الشيخ محمود الحفيد في شهادة أ. م. هاملتون (من كتاب” الطريق عبر كردستان”)
A. M. Hamilton (1937). Road Through Kurdistan. pp. 150–155.
الدكتور نضال حاج درويش
في كتابه الطريق عبر كردستان (الصفحات 150-155)، يقدم أ. م. هاملتون شهادة ميدانية مباشرة عن مرحلة مضطربة من تاريخ كردستان في بدايات القرن العشرين، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع صعود الزعامات المحلية تحت ظل الانتداب البريطاني. وتبرز في هذا السياق شخصية الشيخ محمود الحفيد بوصفه أحد أهم الفاعلين في تلك المرحلة، وزعيماً جمع بين النفوذ الديني والطموح السياسي، وأصبح محوراً لعدد من الانتفاضات ضد السلطة القائمة آنذاك.
أ. م. هاملتون هو مهندس نيوزيلندي عمل في العراق خلال فترة الانتداب البريطاني في عشرينيات القرن العشرين، حيث شغل وظيفة مهندس مدني ومسّاح أراضٍ ضمن الكوادر الفنية التابعة للإدارة البريطانية. وقد امتدت فترة خدمته في العراق وكردستان إلى ما يقارب أربع سنوات، تنقل خلالها في عدد من مناطق كردستان وشهد عن قرب الأحداث السياسية والاضطرابات المحلية، خصوصاً ثورات الشيخ محمود الحفيد. وقد دوّن ملاحظاته وتجربته الميدانية لاحقاً في كتابه الشهير “الطريق عبر كردستان” الذي نُشر لأول مرة عام 1937 في لندن.
في هذا الكتاب يصور هاملتون الشيخ محمود بأنه كان قائداً مميزاً ويحظى بولاء شعبه، ويتمتع بصفات شخصية دفعت حتى خصومه إلى احترامه، حيث جمع الشيخ بين القداسة الدينية والزعامة السياسية. كان “زعيماً دينياً ذا قداسة كبيرة، وله سمعة كمحارب لا يعرف الخوف”، وقد نجا من العديد من المعارك لدرجة أنه كان يُنظر إليه بخشية دينية تقريباً، حيث كان أتباعه يعتقدون أن الرصاص لا يمكن أن يؤذيه، وكانوا يقولون: “لقد رأيت رصاصات تمر عبر جسده وتقتل الرجل الذي خلفه، لكن الشيخ ظل سالماً”. هذه الهالة من القداسة جعلت منه أكثر من مجرد زعيم سياسي، بل رمزاً روحياً للشعب الكردي، وهو ما يكشف حجم المكانة التي كان يحتلها في الوعي الشعبي الكردي، أكثر مما يثبت صحة تلك المعتقدات.
يشير هاملتون إلى أن شيخ محمود الحفيد لم يكن في الأصل عدواً للبريطانيين. فعندما دخل الجيش البريطاني كردستان سنة 1918 استقبلهم الشيخ بعلاقة ودية، وكان يأمل أن يؤدي سقوط الدولة العثمانية إلى تحقيق تطلعات الكرد في حكم أنفسهم. لكن عندما أصبح من الواضح أن بريطانيا ستلحق كردستان بالحكم العربي، شعر أنه لا مفر من المقاومة. قال لأتباعه إنه وشعبه “لا يمكنهم الأمل في الازدهار تحت إدارة بغداد” وأعلن الثورة ضد البريطانيين. انتهت الثورة باعتقال الشيخ محمود ونفيه إلى الهند عقب حملة قصيرة قادها اللواء فريزر سنة 1919. لكن المفارقة أن السلطات البريطانية نفسها لم تجد بعد ذلك شخصية تستطيع إدارة السليمانية أفضل منه، فأطلقت سراحه وأعادته إلى الحكم، لأنها كانت تدرك أن نفوذه بين الكرد لا ينافسه فيه أحد. كما كان معروفاً بأنه “رجل ذو كلمة”، وكان من المتوقع ألا يخلف وعده إذا أُطلق سراحه بكفالة تحت إدارة بريطانية بحتة. وكان الكرد ينظرون إلى الشيخ محمود باعتباره بطلاً قومياً ورمزاً للمقاومة والصمود، إذ لم تكن دوافعه شخصية بقدر ما كانت تتعلق بتطلعات سياسية كردية.
وفي موقع آخر يؤكد هاملتون، نقلاً عن الضابط السياسي البريطاني كلارك الذي كان يعمل ضمن الإدارة البريطانية في السليمانية، أن شيخ محمود كان يكرر دائماً أنه ليس ضد الوجود البريطاني، وإنما ضد إخضاع كردستان للحكومة العربية في بغداد. وكان يرى أن حكمه لا يقل كفاءة عن أي إدارة أخرى في الشرق، وأن للكرد الحق في إدارة شؤونهم بأنفسهم. ومن هنا، فإن جوهر الصراع، بحسب هاملتون، لم يكن بين الشيخ محمود وبريطانيا بقدر ما كان بين مشروع قومي كردي ومشروع الدولة العراقية الجديدة.
ويورد الكتاب تفاصيل مهمة عن طبيعة العلاقة الشخصية بين الشيخ محمود وكلارك. فعندما قررت بريطانيا تثبيت السلطة العراقية في السليمانية، حاول كلارك إقناع الشيخ بقبول الأمر الواقع والتخلي عن مشروع تقرير المصير الكردي، لكن الشيخ رفض الانصياع لتعليمات بغداد. وعندما أخبره كلارك بأنه سيغادر السليمانية، وأن تمسكه بموقفه سيجعله في عداد المتمردين، احتجز الشيخ محمود كلارك لفترة قصيرة، وقال له إنه صديقه وضيفه المكرم. ويرى كلارك أن الشيخ كان يتأرجح أحياناً بين الحلول السياسية وضغوط الزعامات القبلية التي كانت تدفعه نحو التشدد.
من أبرز ما يرويه هاملتون عن الشيخ محمود هو أخلاقه في الحرب، التي تتناقض مع شدة القصف الجوي البريطاني الذي تعرضت له السليمانية. فقد أوفى بوعده بحماية منزل كلارك، حيث احتفظ بمفتاحه وأعاده إليه بنفسه. وعند عودة كلارك إلى المدينة بعد القصف، وجد أن منزله نجا من الدمار ولم يتعرض للنهب. كما قال الشيخ عند إعادة المفتاح: “أثق بأنك ستجد أنه لم يتم المساس بشيء، وأنه لا يوجد شيء مفقود”. كما أظهر سلوكاً مماثلاً في معاملة الأسرى؛ فعندما أُسر ضابطان بريطانيان، أرسل في طلب طبيب لفحصهما ثم أطلق سراحهما لاحقاً. وفي حادثة أخرى، أرسل رسالة اعتذار إلى قائد قوات الليفي الآشورية، العقيد ماكدونالد، معرباً عن أسفه لمقتل ضابط بريطاني في اشتباك، ومؤكداً أنه “كان من المستحيل التمييز ” أثناء القتال.
ولا يقتصر انطباع البريطانيين على هذه الحوادث. إذ ينقل هاملتون عن العقيد ماكدونالد أن الحرب ضد الكرد كانت مختلفة عن غيرها؛ إذ كانت تتوقف أحياناً عند أوقات الطعام، وكان القادة من الجانبين يتبادلون الحديث باحترام. كما يصف الكرد بأنهم مقاتلون أشداء، وأن تكتيكاتهم الجبلية كانت تمثل تحدياً كبيراً للقوات غير المعتادة على هذا النوع من القتال.
أما أسباب استمرار ثورات الشيخ محمود، فيربطها هاملتون بإصراره على رفض خضوع كردستان لبغداد. ولذلك لم تنتهِ حركته بعد الثورة الأولى ولا الثانية، بل ينقل عن كلارك قوله إن من يظن أن نفوذ الشيخ قد انتهى فهو مخطئ، لأنه يستطيع العودة متى ما سنحت الظروف، مضيفاً عبارته الشهيرة: “سيدخل التاريخ بطلاً للشعب الكردي”.
ويذكر هاملتون أنه تذكر هذه العبارة بعد عامين، عندما اندلعت أحداث سنة 1930 إثر اتهامات بتزوير الانتخابات وحرمان الأكراد من التمثيل، فعاد الشيخ محمود إلى حمل السلاح مرة أخرى.
ومن أهم ما يورده هاملتون أن قوات الحكومة العراقية لم تكن قادرة على تحقيق انتصارات حاسمة ضد الثورات الكردية، وأن الحسم العسكري جاء أساساً عبر التفوق البريطاني. فقد لعب سلاح الجو الملكي البريطاني دوراً محورياً في إنهاء انتفاضات الشيخ محمود من خلال الغارات الجوية التي وصفها هاملتون نفسه بتفصيل مؤلمة عن الذعر والدمار الذي أصاب المدنيين. كما ساهمت قوات الليفي الآشورية بخبرتها في القتال الجبلي في ملاحقة المقاتلين داخل المناطق الوعرة. وبذلك يخلص هاملتون إلى أن هزيمة الشيخ في ثورته الثالثة لم تكن نتيجة تفوق القوات العراقية وحدها، بل ثمرة مباشرة للتفوق العسكري البريطاني الجوي ودعم قواته المحلية المساندة.
وبعد انتهاء الثورة الأخيرة سنة 1930، يذكر هاملتون أن الشيخ محمود سُلِّم إلى الإدارة العراقية التي كان يقاومها طوال سنوات. ويعلق بأن الحكومات الشرقية لا تطلق سراح أسراها كما كان يفعل البريطانيون، ثم يختم حديثه بالإشارة إلى أن الشيخ، مثل كثير من الأكراد الذين تحطم حلمهم بالاستقلال، انتهى به المطاف شيخاً مسناً في قبضة أعدائه. وتعكس هذه الخاتمة رؤية هاملتون الشخصية المتعاطفة، وإن كانت تختلف في بعض تفاصيلها عن روايات تاريخية أخرى.
