من يملك إنجازات الكرد؟  من رأسمال الأحزاب إلى رأسمال المجتمع

شارك هذا المقال:

د. مسلم عبد طالاس

تتغير الظروف بسرعة حول الكرد في سوريا، وربما يكون من المفيد أن ننظر إلى المرحلة التي مضت بطريقة مختلفة قليلا. الإدارة الذاتية انتهت بصيغتها التي عرفناها، لكن المجتمع الذي عاش هذه التجربة لم يعد إلى ما كان عليه قبلها. هناك أناس تعلموا وأداروا مؤسسات ودرّسوا باللغة الكردية وعملوا في الإعلام والجامعات والإدارة والعمل المدني. هناك خبرة تراكمت، بصرف النظر عن رأينا في الجهة التي قادت التجربة.

ما يشغلني هو مصير هذه الخبرة.

لدينا عادة سياسية مكلفة جدا: عندما يتراجع طرف أو تتغير موازين القوى، نتصرف أحيانا وكأن كل ما ارتبط به يجب أن يرحل معه. الطرف الذي بنى المؤسسات يتمسك بها بوصفها جزءا من إنجازه، وخصومه يجدون صعوبة في الفصل بين نقده وبين النظر إلى ما تركه وراءه. والنتيجة أن جزءا من الخبرة التي دفع المجتمع ثمنها يضيع في الطريق.

قضية التعليم باللغة الكردية مثال جيد على ذلك. خلال السنوات الماضية تعلم آلاف الأطفال بالكردية، وعمل مدرسون في هذا المجال، ووضعت مناهج ومواد تعليمية، وتراكمت معرفة بالمشكلات العملية للتدريس. من المؤكد أن التجربة فيها الكثير مما يحتاج إلى مراجعة، وربما إلى تغيير جذري في بعض جوانبها. لكن لماذا نتصرف مع هذه الخبرة وكأنها تخص حزبا أو إدارة؟ لقد دفع المجتمع ثمنها، وهي ملك له.  لهذا أتابع باهتمام الحراك المتعلق بالتعليم باللغة الكردية في المرحلة الجديدة. وأتساءل خصوصا عن موقف القوى التي كانت خارج الإدارة الذاتية أو في خلاف معها. سيكون مؤسفا أن يبقى المجلس الوطني الكردي، مثلا، في موقع نقد ما فعلته الإدارة السابقة من دون أن يسأل في الوقت نفسه: ما الذي يمكن أخذه من هذه التجربة والبناء عليه؟  والسؤال نفسه يوجه إلى القوى التي قادت الإدارة الذاتية. هل تستطيع أن تقبل بأن المؤسسات والخبرات التي نشأت في عهدها لم تعد ملكا سياسيا لها؟ هل تستطيع أن تفتحها أمام آخرين، وأن تقبل بأن تتغير وأن يشارك في تطويرها أشخاص عارضوها سنوات طويلة؟.

بدأت أفكر منذ مدة بأننا نبالغ في قياس وضع الكرد من خلال قوة تنظيماتهم. نقول إن هذا الحزب قوي أو ضعيف، وإن هذه الإدارة توسعت أو تراجعت، وإن هذا الطرف أصبح أكثر تأثيرا في دمشق أو واشنطن أو أربيل. هذه أمور مهمة بالطبع، لكنها لا تخبرنا بما يحدث داخل المجتمع نفسه. قد يقوى التنظيم ولا يقوى المجتمع معه. وقد يخسر تنظيم موقعا سياسيا، بينما يترك وراءه مدرسين وإداريين ومؤسسات وخبرات وشبكات تجعل المجتمع أقدر على العمل في المستقبل. عندها لا تكون تجربته قد اختفت تماما. جزء منها تحول إلى قدرة يمتلكها الناس أنفسهم. هذا النوع من التراكم هو ما نفتقده كثيرا.

المجتمع يتعلم بالطريقة نفسها التي يتعلم بها البشر تقريبا: يجرب، يخطئ، يصحح، ويحتفظ بما نجح. والمشكلة تبدأ عندما لا يستطيع الاحتفاظ بما تعلمه. إذا كان كل حزب يبني مؤسساته لنفسه، وكل خصم يهدم أو يهمل ما بناه سابقه، فنحن لا نراكم خبرة. نحن نكرر التجربة وندفع تكلفتها مرة بعد أخرى.

ولهذا أيضا أجد التراشق المستمر بتهم الخيانة واللاوطنية أكثر خطورة مما يبدو. القضية ليست فقط أن شخصا يتعرض للإهانة أو أن حزبا يرد على حزب. المشكلة أن هذا النوع من الصراع يجعل التعلم من الخصم أمرا صعبا. كيف سأعترف بأن خصمي أنجز شيئا مفيدا إذا كنت قد بنيت شرعيتي السياسية على اعتباره خائنا؟ وكيف سأراجع خطئي إذا كان الاعتراف بالخطأ سيستخدم دليلا على خيانتي؟  بهذه الطريقة تصبح لدينا مشكلة أكبر من سوء الخطاب السياسي. نصبح أقل قدرة على التعلم من بعضنا.

ولست أدعو هنا إلى إنهاء الخلافات الكردية. هذا غير واقعي، ولا أعتقد أنه مطلوب أصلا. وجود أحزاب ومشاريع مختلفة أمر طبيعي. ما نحتاجه هو شيء أبسط: أن نتعلم الفصل بين الخصومة السياسية وبين ما راكمه المجتمع من خلال تجارب أطرافه المختلفة. يمكنني أن أعارض حزبا وأن أستفيد من مؤسسة ساهم في بنائها. يمكن للمجلس الوطني الكردي أن ينتقد تجربة الإدارة الذاتية وأن يدافع في الوقت نفسه عن المدارس والخبرات التي وسعت حضور اللغة الكردية. ويمكن للقوى التي قادت الإدارة الذاتية أن تقول إن الدفاع عن هذه المكتسبات لا يعطيها حق احتكارها. إذا استطعنا فعل ذلك، تبدأ الأشياء بالتراكم.

مدرسة تبني على مدرسة، وجامعة تستفيد من تجربة جامعة، وناشط يتعلم من تجربة ناشط سبقه، وحزب يدخل مؤسسة بناها خصمه ثم يطورها بدلا من أن يبدأ مؤسسة جديدة تحمل اسمه. ربما يبدو هذا أمرا بسيطا. لكنه في الحقيقة يتعلق بالطريقة التي يصبح بها المجتمع أقوى عبر الزمن. قوة المجتمع لا تظهر فقط عندما يكون لديه تنظيم قوي. تظهر أيضا عندما يستطيع أن يحتفظ بما تعلمه بعد تغير التنظيمات والقيادات والظروف.

لهذا أرى أن التعليم الكردي في سوريا سيكون اختبارا مهما في المرحلة المقبلة. ليس فقط لما ستقرره دمشق بشأنه، وإنما لما سيفعله الكرد أنفسهم بما لديهم من خبرة. هل نستطيع أن نتعامل مع ما تراكم خلال السنوات الماضية بوصفه ملكا للمجتمع، نراجعه ونصححه ونضيف إليه؟ إذا فعلنا ذلك، لن نحتاج في كل منعطف سياسي إلى العودة إلى نقطة البداية.

وربما تكون هذه واحدة من أبسط الطرق لفهم المصلحة الكردية: أن نترك لمن يأتي بعدنا مجتمعا يملك معرفة ومؤسسات وخيارات أكثر مما كان لدينا عندما بدأنا.

شارك هذا المقال: