ويليام بويز.. ذكريات شخصية عن بناء سكة حديد بغداد[1]

مزار جبل مشتنور
شارك هذا المقال:

الترجمة عن الألمانية : د. نضال حاج درويش

لم يكن هناك على الإطلاق مشروع ثقافي كبير أثار جدلاً شديداً، وواجه خلال تنفيذه هذا العدد من الحوادث والعقبات مثل سكة حديد بغداد، التي كثيراً ما ذُكرت خلال الحرب الحالية. ومع ذلك، من المدهش حقاً مدى قلة ما يعرفه الجمهور العام، ليس فقط هنا في أمريكا بل أيضاً في جميع البلدان الأوروبية، عن هذا الخط الحديدي الذي يُفترض أن يربط الشرق الأسطوري، المليء بالقصص والأساطير حول هارون الرشيد، بالدول المتقدمة الكبرى في الغرب الأوروبي، وأن يعيد إلى الحياة ذلك العالم القديم الذي كان قد دخل منذ العصور الوسطى في سبات يشبه نوم “رُقَيّ الجمال”.[2]

بعد وقت قصير من تشغيل ما يُسمى بسكة حديد الأناضول، التي تمتد من حيدر باشا المقابل للقسطنطينية في آسيا إلى قونية، والتي، رغم كونها سكة حديد عثمانية، تم بناؤها من قبل مهندسين ألمان وبتمويل ألماني بشكل أساسي، تبنت نفس المجموعات المالية فكرة مد الخط من قونية جنوباً، ثم عبر بلاد ما بين النهرين، وأخيراً على طول وديان نهري الفرات ودجلة مروراً ببغداد، بهدف إنشاء اتصال خط حديدي مع الخليج الفارسي.

على الفور ظهرت صعوبات دولية وسياسية شتى. فقد عمل الروس والفرنسيون والبريطانيون ضد المشروع، أو حاولوا الاستحواذ على الدور القيادي فيه، إذ كان كل طرف منهم يرى أن مصالحه مهددة، أو على الأقل لا يريد أن يسمح للألمان بالحصول على نفوذ في الشرق.

وأخيراً تأسست شركة باسم “الشركة الإمبراطورية العثمانية لسكة حديد بغداد” ومقرها في القسطنطينية، وكانت مزيجاً من مختلف المصالح، لكنها كانت تحت إشراف الحكومة التركية. داخل هذه الشركة، وبعد العديد من الصعوبات، تمكن البنك الألماني في برلين (Deutsche Bank) من تأمين قيادة قوية عبر مشاركة مالية كبيرة، وأسندت إلى شركة فيليب هولزمان وشركائه في فرانكفورت ماين Frankfurt am Main  الإدارة الفنية والتنفيذ بصفتها المقاول العام. ولأسباب مالية وتشغيلية مختلفة، أنشأت شركة فيليب هولزمان وشركائه شركة فرعية باسم “شركة بناء السكك الحديدية في تركيا”، لكن مكتبها الرئيسي بقي هو مكتب فرانكفورت التابع للشركة الأم. كما أن المديرين المسؤولين في الشركة الجديدة، سواء من الناحية التقنية أو المالية، هم أنفسهم مديرو شركة فيليب هولزمان وشركائه، ومن خلالهم يتم توظيف جميع المهندسين والموظفين الآخرين. وسرعان ما تم إنشاء قسمين للبناء، مقرهما في قونية وأضنة على التوالي، ثم انضم إليهما قسم بناء ثالث في حلب.  

في خريف عام1910، حين تم توظيف كاتب هذه السطور في قسم البناء رقم 3، كانت امتيازات “شركة بناء السكك الحديدية في تركيا” تمتد فقط حتى تل حلف Tell Helif[3]، وهي قرية كردية صغيرة تتكوّن من ثماني أكواخ طينية فقط، تقع في قلب بلاد ما بين النهرين. وفي ربيع عام 1911، وبعد مفاوضات إضافية، تم توسيع الامتياز ليصل إلى بغداد نفسها، وعندها أُنشئ هنا قسم البناء رقم 4. ثم تلا ذلك توسيع الامتياز حتى البصرة، أي حتى الميناء الأكبر الذي يمكن للسفن الكبيرة الإبحار إليه في شط العرب. وبهذا يكون البريطانيون قد نجحوا في منع أن يصل الخط الحديدي إلى الخليج الفارسي نفسه، إذ كانوا يرون في ذلك تهديداً لمصالحهم في فارس، وتالياَ في الهند.

ومن الناحية التقنية، ومن وجهة نظر مهندس السكك الحديدية، فإن الخط بأكمله لا يطرح صعوبات كبيرة، باستثناء بعض الأنفاق الطويلة جداً (منها نفق يبلغ طوله حوالي 6 كم) في جبلي طوروس وأمانوس، وكذلك جسر الفرات الكبير عند جرابلس، الذي يتألف من 8 فتحات، كل منها بطول 100 متر. ومن القضايا المهمة التي كان لا بد من حلها تحديد الموقع الأنسب للجسر، إذ كان من الضروري دراسة أعماق المياه، وقوة التيار، وطبيعة التربة في قاع النهر، وغيرها من العوامل بدقة، خصوصاً أن اقتراب الخط من الغرب وعودته إلى الضفة الشرقية لم يكن يمكن تغييره بحرية. فالضفة الغربية مرتفعة نسبياً وتنحدر بشدة، بينما الضفة الشرقية منخفضة أولاً ثم ترتفع بشكل حاد، مما اضطر المهندسين إلى استخدام أحد الأودية الجانبية الصغيرة للصعود مجدداً إلى المستوى العام للتضاريس.

وعموماً، أُوكلت إلى فرق الأعمال التحضيرية مهمة صعبة ومسؤولة للغاية، وهي البحث عن أفضل مسار للخط دون وجود أي خرائط أو مخططات جاهزة يمكن الاعتماد عليها فعلاً. فلم يكن لدينا في البداية سوى مسح رحلاتي سطحي جداً للمنطقة التي يُحتمل أن يكون المرور عبرها مناسباً، تبعه لاحقاً مسح تاكيمتري (طريقة في قياس وتحديد شكل الأرض، المترجم) سريع أيضاً إلى حد معين. وفي الواقع، كانت هذه المخططات السابقة في كثير من الأحيان مضلِّلة أكثر من كونها مفيدة. أما المخططات الحقيقية التي استُخدمت لاحقاً للتخطيط والتنفيذ فقد أُعيد إعدادها ورسمها من جديد بالكامل. أما فيما يتعلق بمسار الخط بشكل عام، فقد كان من المخطط أن يمتد من قونية عبر بلغرلك إلى أضنة، ثم من هناك على طول الساحل إلى الإسكندرونة، ومن هناك عبر جبال بيـلان إلى حلب ثم شرقاً. لكن وزارة الحربية العثمانية اعترضت على هذا المخطط، لأن الخط الساحلي كان يمكن تدميره بسهولة من البحر. لذلك كان لا بد من المرور عبر جبال أمانوس، ثم السير داخل سلسلة الجبال التي تحيط بالساحل جنوباً للوصول إلى حلب. هنا ظهرت إمكانية تجاوز حلب جانبياً والاتجاه شرقاً عبر كلس وعنتاب إلى نهر الفرات، بينما تُربط حلب نفسها بالخط الرئيسي فقط عبر فرع جانبي. إلا أن تجار حلب اعترضوا على ذلك، وهو اعتراض كان مبرراً تماماً نظراً للأهمية الكبيرة لحلب كمدينة تجارية قديمة.

وفي النهاية تم التوصل إلى حل وسط: تم تمرير الخط الرئيسي عبر حلب، ثم يعود لمسافة 15 كم على نفس المسار، قبل أن ينحرف عند محطة مسلميه Muslemieh شرقاً، ليصل بعد حوالي 100 كم إلى الفرات ويعبره عند جرابلس. وفي امتداده اللاحق يسير الخط في السهول عند سفوح المرتفعات الصغيرة في الأناضول، حتى يصل من نصيبين في اتجاه جنوب شرقي إلى قرب الموصل، حيث يصل إلى وادي دجلة ويتبعه جنوباً حتى بغداد. ثم يعبر الفرات مرة أخرى في مرحلة لاحقة، ليصل أخيراً إلى البصرة، حيث يرتبط بالسفن البحرية المتجهة إلى الخليج الفارسي.

 وبهذه الطريقة تصبح السكة الحديدية في المقام الأول طريقاً اقتصادياً من الدرجة الأولى، إذ تمر تقريباً بالكامل عبر مناطق خصبة جداً، كانت حتى ذلك الوقت غير مستغلة بسبب نقص وسائل النقل التي كانت تمنع تسويق منتجاتها ثم إنه كان ينقص، في المقام الأول، عدد السكان القادرين على زراعة تلك المساحات الشاسعة البور، كما أن القلة الموجودة هناك كانت فقيرة إلى درجة لا تسمح لها بشراء البذور أو الأدوات اللازمة. ويضاف إلى ذلك ما يُطلق عليه “الكسل الشرقي”، حيث يعيش السكان بالكاد من يوم إلى يوم، ولا يبذلون من العمل إلا ما يضمن لهم الحد الأدنى من القوت الضروري، وهو أمر يُعزى إلى قناعتهم وبساطة احتياجاتهم واعتدال المناخ. ويمكن القول إن عبارة “انظروا إلى زنابق الحقل”[4] وما إلى ذلك لم يكن من الممكن أن تُقال في أي بلد آخر بنفس قوة الإقناع كما في هذه البلاد.

وأعترف بكل صراحة أنني لم أكن أنا نفسي على دراية كبيرة بتفاصيل تلك المناطق التي كان عليّ أن أتعرف عليها لاحقاً بشكل دقيق عندما سافرت إليها. لكن مدى الجهل المذهل في ألمانيا، وحتى في أماكن يُفترض فيها توفر قدر أكبر من المعلومات، يتضح من التالي:

في فرانكفورت نُصحتُ بإرسال الأمتعة الكبيرة — أي الصناديق التي تحتوي على الأدوات المنزلية، ومستلزمات الشتاء، والكتب وما إلى ذلك — كحاوية شحن عبر ترييستي إلى بيروت، حيث كانت تذهب آنذاك أيضاً جميع مواد السكك الحديدية، وكانت هناك مكتب تمثيل دائم للسكك الحديدية يمكن من خلالها نقل أمتعتنا بسهولة إلى حلب بالقطار. وبناءً على ذلك توجهت إلى شركة شحن كبيرة جداً في برلين، وقد أكد هؤلاء بشكل قاطع أنه من الأفضل إرسال الصناديق عبر الإسكندرونة إلى حلب، لأن الطريق من هناك أقصر بالقطار. لكن اعتراضي بأنني سأذهب إلى هناك أساساً لبناء ذلك الخط الحديدي لم يُجدِ نفعاً. فقد كانوا يظنون أنهم يعرفون أفضل. وبعد استفساراتي في مكتب المعلومات في محطة بوتسدام في برلين، والتي أكدت لي أنني على حق، قمت بإعطاء عنوان بيروت الصحيح شفهياً وكتابياً. ومع ذلك، أرسل ذلك المخلص الماكر الشحنات إلى الإسكندرونة، ومن هناك كان لا بد أن تعود إلى بيروت مرة أخرى، ولم أستلمها إلا بعد تأخير يقارب أربعة أسابيع. وبدأت الصعوبات الأخرى منذ البداية أيضاً. وأود هنا أن أوضح مسبقاً أن زوجتي كانت ترافقني، وأنه عندما أستخدم

ضمير “نحن” فأنا أقصد دائماً زوجتي وأنا، ما لم يُذكر خلاف ذلك صراحة.

في ذلك الوقت كان أفضل طريق هو السفر من برلين عبر أودربرغ إلى بودابست، حيث كان المرء بعد ساعات قليلة يواصل الرحلة عبر ما يسمى بـ”القطار التوافقي  Konventional-Zue” عبر بلغراد — صوفيا — أدرنة إلى القسطنطينية. ومن هناك كان يُؤخذ الباخرة إلى بيروت، ومن ثم يصل المرء أخيراً بعد رحلة قطار مدتها 19 ساعة إلى حلب. وقد انتهى “القطار التوافقي ” نهاية مشؤومة مع الحرب — وليته لا يعود أبداً! ولكن إذا حدث المستحيل وعاد، فأنا أحذر كل مسافر من استخدامه تحذيراً شديداً لمصلحته الخاصة. فمستوى عدم الراحة، والقذارة، والملل العام فيه لا يوجد له مثيل في أي مكان آخر في العالم، باستثناء ربما إيطاليا. والأفضل دفع فرق السعر البالغ حوالي 80 مارك والسفر بقطار “الأورينت إكسبريس”OrientExpresszug! “.

لكن تلك كانت أياماً مضت، والحرب ستُحدث بلا شك تغييرات جذرية في هذه الأوضاع المواصلاتية. وعلى كل حال: رغم محاولة الحجز المسبق بالتلغراف، لم نحصل إلا على مقصورة نوم لليلة الأولى (برلين — بودابست)، بينما كنا في الليلتين التاليتين محشورين ثمانية أشخاص في المقصورة الواحدة. أما أمتعتنا، أي الحقائب الكبيرة وما إلى ذلك، فقد أُرسلت مباشرة من برلين إلى القسطنطينية. وعندما وصلنا في صباح اليوم الثالث، لم يكن هناك أي أمتعة! وفي اليوم التالي كانت الباخرة التي كان لا بد لي من عدم تفويتها بأي حال على وشك المغادرة.  كان لدينا فقط حقيبة يد صغيرة لكل منا تحتوي على الضروريات الشخصية، لكن دون حتى ملابس إضافية. ولذلك اضطررنا إلى شراء الضروريات في القسطنطينية، ثم لاحقاً في بيروت وحلب. أما حقائبنا التي بقيت في بودابست ووصلت بعدنا بأربعة أو خمسة أيام إلى القسطنطينية، فلم نستلمها إلا بعد حوالي أربعة أسابيع، بسبب شهر رمضان ثم عيد البيرم (العيد بالتركية ، المترجم  ) ، حيث كانت الدوائر الجمركية التركية وما شابهها تعمل بشكل أسوأ حتى من المعتاد.

حلب مدينة كبيرة يزيد عدد سكانها عن 250 ألف نسمة، معظمهم طبعاً من السوريين؛[5] لكن يعيش فيها أيضاً عدد كبير من العرب واليهود والأرمن والأتراك، غير أن الأتراك منهم هم في الغالب موظفو الحكومة. أما الأوروبيون فهم قلة كبيرة مقارنة بإجمالي السكان. يوجد بعض الفرنسيين والإيطاليين، وعدد أقل من الألمان؛ أما الإنجليز والأمريكيون فشبه معدومين. وعلى أي حال، فقد أدّى عمل مهندسي وموظفي سكة حديد بغداد إلى مضاعفة عدد الجالية الأوروبية تقريباً. المدينة نفسها مثيرة جداً للاهتمام، وفيها بيوت قديمة جميلة للغاية، ولا سيما القلعة القديمة المرتفعة التي تشكل معلمها الأبرز. في حلب، في البداية، كان العمل قليلاً، لأن مسار الخط، كما ذُكر سابقاً، لم يكن قد حُسم بعد، وبالتالي لم يكن من الممكن تنفيذ الأعمال التحضيرية النهائية بشكل كامل. ثم جاء شتاء قاسٍ جداً مليء بالثلج والجليد، وهو من أشد الشتاءات التي لم يُعرف مثلها منذ مئات السنين. لعدة أيام انقطعت حتى الاتصالات التلغرافية. كما تعذّر تشغيل القطارات القادمة من بيروت لأسابيع طويلة لأن الممرات الجبلية في لبنان كانت مغطاة بالثلوج الكثيفة.

أما البغال التي كانت تنقل البريد من الإسكندرونة، فقد وصلت في أحد الأيام دون المرافقين الذين كانوا يقودونها، والذين عُثر عليهم بعد عدة أيام متجمدين في الثلج على طول الطريق. وحتى في بغداد تساقطت الثلوج، وتجمد نهر الفرات عند مسكنة، وهما حادثتان لم تردا من قبل في أي رواية تاريخية معروفة. وفي حلب كان هناك نقص شديد في الفحم الخشبي والحطب (أما الفحم الحجري فكان متوفراً فقط لدى سكة الحديد لأنه باهظ الثمن جداً). ومع ذلك صادرت الحكومة كل الإمدادات لمنع ارتفاع الأسعار بشكل غير معقول. وكان الوقود يُباع تحت إشراف رسمي وبكميات صغيرة فقط، حتى لا يتمكن الأثرياء من شراء كل شيء. وبشكل عام، كان هذا النظام يُنفذ آنذاك بشكل أفضل مما كان يُتوقع عادة من الأتراك. في المكتب الفني كنا نجلس ثمانية مهندسين مع عشرين رسّاماً ومُعلّقاً للرسومات، وكنا نتجمد من البرد. كان من شبه المستحيل القيام بالرسم، إذ كانت الأصابع متيبسة من شدة البرد. لم تكن لدينا مدافئ، ولذلك قمنا بوضع كل ما استطعنا الحصول عليه من مصابيح على الأرض، وكان الجميع يتجمع حول هذه المصابيح لتدفئة أيديهم. كانت المدافئ قد طُلبت منذ مدة طويلة في القسطنطينية، لكنها لم تكن موجودة عند وصول الباخرة إلى بيروت التي قيل إنها شُحنت عليها! ثم أُغلق علينا الطريق بسبب الثلوج وانقطع الاتصال. في بداية مارس أصبحت الطرق سالكة إلى حد يسمح بإرسال قسم من أعمال المسح التحضيري مع قافلة من الخيول والبغال عبر الممرات الجبلية المؤدية إلى تل حلف، ومن هناك إلى نصيبين والموصل، من أجل إجراء القياسات اللازمة وإعداد الخرائط. أما الطرق الأفضل والأقصر عبر السهول، فكانت لا تزال موحلة إلى درجة تمنع المرور. وكانت هذه المجموعة من فرق المسح تضمّني أيضاً. كنا خمسة سادة، وكان لدينا بالإضافة إلى خيولنا الخاصة 35 حصاناً وبغلاً كحيوانات تحميل للخيام والأدوات والمؤن. وصلنا بعد مسيرة شاقة استمرت 13 يوماً، مع يوم واحد فقط  للراحة في أورفا في اليوم السادس، إلى تل حلف. كنا نقضي يومياً من 8 إلى 10 ساعات في السرج، وكنا مضطرين إلى مجاراة  سرعة القافلة البطيئة، إذ كان الوصول قبلها بلا فائدة، لأننا كنا سنبقى بلا أمتعة في الخانات المنعزلة وسط البرية. وقد حاولنا مرة أن نتقدم كثيراً عن القافلة، فضيعناها بالفعل، لأنها بسبب سوء فهم عند مفترق طرق أخذت طريقاً آخر. وبصعوبة استطعنا في وقت متأخر من الليل إعادة الاتصال بها. ومنذ ذلك الحين تجنبنا هذه التجارب.

ومع ذلك، لا بد من الإشادة بمرشدي القوافل ومساعديهم. فعلى الرغم من أننا كنا في الجبال نبحث مراراً بين الصخور الكبيرة عن ممر ضيق لا يتسع إلا لحصان واحد، وعلى الرغم من أننا اضطررنا لعبور جداول جبلية جارفة بسبب ذوبان الثلوج بحيث وصل الماء أحياناً إلى صدور الخيول، لم نفقد أي حيوان ولا أي حمولة واحدة. وكان في القافلة خمسة أو ستة رجال فقط يهتمون بالحيوانات. كانوا يبدأون عادة عند الساعة الواحدة ليلاً في تمشيط الحيوانات وتنظيفها، ولا يزال يراودني حتى اليوم سؤال عن الوقت الذي كانوا ينامون فيه أصلاً. وكان من أبرز الحيوانات ذلك الحمار الصغير الوحيد في القافلة، إذ كان يحمل على جانبيه صندوقين يحتوي كل منهما على خزان من النفط (البترول)، وكان يسير دائماً في المقدمة مباشرة خلف رأس القافلة، ويحافظ بشجاعة على سرعة تساوي سرعة البغال الكبيرة. أما القائد الحقيقي للقافلة فكان بغلاً كبيراً مسناً يتقدم المجموعة ومعه جرس كبير. وكان يبدو أنه يعرف كل الطرق جيداً؛ فلم أرَ قط أحد المرشدين في المقدمة يشير إلى الطريق، بل كانوا دائماً في المؤخرة لمنع تخلف الحيوانات. كما لم ألاحظ، إلا مرة واحدة، أن البغل القائد تردد ولو للحظة في اختيار الطريق. في تلك المرة توقف قليلاً، التفت حوله، ثم تابع السير في الطريق الصحيح. وإذا تخلف أحد الحيوانات لأي سبب، فإن باقي الحيوانات لم تسمح له بالعودة إلى الخلف أو التسلل إلى الداخل؛ بل كان عليه أن يركض بسرعة ليعود إلى مكانه في الصف، حتى يتمكن من الانضمام مجدداً إلى الفراغ الذي تركه.

إن السفر والإقامة في هذه البلاد، حيث تحيط بك آثار ستة آلاف عام من الحضارة من كل جانب، أمر بالغ المتعة والإثارة. في عامي 1912–1913 كنا نقيم في عرب بينار، وهي قرية كردية صغيرة تقع على بعد نحو 35 كيلومتراً شرق نهر الفرات، حيث كنت مسؤولاً عن تنفيذ أعمال المقطع السادس والعشرين من مشروع السكة الحديدية. كنا نسكن أكبر بيت في القرية، وكان ملكاً لرئيس القرية (يقصد مختار القرية) وقد استأجرناه منه. وبطبيعة الحال كان عليّ أن أجعل المنزل أكثر ملاءمة للسكن؛ فزوّدته أولاً بأبواب ونوافذ أوروبية، كما غُطّيت أرضيته الطينية بالإسمنت. غير أن كلمة “منزل” تُعد وصفاً مبالغاً فيه بعض الشيء لهذه الأكواخ الطينية. فهي تُبنى من جدران طينية شديدة السماكة، قد يصل سمكها إلى متر كامل، تُشيَّد بشكل مربع وترتفع عمودياً إلى ارتفاع رجل تقريباً، ثم تُقام فوقها قبة دائرية عالية ذات شكل مدبب. وتُبنى هذه الأكواخ متجاورة بأعداد واتجاهات مختلفة، وتربط بينها فتحات أبواب داخلية. ولكل كوخ قبته الخاصة، بحيث يمكن للمرء أن يسير فوق السطح بين القباب. وفي بعض الأحيان تُترك القبة غير مكتملة، ويُغطى الجزء العلوي بعوارض خشبية وقش. أما إذا اكتملت القبة حتى أعلاها، فإنها تحتوي في القمة على فتحة دائرية يبلغ قطرها نحو نصف متر. وهذه الفتحة، إلى جانب الباب، هي المنفذ الوحيد للضوء والهواء، ومع ذلك كان لا بد من إغلاقها شتاءً بسبب الأمطار. لكن لهذا النمط من البناء ميزة عظيمة؛ فالمنازل ليست شديدة البرودة في الشتاء، بينما تكون باردة بشكل رائع في الصيف. فقد كانت درجة الحرارة في الظل أمام المنزل بين الواحدة والثالثة ظهراً تصل إلى نحو 43 درجة مئوية لمدة ستة أسابيع تقريباً من الصيف، في حين لم تتجاوز داخل المنزل 20 درجة مئوية. وكانت جميع الأبواب والنوافذ تُغلق بإحكام عند السادسة والنصف صباحاً، وتُغطى وتحجب عنها أشعة الشمس المباشرة بحصر من القش، ثم تُفتح كلها عند السادسة مساءً وتظل مفتوحة طوال الليل، لكي يُحتفظ داخل المنزل ببرودة هواء الليل الذي كانت حرارته تقارب 20 درجة مئوية. وكانت النوافذ مغطاة بشبك معدني لمنع الحشرات، كما كان من الضروري كشط الجدران الداخلية وتلييسها ثم طلاؤها بالجير الأبيض.

ومن الأمور المزعجة وجود خنافس سوداء كبيرة بحجم الجعل تقريباً، يبدو أنها كانت تعيش داخل الجدران نفسها، إذ كان يُسمع فجأة صوت طرق خفيف، ثم تسقط إحداها من السقف على الطاولة أو في أي مكان آخر. أما فوق أسرتنا فكانت تُنصب دائماً ناموسيات كبيرة، لكنها لم تكن تمنع الآفة الرهيبة المسماة ذبابة الرمل التي كانت تتسلل من كل مكان. وبالمقارنة مع لسعات هذه الذبابة، تبدو لسعات البعوض أمراً بسيطاً للغاية. وعندما كنت أُجري إصلاحات داخل المنزل استعداداً للشتاء، نمنا فترة من الزمن خارج المنزل على شرفة صغيرة تحت سقف خيمة مرتفع وخلف سياج من سيقان القنب. وكان الحارس الليلي الكردي يحافظ طوال الليل على نار من روث الجمال بالقرب من أسرّتنا من جهة الريح، بحيث يمر الدخان فوقنا. كانت الرائحة خانقة، وكنا نستيقظ كل صباح وكأننا مدخنون، لكنه كان السبيل الوحيد للحماية من ملايين ذباب الرمل، وإلا لاستحال النوم رغم وجود الناموسيات. وكانت هناك أيضاً الفئران! ففي البداية كانت زوجتي تنزعج كثيراً عندما تراها تتجول بهدوء في الغرفة، لكنها اعتادت تدريجياً على رؤية فأر يتسلق منضدة زينتها ويراقبها وهي تمشط شعرها.

تقع بلدة سروج (سوروچ)، التي يبلغ عدد سكانها نحو 800 نسمة، على مسافة ساعة تقريباً من عرب بينار. ويُقال إن اسمها يعود إلى أحد أصهار النبي إبراهيم. وعلى مقربة منها توجد قرية تُسمى “سروج القديمة”، حيث تبرز من وسط الطريق عدة أعمدة حجرية كبيرة ترتفع نحو متر واحد فوق سطح الأرض. وتستند القرية إلى سفح تل تعلو قمته الآن مئذنة مسجد. ويعتقد سكان القرية أن داخل هذا التل توجد كنيسة مسيحية قائمة فوق أعمدة معبد يوناني روماني قديم، وأن الأعمدة الظاهرة هي من بقايا ذلك المعبد. وهكذا تبني كل حضارة نفسها فوق آثار الحضارة التي سبقتها.

أما أقرب مدينة كبيرة فهي أورفة، أو الرها القديمة(إديسا)، التي لعبت دوراً مهماً في الحروب الصليبية. ووفقاً للتقاليد العربية والتركية فإن أورفة هي مسقط رأس النبي إبراهيم. وفي مغارة تعلوها مجموعة كبيرة من المساجد يوجد حجر مجوف غريب الشكل يُقال إنه كان مهد إبراهيم. ويجري عبر أورفة نهر صغير تحيط به المساجد في بعض أجزائه، ولا يُسمح بصيد الأسماك فيه، بل يطعمها المارة. ونتيجة لذلك تتجمع أعداد هائلة من أسماك الشبوط حتى إن الماء يكاد يختفي تحتها عندما يُلقى لها الطعام. وتروي الأسطورة أن إبراهيم اختلف يوماً مع أهل مدينته فقرروا إحراقه. وبينما كان على المحرقة والنار مشتعلة، حوّل الله النيران إلى ماء والحطب إلى أسماك، ولذلك لا تزال تلك الأسماك تُعد مقدسة حتى اليوم. ويقابل عرب بينار جبل بازلتي ضخم يحد الوادي من جهة الغرب. وعلى قمته، التي يستغرق الوصول إليها نحو عشرين دقيقة سيراً، يوجد ضريح شبه متهدم يحتوي على تابوت حجري لرجل دين مسيحي عاش هناك في زمن الحسن والحسين، حفيدي النبي محمد. وتروي الرواية المحلية أن رأس الحسين بعد مقتله أُرسل إلى دمشق، لكن ذلك الراهب  المسيحي سرقه ليلاً من الحراس حفاظا على كرامته، وحمله إلى الجبل. وعندما جاء الحراس مطالبين بالرأس، حاول تضليلهم فقتل ابنه الأكبر ثم أبناءه الستة الآخرين واحداً تلو الآخر، مقدماً رؤوسهم على أنها رأس الحسين. وعلى الرغم من أنه لم ينجح في خداعهم واضطر في النهاية إلى تسليم الرأس الحقيقي، فإنه لا يزال يُبجل حتى اليوم من قبل المسلمين والمسيحيين على حد سواء بسبب تضحيته البطولية. ولا يزال الناس منذ قرون يحملون موتاهم في مواكب كبيرة لدفنهم قرب ضريحه، حيث توجد هناك مئات القبور من مختلف العصور.

لقد كانت علاقتنا بالكرد جيدة عموماً. وكل ما يتطلبه الأمر هو أن تُظهر لهم منذ البداية أنك لا تخشاهم مطلقاً، وأن تتصرف دائماً بوقار وهيبة. ومن البديهي أن يُعامل الشيوخ (الكاتب يقصد زعيم القبيلة، ويطلق عليه الكرد لقب بك أو آغا المترجم) بأقصى درجات الاحترام واللباقة، فهم يفعلون الشيء نفسه. ولكن حتى في التعامل معهم، بل ربما خصوصاً معهم، ينبغي إظهار قدر كبير من الحزم مع المحافظة على الأدب والاحترام، وإلا فقد المرء مكانته لديهم. وكانت هذه المسألة تظهر خصوصاً فيما يتعلق بعمال السكك الحديدية الذين كانوا يطيعون شيوخهم طاعة كاملة، بينما كان الشيوخ بدورهم يستغلون أتباعهم.

ولا يسمح المجال المحدود بالمزيد من التفاصيل، لكن هذه النماذج الصغيرة تكفي لتُظهر مدى تنوع الحياة هناك وإثارتها للاهتمام، وفي الوقت نفسه مدى ما تنطوي عليه من مشقة وحرمان.


[1] المقال الأصلي:

William Boyes. “Personal Recollections of the Construction of the Baghdad Railroad.” Presented at the Technical Society of New York.

Accessed via GitHub Gist:

https://gist.github.com/michaelt/43f8ede233d8f55db566adbc1a176502

عرض هذا المقال في الجمعية التقنية بنيويورك من قبل المهندس ويليام بويز، عضو الجمعية التقنية في نيويورك

(Technical Society of New York)

[2] “نوم رُقَيّ الجمال”: وقصد به النوم الطويل العميق الذي يغرق فيه العالم في حالة من الجمود أو السكون، قبل أن يُوقَظ من جديد. وقد استخدم النص هذا التشبيه في سياق تصوير الشرق بوصفه عالماً دخل في سبات تاريخي قبل أن تعيد مشاريع البنية التحتية الحديثة، مثل سكة حديد بغداد، ربطه بالعالم الأوروبي (المترجم).

   [3]لم يحدد بويز موقع هذه القرية بدقة، إلا أنه يُفهم من سياق روايته أنه يقصد منطقة تل حلف الحالية جنوب غرب رأس العين في شمال شرق سوريا، حيث كان مسار سكة الحديد يمر بالقرب منها، وكانت للشركة الألمانية منشآت ومقار في تلك المنطقة خلال فترة الإنشاء، وقد أُنشئ لاحقاً مقر لها في تل حلف سنة 1914، انظر: نضال محمود حاج درويش، “تل حلف والجزيرة من خلال مشاهدات البارون فون أوبنهايم 1860–1946”، مدارات كرد، 30 حزيران/يونيو 2020:

 وانظر ايضاً في “ملفي على صفحة اكاديميا العلمية:

 Academia.edu، https://sulaimaniu.academia.edu/NedalHajDarwich

[4] “انظروا إلى زنابق الحقل”، اقتباس من الإنجيل (العهد الجديد، إنجيل متى)، ويشير إلى دعوة للتوكل على الله وعدم القلق على الرزق، حيث تُقدَّم الزنابق مثالاً على الكائنات التي تعيش دون قلق ويُعتنى بها (المترجم).

[5]  المقصود بالسوريين في هذا السياق هو على الأرجح سكان حلب وسوريا المحليين بالمعنى الاجتماعي العام في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كما أن استعمال مصطلح العرب هنا يعكس تصنيفاً شائعاً في الكتابات الأوروبية آنذاك يقوم على تمييز اجتماعي بين سكان المدن المستقرين والبدو، أكثر من كونه تصنيفاً قومياً بالمعنى الحديث (المترجم).

شارك هذا المقال: