للدراسة التاريخية أهميتها في كل زمان ومكان، ولكن لنشر هذا النتاج الذي بذل من أجل انجازه د. محمد عبدو علي عملاً مضنياً وجهداً شاقاً، وفق منهج علمي رصين ودقيق، أهميةً مميزة في هذه المرحلة التي يمرّ بها شعبنا الكردي، وسط عداوات متعددة الاتجاهات والمصادر ضد وجوده وحضوره، وفي وقتٍ يتصدر فيه وضعه اهتمامات أوساط واسعة في مجال الفكر والثقافة والسياسة.

هناك ضرورة وأهمية قصوى لنشر هذا العمل على أوسع نطاق، بين أبناء الكُـرد وأصدقائهم، وإيصال فحواه إلى الرأي العام العربي والعالمي، وإلى المهتمين ومختلف وسائل الاعلام، بغية ابراز وتسليط الأضواء على الحقائق التاريخية عن وجود الكُـرد على أرضهم وفي مناطقهم، ورداً على تلك الحملات الاعلامية والتوجهات الشوفينية المستمرة التي تستهدف ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

هذه الدراسة موثقة استناداً إلى سعة إطلاع كاتبها على الكثير من المراجع واستطلاعاته الميدانية في منطقة عفرين ومواقعها وآثارها التاريخية، متمنين للقراء الكرام الفائدة المرجوة منها.

لجنة الثقافة والاعلام – KÇR – تشرين الثاني 2016
من منشورات لجنة الثقافة والاعلام – حزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)
Partiya yekîtî ya demokrat a Kurd li Sûriyê – Komîta çand û ragihandinê KÇR
الموقع الالكتروني الرسمي: www.yek-dem.com

 

الفهرس :

المقدمة والأهمية

انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من الدراسات والمقالات في الأوساط السورية، عن الوجود الكردي في سوريا. ويحصل كثيراً أن يتطرق أحدهم إلى مسألة وجود الأكراد في سوريا، وفي منطقة عفرين تحديداً، بالقول : إنهم قادمون من خارج المنطقة منذ زمن ليس ببعيد، وحلوا محل العرب السكان الأصليين للمنطقة. في الواقع كثرت دراسات ومقالات في الوسط السوري تردد هذه المقولات، وما إن تطلب الأمر ذكر اسم عربيّ واحد كان يسكن المنطقة قديما، ثم تم تهجيره من قبل الأكراد، حتى احتاروا في الجواب، لأنه في الحقيقة لن يشاهد عربيا تعود أصوله القديمة إلى منطقة جبل الأكراد (عفرين) وهُجِرَ منها، سواء من قبل الأكراد أو من غيرهم، سلماً كان أو بالإكراه، لا قديماً ولا حديثاً.

بقى الموضوع عالقا في ذاكرتي، متوثبا في خواطري بهذا السؤال: أيمكن أن تحمل وجهة النظر هذه شيئاً من الحقيقية؟ وإن لم يكن كذلك، أليس من الضروري أن يدرك مَنْ يحمل مثل تلك الأفكار، أن الأكراد هم سكان قدماء في هذه المنطقة، قبل أن تولد دولها وحكوماتها الحالية بقرون عديدة.

بالطبع، تثير هذه النظرة استغراباً كبيراً لدى سكان المنطقة؛ لأنه، وعلى سبيل المثال، نحن في عائلتنا نحفظ شجرة عائلتنا في قريتنا في عفرين إلى الجد العاشر، أي إلى فترة لا تقل عن 250 سنة، كما أن هناك أدلة ووثائق تشير إلى وجود كردي في المنطقة لفترة لا تقل عن العهد الأيوبي، أي إلى نحو تسعة قرون خلت. حينها قررت أن أهتم بالموضوع بنفسي، ووضعت نصب عيني إنجاز بحث حول تاريخ السكن والاستيطان في المنطقة، ومعرفة الشعوب التي استوطنتها والدول التي حكمتها عبر التاريخ، والأحداث التي مرت بها.

باشرت العمل بالبحث منذ سنوات، واعتمدت في بحثي هذا مصدرين أساسيين:

الأول، في مجال التاريخ: المصادر الكتابية التاريخية القديمة والمعاصرة المتوفرة، وجاهدت أن تكون عربية وسورية بقدر ما كان ممكناً ومتاحاً، متوخيا الدقة في نقل المعلومة التاريخية.

الثاني، في مجال الأوضاع العامة الأخرى: استندت فيها إلى الاستطلاع الميداني في القرى والمواقع، ومقابلة المعمرين وأولي المعرفة والاهتمام من أبناء المنطقة.

وفي الحقيقة، عانيت كثيراً في السنوات السبعة التي استغرقها إنجاز بحثي هذا. أولاً: لعدم توفر المصادر الكتابية التي تبحث في شؤون منطقة صغيرة كعفرين. وثانياً: بغية التأكد من معلومة ما، كنت أضطر السفر إلى القرى البعيدة أكثر من مرة، لمراجعة أكثر من مصدر لها، وهكذا بالنسبة لجمع الصور والوثائق. وأحيانا، كنت أفاجأ بامتناع بعضهم عن الحديث لأسباب قد تتعلق بماضيه الشخصي أو بماضي أسرته، أو سواه…؟ وكان الأمر يتطلب جهداً كبيراً أحيانا لإقناع هؤلاء بأن لاخوف من إظهار المعلومات والروايات التي تتعلق بحادثة ما أو بخاصية من خصوصيات مجتمع جبل الأكراد قديما. سوى ذلك، كنت ألاقي في بعض الأحيان إعراضا عن التعاون، والجفاء من بعضهم الآخر، ولحسن الحظ كانت قليلة.

إلا أنه رغم الجهد والمعاناة اللذان بذلتهما خلال سبع سنوات من البحث التاريخي و الميداني، شعرت براحة كبيرة لما توصلت إليه من نتائج، وخاصة في بحث التاريخ، لأنني أعتقد أنها أزالت الكثير من الغموض عن تاريخ جبل الكرد. ورغم النواقص والملاحظات والانتقادات التي قد تتعرض لها، إلا أنها ولا شك تحمل جزءً هاماً من الحقيقة لا يمكن لأحد من الآن فصاعدا إهمالها لدى الحديث عن منطقة جبل الكرد-عفرين، وماضيها التاريخي والاثني وتاريخ وجود الأكراد وأسلافهم القدماء عليها.

أما الأبحاث التي تتعلق بالحياة العامة للمنطقة وأحوالها، فأشعر في قرارة نفسي أن هناك الكثير الذي لم أتمكن من جمعه وتوثيقه وتدوينه، وكلي أمل أن يتم تدارك ذلك من قبل أناس آخرين يكملون ما بدأناه، ويتضمن ما لم يكن ممكناً هنا. فجهدي المتواضع هذا، هو الثالث عن المنطقة بعد دراسة السيد روجيه ليسكو في كتابه ((جبل الكرد وحركة المريدين))-1940 وكتاب ((المظالم الفرنسية.. )) ل- جميل كنة البحري-طبع 1967، وهي ورغم أنها دراسات موجزة إلا أنها تعتبر رائدة عن منطقة جبل الكرد-عفرين.

ففي هذه الدراسة حاولت ان أضع خلاصة بحثي في موضوع أشغلني للعقود الماضية، وهو ما يخص منطقتي التي انحدر منها ، جبل الكرد- عفرين- شمال حلب، وهي تعد من المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا،  محاولاً الابتعاد كلياً عن السجال السياسي الراهن حول الوجود الكردي القومي في سوريا.

تفترض هذه الدراسة أن الوجود الكردي في هذه المنطقة قديم جداً ، يبلغ عدة قرون ، وليس وليد هجرات حديثة، قبيل وبعيد تأسيس الدولة السورية، كما يزعم البعض .

ولضرورات منهجية، وضعنا المنطقة في إطار جغرافي أوسع، وهو مثلث مدن: حلب – عنتاب- انطاكية، وتقع مدينة سيروس “نبي هوري” في مركزه . وتقوم الدراسة بدراسة هذه المنطقة الجغرافية في الحقب التاريخية المتتالية من الألف الثالثة قبل الميلاد، وتعاقب الشعوب والحضارات المختلفة حتى بدايات الانتداب الفرنسي على سوريا .

ويجدر هنا التمييز بين منطقتين تحملان نفس التسمية في سوريا، الأولى هي المنطقة التي تتركز دراستنا هذه عليها، منطقة عفرين، أما المنطقة الثانية المسماة بـ((جبل الأكراد)) أيضاً، فهي في ريف محافظة اللاذقية الشمالي، وتقع بين طريق حلب-اللاذقية في الشمال، وناحية القساطل من الغرب، ومن الجنوب ناحية صلنفة، ومن الشرق المنحدرات المطلة على سهل الغاب. وتضم المنطقة نحو خمسين قرية، ينتمي سكانها إلى عشائر كردية كبيرة كانت ولاتزال معروفة في القسم الغربي من بلاد الأكراد، ويعود بدايات وجود  الكرد في تلك الناحية الى العهد الأيوبي.

ولضرورات كتابة الاسم باللغة الكردية إلى جانب العربية، فإن كل ما يرد في الدراسة من تسميات كردية هو بلهجة أهل المنطقة مكتوبة بالأبجدية الكردية اللاتينية .

الفصل الأول: مقدمة جغرافية

1- موقع جبل الكرد :

تقع منطقة جبل الكرد أو الأكراد أو كردداغ القديمة في أقصى الزاوية الشمالية من الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وتشغل الزاوية الشمالية الغربية من قوس الهلال الخصيب ودولة سوريا، وتعتبر مرتفعاتها من النهايات الجنوبية الغربية لجبال طوروس.

تبدأ مرتفعات جبل الكرد من المنابع العليا لنهري عفرين والأسود غربي مدينة ديلوك([1]) “عنتاب” داخل الحدود التركية ، وتعتبر امتدادا طبيعيا لجبال Reşa  و  Zagê حيث مناطق الأكراد في الشمال والشرق. وتأخذ مرتفعاته اتجاهاً شمالياً جنوبياً بانحراف قليل إلى الغرب وبطول يبلغ نحو 100 كم إلى نهايته الجنوبية الغربية غربي بلـدة جنديرس- عفرين. أما عرضها فيتراوح ما بين 25 و45 كم. وينضم إلى هذه المنطقة الجبلية ، جبل ليلون وسهل جومه، وقد شكلوا معاً عبر التاريخ منطقة جغرافية واحدة ومتكاملة على طول وادي نهر عفرين.

وكانت المنطقة لقرون طويلة، إحدى مناطق العبور الرئيسية من الأقسام العليا من بلاد الرافدين وبلاد الشام إلى ساحل البحر المتوسط وآسيا الصغرى، ومنها كانت تمر الطرق المؤدية إلى انِطاكية من جهتي الشمال والشرق.

وهي منطقة غنية بالمياه، أراضيها خصبة. الأمر الذي جعل منها عبر العصور منطقة استيطان هامة، ومحل نزاع وتنافس بين دول وأقوام مختلفة عرقيا وحضاريا، ولذلك شهدت بعض أكبر الأحداث أهمية في تاريخ الشرق الأدنى.

ويأخذ جبل الكرد، اسمه من القوم الذي يقيم في أرجائه وهم الأكراد، وهي تسمية قديمة للجبل، ولا نعرف تسمية أخرى غيرها، واستعمله العثمانيون قبل ذلك، ويسميه الأكراد بلهجتهم المحلية “جبل الكرمانج” ([2]) ، والكرمانج هي تسمية لإحدى لهجات الأكراد أيضاً.

2- القسم السوري من جبل الكرد: الموقع والمساحة

بعد احتلال القوات الفرنسية لشرقي البحر المتوسط وسوريا، قسمت منطقة جبل الكرد القديمة إلى قسمين: شمالي ضم إلى تركيا، وجنوبي احتفظ به الفرنسيون.

%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88

وبقيت التسمية العثمانية للجبل “كردداغ” في التداول الرسمي في سوريا حتى السنوات الأولى من استقلالها، ثم ترجم الاسم إلى العربية وأصبح “جبل الكرد”، فعرفت المنطقة بقضاء جبل الكرد ثم منطقة جبل الأكراد. وفي سنوات الوحدة المصرية – السورية أهمل استعمال ذلك الاسم وأصبحت تعرف بمنطقة عفرين نسبة إلى اسم النهر والمدينة. ولكن بقي اسم جبل الكرد كتسمية جغرافية متداولا في كتب الجغرافيا المدرسية وغيرها.

وفيما بعد، حينما قامت الحكومة بتعريب الأسماء في مناطق شمالي سوريا، كانت من جملة ما أقدمت عليه أن أطلقت اسم “جبل حلـب” على جبل الأكراد بدلا من تسميته التاريخية، رغم بعده الكبير عن حلب.

يقع القسم السوري من جبل الكرد بين خطي الطول 36.33 غربا و 37 درجة شرقاً وخطي العرض 36.20 جنوبا و 36.50 درجة شمالاً. وهو منطقة إدارية تابعة لمحافظة حلب وتعرف باسم منطقة عفرين، وتقع في أقصى الزاوية الشمالية الغربية من دولة سوريا، وتفصلها عن جبال الأمانوس Gewir ([3]) السهل المسمى Lêçe([4]بعرض يتراوح ما بين 10 و 20كم. أما أقرب نقطة في المنطقة إلى البحر المتوسط وميناء اسكندرونة ، فهي قرية قرمتلق غربي شيخ الحديد وبمسافة 38كم كخط نظر. وتبلغ مساحة منطقة عفرين الإجمالية حسب المصادر الرسمية 2050 كم2 .

أبرز ما يميز منطقة جبل الكرد من الناحية الجغرافية، هو:
مناخها المتوسطي ، ويتميز بدرجة حرارة معتدلة ، ومعدلات أمطار تتراوح بين 400-600 ملم.
غناها بالمياه: يعبرها نهر عفرين من الشمال إلى الجنوب ويرفده نهر سابون قرب الحدود التركية في الشمال، ويجري النهر الأسود على حدودها الغربية، كما توجد عشرات الينابيع والجداول في سهولها ووديانها الخصبة.
سهل جومه الخصب: ويمتد لعشرات الكيلومترات على ضفتي نهر عفرين. إضافة إلى المناطق المنخفضة الأخرى بين المرتفعات الجبلية ، وهي صالحة لمختلف أنواع الزراعات الموسمية والأشجار المثمرة.
تضاريسها جبلية قليلة الارتفاع نسبيا، وهي صالحة للسكن والإقامة في مختلف فصول السنة، كما تناسب الرعي، وتتيح سفوحها القليلة الانحدار المجال للزراعات المنزلية الصغيرة والأشجار المثمرة. فمنحت هذه الخصائص الجغرافية مجتمعة، منطقة جبل الأكراد فرصا مواتية للسكن والاستيطان منذ أقدم العصور.

 

الفصل الثاني: منطقة جبل الكرد في العصور التاريخية : التابعية الإدارية والسياسية، هوية السكان، الأوضاع العامة الأخرى([5]) :

 1- منطقة مثلث سيروس”نبي هوري”  :

 بغية التعرف على الأوضاع العامة في منطقة جبل الأكراد عبر التاريخ، وضعنا المنطقة في إطار جغرافي أوسع، وهو مثلث مدن: حلب – عنتاب- انطاكية، وتقع مدينة سيروس “نبي هوري” في مركزه([6]). ضمن هذا النطاق، تعتبر مناطق: سهل العمق، وانطاكية، وسهل جومه، وجبل الأكراد، ونواحي سيروس شمالاً، حتى عنتاب… مناطق متصلة جغرافياً، ومتشابهة في المناخ والتضاريس، [المصور (1)]. ونعتقد أن ذلك، “بالإضافة إلى المكتشفات الأثرية الكثيرة المتشابهة”، يوحي بل ويحتم بأنه كان هناك تماثلٌ عرقي، وارتباط ثقافي وسياسي مستمر في تلك المناطق عبر مراحل طويلة من الزمن، خاصة وأنه كانت هناك مملكة قوية في سهل العمق، عرفت باسم “آلالاخ” ظلت تحكم هذه المنطقة، وحافظت على كيانها السياسي خلال الفترة ما بين 2700- 1200ق.م. كما تدل حفريات “آلالاخ” في العمق وسهل جومه، على مدى عمق العلاقة بين سهل العمق، والمراكز المأهولة القديمة في جبل الأكراد وسهل “جومه” وموقع “عيندارا”.

 

2- منطقة مثلث سيروس ” نبي هوري”  في الألف الثالث ولغاية عام 1200 قبل الميلاد:


وعن هوية سكان سهل العمق ومملكة آلالاخ في فجر التاريخ، يقول السيد “ووللي” ما مفاده: بأن أبنية آلالاخ القديمة كانت مماثلة لبناء بلاد الرافدين، ولم تكن تشبه نوع البناء في سوريا، كما أن هناك تشابهاً بين فخار بلاد الرافدين وسهل العمق للفترة التي تعود إلى فجر التاريخ، أي أواخر الألف الرابع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد، وهو يشير إلى وجود تشابه حضاري وربما قرابة عرقية في تلك الفترة بين سكان المنطقتين.تشير التنقيبات الأثرية إلى أنه في الألف الثالث قبل الميلاد، كانت هناك ممالك متفرقة في سوريا الشمالية مثل “أوغاريت، وإيبلا، وكركميش، ومملكة آلالاخ في سهل العمق” ([7]). وكانت تلك البلاد تسمى ” آمورو- الغرب” أي بلاد غربي الفرات. والآموريون: اصطلاح جغرافي يدل على سكان ينتمون إلى أجناس وأعراق مختلفة سكنوا تلك المناطق / د. فرزات، ص121/. وقد أسس سكان العمق منذ سنة 2700ق.م مملكتهم المعروفة في التاريخ باسم “آلالاخ”.%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88

أما في الثلث الأخير من الألف الثالث ق.م، فقد كان سكانها خليطا من شعوب شمالية وشرقية. وقد بقيت آلالاخ من الناحية السياسية مستقلة طوال الألف الثالث ق.م، سوى خضوعها بعض الوقت للملك الأكادي سارجون الأول، الذي قام بغزوها سنة 2300ق.م لإخضاع ملكها الذي كان يتحكم في أخشاب جبال الأمانوس. ولكن التنقيبات لا تشير إلى أي سكن آكادي فيها. وبقيت آلالاخ مملكة مستقلة لغاية 1900ق.م. وفي هذا التاريخ، احتل الفرعون “سنوسرت” الأول مملكة يمخاض “حلب”، وبلغ آلالاخ، ووضعها تحت وصاية ملك يمخاض المدعو”آبان”.

وفي فترة تراجع النفوذ المصري عن سوريا 1870- 1750 ق.م، ثار سكان آلالاخ على ملك يمخاض الموالي للمصريين، ولكن ثورتهم قمعت بشدة، وضمت آلالاخ إلى يمخاض مباشرة. بل إن ابن “آبان” المسمى ” ياريم ليم” – وتحسبا من هجمات البابليين على حلب- نقل مركز حكمه إلى آلالاخ.

وقد أظهرت التنقيبات أن سلالته، بخلاف غالبية سكان آلالاخ الجبليين، بقوا غرباء عن سكان آلالاخ، ولعدم ثقتهم بسكان آلالاخ، كانت حماية المواقع العسكرية في المدينة تسند إلى جنود أجانب يؤتى بهم من عاصمة حكمهم في حلب، ربما لأن الفئة الحاكمة كانت من العنصر السامي، حسب قول ووللي. ورغم ازدهار آلالاخ في ذلك العهد، فإن التنقيبات في تل العطشانة تدل على أن سكانها قاموا بثورة على ” نيقميد – إيبوخ ابن ياريم ليم”، وحرقوا قصره للحصول على استقلالهم عن حلب، وذلك في الفترة ما بين 1750 و 1730ق.م.

وفي نهاية الربع الأول من الألف الثاني ق.م، كانت المجموعات السكانية الهورية قد انتشرت بكثافة على مناطق واسعة من الشرق الأدنى في وادي الخابور، والجزيرة، وإبلا، وآلالاخ وأوغاريت، ووصلت إلى ساحل البحر المتوسط.

وقد اكتشفت في تلك الأماكن رقم كثيرة باللغة الهورية، منها أول نوطة موسيقية مدونة في العالم لأنشودة دينية باللغة الهورية، وبلغت سعة انتشارهم في سوريا في القرنين الخامس والسادس عشر ق.م إلى درجة أطلق المصريون على سوريا وبلاد كنعان([8]) اسم “خورو” ([9]).

وكان الهوريون قد أسسوا منذ نهاية الألف الثالث قبل الميلاد ممالك وإمارات، من بينها مملكة نوزي “كركوك” في أقصى الشرق، ومملكة “عنتاب” في أقصى الغرب.

وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ق.م([10])، اكتسح الهوريون بلاد الهلال الخصيب وسماهم الإغريق بالهكسوس، وهم على رأي د. صفدي /ص103/ كانوا خليطا من الهوريين والكاشيين والحثيين الذين ينتمون إلى

الأصول الهندو أوربية، فاستولوا على حلب، وعلى مصر في سنة 1730 ق.م. وبعد حركتهم الكبرى هذه، أسسوا مملكة كبيرة في الشرق الأدنى سميت بمملكة “ميتاني” التي امتدت حدودها من جبال زاغروس في الشرق، إلى البحر المتوسط في الغرب. وشملت بذلك شمالي سوريا، وآلالاخ،  وأوغاريت، حتى جبال الأمانوس.

وقد عثر في آلالاخ على وثائق مكتوبة مختومة بالخاتم الخاص للملك الهوري “شاوشتار”. كما كشفت حفريات “ووللي” النقاب عن معبد خصص للإله الميتاني “ميثرا”. وفي سوية البناء العائدة إلى الفترة 1595-1447ق.م عثر على تمثال “لزوجين” من البازلت لرجل وامرأة، وكان قد عثر على تمثالين مطابقين لهما على أحد أبواب دياربكر في قلب البلاد الميتانية، وهذا يدل على ارتباط آلالاخ بالاتحاد الميتاني واعتناقها للديانة الميتانية.

وفي عام 1527ق.م غزا الفرعون “تحوتمس” الأول سوريا، واحتل حلب. وتدل الآثار على تمركز قوة مصرية في آلالاخ، ولكن الاحتلال لم يدم طويلا، حيث ثارت الحكومات الهورية والمملكة الميتانية، وتمكنوا من طرد المصريين.

وفي عام 1482ق.م، عاد المصريون واحتلوا آلالاخ، ودام حكمهم لشمالي سوريا نحو مائة عام، حيث بقيت آلالاخ خلالها مملكة تابعة للفراعنة، واتسعت حدودها وسميت بمملكة “موكش، أو موكيش”، ونصب الفرعون “تحوتمس الثالث” الملك الهوري المسمى “تاكو” حاكماً لها، وأسس سلالة “نقمي با” الهورية في آلالاخ.

بعد وفاة تحوتمس الثالث عام 1447ق.م، قامت ثورة في سوريا على المصريين بتحريض من مملكة ميتاني، فتراجع نفوذ المصريين أمام قوة الميتانيين. وأصبحت آلالاخ مملكة شبه مستقلة ضمن الاتحاد الهوري في ظل حكم ملكها “نقمي با”.

وكشف النقاب في آلالاخ عن قصر الأمير الميتاني “نقمي با” من فترة أوج المملكة الميتانية، والقصر نموذج من البناء الميتاهوري المسمى “هيلاني”. ومن بين الرقم العديدة المكتشفة في آلالاخ من زمن ملكها “نقمي با”، رقيم يتضمن وصفاً لعملية ارتقاء شخص من آلالاخ إلى مرتبة اجتماعية تسمح له بالحصول على مرتبة “هوري” ([11]). كما تضمن الرقم ذكراً لأرباب الميتانيين، وهذا يوحي بأن آلالاخ كانت خاضعة لمملكة ميتاني مباشرة.

وقد أثبتت أبحاث ووللي وفريقه أن العنصر الهوري كان هو الغالب في آلالاخ، كما كانت توجد أعداد كبيرة منهم في منطقة أوغاريت. وكانت اللغة السائدة هي الهورية، /د. فرزات ص141/.

ومن الأواني الفخارية السوداء المنقوشة من نموذج ” نوزي ” التي اكتشفت في آلالاخ في الفترة 1450-1350ق.م، بدا وجود علاقة وطيدة بين آلالاخ والعواصم الهورية الهامة مثل نوزي “كركوك”، وتل براك على الفرات الأعلى. وان علاقتها كانت حسنة مع حكومات سوريا الشمالية أكثر من شرقها. كما كانت على علاقة تجارية قوية مع منطقة غربي بحيرة وان “منطقة أورارتو لاحقا”، المتطورة في صناعة المعادن.

ومن الجدير بالذكر عن فترة القرنين السادس عشر والخامس عشر ق.م، أن حلب كانت مركزا هوريا تقليديا، وفيها حكومة هورية قوية. وبعد وفاة “نقمي با”، انتقل حكم آلالاخ إلى ولده “إيليم إيليما”. ولكن بسبب ميوله للفراعنة، قامت عليه ثورة في آلالاخ أودت بحياته. وتوارثت أسرة “نقمي با” حكم آلالاخ حتى عام 1370ق.م، حينما استولى

الحثييون([12]) على بلاد حلب وموكيش “آلالاخ”، ففقدت آلالاخ استقلالها، وضمت إلى مملكة حلب التي بقيت خاضعة للسيطرة الحثية، رغم قيام ثورات عديدة  عليها في حلب وآلالاخ عام 1280ق.م.

أما على الصعيد السكاني في المرحلة الحثية، فإن رُقُم سويات البناء الثالثة 1370-1347ق.م في آلالاخ، تشير إلى تبدل في الأصول العرقية لبعض السكان. حيث عمد الحثييون إلى تغيير الإدارة والمعتقدات ومحاولة جعل كل شيء حثيا، بهدف جعل آلالاخ مركزاً سوريا للديانة الحثِّية. والشيء الملفت للنظر في هذا العهد الحثي الجديد – على رأي السيد ووللي- هو ظهور فخار “نوزو” ذو الأصل الميتاني، بكثرة في آلالاخ. ويبدو أن هذا كان نوعا من تحدي شعب آلالاخ للحكم الحثي.

وتشير الأبحاث، أنه بعد وفاة الملك الحثي “شوبيلوليوما” سنة 1347ق.م، وتولى ابنه “مورشيل الثاني” الحكم، قامت ثورات ضد الاحتلال الحثي في  كل من آلالاخ وحلب، إلا أنها سحقت من قبل الحثيين. ورغم ذلك بقي الناس يعبرون عن نقمتهم على الحثيين باستمرار استعمالهم للفخار النوزي “الهوري” رمزا لتحدي الحكم الأجنبي. بل شجع الملوك الميتانيون تداوله وصناعته في جميع البلاد الخاضعة لنفوذهم، بدءاً من نوزو “كركوك” في الشرق، إلى آلالاخ في الغرب. إلا أنه رغم النفور من الحثيين من قبل السكان الهوريين في آلالاخ، سادت فترة هدوء وسلام طويلة في عهدهم، ازدهرت فيها آلالاخ، وتمكن الحثييون خلالها تعزيز مراكزهم في سوريا حتى عام 1280ق.م، حيث قامت ثورات ضد الحكم الحثي في كل من آلالاخ وحلب.

وتشير الدلائل الأثرية، “من النصف الثاني من القرن الثالث عشر ق.م”، أن حشدا كبيرا من سكان آسيا الصغرى بداوا يفدون إلى آلالاخ، فظهرت عادة حرق الموتى، حتى أصبحت عامة في آلالاخ كما يقول ووللي، وهي عادة غير سامية.

كما أن هجرات كبيرة من شعوب “هندو أوربية” سمّوا بالشعوب البحرية منهم الفريجيون “أجداد الأرمن” والفلسطينيون والسكيث والكيمريون…، وفدت إلى شرقي المتوسط والأناضول، فسقطت عاصمة الحثيين “حاثوشا” أمام غزواتهم الكاسحة، ثم اجتاحت سوريا أيضاً، وسقطت حكومات حلب وكركميش في أيديهم. أما آلالاخ: فقد سقطت سنة 1194ق.م ولم تقم لها قائمة بعد ذلك، وظلت مملكة منسية إلى أن أزال عنها السيد “ووللي” وفريقه العلمي التراب قبل بضعة عقود.

3 – منطقة مثلث سيروس في الفترة ما بين 1200-333ق.م:

استغل الآشوريون([13]) ذلك الفراغ الدولي الذي أحدثته غزوات شعوب البحر في الشرق الأدنى، وبدؤوا بالتقدم شمالا نحو آسيا الصغرى، وغرباً نحو سوريا القديمة، فاصطدموا بالآراميين([14]) الذين كانوا أيضاً قد استغلوا ذلك

الفراغ السياسي وبدؤوا بالاندفاع من موطنهم الأصلي في الجولان باتجاه الشمال والشرق، إلا أن المقاومة الآشورية ردتهم إلى غربي الفرات، فاضطرت بعض القبائل الآرامية الغازية إلى البحث عن سبيل آخر تجد فيها المقاومة الضعيفة، وكانت البلاد الميتانية فريسة سهلة لتلك القبائل، فاستطاعت خلال 300- 400 سنة الوصول حتى “مراش، وملاتيا” في أقصى الشمال، ونجحت في تأسيس إمارات صغيرة في قلب العالم الهوري. إلا أن تلك الإمارات الآرامية في الشمال وأنحاء سوريا، لم تدم أكثر من قرنين من الزمن، إذ سقطت الواحدة تلو الأخرى بيد الآشوريين. أما إماراتهم في سوريا الشمالية وما جاورها في أواسط الأناضول، فكانت شمأل “زندشيرلي” 900-738ق.م، في نواحي عنتاب. آرباد أو بيت جوش “جوشي” في تل رفعت وعيندارا وعفرين([15])، وسقطت آخر المدن الرئيسية لهذه الإمارة الأخيرة وهي خزازو “أعزاز” بيد الآشوريين عام 738ق.م.

ورغم سقوط تلك الممالك؛ إلا أن العنصر الآرامي ترك شواهد كثيرة تدل على إقامة طويلة في سوريا الشمالية. وعلى سبيل المثال، لا تزال العديد من المواقع والقرى في منطقة عفرين تحتفظ بأسماء ذات دلالات آرامية.

أما المقاطعات الحثِّية، مثل حطينا “العمق”، وكركميش، وجورجوم “مراش”، وملاتيه، فقد قدمت فروض الطاعة للملك الآشوري “تيغلات بلازر” الثالث 745-727ق.م. ولكنها بقيت حثية، وحافظت على ثقافتها الوطنية والوجود القومي لهم في مراش حتى أواخر العهد الإسلامي. وكانوا مسيحيين، وسموا بالجراجمة نسبة إلى اسم مدينتهم جرجم “مراش الحالية”، كما بقي اسم “حاثيا” يطلق على سوريا.

من الجدير بالذكر، أنه جاء في تقويم الملك الآشوري ” تيغلات بلاسر” لعام 738ق.م، بأن الآشوريون قد هجروا عددا من الأسرى الكوتيين،  وهو اسم كان يطلق على جميع الأقوام التي كانت تقطن شمال وشمالي شرقي المملكة الآشورية أي بلاد المملكة الميدية فيما بعد، وهم شعوب “ماد وميتان وأورارتو وسكيت وكيمر…” /دياكونوف، ص191-192/، وتم استيطانهم في شمالي سوريا وفينيقيا الشمالية. وحسب أقوال بطليموس، أنهم كانوا يسمون تلك المنطقة التي أجبر الميديون “الكوتيون” على الاستيطان فيها بـ “سوريا الميدية- “سورميد”، /دياكونوف، ص191-192/.

وفي الفترة ذاتها، كان ملوك أورارتو قد أسسوا مملكة كبيرة في شرقي الأناضول، وامتد نفوذها إلى سوريا الشمالية وحلب وكوماجيني- ملاتيه. وفي سنة 743ق.م، اصطدم الآشوريون بهم وبحلفائهم من الممالك الآرامية الصغيرة في شمالي بلاد الشام، مثل إمارة “ماتي ايلو- بيت أجوش – ارباد “، تل رفعت الحالية، وتراجع على إثرها “ساردور” الثاني، ملك أورارتو إلى بلاده، وضم  الآشوريون بلاد الشام نهائيا إلى إمبراطوريتهم.

وفي عهد الملك الآشوري الأخير “أسارحدون” كانت القبائل الهندو أوربية “الميدية، والكيمرية، والسكيت” قد اتحدوا في دولة واحدة، وبدأوا الهجوم على العاصمة الآشورية “نينوى”، وتمكنوا في عام 612ق.م بالتعاون مع البابليين من الاستيلاء عليها. واكتفى الميديون بحكم الجزء الشمالي من الشرق الأدنى. وأصبحت المناطق الشمالية من قوس الهلال الخصيب، بما فيها مناطق جبال الكرد والأمانوس وصولا إلى البحر المتوسط، ضمن ممتلكات الإمبراطورية الميدية، ومسكونة بهم.
%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88

ويذكر المستشرقان المعروفان /نيكيتين ص139، وليرخ ص13/، أن الميديين انتشروا مع توالي الأجيال على أجزاء كبيرة من غربي آسيا، وأقرب مركز لهم من ناحية الغرب، كانت ضواحي انطاكية، وبالتحديد حول حلب. أما في آسيا الصغرى، فكان نهر “الهاليس: قزل إيرماك” الحد الفاصل بينهم وبين المملكة الليدية اليونانية. ثم سقطت هذه الدولة الميدية الكبرى سنة 558ق.م بيد أمير مقاطعة فارس المتمرد “كيروش أو كورش” حفيد الملك الميدي([16]). وكانت فارس إحدى مقاطعات الإمبراطورية الميدية، وتأسست بذلك المملكة الأخمينية الفارسية المعروفة في التاريخ.

ومن الجدير بالذكر هنا أن المستندات والوثائق التي وجدت في حصون الملك الفارسي داريوش، كشفت أن الميتانيين – في تلك الفترة- كانوا يسمون بالميديين، فقد كان الميتانيون اختلطوا في ذلك العهد بالميديين تماما، /دياكونوف- ص297/.

وفي سنة 540ق.م. هزم الأخمينيون الجيش الليدي، واستولوا على كامل آسيا الصغرى ومناطق حلب. وفي السنة التالية خضع لهم كامل سوريا. واستمرت الإمبراطورية الأخمينية في حكم الشرق الأدنى إلى سنة 330ق.م، وانتهى حكمهم باستيلاء الاسكندر المكدوني عليها.

4-  منطقة مثلث سيروس في الفترة 332 ق.م – 637 م :

بعد أن أنهى الإسكندر المكدوني في سنة 332ق.م توحيد البلاد اليونانية، توجه بقواته نحو ممرات الأمانوس، فدارت بينه وبين الملك الفارسي “داريوس الثالث” معركة “إيسوس” المعروفة في التاريخ، وانتصر فيها، ثم تابع زحفه على طول ساحل المتوسط، ففتح مصر، ثم توجه نحو بلاد الرافدين وانتزعها من الفرس بعد معركة قرب “أربيل” سنة 331ق.م، ثم زحف نحو فارس، ووصلت قواته إلى حدود الهند.

وبعد وفاة الإسكندر سنة 329ق.م، انقسمت إمبراطوريته إلى ثلاث دول: إحداها: الدولة الشرقية التي قامت في سوريا وبلاد الرافدين، وعرفت باسم السلوقية، نسبة إلى مؤسسها القائد “سلوقس نيكاتور”، واتخذت من مدينة انطاكية المبنية حديثا عاصمة لها. وعاشت هذه الدولة إلى سنة 189ق.م. كما بنيت مدينة سيروس “نبي هوري” عاصمة ج.الكرد قديما في عهد هذه الدولة السلوقية. وفي سنة 64 للميلاد، دخل الرومان سوريا وأصبحت مقاطعة رومانية وعاصمتها انطاكية، ورابط في مدينة سيروس الفيلق الروماني العاشر “فريتنسيس” ومن بعده الفيلق الرابع “فلافيا”.

وتشير المصادر التاريخية إلى صراع شديد بين الفرس والبيزنطيين على امتلاك مناطق ج.الكرد وسمعان التي كانت مشهورة بغناها في تلك الفترة. فأقدم الفرس في إحدى غزواتهم في أوائل القرن السابع الميلادي على تدمير كثير من القرى، وقطع أشجارها، واتلاف مزروعاتها، وتركوها خراباً، / د. شعث  ص12/. وكان هذا القتال الفارسي – الإغريقي هو الأخير حول حلب وجبلي سمعان والكرد في سوريا، حيث بدأت بعدها العهود الإسلامية.

ويمكن إيجاز صورة الأوضاع الإثنية في شرقي المتوسط، بين فترة دخول اليونانيين وظهور الإسلام، على الشكل التالي:
كانت حدود العرب هي الصحراء، ولم تكن للغتهم أي أثر في سوريا على عهد السلوقيين والرومان، /الدر المنتخب – ص27/. فكانت الآرامية هي اللغة الشعبية الأكثر انتشارا، واليونانية لغة الثقافة، واللاتينية لغة الدواوين. وكانت لليونانيين مدن ومعاقل عسكرية منتشرة بكثرة في جميع أرجاء ممتلكاتهم في بلاد الشام وآسيا الصغرى. كما كانت لهم مستوطنات تجارية في سوريا قبل مجيء الفرس إليها في القرن السادس ق.م. وكانت النقود اليونانية “دراخما” هي المتداولة بين الناس قبل مجيء الإسكندر بنحو 125 سنة. فتطورت تلك المستوطنات اليونانية القديمة بعد استيلائهم على الشرق.

أما الميديون والحثّييون فقد استقروا في الشمال والشرق من سوريا، وبقي بقايا الآراميين في بعض مناطق إماراتهم القديمة، إضافة إلى أكثرية منهم في سوريا الوسطى والجنوبية.

وبظهور العرب المسلمين، كقوة سياسية جديدة في الشرق الأدنى، وذات حركة عسكرية ناجحة، فتح الطريق أمام تبدلات عميقة وجذرية في الأوضاع السياسية والإثنية، وغيرت وجه الشرق الأدنى مجدداً ولقرون لاحقة.

5- منطقة مثلث سيروس في عهد الخلافة الإسلامية:

 

الوجود الكردي في شمال سوريا : منطقة جبل الأكراد (عفرين) الجزء الثاني.

 


 

[1]– ” ديلوك ” هي المدينة القديمة، وهو حاليا اسم لقرية شمالي مدينة عنتاب بنحو 10كم، قيل لنا أن سكانها حاليا من العرب، وبالقرب منها أطلال ديلوك القديمة. وقد دمرت ديلوك القديمة سنة 1297م.

[2] – كرمانج: اسم يطلق على كل كردي ليس له عشيرة، أو لا يعيش في منطقة عشيرته، أو الذين يمتهنون الزراعة ويستقرون في قرى ثابتة ولا يرتحلون مع قطعان مواشيهم إلى المراعي الجبلية. ولذلك يعتبر الكرمانج لدى بعض العشائريين من الفئات الاجتماعية الدنيا. أما الإيزديون فعلومهم الدينية تقول إن “كرمانج” مؤلف من كلمتين: Kur “الولد”، و manc ” الطاهر”، أي “الولد الطاهر، المختار، الفاخر”، وهو لقب للنبي “شيث بن آدم”.

[3]– Gewir: بمعنى الأبيض أو “الجبل الأبيض” باللغة الكردية، لبقاء الثلوج على قممه معظم أيام السنة. وليس كما يفسره الأتراك وغيرهم بأنه من “كافر داغ” أي “جبل الكفار”.

[4]– Liç في الكردية بمعنى مستنقع، ومجمع المياه الراكدة، وأسم السهل مستمد من هذه الكلمة.

[5]– المعلومات التاريخية لهذا البحث مستقاة من: مورتكارت. أمين زكي، ج1 و2. فاروق إسماعيل. ملامح من تاريخ الفلاحين ج1، ج2، ج3. د.محمد حرب فرزات. صبحي صواف. ليونارد ووللي. وللمزيد من المعلومات راجع فهرس المراجع.

[6]– تشغل مرتفعات جبل الكرد والمدينة القديمة سيروس “نبي هوري” مركز هذا المثلث، وهو يتحدد بمدن “انطاكية – حلب- عنتاب”. وبغية  تلافي أي تشتت في الموضوع، سنركز ما أمكننا، على الأحداث التي تتعلق بمنطقة ج.الكرد بحدودها الجغرافية، كما كانت قبل الحرب العالمية الأولى. وقد أخذت هذه المنطقة عبر الزمن عدة تسميات. ففي العهود الإغريقية والإسلامية، عرفت بمدينتها سيروس. وفي العهود المملوكية والعثمانية عرفت باسم منطقة كلس نسبة إلى مدينة كلس. وبعد الانتداب الفرنسي سميت بمنطقة ج.الكرد. وفي العهد السوري الجديد  سميت منطقة جبل الأكراد، ثم منطقة عفرين.

[7]– يبدأ سهل العمق من البحر المتوسط في جنوبه الغربي ، ويمتد شمالاً بانحراف قليل إلى الشرق لينتهي قرب بلدة شيخ الحديد. وتحاذيه مرتفعات جبال الكرد وسمعان وحارم من الشرق، والأمانوس من الغرب. ويمتد فرع منه شرقاً في حوض نهر عفرين الأسفل ليشكل سهل جومه. تبلغ مساحة سهل العمق  45 × 45  = 2025 كم2. وكان فيه مستنقع العمق بمساحة 22 ألف هكتار، وبحيرة انطاكية مساحة 10 آلاف هـ، وقد جففتا عام 1970. تصل إلى السهل ثلاثة أنهار رئيسية هي: عفرين، والأسود، والعاصي. وهو سهل خصب، وكان عقدة مواصلات هامة بين مناطق سوريا القديمة وآسيا الصغرى.

[8]– الكنعانيون اسم يطلق على أسلاف بني إسرائيل. واسم كنعان الذي كان يعتبر حتى الآن ساميا بمعنى: الأرض المنخفضة، أصبح الآن مشكوكا في أصله، ويظهر أنه من أصل غير سامي، والاشتقاق الجديد يجعل أصله هوريا، لأن Knaggi يعني الصباغ الأرجواني. وفي العصر الذي احتك فيه الهوريون بساحل البحر المتوسط في القرنين الثامن والسابع عشر ق.م، كانت صناعة الأرجوان هي السائدة في تلك البلاد. وكذلك يشير اسم فينيقيا المشتق من اليونانية Phoinix أي الأحمر الأرجواني، إلى الصناعة نفسها. /د.صفدي ، تاريخ سوريا القديم، ص42/.

[9]– في مقالة للدكتور فاروق إسماعيل، مدرس التاريخ في جامعة حلب سابقا، في مجلة دراسات تاريخية، العدد المزدوج 49 –50 لعام 1994 جاء حول اسم سوريا مايلي: تطلق الوثائق المصرية القديمة اسم “خورو” على المناطق السورية في وثائق من القرن الرابع عشر ق.م. وفي بعض مصادرهم، أطلقوا على البحر المتوسط والأحمر أيضاً اسم بحر “خورو” لأنه يفصل بلادهم عن بلاد “خورو”، أي بلاد الهوريين، ولذلك يعتقد أن أصل بلاد سوريا هو “خ ر و”. ثم بدلت الخاء في القبطية شينا “ش ر و”، والإبدال بين “و” و “ي” معروف أيضا، فيصبح الاسم “ش رو”. وقد بدل اليونانيون ” ش ” بـ ” س ” فأصبحت “س ر ى” والاسم بصيغته الحالية يوناني. وأول من ذكره هو المؤرخ اليوناني هيرودوت 490 –420 ق.م، ثم كزينفون /426–355 /ق.م.

[10]– في عام 1800 ق.م خرج أبو الأنبياء إبراهيم خليل من مدينة Ura في شمال العراق ” كما ورد في النصوص الأثرية الحثية وكان حينها يعبد القمر”، قاصدا مدينة حران في الجزيرة، ثم رحل إلى فلسطين. ويصادف هذا تاريخ الهجرات الهورية للشرق الأدنى، /د.فرزات – موجز في تاريخ سوريا القديم/.

[11]– ووللي ص113. إن أسماء  ذكور مثل : “هورو وهوريك “، وإناث ، مثل: “هوري Horê ، منتشرة بين الأكراد في منطقة عفرين، والاسم من حيث المعنى اللغوي غير واضح. ولكنني أعتقد أن الاسم هوري الأصل، واحتفاظ الذاكرة الشعبية بالاسم وتداوله طوال هذه المدة، ربما كان مرتبطا برفعة مكانة العنصر الهوري في مجتمعات تلك الحقبة. كما أعتقد أن اسم حورية الدارج في العربية والكردية، وحوريات الجنة المتَّسِمات بالجمال والعيون الحور، أصله حوري أو هوري، وذلك تشبهاً بالجمال الذي كانت النساء الهوريات تعرفن به.

[12]– الحثييون من القبائل الهندية الغربية التي قدمت إلى الشرق الأدنى في القرن السابع عشر ق.م عبر منطقة القفقاس. وبسبب مقاومة الهوريين لهم، أخذوا اتجاها غربيا جنوبيا إلى غربي جبال طوروس. فاستقروا في منطقة نهر الهاليس ” قزل إيرماك حاليا”، وأسسوا دولتهم سنة 1650ق.م. واعتبارا من سنة 1430 ق.م، بدأوا بالضغط على المملكة الميتانية والاتجاه جنوبا نحو الهلال الخصيب، وخاصة زاويته الشمالية الغربية في مناطق حلب وآلالاخ “العمق”. ورغم مقاومة الهوريين لتقدمهم، إلا أنهم تمكنوا في النهاية في القرن الرابع عشر ق.م من تحطيم نفوذ المملكة الميتاهورية في سوريا الشمالية، والاستيلاء على مملكة يمخاض الهورية، ومدينة آلالاخ التي كانت عاصمة لدولة موكيش. وهكذا حل الحكم الحثي محل حكم المملكة الميتاهورية في شمال سوريا. سقطت الإمبراطورية الحثية سنة 1200ق.م على يد غزاة جدد عرفوا بالشعوب البحرية، وانقسمت الإمبراطورية إلى دويلات صغيرة متفرقة، واستولى عليها الآشوريون في أوائل القرن الثامن ق.م، ورغم ذلك، احتفظت تلك البلاد بملامح الحضارة والثقافة الحثية لقرون عديدة ومنها اللغة، وخاصة في مناطق ملاتيه “كابال”، و”خليلاكو” كيليكيا، و”كوركوم = جرجم” مرعش.

 

[13]– يعود أول تأسيس للمملكة الآشورية إلى القرن الثامن عشر ق.م. ونظراً لوجود قوى دولية كبرى في الألف الثاني ق.م. كالبابليين والكاشيين والهوريين والحثييين، بقيت آشور منغلقة ضمن حدودها المحصورة شمالي بلاد بابل، إلى أوائل الألف الأول ق.م. وهناك شبه اتفاق بين الباحثين على الأصول الأولى السامية للآشوريين، إلا أن قرب بلادهم من مناطق زاغروس وطوروس، واختلاطهم الطويل بالشعوب الجبلية، أفقدتهم الكثير من السمات السامية، وأضفت عليهم ملامح تلك الشعوب الجبلية. وفي هذا الصدد يقول د.هشام الصفدي: أن الهوريين أعطوا الآشوريين الملامح التي تميزهم عن أبناء عمومتهم الساميين. ويؤكد ذلك السيد “مورتكارت ” قائلاً: يمكن القول دون وجل، أنه تلاقت في الشعب الآشوري بقايا مؤسسي حضارة تل حلف وسامراء والطبقة الحاكمة الهورية، إضافة إلى الشعوب التي تأرمت ” أصبحت آرامية”، لتشكل وحدة متجانسة.

[14]– الآراميون: مجموعة من الشعوب المعروفة بالسامية، والآرامية: تسمية لغوية أكثر منها عرقية /د.حرب فرزات، ص52/. وقد نجح الآراميون في الانتشار ونشر لغتهم، وكان سلاحهم في ذلك هو العدد الكبير لأحفادهم، وقد اقتبس الآراميون أفكارهم من الشعوب القديمة المتحضرة التي استوطنوا بلادها بالتدريج، ثم انتزع الآراميون السلطة السياسية منها كذلك. حتى أنهم حاولوا اقتباس اسم “هانيكالبات” الذي كان يعني حتى أيام  توشراتا “الملك الهوري” معنى: الميتاني. كما حاولوا إحياء تقاليد المجتمع الهوري. وقد نجحت اللغة الآرامية في الانتشار في مناطق واسعة من الشرق الأدنى، إلى إن انكفأت أمام اللغة اليونانية، إثر غزو الاسكندر المكدوني للشرق.

[15]– يحتمل أن تكون “عين دارا” عاصمة لمملكة حطينا “العمق” في شمالي سوريا، وهي معاصرة لآرباد، وكانت بينهما صلات.

[16]– كانت “پارس” في العهد الميدي ولاية ميدية تحكمها سلالة أمراء من أسرة أخمين، وعندما توفي الملك الميدي المحارب “كي اكسار” خلفه ابنه “أستياكس” وكان يعزف عن خوض الحروب، فاشتد ساعد الفرس، وأعلن أمير فارس كورش العصيان على الدولة الميدية، وأَسقط جده من والدته “أستياكس” عن العرش الميدي سنة 550 ق.م. وبعد حروب دامت عدة سنوات، تمكن كورش خلالها إخضاع كامل المملكة الميدية لسلطته، ووصل إلى نهر الهاليس.

المواضيع المشابهة