مراجعة واستعراض كتاب “الاقتصاد السياسي للمسألة الكردية في تركيا: من الامبراطورية العثمانية الى الجمهورية التركية”

شارك هذا المقال:

The Political Economy of the Kurds of Turkey:From the Ottoman Empire to the Turkish Republic

الكتاب صادر عن مطبعة جامعة كامبردج عام 2017

المؤلف فيلي ياديرغي

 باحث متخصص في الاقتصاد السياسي والدراسات الكردية، اشتهر بتحليلاته التي تربط بين بناء الدولة والتنمية والتفاوتات الإقليمية. ويُعد كتابه «الاقتصاد السياسي للمسألة الكردية في تركيا» من أبرز الدراسات التي تناولت القضية الكردية من منظور تاريخي وبنيوي.

المراجعة :
الدكتور مسلم عبد طالاس


يضعنا كتاب “الاقتصاد السياسي للمسألة الكردية في تركيا: من الامبراطورية العثمانية الى الجمهورية التركية” أمام محاولة فكرية طموحة، تسعى جاهدة لإعادة قراءة تاريخ هذه المسألة المعقدة من زاوية تكاد تكون غائبة عن الكثير من الأدبيات السائدة اليوم. فبينما يكتفي أغلب الباحثين بتناول الصراع السياسي المباشر بين الدولة التركية والحركة الكردية، أو ينكفئون على دراسة الأبعاد القومية والثقافية المحصنة بالهوية، يأخذنا المؤلف في رحلة مغايرة تماماً؛ يربط فيها خيوط هذا الصراع الطويل بمسار التحولات الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وبعمليات بناء الدولة المركزية في الأناضول، ممتداً برؤيته من العهد العثماني وصولاً إلى العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين.

وتكمن الأهمية الحقيقية لهذا العمل في جرأته على تفكيك ورفض واحدة من أكثر الفرضيات رواجاً واستسهالاً في الأدبيات المهتمة بالمناطق الكردية؛ ونعني بها فرضية “التخلف التاريخي الحتمي” لشرق وجنوب شرق الأناضول ” شمال كردستان”. هنا، يجادل المؤلف بقوة ضد هذا المنظور السطحي، موضحاً أن هذه الأقاليم لم تكن يوماً هامشية أو فقيرة بطبيعتها، بل إنها عاشت، خلال القرون الأولى من الحكم العثماني، طفرات لافتة من النشاط الاقتصادي والتجاري. ويلفت انتباهنا إلى أن ولايات كبرى مثل دياربكر وأرضروم كانت تمثل عصباً حيوياً في جسد الاقتصاد العثماني، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وازدهار قطاعات الرعي، وصناعة النسيج، والتعدين، وحركة التجارة العابرة للأقاليم. ومن هذا المنطلق الذكي، يرفض المؤلف تماماً فكرة وجود خط تاريخي مستقيم وساذج للتخلف، ويقترح بديلاً عنه قراءة أكثر تركيباً وعمقاً، تميز بين محطات تاريخية مختلفة شهدت صعوداً ثم هبوطاً، ثم ما يسميه لاحقاً بمصطلح “التنمية المعاكسة” De-development.

وفي تتبعه لجذور هذا التحول، يرى المؤلف أن نقطة الانكسار الأساسية بدأت تلوح في الأفق مع تغول سياسات المركزية العثمانية خلال القرن التاسع عشر. فحين أقدمت الدولة على إلغاء الإمارات الكردية التقليدية، وتقويض البنى السياسية المحلية، ومصادرة الأراضي على نطاق واسع، تسببت – بحسب تحليله – في إضعاف وخلخلة البنية الاقتصادية المتكاملة التي كانت تستند إليها المنطقة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الاضطرابات العسكرية والسياسية العنيفة التي رافقت فرض هذه المركزية أسهمت بشكل مباشر في تراجع الإنتاج الزراعي والتجاري، ودفعت بقطاعات واسعة من السكان نحو مربع الفقر. ويذهب المؤلف هنا إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن سحق البنى السياسية المحلية لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان تدميراً متعمداً لمسار اقتصادي واعد كان يمتلك كل مقومات التطور والنمو لو أتيحت له ظروف مختلفة.

إلا أن الجوهر الحقيقي والأطروحة الأكثر إثارة للجدل في هذا الكتاب لا ترتبط بالحقبة العثمانية بقدر ارتباطها بمرحلة الدولة القومية التركية الحديثة. في هذا الفضاء تحديداً، يصيغ المؤلف مفهوم “التنمية المعاكسة” (De-development)، وهو المفهوم الذي يمثل العمود الفقري والمحرك الأساسي للكتاب كله. والمقصود هنا ليس مجرد غياب بسيط للتنمية أو ضعف في مؤشراتها، بل نحن أمام مسار تاريخي ممنهج يقود باستمرار إلى تآكل وإضعاف القدرة الذاتية للمجتمع على التطور الاقتصادي والاجتماعي. فالمعضلة، وفق هذا المنظور الصادم، لا تكمن في أن قطار التنمية قد “تأخر” في الوصول إلى المناطق الكردية، بل في أن شروط وأسس التنمية نفسها جرى تقويضها وتعطيلها قسراً عبر سياسات الدولة المتلاحقة.

ويحاول المؤلف البرهنة على هذه الأطروحة الثقيلة عبر تشريح مجموعة واسعة من السياسات التي طُبقت في العقود الأخيرة من عمر الدولة العثمانية ثم تكرست في العهد الجمهوري التركي. إنه يربط بخيط متين ومقنع بين سياسات التهجير القسري، والمصادرات، وعمليات إعادة الهندسة الديموغرافية، وإنكار الهوية الكردية، وبين بقاء واستمرار تلك الفجوة التنموية السحيقة بين شرق البلاد وغربها. ومما يثير الاهتمام والدهشة حقاً في هذا التحليل، هو تسليطه الضوء على استهداف النخب المحلية الكردية؛ حيث يرى أن الدولة لم تكتفِ بملاحقة الحركات السياسية الكردية ومحاربتها عسكرياً، بل عملت بذكاء على منع تشكل أي مراكز قوى اقتصادية أو سياسية مستقلة داخل النسيج المجتمعي الكردي. وفي الوقت نفسه، مارست عملية استيعاب واحتواء لبعض النخب المحلية عبر دمجها في بنيتها السياسية والإدارية، مما أجهض أي إمكانية لولادة برجوازية كردية مستقلة أو قيادة اقتصادية محلية تكون قادرة على أخذ زمام المبادرة لقيادة تنمية خاصة بالمنطقة.

ويمضي بنا المؤلف متتبعاً هذه الأطروحة حتى نصل إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فبالرغم من التحولات الهيكلية الضخمة التي مر بها الاقتصاد التركي ككل – سواء في حقبة التصنيع الموجه من قِبل الدولة أو في مرحلة الانفتاح النيوليبرالي لاحقاً – ظلت المناطق الكردية قاطنة في قاع المؤشرات التنموية. ويرى المؤلف أن غياب الإصلاح الزراعي الحقيقي، واستمرار سطوة كبار ملاك الأراضي، وشح الاستثمارات الإنتاجية، مدفوعة بالهجرة الجماعية الواسعة نحو حواضر الغرب، كلها عوامل تضافرت لتعميق الاختلالات البنيوية داخل اقتصاد المنطقة.

وعندما يضعنا الكتاب في مواجهة العقود الأخيرة، نراه يركز عدسته بشكل خاص على التمفصل المعقد بين الحرب والاقتصاد. وهنا يطرح المؤلف حجة بالغة الأهمية؛ فالصراع المسلح بين الدولة وحزب العمال الكردستاني لم يكن هو “السبب الأول” للتخلف، بل إنه جاء ليتراكب فوق بنية قائمة بالفعل من التفاوت والتهميش التاريخي. نعم، لقد عمقت الحرب، بالتوازي مع السياسات النيوليبرالية الجافة، هذه الأزمات عبر تدمير أجزاء واسعة من الاقتصاد الريفي، وتجريف القرى، وتسريع وتيرة الهجرة، وإصابة القطاع الزراعي – الذي كان يمثل شريان الحياة للاقتصاد المحلي – في مقتل.

ولم يفلت “مشروع جنوب شرق الأناضول” (GAP) من مبضع النقد الحاد للمؤلف؛ فرغم البروباغندا الرسمية التي قدمته بوصفه مشروعاً تنموياً عملاقاً لإنقاذ المنطقة، يرى المؤلف أن مفاعيله الفعلية على الأرض ظلت قاصرة ومحدودة فيما يخص التنمية الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية للسكان المحليين. فالمشروع، في جوهره، ركز على توليد الطاقة وتأمين احتياجات الاقتصاد التركي الكلي في المركز، بينما فشل بشكل ذريع في تحقيق مستهدفاته المعلنة بشأن التنمية الزراعية المحلية أو التصنيع أو الارتقاء بالخدمات الاجتماعية. ولهذا يخلص المؤلف إلى نتيجة مريرة: لقد ظلت المنطقة تلعب دور المورد الرخيص للطاقة والموارد الطبيعية، دون أن تكون هي المستفيد الفعلي منها.

ورغم التماسك الظاهري والقوة الطاغية لأطروحة الكتاب، فإن القراءة النقدية المتأنية تجبرنا على التوقف عند بعض الإشكالات والمنزلقات المنهجية. فالمؤلف يقع أحياناً في فخ النزعة “القصَدية”، معطياً الانطباع بأن أغلب هذه السياسات كانت مصممة بنوايا واعية ومؤامرات مسبقة لإنتاج التخلف وإدامته. وهنا يبدو التفسير البنيوي الهيكلي أكثر نضجاً وإقناعاً من الارتكان إلى نوايا الفاعلين؛ فليس بالضرورة أن تكون كل السياسات قد وُضعت ابتداءً بهدف إفقار المنطقة، ولكن من الواضح والمؤكد أن تراكم هذه السياسات وتقاطعها عبر عقود طويلة قد أفرز فعلياً فضاءً اقتصادياً وسياسياً مشوهاً، عاجزاً عن التنمية ومكبل التبعية للمركز.

علاوة على ذلك، يمنح الكتاب الدولة موقعاً مركزياً ومطلقاً في التفسير، إلى الحد الذي يهمش أحياناً عوامل أخرى لا تقل خطورة. فالتحولات العاصفة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتغير خارطة التجارة الدولية، وظلال العولمة، وحتى الانقسامات والصراعات الاجتماعية والطبقية العميقة داخل المجتمع الكردي نفسه، لم تحظَ في الكتاب بالوزن التحليلي الذي تستحقه. ورغم ان تركيز الكتاب المكثف على دور الدولة قد يدفع أحيانًا إلى تهميش بعض جوانب الفاعلية المجتمعية الكردية. لكنه لا يغفل أشكال التكيف والمقاومة التي أظهرها المجتمع الكردي في مواجهة سياسات الإقصاء، فإن الوزن التفسيري الأكبر يبقى مكرسا لبنية الدولة وسياساتها، على حساب تحليل أوسع لديناميات المجتمع الكردي الداخلية وقدرته على المبادرة وإعادة تشكيل شروط وجوده التاريخي.

ومع هذه المآخذ، تظل القيمة المعرفية الأساسية لهذا العمل راسخة؛ وتتجلى في نجاحه الباهر في ربط ما يقدَّم عادة في الساحة الأكاديمية كقضايا منفصلة ومعزولة: القومية، والتنمية، وبناء الدولة، والصراع السياسي العسكري. فالمؤلف لا يكتفي بالوقوف عند السطح ليقول إن هناك مسألة كردية أو تفاوت اقتصادي بين الأقاليم، بل يغوص عميقاً ليُظهر لنا الكيفية التي خلقت بها عمليات بناء الدولة الحديثة هاتين الظاهرتين معاً، وجعلتهما مترابطتين في جدلية معقدة يصعب الفكاك منها.

وفي نهاية المطاف، يمكننا القول إن الخلاصة الأكثر توازناً وعمقاً التي نخرج بها بعد إغلاق هذا الكتاب، هي أن الأزمة لا تكمن فقط في أن قطار التنمية قد ضل طريقه ولم يصل إلى كردستان تركيا أو شمال كردستان، بل في أن المسار التاريخي للدولة التركية الحديثة كان يعيد إنتاج شروط “تخريب التنمية De-development” وآلياتها بصورة دائرية ومتكررة. وليس شرطاً أن يكون هذا الفشل المأساوي وليد خطة شريرة أو مؤامرة محكمة،  وهو اهون الشرين، بل هو النتيجة البنيوية المتراكمة لسياسات مركزية صماء أنتجت فضاءً اقتصادياً كسيحاً، وهذا اسوأ واخطر، وأكثر اعتماداً وخضوعاً للمركز. من هنا تنبع أهمية هذا الكتاب؛ إنه ليس مجرد تفسير آخر للمسألة الكردية، بل هو مساهمة فكرية رفيعة تشرح لنا تلك العلاقة الشائكة والمعقدة بين السلطة، والتنمية، والهوية القومية، وتكشف كيف يمكن لعمليات بناء الدول الحديثة أن تترك ندوباً اقتصادية واجتماعية غائرة، تستعصي على الزوال حتى لو تغيرت الأنظمة، وتبدلت السياسات، وتعاقب الفاعلون السياسيون.

شارك هذا المقال: