لماذا تفشل دورات تعليم اللغة الكردية للأطفال في أوروبا ؟

شارك هذا المقال:

خالد أحمد / مملكة الدنمارك

 بين قدسية اللغة في وعي الكبار وغياب المتعة في تجربة الصغا ر

تواجه كثير من دورات تعليم اللغة الكردية للأطفال في أوروبا صعوبة في تحقيق أهدافها، رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها المعلمّون والجمعيات والأهالي للمحافظة على اللغة ونقلها إلى الأجيال الجديدة. ففي حالات كثيرة، يبدأ الأطفال هذه الدورات بحماس محدود، ثم يتراجع اهتمامهم تدريجيًا، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى النفور من الدروس أو رفض التحدث باللغة الكردية.

لا يرتبط هذا الفشل بضعف اللغة الكردية أو بعدم قدرة الأطفال على تعلّمها، بل بطريقة تقديمها لهم، وبالفجوة النفسية والتربوية بين نظرة الكبار إلى اللغة ونظرة الأطفال إليها.

غياب المناهج الحديثة

من أبرز المشكلات عدم وجود مناهج تعليمية واضحة ومتدرجة تراعي عمر الطفل ومستواه اللغوي واحتياجاته النفسية. فكثير من المواد المستخدمة عبارة عن أوراق أو نصوص أعدّها بعض المعلّمين بصورة فردية وعلى عجل، أو نُقلت من مناهج قديمة لا تتناسب مع حياة الطفل الكردي الذي ينشأ في أوروبا.

فالطفل اليوم يعيش في عالم سريع التطور، تحيط به الصور والألعاب الرقمية ومقاطع الفيديو والتطبيقات التفاعلية. وفي مدرسته الأوروبية يتعلمّ غالبًا من خلال الحوار والبحث والتجربة واللعب والعمل الجماعي. وعندما ينتقل إلى درس اللغة الكردية، قد يجد نفسه أمام طريقة تقليدية تعتمد على الحفظ والتكرار والنسخ، فيشعر بأن الدرس منفصل عن عالمه اليومي، كما تفتقر بعض المناهج إلى الفكاهة والقصص المصوّرة والأناشيد والألعاب والمواقف القريبة من حياة الأطفال. وبدل أن تصبح اللغة وسيلة للتواصل والاكتشاف، تتحول إلى مجموعة من الحروف والقواعد والكلمات التي ينبغي حفظها.

اختلاف معنى اللغة بين المعلّم والطفل

توجد فجوة نفسية مهمة بين الجيل الذي ناضل من أجل اللغة الكردية والجيل الذي وُلد ونشأ في أوروبا. فكثير من معلّمي اللغة الكردية هم في الأصل نشطاء سياسيون  عانوا القمع أو الاعتقال أو السجن بسبب دفاعهم عن هويتهم وحقهم في تعلمّ لغتهم. ولهذا تمثل اللغة بالنسبة إليهم قضية وجود وكرامة وانتماء وتضحية.

هذه النظرة مفهومة وتستحق الاحترام، لكنها ليست بالضرورة النظرة نفسها التي يحملها الطفل. فالطفل الذي يعيش في أوروبا لم يعش التجارب التاريخية والسياسية ذاتها، وقد يرى تعلمّ الكردية نشاطًا إضافيًا يشبه تعلمّ الموسيقى أو ممارسة الرياضة أو اكتساب لغة جديدة.

هنا ينشأ اختلاف في التوقعات: يطلب المعلمّ من الطفل أن يتعامل مع اللغة بجدية وقدسية، بينما يبحث الطفل عن المتعة والفضول والتواصل. وعندما لا يفهم الكبار هذا الاختلاف، قد يفسّرون تراجع اهتمام الطفل على أنه كسل أو ضعف في الانتماء، مع أن السبب الحقيقي قد يكون عدم ملاءمة الطريقة التعليمية لعمره ودوافعه.

إن الهوية لا تزُرع في نفس الطفل من خلال الشعور بالذنب أو التخويف من ضياع اللغة، بل من خلال بناء علاقة وجدانية إيجابية بها. فالطفل يحب اللغة عندما ترتبط لديه بالقصص والضحك والأصدقاء والنجاح واللحظات العائلية الجميلة

عندما تتحول اللغة إلى واجب مفرو ض

تلعب الأسرة دورًا أساسيًا في تكوين موقف الطفل من اللغة الكردية. غير أن بعض الأهالي يطالبون أبناءهم بتعلمّ القراءة والكتابة بالكردية، في الوقت الذي لا يستخدمون فيه اللغة بصورة منتظمة داخل المنزل، أو لا يتقنون هم أنفسهم القراءة والكتابة بها، وقد يلجأ بعضهم إلى الضغط أو المقارنة أو التوبيخ، مثل اتهام الطفل بأنه لا يحب أصله أو لا يحترم هويته إذا لم يرغب في حضور الدروس. لكن الإكراه غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ لأن الطفل يربط اللغة بالضغط والصراع والحرمان من وقته الحر.

من الناحية النفسية، يحتاج الطفل إلى الشعور بأن له دورًا واختيارًا في عملية التعلمّ. وكلما زاد الضغط الخارجي، ضعفت الدافعية الداخلية. وقد يحضر الطفل الدرس خوفًا من غضب والديه، لكنه لن يطوّر بالضرورة حبًا حقيقيًا للغة، لذلك ينبغي ألا تكون الكردية مجرد أمر عائلي مفروض، بل لغة حية تسُتخدم في الحديث واللعب والقصص والأغاني والزيارات والتواصل مع الأقارب. فالطفل يتأثر بما تمارسه الأسرة أكثر مما يتأثر بما تطلبه منه.

نقص التأهيل التربوي لدى بعض المعلّمين

لا تكفي معرفة اللغة أو الإخلاص لها لتعليمها للأطفال. فالتعليم مهنة تحتاج إلى معرفة بمراحل نمو الطفل، وطرق تحفيزه، وإدارة الصف، والتعامل مع الفروق الفردية، وصعوبات التعلمّ، والثنائية اللغوية.

وقد يكون المعلمّ واسع المعرفة باللغة والتاريخ والأدب، لكنه لا يمتلك الأدوات التربوية اللازمة لتحويل هذه المعرفة إلى تجربة تناسب الطفل. لذلك نرى أحيانًا دروسًا طويلة، وشرحًا نظريًا، وتصحيحًا متكررًا للأخطاء، وتوقعات مرتفعة لا تراعي أن الأطفال يتعلمون بسرعات مختلفة.

كذلك قد يتعامل بعض المعلمّين بجدية مفرطة، اعتقادًا منهم أن الانضباط الصارم دليل على قوة التعليم. لكن الطفل يحتاج إلى  .الأمان النفسي قبل أن يتمكن من المشاركة والتجربة. وإذا خاف من الخطأ أو السخرية أو التوبيخ، فسيفضّل الصمت والابتعاد.

يقارن الأطفال، بصورة تلقائية، بين معلّميهم في المدارس ورياض الأطفال الأوروبية وبين معلّمي اللغة الكردية. ففي المدرسة يلتقون غالبًا بمربين يستخدمون اللعب والحوار والتشجيع والعمل الجماعي، ويمنحون الطفل مساحة للتعبير وطرح الأسئلة واتخاذ بعض القرارات.

أما إذا وجد الطفل في درس الكردية أسلوبًا يقوم على الأوامر والحفظ والجدية والتصحيح المستمر، فسيرتبط الدرس لديه بالخوف والملل. ومع تكرار هذه التجربة، قد ينتقل شعوره السلبي من المعلمّ والطريقة إلى اللغة نفسها.

وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الهدف الأساسي هو تقريب الطفل من لغته، لكن الأسلوب غير المناسب قد يدفعه إلى تجنبها أو الشعور بأنها لغة صعبة وثقيلة. وقد يصل الأمر إلى رفض التحدث بها أمام الآخرين، ليس لأنه يكره هويته، بل لأنه كوّن ارتباطًا نفسيًا سلبيًا بتجربة تعلّمها.

 كيف يتعلم الطفل اللغة بصورة أفضل ؟

يتعلم الطفل عندما يشعر بالأمان والمتعة والقدرة على النجاح. ولذلك ينبغي أن تقوم دورات اللغة الكردية على المشاركة بدل التلقين، وعلى التواصل بدل الحفظ وحده.

يمكن استخدام القصص المصوّرة والمسرح والتمثيل والأغاني والألعاب الحركية والمسابقات البسيطة والتطبيقات الرقمية. كما يمكن إشراك الأطفال في اختيار الموضوعات التي يرغبون في تعلّمها، مثل العائلة والطعام والرياضة والحيوانات والأصدقاء والسفر والحياة اليومية.

وينبغي تقسيم الأطفال بحسب أعمارهم ومستوياتهم، لأن الطفل الذي يسمع الكردية يوميًا في منزله يختلف عن الطفل الذي يفهم بعض الكلمات فقط. كما يجب قبول اختلاف اللهجات الكردية والتعامل معه بوصفه ثراءً لغويًا، لا سببًا لتصحيح الطفل بصورة محبطة.

ومن الضروري أيضًا تدريب المعلّمين على التربية الحديثة، والتعليم القائم على اللعب، والتعامل مع الأطفال متعددي اللغات، وطرق تقديم الملاحظات دون إحراج أو تخويف.

إن إنقاذ تعليم اللغة الكردية في أوروبا لا يتحقق بزيادة الواجبات أو مطالبة الأطفال بمزيد من الالتزام فقط، بل يحتاج إلى مشروع تربوي متكامل تشارك فيه المؤسسات والجمعيات والمعلّمون والأسر.

نحتاج إلى مناهج حديثة ومتدرجة، ومواد رقمية جذابة، وتأهيل تربوي للمعلّمين، وتعاون مستمر مع الأهالي، وتقييم واقعي لقدرات الأطفال واحتياجاتهم. كما يجب الانتقال من خطاب التخويف من ضياع الهوية إلى خطاب يجعل الطفل يكتشف ما تضيفه اللغة إلى حياته.

ليس الطفل مسؤولًا عن تعويض ما تعرّضت له اللغة الكردية من قمع تاريخي، ولا يجوز تحميله عبء حماية الهوية بمفرده. مسؤولية الكبار هي أن يقدّموا له اللغة في صورة تجعله يرغب في الاقتراب منها.

فاللغة لا تبقى بالقوة، ولا تنتقل إلى الأجيال الجديدة باللوم والإكراه. إنها تستمر عندما تصبح جزءًا من الفرح واللعب والعلاقات والذكريات الجميلة. وإذا أردنا للطفل الكردي في أوروبا أن يحب لغته، فعلينا أولًا أن نجعل تعلّمها تجربة تستحق أن يحبها.

شارك هذا المقال: