغ ذروته في تشكيل مؤتمر الشعوب الديمقراطي (HDK)، الذي كان السلف التنظيمي لـHDP، والذي تأسس في أكتوبر/تشرين الأول 2012.
[19] – وفي سياق متصل، يستحق البعد العابر للحدود الوطنية للسياسة الحزبية الكردية إشارة موجزة. إذ يقدر عدد أفراد الجاليات الكردية في أوروبا بنحو 1.7–1.9 مليون شخص، وتستضيف ألمانيا أكبر تجمع منهم، بنحو 1.2–1.5 مليون، تليها فرنسا بوصفها ثاني أكبر تجمع. وتنحدر الغالبية الساحقة من الكرد الناشطين سياسيا في أوروبا من تركيا. ومنذ إدخال حق التصويت من الخارج للمواطنين الأتراك غير المقيمين في تركيا عام 2012، تحولت هذه البنية التحتية للشتات إلى عامل ذي أهمية انتخابية مباشرة بالنسبة إلى HDP. وقد بنيت تعبئته خارج حدود تركيا بصورة أساسية من خلال منظمات الشتات التي تعمل بصورة مستقلة عن المشاركة المباشرة للحزب. وهذا يفسر الأداء القوي نسبيا لـHDP في التصويت من الخارج، بما في ذلك حصوله على ثاني أعلى حصة من الأصوات في ألمانيا في انتخابات 2015، وثالث أعلى حصة من الأصوات في الخارج في انتخابات 2018 (انظر Yener-Roderburg and Toivanen, 2024).
