الحل المستدام في الدول المتعددة القوميات: منظور تربوي وتعليمي

The flag lined approach to the entrance to the United Nations' Headquarters in Geneva.
شارك هذا المقال:

محمود منلا علي

تاريخياً حافظت بعض الدول والكيانات على خصوصيتها العرقية الصرفة دون الاختلاط مع الشعوب الأخرى. لكن مع مرور الزمن، أدى زوال دول وقيام دول أخرى على أنقاضها إلى  نشوء حالة من الاختلاط بين الشعوب. أما في التاريخ الحديث وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وبداية عصر الاستعمار الغربي على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، فقد نشأت دول غير متجانسة لا لغوياً ولا عرقياً ولا ثقافياً بفعل اتفاقية سايكس-پيكو التي قسمت الجغرافيا ورسمت الحدود بالمسطرة دون مراعاة الخصوصية العرقية أو الثقافية. و في العصر الحديث،  عصر العولمة والثورة التكنولوجية، بات التنوع الثقافي والعرقي سمة أساسية لعدد متزايد من الدول. بعض هذه الدول ذات الأعراق والثقافات المتعددة تمكنت من تحويل هذه الميزة إلى نقطة قوة بحيث بات هذا التنوع محل فخر واعتزاز تحت سقف دولة واحدة. واستفادت من جميع الكفاءات المتوافرة دون الخوض في صراعات هامشية حيث تطغى أو تسود فئة على أخرى. وهذا ما نشهده في دول كسويسرا، والولايات المتحدة، وإسبانيا، وبلجيكا. بينما عمدت السلطات في دول أخرى إلى قمع بقية القوميات والثقافات، ما أدى إلى نشوب صراعات داخل الدولة الواحدة وباتت المسألة أكثر تعقيداً. بدلاً من العمل على بناء الدولة وتعزيز قيم المواطنة، انجرفت إلى مستنقع الحروب والصراعات الداخلية والتي نتجت عنها دولاً فقيرة في مواردها وشعوباً مشبعة بالحقد والكراهية نتيجة الصراع الذي أصبح وجودياً للأطراف المتصارعة. وقد تم توريث هذا الفكر المتطرف وهذا الصراع إلى الأجيال اللاحقة. من الأمثلة الجليّة على هذه الدول، سوريا، العراق، تركيا، إيران، مصر، المغرب وأفغانستان.

من بديهيات فض النزاعات والصراعات على أي مستوى، هو الاعتراف بوجود المشكلة بحد ذاتها. ومن ثم ينتقل المرء إلى مرحلة إيجاد الحلول المناسبة. أساس هذا النوع من الصراعات هي السلطات الديكتاتورية التي تتغذى على الفكر الطائفي الشوفيني البعيد كل البعد عن عقلية الدولة، التي مهمتها احتواء جميع الثقافات ضمن خيمة الدولة الواحدة مبنية على أسس العدالة والمساواة بين جميع المواطنين. هذه العقلية تسخّر كل موارد الدولة لقمع وإفناء كل من يخالفها في الرأي أو الثقافة. ما ينتج عنه جيل متشرّب بالعنصرية لا يقبل الآخر حتى بزوال الديكتاتوريات أنفسهم. مما يولد دائرة من الصراعات اللامتناهية وتفني كل الأطراف على قدم المساواة.

إذاً لا بد من العمل على إيجاد حلول مستدامة بعيدة عن العنف والتطرف والنزاعات التي تنشب بين الأغلبية والأقلية وبين الثقافات المختلفة. إحدى أكثر الحلول استدامة هو المراهنة على الأجيال القادمة وبنائهم بناءً سليماً يتخطى عقلية الأغلبية والأفضلية والأكثر عراقة. وإنما يعتمد على مبدأ تعزيز المواطنة المتساوية، والكفاءة، والحقوق، والواجبات. من المقومات الأساسية لبناء هكذا جيل هو تنشئتهم بشكل سليم وعلى أسس حضارية وعلمية. هذه العملية تبدأ من أولى المؤسسات التربوية والتعليمية بدءاً من رياض الأطفال ومروراً بالمدارس والجامعات وانتهاءً بالمؤسسات الخدمية ومؤسسات الدولة.

بناء هكذا جيل، يتم بداية عبر دستور جامع يتبنى هذه الرؤية كرؤية استراتيجية، تليه قوانين وتشريعات ومناهج قادرة على مواكبتها من خلال بناء نظام تعليمي شامل يعزز التفاهم وقيم المساواة بين الثقافات المختلفة بما يتناسب مع التنوع العرقي والإثني والديني.

وبما أن الدستور هو المرجع الأساسي للتشريعات، فعليه تبنّي رؤية واضحة من المبدأين الأساسيين من مبادئ حقوق الطفل.

 المبدأ الأول ورد في المادة ٢٩ من اتفاقية حقوق الطفل والتي تنص على أن التعليم يجب أن يهدف إلى “تنمية احترام هوية الطفل الثقافية ولغته وقيمه الخاصة، والقيم الوطنية للبلد الذي يعيش فيه الطفل والبلد الذي نشأ فيه بالأصل، والحضارات المختلفة عن حضارته”. وبالاعتماد على هذا المبدأ بإمكاننا بناء جيل سليم يفتخر بهويته الثقافية الخاصة ضمن الوطن الواحد، بعيداً عن الشعور بالإقصاء والاضطهاد والدونية. أما المبدأ الثاني وهو كما جاء في المادة ٣٠ من نفس الاتفاقية والذي ينص على ” لا يجوز حرمان الطفل المنتمي إلى أقلية، من حقه في أن يتمتع بثقافته أو أن يعلن عن ديانته أو أن يستعمل لغته”. هذا المبدأ من شأنه أن يمنع البالغين والقائمين على المؤسسات التربوية والتعليمية من قمع أي فرد من أفراد المجتمع بناء على هويته أو خلفيته الثقافية أو الدينية. مما يخلق جيل قائم على تقبُّل التنوع والاختلاف على أنه إثراء وليس تهديد.

بالإضافة إلى هذين المبدأين، تم التأكيد على الأساس القانوني لهذا الحق تم التأكيد عليه في إتفاقية اليونيسكو لمناهضة التمييز في التعليم (١٩٦٠) الذي ينص على تشجيع توفير التعلم باللغة الأم وأن التعليم يجب أن يكون دون تمييز على أساس اللغة أو الأصل العرقي. وعلاوة على ذلك فإن الدول ذات التنوع العرقي يجب أن تراعي حق الشعوب الأصلية في إنشاء مؤسساتها التعليمية بلغتها الأصلية. وهذا ما تم التأكيد عليه في إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية (٢٠٠٧) والذي ينص صراحة في المادة ١٤ على “للشعوب الأصلية الحق في إنشاء نظمها ومؤسساتها التعليمية الخاصة بها، باستخدام لغتها الأصلية وفي سياق ثقافتها”.

ربما أحد أبرز التحديات التي تواجه هذه الدول هو كيفية تطبيق هذه العملية على أرض الواقع. لذا فمن الضروري العمل على إنشاء مؤسسات تقوم بهذه الأدوار بكفاءة عالية وعلى كافة المستويات. على مستوى الحكومة، يجب إنشاء وزارة تحت مسمّى وزارة التنوع التي من شأنها وضع خطة محْكَمة تقوم بمهام استحداث مديريات تابعة لها في كافة المحافظات. الخطة الوزارية يجب أن تكون واضحة المعالم حيث تضع آليات واضحة لعمل المديريات والمؤسسات التابعة للحكومة، بحيث تعزز قيم التفاهم وقبول جميع الثقافات ضمن المؤسسة الواحدة. أما المديريات فمن شأنها استحداث قسم في كل مؤسسة، مهمتها ضمان حسن سير العملية، وإنشاء دورات تأهيلية وورش عمل للموظفين الحكوميين. والعمل على إدماج أكبر قدر ممكن من الموظفين ذوي ثنائي أو ثلاثي اللغة حسب احتياجات كل منطقة إدارية. بالإضافة إلى البت في الشكاوى المقدمة من قبل المواطنين ومن النقابات على الموظفين الذين تجاوزوا المهام الموكلة لهم. بحيث يكون من حق أي مواطن التحدُّث باللغة التي يفضّلها ومن واجب أية مؤسسة أن تؤمن موظفاً أو مترجماً للمُراجِع. من الضرورة الحتمية التنسيق التام بين وزارة التنوع ووزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بهيكلية المدارس والجامعات، وكتابة المناهج وسير العملية التعليمية داخل الصف. أمّاعلى مستوى المدارس، فيجب استحداث قسم التنوع في كل مدرسة من مدارس الدولة وتكون مهامها كما يلي:

  • إعداد دورات تأهيلية دورية للعاملين وورش عمل في المدرسة فيما يخص التنوع العرقي والثقافي، للاطلاع على أحدث الدراسات والأبحاث بهذا الشأن.
  • إنشاء دورات للغة غير اللغة الأم للعاملين، وذلك لإعداد جيل متعدد اللغات وتأهيلهم بحيث يكون بالإمكان تبنّي ثقافة احتواء الجميع ضمن الصف الواحد لإدارة الصف بكفاءة ودون تمييز.
  • توفير مدرسين متعددي اللغة في المدارس التي بحاجة إلى ذلك حتى ولو كان المعني طالباً واحداً، وذلك بتخصيص ميزانية خاصة من وزارة التنوع.
  • إنشاء الصفحات الرسمية الحكومية على الإنترنت بلغات متعددة، حتى يتسنّى لكل مواطن الوصول إلى المعلومات الرسمية باللغة التي يفضّلها بعيداً عن الإكراه.

أما على مستوى المناهج، فيجب العمل على ما يلي:

  • تبنّي المناهج بما يتناسب وحالة كل منطقة إدارية أو مدرسة معينة. أي أن كل منطقة إدارية تقرّر المنهاج ولغة التعليم الأساسية.
  • تبنّي المناهج رؤية تعزيز الهوية الوطنية من خلال إدخال نصوص وصور وأناشيد وأغاني من جميع الثقافات والتي تعزز التنوع الثقافي والعرقي، حتى يتسنى للطفل التعرف على ثقافة جيرانه مما يسهل تقبُّل الآخر وسهولة التواصل سواء ضمن الصف أو المدرسة أو في الشارع بعيداً عن التطرف والتعصب.
  • صياغة الأحداث التاريخية بما يعزز قيم التسامح والعيش المشترك ونبذ خطاب الكراهية.

حتى يتم سير هذه العملية بشكل سلس وبما يتوافق مع خطة الوزارتين التعليم والتنوع، يجب عدم التغاضي عن مبدأ المحاسبة على مختلف المستويات، من الكادر التعليمي والإداري وكافة العاملين في مؤسسات الدولة، باعتبارهم الجهة المخولة بتنفيذ تعليمات الوزارة، وكذلك لاحتكاكهم المباشر مع الطلبة وأولياء الأمور.

 بتطبيق هذه الآلية من استحداث وزارة التنوع، والتنسيق التام والشفاف مع وزارة التربية والتعليم، ومنح المناطق الإدارية صلاحيات موسّعة بخصوص اللغة الرسمية الأولى والثانية، وعدم التهاون في تطبيق مبدأ المحاسبة، سنضمن بناء جيلٍ واعد وسوي مؤمن بفكرة التنوع الثقافي، وقادر على مواجهة التحديات القائمة والناجمة عن الفكر المتطرف الأحادي البعد. هذا الجيل الواعد سيكون البذرة الأساسية التي ستقود المجتمع في المستقبل وعلى الأغلب سيتمكن من إيجاد حل لأية مشكلة دون المساس بالتنوع الثقافي ضمن خيمة الوطن.

المصادر:

شارك هذا المقال: