يوغوسلافيا: لماذا عجزت الهوية السلافية المشتركة عن إنقاذ “دولة الحلم” من التمزق والاقتتال الأخوي؟!

شارك هذا المقال:

بروفيسور جون كونلي

ترجمة: كيڤورك خاتون وانيس

بُنيت الدول القومية الحديثة على فكرة بسيطة لكنها ثورية؛ مفادها أنها تمثل “الشعب”  بصورة أفضل من الكيانات التي انسلخت عنها -والتي كانت في الغالب إمبراطوريات. ومع ذلك، تواجه هذه الدول بعد قيامها تحدي التصدّي للمناوئين، إذ لا يكتب لها الاستقرار إلا بقدر قدرتها على قمع أي تيارات منافسة داخل حدودها ممن يزعمون أنهم الأجدر بتمثيل الشعب. وتشكل الدول القومية الناشئة قبل قرن من الزمان في أوروبا الشرقية نموذجاً جلياً لهذه الديناميكيات.

وتقدم الحالة اليوغوسلافية نموذجاً بليغ الدلالة في هذا السياق؛ إذ التأم شملها على عجل في أعقاب الحرب العالمية الأولى تحت مسمى “المملكة الدستورية للصرب والكروات والسلوفينيين”. بيد أن الدولة الناشئة سرعان ما اصطدمت بعقبات جمة، نظراً لأن المجموعات السكانية القاطنة على أراضيها قد خضعت تاريخياً لعهود إمبراطورية متباينة؛ حيث عاش البوسنيون وجلّ الصرب تحت وطأة الحكم العثماني، في حين خضع بقية الصرب وغالبية الكروات والسلوفينيين لسيادة آل هابسبورغ (حكام الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية : المترجم).

في بادئ الأمر، لم تكن فكرة جمع هذه الشعوب المتباينة في دولة واحدة سوى تصور نظري محض؛ إذ اختمرت في عقول رعيل من شباب المثقفين في أوروبا الشرقية إبان عشرينيات القرن التاسع عشر. وهؤلاء، بتأثرهم بأساتذتهم من الفلاسفة الألمان، باتوا على قناعة بأن الأمم ما هي إلا جماعات بشرية تلاحمت في خطوطها العريضة بفضل أواصر الثقافة واللغة المشتركة.

لقد أدرك هؤلاء المثقفون أن اللغة هي الرابط الوثيق بين شعوب السلاف الجنوبيين؛ فمن قرية إلى أخرى على امتداد شبه جزيرة البلقان، من النمسا وصولاً إلى البحر الأسود، كان السكان يفهمون بعضهم بعضاً، مما كان يوحي بجذور مشتركة تضرب في عمق القبائل السلافية التي استوطنت المنطقة في القرنين السادس والسابع. وكانت الأطروحات الفلسفية السائدة آنذاك تقضي بأن الشعوب التي تنطق بلسان واحد تجمعها روح واحدة؛ ومن هنا، بدت تلك المجموعات الصغيرة من السلاف الجنوبيين – التي تتحدث لغة عُرِفت لاحقاً بالصربية الكرواتية – وكأن القدر يسوقها حتماً لتشكيل الأمة اليوغوسلافية.

ولادة الدولة اليوغوسلافية
جاء تبلور الدولة اليوغوسلافية، التي طالما حلم بها القوميون، متسارعاً للغاية. ففي أعقاب تهاوي حكم آل هابسبورغ، استشعر السياسيون الكروات والسلوفينيون خطر المطامع الإيطالية والمجرية في أراضيهم، مما دفعهم للاستنجاد بالجيش الصربي لحمايتها. وفي أواخر عام 1918، حُسم الأمر بانضواء بلادهم تحت مظلة «مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين»، قبل أن تتاح الفرصة لمعرفة موقف الفلاحين السلوفينيين أو الكروات من الانضمام إلى هذا الكيان الجديد المترامي الأطراف. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن ضيق الوقت حال دون التفاوض على دستور كان بمقدوره منح هذه المجموعات هامشاً من الحكم الذاتي.

بحلول منتصف عشرينيات القرن الماضي، بات جلياً أن ركائز الدولة لم تكن على ما يرام؛ حيث تبلور حراك شعبي كرواتي ينادي بالانفصال الكامل. وذهب قادة الحراك إلى وصف الصرب بالفاسدين و” شرقيين طبعتهم الثقافة التركية بطابعها ” يتخذون من كرواتيا مطية لمصالحهم، مفضلين استدرار خيرات الكروات «الأرفع مدنية» بدلاً من شقاء العمل. وفي المقابل، لم يكد الصرب يعيرون هذه الشكاوى اهتماماً، بل كانوا يسارعون بالتذكير بأن يوغوسلافيا ما هي إلا صنيعة عقول كرواتية، وأن زعماء الكروات أنفسهم هم من خطبوا ود الصرب وتوسلوا إليهم لبناء هذه الدولة عام 1918.

الأمم في أصلها “مجتمعات متخيلة”، لكنها قبل كل شيء ليست سوى كيانات جماعية ينسج فيها الناس سردية مشتركة تُعرّف هويتهم. وبحلول عام 1925، بدا واضحاً أن السرديات التاريخية للصرب والكروات باتت على طرفي نقيض. ورغم أن الدولة اليوغوسلافية أديرت بقبضة مركزية من بلغراد الصربية على مدار جيلين متتاليين، إلا أنها عجزت تماماً عن صياغة سردية موحدة تذوب فيها الخلافات وتجمع شتات شعوبها؛ فلم يتبقَّ في جعبة هذه الدولة من أدوات البقاء سوى الاستعانة بالآلة الأمنية لقمع الحركات الاستقلالية.

بيد أن هذا الواقع أخذ في التغير في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حيث اندلعت حركات احتجاجية في صربيا، تلتها كرواتيا وسلوفينيا والبوسنة، مستلهمة السيناريو ذاته الذي سطرته الجماهير التي أطاحت بحكم فرديناند ماركوس في الفلبين. وفي خضم الفضاء السياسي المنفتح حديثاً، انبرى غلاة القوميين للمطالبة بحق الشعوب في حكم نفسها، مثيرين حقيقة أنه لم يسبق لأحد أن استفتى الكروات أو السلوفينيين حول رغبتهم في الانضواء تحت لواء يوغوسلافيا، وأن الوقت قد حان لمنحهم هذا الحق “الديمقراطي”.

متى تفككت يوغوسلافيا؟

اتسم تفكك يوغوسلافيا، على النقيض تماماً من الانفصال الهادئ لتشيكوسلوفاكيا في الشمال، بدموية مفرطة وعنف غير مسبوق، نظراً لأن الحدود الإدارية للجمهوريات لم تكن تتطابق مع التوزيع القومي للسكان. فعندما صوّت الكروات لصالح الاستقلال في ربيع عام 1991، سارعت المناطق ذات الأغلبية الصربية في شرق كرواتيا إلى إعلان استقلالها تحت مسمى «الجمهورية الصربية». وفي العام التالي، حذا الكروات والمسلمون في البوسنة الحذو ذاته باختيار الاستقلال، لتندفع الميليشيات الصربية في الاستيلاء على  الأراضي، وممارسة عمليات القتل والتهجير القسري ضد السكان غير الصرب، في جمهورية كانت أشبه بفسيفساء معقدة من القوميات. ومن رحم هذه الفظائع، شق مصطلح «التطهير العرقي» طريقه ليصبح تعبيراً شائعاً في القاموس السياسي الدولي.

لقد تمحور الخطاب القومي حول فكرة حاولوا غرسها في الأذهان، ومفادها أن مصير أي شعب سيبقى مهدداً ما لم يحتمِ بدولة قومية ذات حدود حصينة. ورغم تمسكهم بصناديق الاقتراع، فإن ممارساتهم كانت أبعد ما تكون عن روح الديمقراطية الليبرالية؛ إذ استغلوا الفضاء السياسي المتاح كمنصة لترويع الجماهير. ومع تدفق هذه المزاعم المتطرفة عبر منابر إعلامية موجّهة عرقياً، تحولت الأكاذيب إلى ” مسلّمات” فُرِضت على مشهد السياسة بأسره. حيث تم شحن وعي الصرب بإشاعات تزعم أن المسلمين يخططون لإقامة بوسنة “مطهّرة عرقياً” عبر انتهاك أعراض نسائهم واستعباد أطفالهم. وبحلول عام 1992، أضحى أنصار الوحدة اليوغوسلافية خارج سياق الزمن والواقع؛ فباتت طروحاتهم مجرد صيحة في وادٍ عجزت عن حشد أي نصير!

وهكذا، تشكّلت بين السلاف الجنوبيين ( الترجمة العربية لكلمة يوغسلافيا – المترجم) قصص الهوية الوطنية عبر الأجيال ولم تكن لها صلة تذكر بنوايا الوطنيين الرومانسيين الأوائل الذين تخيلوا يوغوسلافيا متناغمة. في نهاية المطاف، تبلورت النزعة العرقية إلى هوية وطنية استجابةً لتهديداتٍ زُعم أنها صادرة عن مجموعات سلافية جنوبية أُخرى، ليصبح السياسيون الأكثر شعبية هم أولئك الذين زعموا أنهم طوق النجاة الوحيد لشعوبهم من الهلاك.

إن وجه الغرابة في هذه العملية، وما يجعل التنبؤ بها ضرباً من المحال، هو كيف لتهديدات واهية أن تفجر أزمات بهذه الضخامة. فقد رُوِّج لـ “الخطر الإسلامي” على أنه قادم من كوسوفو المحدودة المساحة، والتي عاش فيها الصرب كأقلية بمنأى عن أي اعتداءات فعلية. (صحيح أن الإقليم كان جزءاً من السيادة الصربية في العصور الوسطى، بيد أن تركيبته السكانية تحولت عبر الزمن لتصبح ذات غلبة ألبانية). ورغم غياب الدليل، زعمت أرفع مؤسسة أكاديمية في بلغراد عام 1986 أن صرب كوسوفو يتعرضون لـ “تصفية عرقية”. وكانت هذه الشائعة هي الوقود الذي وظفه الديكتاتور الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش للصعود إلى سُدّة الحكم أواخر الثمانينيات، عبر تأجيج الحشود الغفيرة واستنفار مئات الآلاف في قالب صاغه تحت مسمى “إرادة الشعب”

هل كان بوسع يوغوسلافيا البقاء؟

غدا من الصعب اليوم تخيّل أي سيناريو كان بمقدوره إنقاذ يوغوسلافيا من مصيرها المحتوم، إلا في حالة استثنائية يتيمة؛ وهي أن تكون قد انضمت إلى الاتحاد الأوروبي قبيل بزوغ عهد السياسات الجماهيرية. ففي تلك الحالة، كانت ستنضوي تحت مظلة كيان إقليمي ضخم يزعم التوفيق بين مصالح أقاليمه المختلفة مع صون هوياتها المستقلة. ولعل وضع الكروات أو مسلمي البوسنة حينها كان سيشابه وضع الاسكتلنديين أو سكان أيرلندا الشمالية داخل المملكة المتحدة قبيل «البريكسيت»؛ حيث كان الانتماء إلى هذا الكيان الأكبر سيبدد، بلا شك، شعورهم بالاغتراب داخل يوغوسلافيا (التي كانت تُعتبر خاضعة للهيمنة الصربية).

لعل “البريكسيت” ( اتفاقية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – المترجم)  قد جعل مأساة أوروبا الشرقية أكثر فَهماً واستيعاباً في الأوساط البريطانية اليوم. فالآن، بات بمقدور سكان أيرلندا الشمالية واسكتلندا تلمّس حقيقة المشاعر التي خالجت الكروات والمسلمين في البوسنة عام 1992؛ حين وجدوا أنفسهم فجأة محشورين داخل اتحاد أضيق نطاقاً، يهيمن عليه شعب ذو تاريخ إمبريالي وتوسعي عدواني ، بما يجعل الإنجليز الوجه الآخر للصرب في هذه المعادلة. ومن هذا المنطلق، قد يدفع «البريكسيت» بريطانيا نحو عقلية سياسية أوروبية المنشأ، لكنها، وللأسف الشديد، نزعة محفوفة بمخاطر كارثية.

شارك هذا المقال: