النرجسية الكامنة

شارك هذا المقال:

ماجد ع  محمد

في لقاءٍ سابق لمراسل قناة روداو في كازاخستان مع البروفيسور “عزيز زيا بدرخان” أحد مؤسسي جمعية كرد كازاخستان، ذكر البروفيسور، في سياق المقابلة تلك ، عشرات الأسماء لكرد فاعلين ومؤثرين في كازاخستان، ولكن الشيء اللافت للنظر والجدير بالذكر والاستحضار المستمر هو أن الرجل لم يقدِّم نفسه للمشاهِد أو المحاوِر على أنه المحور الكوني وكل من عداه مجرد نجومٍ صغيرة تدور في فلكه، وذلك على غرار ما يفعله فئة كبيرة من الفنانين والكتاب وحتى عامة الناس في بلادنا، حيث إن تضخم الأنا التائقة للبروز لديهم يجعل حتى ذلك الركن الجميل فيهم يختبئ خلف بالون النرجسية الذي يتقدم للأمام ويصعد عالياً ويدفع البهيَّ لديهم إلى القاع. 

إذ من بعض أنواع النرجسية التي نصادف أصحابها  في شوارع الحياة اليومية هي النرجسية المخبوءة والمتلصلصة التي تنتظر الفرصة المناسبة للتعبير عن ذاتها بأسوأ حُلة، ولا شك في أن النرجسية المستترة ليست طارئة، ولا هي فجائية، إنما هي موجودة مِن قَبل في ركنٍ ما، ولكنها مخفية، مضمرة، منزوية، كامنة وغير ظاهرة لدى الكائن المطوسن، وتبقى قابعة خلف تلالٍ عالية لدى مَن يظنه الناس خالياً من أمراض الأنا، بينما عدم سماح الظرف بظهورها هو ما جعل صاحبها يُظهر الإذعانَ على الملأ ويعتصم بحبل التبتُّل والاحتشام إلى حينٍ وليس دائماً.

وقد يتصور بعضنا بأن الأنا المتورمة لا تظهر إلاَّ في الحالات التي يكون فيها الفرد ميسور الحال، أو في موقع المسؤولية  السياسية أو الاقتصادية، أو يتبوأ منصباً رفيعاً في السلطة، بما أن الأنا العليلة لدى تلك النماذج المذكورة فاقعة ولا تحتاج إلى البحث عنها، أو مراقبتها حتى يتمكن الناظر من اكتشافها في زوايا مخفية أو مواقف غير علنية؛ إنما تلك الأنا المنفّرة قد نجدها عند من يتصنعون المسكنة حين اللقاء بهم فيبدون أمامك وهم خافضي الجناح، ولكن عندما تقوم بتغذية أناهم أو تمدح ما حققوه في مجالٍ ما أكثر مما يستأهل ذلك العملُ من التقدير، فتنشط عندها مادة الفوم[1] المخفية في القاع بالصعود للأعلى، وقد نتلمس ذلك الشيء الكامن حتى في سلوك الإنسان البسيط جداً، كشخصية “أسعد” في الحلقة العاشرة من الجزء الثاني من سلسل (ضيعة ضايعة) وذلك عندما يُنقذ”أسعد” ابن المسؤول في الدولة، وكيف أنه لمجرد منحه شيء من التقدير وجعله يتحسس أهمية ذاته، وحين التقرب من السلطة تلاحظ على الفور تغيُّر سلوك “أسعد” من شخصٍ وديع، خاضع، مُستكين إلى شخصٍ آخر سلوكياً هو غيره تماماً.

 وفئة أخرى إن بدأتَ بالحديث عن منجزات أقرانهم، أو محاسن مناهضيهم، أو إيجابيات منافسيهم في السوق، سواء أكان سوق العمل، أم سوق التجارة، أم الوسط الفني، تلاحظ وقتها الأنا وهي كبالونٍ يكبر ويتضخم رويداً رويدا أمامك، إلى الدرجة التي قد تبلغ المادة المتفاعلة لديهم في الأحشاء مراقي الانفجار، هذا إن بالغتَ في مدح من يكرهه ذلك المنفوخ الذي كاد من الغيرة والحسد وشعور المزاحمة أن يرتطم بالجدران لأنك ذكرتَ أمامَهُ محاسن ومزايا غيره من الناس.

وحيال النرجسية المخبوءة الشبيه بالأورام السرطانية التي تبقى خامدة وتظل غير منظورة إلى حين، ولكن لمجرد التحرش بها تظهر الأنا المريضة التي يتمنى المرء لو أنه لم يخدشها ولا اقترب من تلك البثرة، أذكر بأني التقيتُ في حي الشيخ مقصود في مدينة حلب السورية قبيل 2010 شخصاً متابعاً للحركة الفنية وخاصة في ما يتعلق بالغناء، وبعد الترحيب والتطرق إلى وضع الفن في منطقته ومنطقتنا تحديداً من جهة الفولكلور، أشار الرجل إلى أنه كان بصدد إعداد كتابٍ عن فناني منطقة عفرين، ولكن الصدمة التي مُنيَ بها الرجل وجعلته يضع مشروعه الكتابي ذاك على الرف، هو اصطدامه بالانتانات الإعتلالية بين العاملين في حقل الغناء والطرب والموسيقا في عفرين، وحسب ما استشفيت من كلامه عنهم آنذاك، هو أن القيح الذي لمسه في الذين جالسهم من أبناء منطقة عفرين من الفنانين لا يختلف البتة عن التقرحات والأسقام الموجودة لدى فناني منطقته أي قامشلي، ففي البداية امتنع الرجل عن ذكر العلة إلاّ أننا ألححنا عليه لكي يتحدث عن ذلك الداء ليس من باب الشماتة بالمرضى، ولا من باب نشر العيوب والتلويح بها، وليس من باب الإدانة، إنما لعلنا نجد لذلك السقم أو للعلة نفسها الدواء المناسب.

فنوَّه الرجل إلى صعوبة إيجاد عقّار لذلك السقم العام بالسهولة التي نتصورها، باعتبار أنها غير مرتبطة بشخصٍ واحد أو شخصين، إنما هي ظاهرة نفسية عامة، والظواهر العامة ليس من اليسير تغيير مجراها أو التأثير على بنيتها بالسهولة التي يتوقعها المرء، مع ذلك قلنا له: يا رجل أخطر الأمراض يمكن إيجاد الحلول لها إن تصدت لها المؤسسات أو الجمعيات الفاعلة، فقل ماهي مشكلتنا النفسية فإن لم نستطع مكافحتها على الأقل استطعنا أن نتجنبها لئلا نكون من ضمن المصابين بذلك الداء، فقال: يا جماعة حيال المشروع الذي كنتُ قد هيأت نفسي له وبقيتُ أياماً وأسابيع وأنا أتنقل من هذا الحي إلى ذلك الحي، ومن هذا الشارع لذاك الشارع وأتنقل من فنان لفنان، وأجري مقابلات شفهية تمهيدية علني أبدأ بعدها التدوين، إلا أني ما قصدت أحدهم وتهيأت  للذهاب إلى زميله إلاَّ وقال لي الأوَّل دعك منه فهو أين والفن أين! وهكذا رحتُ أتنقل من موسيقي لآخر، ومن مطربٍ لآخر، ولكن كل واحدٍ منهم كان يدمِّر الأرضية التي سأنطلق منها، لأني لم أجد أحداً منهم قال عن غيره بأنه أفضل منه، أو أنه أكثر تميزاً منه، أو أحذق منه في مجال ما، أو صوته أقوى من صوته، أو أنه أكثر قوة منه في مجال الفولكلور، أو أنه من جهة الاختصاص العلمي متقدم عليه، إنما كلما التقيتُ بواحدهم استخف بغيره، وفضَّل نفسه عليه، وهذا هو السبب الرئيس الذي دعاني ليس إلى إيقاف المشروع وحسب، إنما وإلى إلغائه كلياً.

ولا شك في أن ما يقال عن الفنانين هنا ينسحب على الشعراء والسياسيين أيضاً، باعتبار أن المشتغلين في الحقل السياسي كان لهم الدور الرئيس في نشر هكذا أمراض في مجتمعهم قبل ولادة أولئك الفنانين، وبما أنه للمساهمة في علاج هؤلاء المعلولين نفسياً من الصعوبة بمكان إعطاؤهم بدلاً من الوصفات الطبية أسماء كتب علم النفس القادرة على تخليصهم من أورامهم، باعتبار أن قراءة تلك الكتب آخر اهتماماتهم، وحتى إن قرأها المتعلم منهم، فهو يقرأ لا ليعالج نفسه من خلال المقروء، إنما ليستخدم تلك المفردات كسلاح ثقافي يُستخدم ضد الآخرين، مع أن الغرض الأساس من قراءة تلك الكتب هو أن نغور في ذواتنا قبل الغوص في ذوات الآخرين.

وبما أن معالجة الذات من خلال القراءة أمر في غاية الصعوبة لدى الكثير من القراء الحقيقيين، فما بالنا مع مَن لا يقرأون أصلاً إلاَّ في المناسبات، وبناءً عليه قمنا باستبعاد ذلك العقار وعوّلنا على الرجاء، لذا كم تمنيتُ أن أجمع كل الفنانين الذين التقى بهم ذلك الكاتب في صالةٍ واحدة وأشغل أمامهم فيديو مقابلة البروفيسور “عزيز زيا بدرخان” أكثر من مرة، في البداية علّهم يخجلون من أناهم المرضية التي تبغي الظهور في أردأ المواقف وعلى أشياء جد عادية، تافهة، زهيدة، ولا تستدعي أي تباهٍ أو افتخار، وذلك عندما يقارنون ما قدموه من المنجز الذي لا يستحق الذكر أصلاً بالذي قدمه ذلك البروفيسور، ثانياً حتى أقرأ ملامحهم فرداً فرداً بعد الفُرجة، ومن ثم أدوّن ردود أفعالهم الملفوظة علَّها تكون المادة الأولية للعاملين في علم النفس حتى يخرجوا بنتيجة إن لم تدفعهم لتعديل سلوكياتهم على الأقل تجعل الأجيال القادمة تخجل من تصرفاتهم فيعملوا حينئذٍ بالضد من تلك السلوكيات طوال حياتهم، على مبدأ ذلك الحكيم الذي سألوه:  “ممن تعلمتَ الأدب؟ فأجاب من شخصٍ سيء الأدب، فكنت كلما رأيتُ منه شيئاً لا يعجبنى اجتنبت أن أفعله فى حياتى”.


[1] الفوم: يستخدم لسد الفراغات والشقوق لقدرته على التمدد، وبعض أماكن استخدامه جوانب المكيفات، الفجوات حول الأنابيب والأسلاك، فراغات الأبواب والنوافذ، الشقوق الجدارية.

شارك هذا المقال: