ايغون سيروس
ترجمة: كيڤورك خاتون وانيس
قلة هم رجال الدولة الذين واجهوا تحدياً سياسياً واقتصادياً جسيماً بحجم إعادة إعمار بلدٍ ما عقب الصراع الأكثر دموية وتدميراً في تاريخ العالم. لقد واجه لودفيغ إيرهارد مهمة شبه مستحيلة عندما تولى منصب أول وزير للاقتصاد في جمهورية ألمانيا الغربية، التي تأسست حديثاً، عام 1949؛ إذ كانت 20% من الوحدات السكنية الألمانية قد دُمِّرت بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، وبلغ الإنتاج الصناعي في عام 1947 نحو ثلث مستواه المسجل في عام 1938. كما أدت سياسات تحديد سقف للأسعار، التي فُرضت إبان الحرب، إلى نقص حاد في الغذاء والسلع الاستهلاكية الأساسية الأخرى، بالتزامن مع الانهيار المتسارع لقيمة عملة “الرايخ مارك” القديمة. وفضلاً عن ذلك، لم يعد الكثير من الجنود إلى ديارهم، مما شكل مأساة إنسانية وضربة قاصمة لسوق العمل الألماني في آن واحد. لقد تطلبت تلك الأزمة غير المسبوقة في مرحلة ما بعد الحرب اتخاذ إجراءات جريئة من جانب صناع السياسات الاقتصادية؛ واليوم تُقدم الدروس المستقاة من البرنامج الذي طبقه إيرهارد، ومن المعجزة الاقتصادية الألمانية، إرشادات قيّمة في ظل الأزمات الاقتصادية الراهنة والنظام الدولي الذي تعصف به الحروب.
تجربة الليبرالية المنظمة الكبرى
اتسمت السياسة الاقتصادية لألمانيا الغربية في فترة ما بعد الحرب بطابع فريد ومتميز مقارنة بالسياسات التي انتهجتها نظيراتها الأوروبية؛ إذ أدت الحاجة إلى إدارة الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب إلى تزايد شعبية نظريات التخطيط المركزي وتدخل الدولة، وصولاً إلى تبني نموذج “دولة الرفاه” في أوساط النخبة الاقتصادية والفكرية في أوروبا. غير أن ألمانيا سلكت مساراً مغايراً، ويعود الفضل في ذلك بشكل رئيسي إلى لودفيغ إيرهارد الذي تأثر بمدرسة “الليبرالية المنظمة” (Ordoliberalism) ومفهوم “اقتصاد السوق الاجتماعي” اللذين روجت لهما مدرسة فرايبورغ الاقتصادية (تهدف إلى التوفيق بين آليات السوق الحرة والعدالة الاجتماعية، مع دور تنظيمي للدولة يمنع الاحتكار ويحمي المنافسة الشريفة – المترجم)، ولا سيما على يد والتر أوكن وفيلهلم روبكه.
تتمحور المبادئ الأساسية لليبرالية المنظمة حول فكرة أن الأسواق الحرة تمثل الوسيلة المثلى لتخصيص الموارد، وأن عمل هذه الأسواق يجب أن يتم ضمن إطار تحدده القوانين الاقتصادية للدولة. ومن هذا المنطلق، تختلف الليبرالية المنظمة عن الليبرالية القائمة على مبدأ “دعه يعمل” ، التي غالباً ما تقترن بالتوجهات المؤيدة للسوق-؛ إذ يرى أنصار الليبرالية المنظمة أن على الدولة إرساء الإطار القانوني اللازم لعمل السوق، كما يؤيدون وجود بنك مركزي قوي يتولى مهمة الحفاظ على استقرار الأسعار، واعتماد سياسة مالية منضبطة، وضمان منافسة قوية، فضلاً عن تطبيق قوانين صارمة لمكافحة الاحتكار لمنع تشكل الاحتكارات وتكتلات الهيمنة على السوق (الكارتلات). وعلاوة على ذلك، يدعمون إجراء عمليات محدودة لإعادة توزيع الدخل من خلال النظام الضريبي.
ولم يكن التزام إيرهارد بأفكار السوق الحرة أمراً بديهياً أو محتوماً بأي حال، بالنظر إلى أن تلك الحقبة قد سبقت الثورة الليبرالية الاقتصادية التي شهدتها العقود اللاحقة. فكتاب فريدريك أوغست فون هايك، «الطريق إلى العبودية» ، الذي يُمثل نقطة الانطلاق والأثر الفكري الأبرز لفكر السوق الحرة، لم يَر النور إلا في عام 1944. ومع ذلك، فإن التجربة التي خاضها إيرهارد في ظل نظام التخطيط الاقتصادي إبان الحرب، ومعارضته الشديدة والمبدئية للنازية، شكّلتا رؤيته التي آمنت بتفوق السوق الحرة، ليس لاعتبارات اقتصادية فحسب، بل لأبعاد اجتماعية وإنسانية أيضاً. فقد أدرك إيرهارد مدى الضرر، والعواقب القاتلة في كثير من الأحيان، الذي يمكن أن تُلحقه الحكومات وتغول الدولة؛ ولم يرَ في الأسواق الحرة مجرد أداة كفوءة لتوزيع الموارد، بل سياجاً يحمي الحريات المدنية وحقوق الإنسان، وضمانة للاستقلال عن قبضة أي سلطة قد تنزع نحو الشر والدمار. وبصفته رجل مبادئ وأفكار، كان عازماً على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس؛ ومن هنا انطلقت مسيرة استقرار ما بعد الحرب، وولدت “المعجزة الاقتصادية الألمانية”.
دروس من المعجزة الاقتصادية الألمانية
نجمت الكارثة الاقتصادية التي حلت بألمانيا بعد الحرب عن مشكلتين خطيرتين. تمثلت المشكلة الأولى في ضربة هائلة طالت اثنين من عوامل الإنتاج: رأس المال الألماني الذي دُمر أثناء الحرب، والقوى العاملة التي فقدت أعداداً كبيرة من العمال المحتملين الذين لم يعودوا من الجبهات. أما المشكلة الثانية فكانت الانخفاض السريع في قيمة العملة الألمانية (الرايخ مارك). ونظراً لاستمرار العمل بضوابط الأسعار التي فُرضت إبان الحرب، أدى تدهور قيمة العملة إلى نقص حاد في السلع، ونظام الحصص التموينية، وازدهار السوق السوداء؛ لدرجة أن المقايضة شكلت ما يقرب من نصف إجمالي المعاملات التجارية في عام 1947. ومن ثم، كانت المهمة واضحة تماماً أمام صناع السياسات الاقتصادية: أولاً، زيادة الإنتاج الصناعي من خلال تعويض رأس المال الألماني المفقود؛ وثانياً، خفض المعروض النقدي لكبح التضخم، مما يحفز الإنتاج في الوقت ذاته. وهذا بالضبط ما فعله لودفيغ إيرهارد.
في عام 1947، تولى إيرهارد إدارة مكتب الهيئة الاقتصادية المشتركة لمنطقة الاحتلال البريطاني-الأمريكي (كانت تضم ولايات كبرى مثل بافاريا وشمال الراين وإقليم الرور الصناعي – المترجم) وبهدف خفض المعروض النقدي ووقف التضخم، أقر المكتب إصلاحاً نقدياً عام 1948؛ حيث حلت “العملة الألمانية الجديدة” (المارك الألماني – DM) محل “الرايخ مارك – RM” القديم بمعدل صرف يبلغ ماركاً ألمانياً واحداً مقابل 10 ماركات من العملة القديمة، مما أدى إلى خفض هائل في المعروض النقدي بنسبة 93%. ورغم أن العديد من الألمان شهدوا انخفاضاً كبيراً في صافي ثرواتهم، إلا أن تراجع التضخم أعاد تحفيز الادخار، وهو ما مهد الطريق في نهاية المطاف لعملية إعادة الإعمار الكبرى بعد الحرب. لقد كان الانضباط النقدي الصارم أول العوامل الهامة التي ساهمت في تحقيق المعجزة الاقتصادية الألمانية.
عند إجراء الإصلاح النقدي، أدرك إيرهارد أن وضع سقف للأسعار وفرض قيود عليها لا يُعدّان وسيلتين فعالتين على الإطلاق لمكافحة التضخم؛ بل إنهما يؤديان إلى نقص حاد في السلع ويُثبّطان عجلة الإنتاج في وقت كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى الانتعاش الاقتصادي. ولذا، ورغم المعارضة الشديدة التي واجهها من الجانب الأمريكي ومن مستشاريه على حد سواء، ألغى إيرهارد معظم تدابير الرقابة على الأسعار بعد أسابيع قليلة فقط من طرح عملة ” المارك الألماني” الجديدة. وقد أثبتت هذه الخطوة فعاليتها الكبيرة، إذ تلاشت حالات نقص السلع بين عشية وضحاها تقريباً؛ فبمجرد أن أدرك المنتجون إمكانية الحصول على عملة ذات قيمة حقيقية مقابل السلع الاستهلاكية – ودون الاضطرار لبيعها بأسعار تقل عن أسعار السوق – أصبح لديهم حافز قوي لزيادة الإنتاج. وفي الوقت نفسه، عاد العمال إلى سوق العمل بعد أن استعادت الأجور التي يتقاضونها قيمتها الفعلية. لقد كان تحرير الأسعار ثاني أهم العوامل التي ساهمت في تحقيق “المعجزة الاقتصادية الألمانية”.
لم يكن من الممكن تحقيق الانتعاش الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب لولا إعادة بناء الأصول الرأسمالية الألمانية وزيادة مشاركة القوى العاملة في سوق العمل؛ فقد تطلبت الاستثمارات الجديدة زيادة في معدلات الادخار، ولهذا السبب اكتسبت مكافحة التضخم أهمية قصوى. وفي الوقت نفسه، عمد إيرهارد إلى خفض الضرائب المفروضة على كل من الدخل الشخصي وأرباح الشركات؛ إذ أدى خفض الضرائب إلى تحفيز الادخار والاستثمار والعودة إلى سوق العمل، حيث سمحت الحكومة للأسر والعمال بالاحتفاظ بجزء أكبر من دخلهم. لقد أدرك إيرهارد أن الإبقاء على ضرائب مرتفعة في خضم ركود اقتصادي حاد من شأنه أن يعيق النمو الاقتصادي. وبالتوازي مع ذلك، ساهم تدفق اللاجئين الألمان من أوروبا الشرقية وعوائد خطة أو مشروع مارشال (برنامج اقتصادي أطلقه وزير خارجية أميركا جورج مارشال 1948 على شكل منح مالية وقروض طويلة الأمد لإعادة إعمار أوروبا بعد الدمار الذي لحق بها نتيجة الحرب العالمية الثانية – المترجم) في زيادة الاستثمارات وتوسيع قاعدة القوى العاملة المتاحة؛ وبذلك، كان خفض الضرائب العامل الثالث المهم الذي ساهم في تحقيق “المعجزة الاقتصادية الألمانية”.
رسالة إلى صناع السياسات اليوم
أدت الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها لودفيغ إيرهارد إلى تحقيق نمو وانتعاش اقتصادي مذهل؛ ففي الفترة ما بين عامي 1948 و1958، نما الإنتاج الصناعي بمعدل سنوي متوسط بلغ 15%. وفي النصف الثاني من عام 1948 وحده -أي عقب إصلاح العملة- ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة هائلة بلغت 50 %. وبحلول نهاية ذلك العقد، انخفض معدل البطالة إلى 1 %. كما تراجع معدل التضخم -الذي كان قد تجاوز عتبة الـ 10% في أعقاب الحرب- مباشرةً بعد إصلاح العملة، ليستقر عند مستوى مستقر يبلغ 3% بحلول عام 1954. لقد أدرك إيرهارد أن النمو الاقتصادي المستدام لا يتحقق إلا من خلال زيادة الإنتاجية؛ ولذا كان تراكم رأس المال، عبر زيادة المدخرات والاستثمارات، أمراً جوهرياً لعملية إعادة الإعمار بعد الحرب. كذلك، ساهم انخفاض الضرائب والسيطرة على التضخم في تحقيق هذا النجاح الاقتصادي.
لا تزال المبادئ الأساسية لبرنامج إيرهارد صالحة للتطبيق في وقتنا الحاضر؛ فالسياسات المالية المتساهلة والتحفيز النقدي لا تؤديان إلى نمو اقتصادي مستدام وطويل الأمد، إذ إن الرخاء ينبع من زيادة الإنتاجية. ولتحقيق الرخاء، تبرز أهمية خفض الضرائب، وكبح التضخم، والالتزام بالانضباط النقدي، وضمان عمل آليات السوق الحرة دون عوائق. وفي المقابل، فإن التضخم المستمر في الجهاز الحكومي وتزايد نفوذه، وتجاهل ارتفاع معدلات التضخم، والسياسات المالية الخاضعة لتقلبات الحكم السياسي، والتدخل في آليات تحديد الأسعار، كلها عوامل تعيق النمو الاقتصادي في عالم اليوم. وتُعد تجربة لودفيغ إيرهارد و”المعجزة الاقتصادية الألمانية” مرجعاً قيّماً يجدر بصناع السياسات الحاليين الاقتداء به.
تعقيب (المترجم):
إذا كانت دراسة تجارب النجاح خطوة ضرورية نحو التقدم، فإن تشريحَ الإخفاقات الكبرى، لا سيما تلك التي أسفرت عن كوارث إنسانية واقتصادية فادحة، يظل أمراً بالغ الأهمية لتجنب الانخداع بها مهما بدت براقة في انطلاقتها.
بما أن المقال يتناول ‘المعجزة الاقتصادية الألمانية ‘ فمن الضروري مقارنتها بتجربة تاريخية سبقتها في الدولة ذاتها؛ ألا وهي طفرة الانتعاش الاقتصادي التي تزامنت مع صعود الحزب النازي للسلطة عام 1933، تلك القفزة التي سارع منظرو النازية وبعض خبراء الاقتصاد لوصفها بـ “ المعجزة الاقتصادية “؟
وهنا يبرز سؤال أو تساؤل ضروري: إلى أي مدى كان هذا الوصف دقيقاً وعلمياً؟ ولماذا انخدعت به النخب قبل العامة، رغم أنه كان يخفي في طياته بذور كارثة إنسانية واقتصادية فادحة؟ إن تفكيك هذا الوهم يمثل مدخلاً إلزامياً لفهم الفارق بين النمو الحقيقي المستدام، والفقاعات الأيديولوجية المدمرة.
استندت السياسة الاقتصادية النازية إلى حد كبير على النظريات الاقتصادية الفاشية. في الفاشية، تُدار الموارد والإنتاج لخدمة عقيدة الدولة وبناء آلتها العسكرية، بدلاً من زيادة الأرباح أو الأجور أو مستويات المعيشة.
وهي في النتيجة لا تختلف عن السياسة الاقتصادية التي اعتمدها الاتحاد السوفيتي السابق ولا عن الاقتصاد الذي تعتمده الصين هذه الأيام والذي يسمى بـ اقتصاد المحسوبية والذي يقوم على التزاوج المشبوه بين رجال السلطة ورجال الأعمال.
كل انفتاح اقتصادي غير مقترن بانفتاح سياسي ليس سوى ذر الرماد في العيون أو وضع العربة أمام الحصان، فشتان ما بين سياسة اقتصادية توظف المجتمع لخدمة مشاريع الدولة الإيديولوجية، وسياسة تسخر الدولة لخدمة رفاهية المجتمع واستدامته!
