د. مسلم عبد طالاس
غنى الفنان الكردي الكبير شفان برور أغنية بعنوان كريفي Kirîvê، واشتهرت اغنية الفنانة الكردية كلستان Sînanê Kirîv . وفي الأغنيتين تحضر قصة حب ممنوع بين شابين، أحدهما إيزيدي والآخر مسلم، تنتمي أسرتاهما إلى علاقة “كريفا”. لم يكن المانع قرابة دم، ولا حكما قانونيا أو دينيا، بل قرابة صنعها المجتمع نفسه، ثم منحها من القوة والقداسة ما جعل الزواج بين أبناء الأسرتين محرما عرفيا، كما لو كانوا إخوة وأخوات.
كنت أعرف الكريفا بوصفها عادة اجتماعية قديمة في المجتمع الكردي وقد كنت انا شخصيا موضوعا لها في طفولتي، لكن القراءة عنها في سياق العلاقات التاريخية بين الكرد والأرمن جعلتني أراها بطريقة مختلفة تماما. فخلف طقس يبدو بسيطا تختبئ، في رأيي، واحدة من أكثر المؤسسات الاجتماعية إثارة التي أنتجتها مجتمعات المنطقة.
لست متخصصا في التاريخ، وما أطرحه هنا ليس محاولة لإعادة كتابة الوقائع أو توثيقها، بل أفكار وأسئلة أولية لشخص ينظر إلى الظواهر التاريخية من زاوية الاقتصاد السياسي المؤسسي، ويهتم خصوصا بكيفية تعلم المجتمعات وإنتاجها لمؤسساتها وتطويرها عبر الزمن.
ما الكريفا؟
ترتبط الكريفا أساسا بطقس ختان الطفل. تختار أسرة الطفل شخصا ليكون “كريف”، ويساهم عادة في بعض نفقات المناسبة، لكن دوره الرمزي الأهم يظهر أثناء الختان نفسه: يأخذ الطفل في حضنه ويمسك به أثناء إجراء الختان. تنتهي عملية الختان، لكن علاقة الكريفا تبدأ منها. فالطقس ينشئ بين الأسرتين نوعا من القرابة الاعتبارية. يصبح الكريف وعائلته من اقرباء الأسرة، وتنشأ حقوق والتزامات متبادلة تشمل الزيارة والضيافة والمساعدة في الشدائد والوساطة والحماية. وكان الامتناع عن مساعدة الكريف وعائلته في بعض البيئات يعرض صاحبه للوم الاجتماعي. وتذهب قوة هذه القرابة إلى حد أن الزواج بين أفراد الأسرتين يصبح، في مناطق كثيرة، محرما عرفيا، رغم عدم وجود قرابة دموية حقيقية.
لكن الأكثر إثارة أن الكريفا لم تكن دائما بين أبناء الجماعة الواحدة. ففي ديار بكر ومحيطها ومناطق أخرى أظهرت الدراسات التي استطعت الاطلاع عليها شواهد عديدة على الكريفا بين الكرد المسلمين والأرمن المسيحيين، كما عرفت علاقات مماثلة بين جماعات دينية وإثنية أخرى في المنطقة.
وهنا تبدأ القصة التي تثير إعجابي حقا.
مؤسسة تتجاوز الدين والدم بالدين والدم
كان الدين والقرابة والقبيلة من أكثر المؤسسات رسوخا في مجتمعات المنطقة، وكل منها يرسم، بدرجات مختلفة، حدودا بين الداخل والخارج. لكن الكريفا لم تحاول هدم هذه المؤسسات لكي تتجاوز حدودها. فعل المجتمع شيئا أكثر ذكاء: استخدم مواردها نفسها لبناء رابطة جديدة. أخذ من الدين قدسية طقس الختان وقوة الالتزام، ومن القرابة معنى الأخوة والحماية ومحظورات الزواج، ثم أعاد تركيب هذه العناصر لإنتاج قرابة مع إنسان قد يكون من خارج الدين والدم والقبيلة. وهنا تكمن، بالنسبة إلي، عبقرية الكريفا: استخدم المجتمع الدين لبناء رابطة تستطيع عبور حدود الدين، واستخدم منطق القرابة لبناء قرابة تتجاوز الدم.
لم يضع أحد مخططا نظريا لذلك، ولم يصممها خبير في الحوكمة. إنها، على الأرجح، حصيلة تراكم طويل من التجربة والحاجة والتعلم. وربما يمكن تسمية ذلك “ذكاء مؤسسيا موزعا” أي معرفة لا تحتكرها نخبة أو دولة، بل تتشكل بين الناس من خلال محاولاتهم المتكررة لحل مشكلات حياتهم.
اندماج بلا استيعاب
درست في سياق اقتصاديات الهجرة واللجوء في ألمانيا كثيرا من النقاش حول الفرق بين الاندماج Integration والاستيعاب Assimilation كيف يشارك القادم في المجتمع من دون أن يفقد هويته وخصوصيته؟
والكريفا تجعلني أنظر إلى هذا السؤال بإعجاب أكبر بقدرة المجتمعات المحلية على الابتكار. فهي لم تطلب من الأرمني أن يصبح مسلما أو كرديا لكي يكون موضع ثقة، ولم تطلب من الكردي أن يصبح أرمنيا. بقي الاثنان مختلفين، لكنهما أنشآ رابطة ثالثة مشتركة. ولذلك فالكريفا ليست مجرد تعايش. التعايش قد يعني أن أعيش بجوارك ولا أعتدي عليك. أما الكريفا فتقول شيئا أقوي: يمكنني أن أبقى مختلفا عنك، ومع ذلك تصبح لك علي حقوق والتزامات، ولي عليك مثلها.
وبلغة اليوم، ربما نسمي ذلك التجسير المؤسسي Institutional Bridging: بدلا من إزالة الحدود بين الجماعات، نبني مؤسسات تستطيع عبورها.
لكن لماذا لم تصبح الكريفا شيئا أكبر؟
هنا يتحول إعجابي بالمؤسسة إلى سؤال. إذا كانت الكريفا قد استطاعت تجاوز اثنتين من أقوى حدود المجتمع، الدين والدم، فلماذا لم تتطور إلى شبكات ومؤسسات أوسع تنظم العلاقة بين الجماعات نفسها؟
ربما كانت المشكلة داخل الكريفا ذاتها. وهنا يهمني سؤال لم أصل بعد إلى إجابة حاسمة عنه: هل كانت علاقة الكريفا تورث فعلا عبر الأجيال، وإلى أي حد؟ فالقبيلة تعيد إنتاج نفسها عبر الدم، والدين يمتلك الأسرة والطقس والمؤسسة الدينية والتعليم. أما إذا كانت الكريفا تحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة في كل جيل، فقد تكون شديدة القوة أفقيا في ربط المختلفين، لكنها أضعف عموديا في إعادة إنتاج نفسها عبر الزمن. لكن هناك احتمالا آخر يستحق التفكير.
ربما ينبغي أن نعيد النظر في صورة المجتمع الكردي خلال مرحلة التحديث العثماني (القرن التاسع عشر) باعتباره مجرد مجتمع “تقليدي” تنتظر مؤسساته أن تحل محلها مؤسسات الدولة الحديثة. يبدو أن المجتمع كان يدير حياته من خلال بيئة مؤسسية متنوعة. كانت القبيلة توفر قدرا من التنظيم والحماية؛ وكانت الطرق الصوفية تنشئ شبكات تستطيع تجاوز حدود القبائل والمناطق؛ وكانت الكريفا قادرة، في حالات مهمة، على تجاوز حدود الدم والدين والإثنية نفسها. لا يعني ذلك أن الكريفا كانت “أرقى” من المؤسستين الأخريين، لكنها ربما كانت أكثر قدرة على التجسير بين المختلفين.
فماذا حدث لهذه القدرة؟
هل تأخذ المركزية السلطة فقط، أم تأخذ معها التعلم؟
مع تفكيك الإمارات الكردية وتعاظم المركزية العثمانية في القرن التاسع عشر، انتقلت وظائف سياسية وتنظيمية متزايدة من المجال المحلي نحو المركز. وفي الوقت نفسه، أصبح جزء مهم من النخب السياسية والثقافية الكردية الحديثة يمارس نشاطه وينتج أفكاره في إسطنبول.
لا أملك حتى الآن ما يكفي لتحويل العلاقة بين هذه التحولات ومصير الكريفا إلى نتيجة تاريخية. لذلك أطرحها كسؤال وفرضية تستحق البحث. فنحن ننظر عادة إلى المركزية باعتبارها نقلا للسلطة. لكن ماذا لو كانت أيضا نقلا لموقع التعلم؟
المجتمع الذي يحل نزاعاته يتعلم كيف يحل النزاعات. والذي ينظم التبادل يتعلم التعاون. والذي ينتج جزءا من أمنه يتعلم التنظيم. والذي يواجه اختلافاته يوميا يضطر إلى ابتكار مؤسسات لإدارتها. أي أن أداء الوظيفة ليس إنتاجا لمخرج فقط؛ إنه عملية تعلم أيضا. وعندما تنتقل الوظيفة إلى جهة بعيدة عن المجتمع، قد لا يفقد المجتمع سلطته عليها فقط، بل جزءا من فرص التجريب والتعلم وتطوير مؤسساته.
ثم جاءت الدولة القومية الجمهورية (الاتاتوركية على وجه الخصوص) بمشروع أكثر عمقا، لم يقتصر على احتكار الوظيفة السياسية، بل امتد إلى اللغة والتعليم والهوية والثقافة والمجال العام. وفي الوقت نفسه تعرض الوجود الأرمني نفسه للاقتلاع على نطاق هائل. وهنا ربما لم تتضرر الكريفا وحدها، بل البيئة الاجتماعية التي كانت قادرة على إنتاجها وإعادة إنتاجها. فالقبيلة تستطيع الاستمرار بالدم، والطريقة تستطيع الاستمرار بالدين، أما الكريفا الكردية-الأرمنية فتحتاج إلى كردي وأرمني، وإلى تجاور وتفاعل واعتماد متبادل.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من مصير عادة اجتماعية قديمة: هل يمكن أن تؤدي مصادرة وظائف المجتمع إلى إضعاف قدرته على التعلم نفسه؟ وهل كان تراجع مؤسسات مثل الكريفا نتيجة لضعفها الداخلي، أم نتيجة لتحول أوسع أصاب البيئة التي كانت تنتج الابتكار المؤسسي من الأسفل؟
لا أملك إجابة نهائية. لكن الكريفا تجعلني أقل اطمئنانا إلى السردية البسيطة التي ترى التحديث انتقالا من “مجتمع تقليدي” إلى “دولة حديثة”. فقد يكون المجتمع الذي نسميه تقليديا أكثر قدرة على التعلم والابتكار مما نفترض، وقد تحمل بعض عمليات التحديث، إلى جانب ما تبنيه، تكلفة خفية تتمثل في تعطيل الذكاء المؤسسي الموزع داخل المجتمع.
وربما يكون السؤال الذي تستحق الكريفا أن تتركه معنا هو: كم من المؤسسات الممكنة نخسر حين تسحب المركزية من المجتمعات المحلية وظائفها ومساحات التجريب فيها؟ وكم من فرص التعلم والابتكار يمكن أن تفتحها اللامركزية حين تترك للمجتمع مساحة كافية لينظم بعض شؤونه، ويتعلم من نجاحاته وإخفاقاته، ويبتكر مؤسساته ومستقبله؟
