الروايةُ الكرديّة السوريّة المكتوبة بالعربيّة.. المصطلح، الانتماء، التأثير

شارك هذا المقال:

محمود سعيد عيسى

ملخص:

تسجّل الرواية الكردية السورية المكتوبة باللغة العربية حضورها اللافت والمائز في المشهد الروائي السوري خاصة والعربي عامة كمًا وكيفًا، وهو حضور لم يلق الاهتمام المطلوب، وظلت غريبة عن عدد لا بأس به من الجمهور العربي، وظل لهذا الأدب مشكلاته مثل كثير من الآداب الأخرى التي تكتب بلغات أخرى، مثل: ما هو انتماء هذا الـأدب؟ أو ما المصطلح الأنسب لمثل هذا النوع؟ وما مدى تأثيره الإنساني على المجتمعات التي يكتب عنها أو يكتب بلغتها؟

ويحاول هذا البحث مناقشة قضية الرواية الكردية السورية المكتوبة باللغة العربية، وتوضيح أسبابها، والتوصل إلى تسمية اصطلاحية تصالحية مناسبة، مع الإشارة إلى بعض مواضيعها، وتأثير مثل هذا الأدب من الناحية الأدبية و الإنسانية.

الكلمات المفتاحية:

  الأدب الكردي المكتوب بالعربية، الأدب الخلاسي.

تمهيد تاريخي:

تعود علاقة الكرد بالعرب واللغة العربية إلى مرحلة قديمة جدًا، هي مرحلة- على الأغلب- سابقة للإسلام؛ فقد ظل قسم كبير  من

 العرب والكرد ضمن الإمبراطورية الساسانية ولفترة طويلة جدًا، لكن هذه العلاقة ظهرت بشكل واضح وجلي مع اعتناق غالبية الشعب الكردي الدين الإسلامي عام (18 هـ)، فأصبحت كردستان جزءًا من الدولة الإسلامية والأكراد جزءًا من نسيجها الاجتماعي خلال فترة زمنية مبكرة سبقت دخول كثير من الشعوب الأخرى، وانخرط الأكراد في الدولة الإسلامية الجديدة وساهموا في تشييد صرحها، وبرزوا في كثير من الميادين العلمية والدينية والعسكرية والإدارية.

 انكبّ الأكراد على تعلم اللغة العربية والكتابة بها؛ لكونها لغةَ القرآنِ الكريم أولًا، ثم لغةَ العلم والحضارة تاليًا ولمدة تزيد على ألف عام، وساهم الأكراد في انتشار اللغة العربية من خلال تأليف العلوم بها كابن خلكان و الدينوري، أو من خلال تقعيد قواعدها كابن الحاجب وغيره، كما ظلّ التعليم في المدارس الكردية التقليدية حتى عهد قريب (القرن التاسع عشر) باللغتين  العربية والكردية.

مع انتهاء الحرب العالمية الأولى 1917 وانتصار الحلفاء قُسّمت الدولة العثمانية وفق مصالح الدول الاستعمارية المنتصرة، والتي تجلت واضحة في اتفاقية سايكس – بيكو، ووقع جزء من كردستان في حدود الدول الجديدة الوليدة على أنقاض الدولة العثمانية، مثل تركيا والعراق وسوريا، ومع أن العلاقة مع الدولة التركية اتصفت بالعدائية نتيجة السياسة الكمالية، لم يكن الأمر كذلك في العراق وسوريا في البدايات؛ فقد فضّل الكرد أن يكونوا مع أخوتهم العرب في أول استفتاء قامت به سلطات الانتداب البريطاني في العراق، وشاركوا في تأسيس الدولتين الجديدتين: السورية والعراقية، وكانوا رائدين في تقديم التضحيات الغالية في سبيل حصول بلدانهم على الحرية من الاستعمار ولاسيما في العراق وسوريا، وبعد الاستقلال كانت لهم أدوار بارزة في إدارة وتطوير بلدانهم.

 لكن الحال تبدّلت مع صعود الحركات القومية العربية ولا سيما حزب البعث في العراق وسوريا، ثم استحواذ تلك الحركات على السلطة من خلال الانقلابات العسكرية، وتاليًا انتهاجها سياسة عنصرية معادية للشعب الكردي ساعيةً إلى صهره وتعريبه بشتى الوسائل كالتهجير القسري والإبادات الجماعية، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا، مع منع أي تداول للثقافة واللغة الكردية بشكل رسمي، وما صدر بالكردية أو بالعربية ” كانت سرية وممنوعة من النشر والتداول، بل ويتعرض مؤلفها وناشرها وقارئها إلى الاعتقال والسجن”([1])

ومن المضحك المبكي أن دعاة الشوفينية العربية اقتدوا في بعض أسوأ ممارساتهم بالممارسات الصهيونية العنصرية؛ فيقترح الضابط البعثي (محمد طلب هلال) رئيس شعبة المخابرات السياسية بالحسكة عدة مقترحات للقضاء على الوجود الكردي، منها المقترح “:” 10 – إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تُسكنهم الدولة في الشريط الشمالي على تكون هذه المزارع مدرّبة ومسلّحة عسكريًّا كالمستعمرات اليهودية على الحدود تمامًا”([2]). وقد تم تنفيذ بنود السياسة، ومورست سياسة معاداة للغة الكردية، وعوقب من يكتب بها بالسجن والتنكيل، لذا اضطر الأدباء الأكراد إلى الكتابة باللغة العربية اضطرارًا أو على الأقل لم يملك أحد منهم – ولاسيما في سوريا-  حق تعلّمها والكتابة بها اختيارًا؛ فـ” عندما أصبحت اللغة العربية لغة الدولة والمجتمع ولغة الثقافة لم يبق خيار لغالبية المثقفين والمبدعين الكرد سوى الكتابة باللغة التي تعلموها في المدارس الرسمية والتي شكلت بنيتهم الفكرية والثقافية باستثناء قلة قليلة من الكتاب والمثقفين والسياسيين الذين تصدوا لسياسات التعريب وبقوا متواصلين سرًا مع لغتهم، ومن ثم الكتابة بها”([3])

تعددت الإجراءات التضييقية على استخدام اللغة الكردية في الفضاء العام، وأصدرت عدة قوانين استهدفت تمزيق الوجود الكردي في سوريا وتذويبه ومنع أي تداول أو نشر باللغة الكردية؛ فمن تجريد آلاف الأكراد من الجنسية السورية بموجب إحصاء استثنائي لمحافظة الحسكة 1962، إلى تعريب أسماء المدن والقرى الكردية وفق الأمر الإداري 15801 من العام 1977، ومنع استخدام اللغة الكردية بموجب مرسوم صدر عام 1986، وحظر الأغاني الكردية، ومنع تسجيل المواليد الكرد بأسماء كردية منذ العام 1992 وغيرها.

كانت سياسية التعريب إساءة كبيرة للغة العربية؛ فحصرُ اللغة العربية على فئة إثنية واحدة سلبَها محتواها الحضاري الذي تمثّلته مدةَ ألف عام ظلت فيها لغة الدين والعلم والحضارة، ورغم تلك المحاولات العنصرية كلها لم يضعف أو يفتر حضور اللغة العربية في قلوب الأكراد ووجدانهم باعتبارها لغة القرآن الكريم والدين الإسلامي، كما مثّلت لغة تعلم المعارف والعلوم الجديدة، ولغة التعبير الممكنة عن أنفسهم وقضيتهم بعد منع اللغة الكردية وخاصة في سوريا، وبدرجة أقل في العراق؛ لأن اللغة الكردية كانت في العراق معترف بها رسميًا، فضلًا عن أن اللغة العربية لغةٌ تمتلك خصائص جمالية وبلاغية عالية وتقوم وطيدة الأركان على تراث هائل من الإنتاج المعرفي، كما أن ” كتابة هؤلاء باللغة العربية أو غيرها فتحت لهم الطريق نحو الانتشار الأكثر فضلًا عن تنوع القرّاء، وعدم البقاء ضمن عدد معين من القرّاء مما يسهم – وهذا ما نتمناه – أن يصل به كُتابنا بالرواية الكردية سواء كتبت باللغة الكردية أم باللغة العربية إلى العالمية كما حصل لكتاب الرواية العربية”([4]).

ونتيجة للأسباب السابقة فقد برز عدد من الكتاب الكرد الذين يكتبون باللغة العربية لكنهم في الوقت نفسه يعبرون عن قضيتهم وهويتهم وانتمائهم، ويلخص الكاتب (صبري رسول) – وهو أحد الذين يكتبون بالعربية علاقته باللغة العربية وسبب كتابته بها، ويكاد ينطبق ما ذكره على جلّ الكتاب الكرد الذين يكتبون بالعربية، فيقول الكاتب صبري رسول في موقع (ولاتي مه): “واللّغة العربية بثرائها، وغناها، وبمفرداتها الزَّاخرة، هي بالنسبة لي، الأداة التَّعبيرية الوحيدة التي أنقشُ بها حالتي، فأرسمُ كرديَّتي باللّغة العربية”([5]) .  

الرواية الكردية باللغة العربية:

ويعود اهتمام الكتاب الكرد بالرواية إلى أسباب كثيرة منها: أنه نوع من التفاعل مع الأدب والنقد العربي المعاصر الذي طغت عليه الرواية إنتاجًا ونقدًا، فقد “اغتدى لهذا الجنس الأدبي في الأدب العربي المعاصر شأن، لا تطمع في الحِظَة به الأجناس الأدبية الأخرى التي على جِدتها -كالمقالة، والقصة، والنقد الأدبي، والمسرحي- كأنها بالقياس إلى جنس الرواية إما أنها تدرُج في مهدها، وإما أنها تتوارى في لحدها”([6]).

وربما يعود لأسباب اجتماعية ومسوغات تاريخية؛ فالرواية كفن نثري يعبّر عن توتر وتناثر العلاقات الاجتماعية في العصر الحالي ([7]).

فضلًا عن أن الرواية تمتلك إمكانية الاستفادة الواسعة من فنون أدبية عديدة، فهي البوتقة التي تصهر داخلها خصائص وميزات الفنون الأخرى؛ فالشعر الذي ظلّت له المكانةُ الأسنى في الأدب العربيّ على مرّ العصور تراجعَ أمام الرّواية ليفسح لها المجال بعد أن أخذت منها الرواية إحدى أخصّ خصائصها وهي اللغة الشعرية من خلال استخدام لغة قريبة من لغة الشعر كما في الروايات الرومانسية، بل غدت المقولة المتواترة ” الشعر ديوان العرب” – ولاسيما في العصر الحديث- محل جدل كبير، وأخذت الرواية من الأساطير والحكايات الشعبية كما أخذت من واقع الحياة، وتتقاطع مع المسرح من خلال تقديم شخصيات جادّة أو هزلية، أو من خلال الاعتماد على الحوار كعنصر من عناصر بنائها، فضلًا عن استفادتها عن شقيقاتها السردية الأخرى فتأخذ من القصة القصيرة سماتها كالتكثيف أو توظيف اللغة الإيحائية، بل لم تألُ في الاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة مثل: الجرائد – لا سيما في بداية القرن الماضي – والتلفزيون والسينما، لتكون وسيلتها إلى جمهور عريض من المتلقين.

وعند الحديث عن الروائيين الكرد الذين يكتبون بالعربية نخص بذلك الروائيين الكرد في سوريا والعراق؛ ومع أن الرواية الكردية باللغة الكردية ظهرت مبكرًا على يد الروائي (عرب شمو) في روايته (الراعي الكردي 1930م) إلا أن مثيلتها الكردية التي كتبت باللغة العربية ظهرت متأخرة نتيجة الظروف السياسية التي مرّ بها الأكراد خلال القرن الماضي، لكن تأخرها لم يمنع أن تلحق بها محاولة إلى إحداث شخصية خاصة بها، وإن كان هناك بداية واضحة إلى حدّ ما للرواية الكردية بالعربية في كردستان العراق نتيجة السماح بدراسة الأدب الكردي([8]) ([9])، إلا أن هذا غير واضح تمامًا بالنسبة للجزء السوري، ومع توجيه السؤال عن أول رواية كردية سورية باللغة العربية لعدد من الأكاديميين والنقاد والروائيين أمثال: د. خالد حسين، والروائي والناقد إبراهيم يوسف، والروائي هوشنك أوسي، والناقد والروائي عبدالباقي حسيني وهم جميعًا ممن يشتغلون في هذا المجال، رجح كل من الدكتور خالد حسين والناقد عبد الباقي يوسف أن تكون رواية “فقهاء الظلام 1985م” لسليم بركات هي أول رواية كردية سورية كتبت باللغة العربية. (حسين، خالد، الاتصال الشخصي، 4 أبريل، 2022) (حسيني، عبدالباقي، الاتصال الشخصي، 4 أبريل، 2022)، ويرى الأستاذ عبد الباقي حسيني أن ترجمة بعض الروايات الكردية مثل رواية (الجبال المروية بالدم 1978) للكاتب بافي نازي قد سجلت حضورًا في المشهد الكردي السوري قبل تسجيل روايات مكتوبة بالعربية مثل روايات سليم بركات، بينما يرى الروائي والناقد إبراهيم يوسف أن قصة (مم وزين) للشاعر الكردي (أحمد خاني 1650-1707م )التي ترجمها الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بأسلوبه الخاص عام 1957م (كنص أدبي رفيع مائز، مخترق للأجناس الأدبية، ويحمل ملامح وصفات تدنيه من عالم الرواية) (يوسف، إبراهيم، الاتصال الشخصي، 4 أبريل، 2022) وهو ما ذهبت إليه عدد من الدراسات الأكاديمية لها، وقد أشار البوطي نفسه في مقدمة الرواية إلى أن رواية ممو زين قد تكون أول عمل كردي أدبي باللغة العربية “لعل هذه الصفحة التي أقدمها إلى المكتبة العربية من الأدب الكردي هي أول صفحة تلامس أعين القراء من تاريخ هذا الشعب… بل ولعل كثيرًا منهم سيعجب إذ يرى أن للأكراد نصيبًا وافرًا كبقية الشعوب من تاريخ الأدب والحضارة”([10])

إن هذا النوع من الكتابة الذي سلكه الأدباء الكرد – مضطرين أو مختارين- ظهر معه إشكالية تحديد هوية ذلك الأدب، وقد انقسمت الآراء تجاهه إلى عدة آراء:

الأول: يعدّه أدًبا كرديًا باعتبار منتجه ومحتواه؛ فنجد فيه الروح الكردية، ومحتواه مستمد من البيئة الكردية، ويتناول- في جُلّه – القضية الكردية، ويرى أصحاب هذه الدعوى أن الذي يحدد هوية الأدب محتواه وغايته لا التعبير اللفظي عنه، وأن اللغة – على أهميتها – هي عنصر من عناصر الأدب، ويؤكد الناقد الدكتور خالد حسين (دكتور في الأدب والنقد العربي) على كردية هوية هذه الروايات في سياق دراسته عن رواية “عشبةٌضارّةٌفيالفردوس، 2018 للرِّوائيّ هيثم حسين، فيقول: ” في سياقِ مَنْفاهَا اللسانيِّ تنزعُ أو تحاولُ “الرِّوايةُ الكرديّةُ” المكتوبةُ بالعربيةِ [في ظلّ إبادةٍ ممنهجةٍ للغةِ الكرديةِ بمنع أيّ حضور لها في المؤسساتِ التعليميةِ ناهيكَ عن أي اعترافٍ بها في الدّسْتور السُّوري] تنزع هذه الرواية إلى إحْدَاثِ اختلافها أسلوبًا، ثيماتٍ، زمكانًا، استراتيجياتٍ وقوىً نصيّةً ” ([11])، ويرى السيد صالح جعفر” إن إهمال هذا الأدب هو خسارة وحرق لمرحلة مهمة على الساحة الثقافية الكردية اتسمت بالغزارة والتنوع” ([12])، وجدير بالذكر أن الأدب المكتوب عن بيئات أو موضوعات لا تتناول البيئة الكردية أو القضية الكردية بصلة كتبه أدباء من أصول كردية لا يندرج تحت هذا الأدب كروايات الروائي (غائب طعمة فرمان) الذي عالج في رواياته المجتمع البغدادي([13]).

ويؤيد هذا الطرح عدد من النقاد والروائيين الكرد الذين تواصل معهم الباحث من خلال الرسائل الإلكترونية؛ فالناقد والروائي إبراهيم يوسف يرى:( أن الرواية التي يكتبها الكردي بالعربية، أو الإنكليزية، أو الفرنسية، أو بأية لغة أخرى يجيد الكتابة بها تظلّ كردية، لطالما إن روحَها كردية، ولطالما إنّ مؤلفها يكتبها ككردي، وفيها ملامحه. ملامح بيئته، فسليم بركات، في رواياته ليس إلا كرديًا، حتى وإن كانت هناك أعمال روائية أنجزها وتتناول ما هو عام). (إبراهيم يوسف، الاتصال الشخصي، 4 أبريل، 2022).

الثاني: يعدّه أدبًا عربيًا باعتبار معيار اللغة التي يكتب بها، ويرون أن اللغة هي الحبل السُّريّ الذي يربط روايةً ما بالثقافة الأم، ويؤكد عدد من الكتاب أنفسهم مثل الروائي حليم يوسف والروائي جان دوست الذي يقول في أحد الحوارات السابقة (2010م) حول ما يكتبه الأدباء الأكراد بلغات أخرى هل يمكن اعتباره أدبا كرديًا أم لا؟ :” إن شئنا أن نبحث للأدب عن هوية، فلا بد من أخذ اللغة بعين الاعتبار، في اعتقادي أن هذه الإشكالية باتت من الأمور والقضايا التي تم حسمها في عالم الأدب، اللغة هي الأساس في تحديد هوية المولود الأدبي” ([14])

ويذهب بعض النقاد إلى أبعد من ذلك؛ فيعدون مثل هذا الأدب خطرًا على الأدب واللغة الكردية لأنه جاء نتيجة الانصياع للسياسات التضييقية التي مورست تجاه اللغة الكردية، كما أن الاستمرار في الكتابة بلغات أخرى غير الكردية سيؤدي – مع مرور الزمن – إلى إقصاء اللغة الكردية عن ميادين مهمة مثل الأدب واقتصارها على الجانب الشفاهي.

هذه الإشكالية المطروحة ليست مقتصرة على الأدب العربي الذي يتناول القضية الكردية أو الأدب الكردي الذي يكتب بالعربية، فهي تشابه إشكالية الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، أو أدب دول أمريكا الجنوبية التي تُكتَب باللغة الإسبانية.

ويبدو أن جذور هذه القضية في الثقافة الكردية تعود إلى قرون خلت عندما بدأ عدد من الشعراء الكرد مثل ملايي جزيري (Melayê Cizîrî‏) (1570-1640) وأحمد خاني (Ehmedê xanî) (1650-1707) يكتبون بالكردية ليبرزوا قدرة اللغة الكردية على أن تكون لغة شعر مثل العربية والفارسية.

ولا يعني طرح المثال على وجود تطابق الحال، فمن المؤكد أن الكرد – في غالبهم- لا ينظرون إلى اللغة العربية على أنها لغة محتلّ أو مستعمر، فهي تحمل في نفوس الأكراد بعدًا وجدانيًا عميقًا مستمدًا من كونها وعاء الوحي الإلهي الذي يدين به غالبية الأكراد، ويظهر ذلك جليًا من انكبابهم عليها دراسةً وتأليفًا ورعايةً والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فنجد الكاتب جان دوست يقول في معرض ردّه على سؤال:( لماذا لم تكتب مثل الكثيرين من أقرانك باللغة العربية؟):”آثرت أن يكون الإبداع الذي أجترحه بلغة أمي وأبي، لكنني بقيت وفيًا للغة العربية في مضمار آخر وهو البحث الأدبي والترجمة، أعشق اللغة العربية وأنا مدين لها إلى الأبد” ([15])

لذا سنجد الكاتب جان دوست بعد كتابة عدة روايات باللغة الكردية يعود إلى اللغة العربية فيؤلف بها، معتذرًا بقوله:” لقد ظلمت اللغة العربية”، معتبرًا إياها لغته “الأم” الثانية إلى جانب لغته “الأم” الأولى: الكردية؛ فيقول في أحد لقاءاته مع قناة سكاي نيوز حول علاقته باللغة العربية:” أجد نفسي شخصًا بروحين، بعد أربع روايات كردية شعرت أني ظلمت اللغة العربية، أهملتها قصدًا لدوافع قومية… عندما انتقلت إلى الكتابة بالعربية اكتشفت عالمًا جديدًا واسعًا” ([16]) وهو ما ذهب إليه هوشنك أوسي في لقاء مع قناة العربي 2 الذي عد اللغة العربية لغته الأم الثانية([17]).

يرى الباحث أن نطلق على هذا الأدب اسم “الأدب الخِلاسيّ” وهي تسمية من اقتراح الباحث، تُطلق للمرة الأولى على هذا النوع من الأدب في الدراسات النقدية، فخلس في معناها اللغوي تدلّ على الاختلاط والامتزاج؛” وقولهم: أخلسَ رأسُه، إذا خالط سوادَه البياضُ، وكذلك أخلسَ النبتُ، إذا اختلط يابسُه برَطْبه”([18])، وجاء في لسان العرب:” والخِلاسيُّ: الولدُ بين أبيضٍ وسوداءَ أو بين أسودٍ وبيضاءَ… والخِلاسيُّ من الدّيكة: بين الدّجاج الهنديّة والفارسيّة” ([19])، وبهذا تتحوّل الكلمة دلاليًا؛ لتدلّ على كل أدبٍ كُتِب بلغةٍ ما ولكنّ محتواه يتناول أهل لغة أخرى والمكانَ الذي يعيشون فيه وثقافَتَهم ويتبنى قضاياهم.

ولا شك أن هذا الأدب يحمل رسالة تعارف لكل من يقرأ ويكتب بالعربية: عربًا وأكرادًا، فيقول الكاتب جان دوست عن رسالة أدبه: “الكُرد أقرب جيران العرب لهم، وقد آن الأوان للتعرف عليهم ومدّ جسور المحبّة مع هذا الشعب المحبّ للحرية والسلام…” ([20])

ويقول في لقاء معه على موقع هسبريس: “جميلٌ أن يتعرّف القارئ العربي على فكر وفلسفة الشاعر أحمد خاني، صاحب “مم وزين”، جميل أن يتعرّف على دفء كلمات الشاعر الجزري ونالي، وكذلك على كثير من نصوص الكرد الجميلة. التلاقح الثقافي يخفف من العنصرية والكراهية. بالتأكيد لا أدعو إلى هللينية معاصرة، لكنني أطالب بفتح النوافذ حتى لا تخنقنا رائحة الكراهية والعنصرية وإلغاء الآخر لمجرد اختلافه عنّا” ([21])

وانطلاقًا من النقطة السابقة فإن عرض رواية الكردي ورؤيته عن الأحداث على العربي يمثل جانبا من الكفاح الكردي، إنه الكفاح ضد سياسات الإلغاء والطمس والاستبداد، كما أن قراءة العربي لرواية الآخر الكردي باعتبارها رواية لحدث ما -وإن كانت مخالفة لاعتقاداته- تمثّل اعترافًا من القارئ بأنها رواية-رؤية مساوية لروايته- أو على الأقل لها الحق في أن تُقال؛ وقراءة رواية الآخر بغض النظر عن مدى تفهمها تمثل في حدها الأدنى اعترافًا بصاحبها، لذا كانت الروايات الكردية باللغات الأخرى ومنها العربية هي دفاع عن القضية الكردية ومحاربة على جبهة الفكر للتأثير في معتقدات ووجدان القارئ العربي أو ربما تغييرها.

من ناحية أخرى تمثل هذه الروايات رافدًا للأدب العربي تقوم بإغنائه من ناحية الموضوعات، ومن ناحية الصور والأخيلة والأساليب؛ فنجد كثيرًا من الصور التقليدية والمبتكرة والكنايات والدلالات تدخل إلى الأدب العربي واللغة العربية، ففي رواية “ثلاث خطوات إلى المشنقة” نجد أن الحجل وهو رمز شهير للخيانة في الموروث الكردي يرد في النص لتصوير قاسم بيك الذي وشى بالشيخ وتسبب باعتقاله وهو عديل الشيخ يأتيهم بالطعام ليرصد تحركاتهم:” أخيرًا مال بطربوشه قليلًا ثم أسرع ليقف في الأمام نافخًا صدره مثل طائر حجل. قال للمصوّر وهو يرخي يديه: – صوّرني معهم. طار سرب من طيور الحجل من تحت سترة قاسم بيك”([22]).

وفي نظرة مسحية إلى هذا الأدب نجد فيه نفَسًا إنسانيًا عميقًا، محملًا بمعاناة الأكراد وحلمهم في وطن حرّ، يعيدون إنتاج التاريخ ليقفوا على أسباب مأساتهم، يلجؤون للرمز تماشيًا مع حالة أدب كردي الذي ظل مقموعًا لعقود فلجأ إلى الرمز يواري به تعبيره الأدبي.

استطاع الروائي الكردي أن يخرج من حدوده المحلية ويمد جسور التواصل مع القراء العرب وغيرهم، لما تحمله هذه الروايات من محتوى يناهض الظلم ويدعو للإخاء، مع امتلاك قويّ لزمام اللغة، وعمق التجربة، ووعي ناضج بتقنيات الرواية الحديثة.

ومن الجدير بالذكر أن هناك كتّاب كرد كُثر سجلوا حضورًا قويًا في الساحة الروائية العربية، على سبيل المثال لا الحصر: سليم بركات الذي وصل إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2020 (* [23])، وهوشنك أوسي الذي فازت روايته “وطأة اليقين محنة السؤال وشهوة الخيال” بجائزة كتارا للرواية العربية الدورة الثالثة (2017م) عن فئة الروايات المنشورة، وجان دوست الذي وصلت روايته (مخطوط بطرسبورغ) للقائمة الطويلة من جائزة الشيخ زايد للرواية  عام 2022 م، ووصول روايته (إنهم ينتظرن الفجر لقائمة الـ 60 في فئة الروايات المنشورة في جائزة كتارا للرواية العربية – الدورة التاسعة 2023م، ومها حسن التي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) مرتين (2011) و(2015) من خلال روايتيها “حبل سري” و”الراويات”، ونزار آغري الذي وصل للقائمة الطويلة من الجائزة السابقة  عام 2022م عن روايته (البحث عن عازار)، وهيثم حسين، وإبراهيم اليوسف ، وغيرهم.

وأخيرًا، فمع انقسام أوساط النقاد والأدباء حول هوية الأدب الروائي الكردي في سوريا المكتوب بالعربية إلا أنهم اتفقوا على أهميته وأثره في التعريف بالكردي إنسانًا وتاريخًا وقضيةً لأخيه العربي جاره في الجغرافيا وأخيه في الدين وشريكه في التاريخ والوطن، وقد يكون إطلاق مصطلح جديد اقترحه الباحث هو الأدب (الخِلاسيّ) تسمية مناسبة لتلك المنطقة التي يتقاطع في الأدب الكردي روحًا ومُنتِجًا مع الأدب العربي لغةً وتلقيًا، مع ضرورة إلقاء مزيد من الضوء على هذا الأدب في التظاهرات الأدبية العربية كمعارض الكتب أو تخصيص جزء من الدوريات العربية لمثل هذا الأدب أو تخصيص فرع لمثل هذا النوع من الأدب في مسابقات الرواية العربية المعتبَرة كجائزة كتارا أو (البوكر العربي) وغيرها، كنوع من التقدير لمثل هذا الأدب الذي يحاول دمج فضائين ثقافيين في منتج أدبي مميّز.

المراجع:

  1. بوعزة، محمد،تحليل النص السردي، ط1،  المغرب الرباط،: دار الأمان، (2010م).
  2. جعفر، صالح،  الأدب الكوردي المكتوب باللغة العربية، مجلة القلم الجديد، العدد102، فبراير 2021.
  3. جان دوست،  ثلاث خطوات إلى المشنقة، ط1، بيروت، لبنان: دار الساقي، (م2017).
  4. الخاني، أحمد، ممو زين، ترجمة: محمد سعيد رمضان البوطي، د.ط، دمشق، دار الفكر 1957م.
  • ابن فارس، أحمد بن زكريا بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: د عبدالسلام محمد هارون، الجزء الثاني، ط1، دار الفكر(1979)
  • علي، ميديا نعمت، المنجز العربي للروائيين الكرد، دراسة في البنية السردية 2008-2013 (ط1)، دمشق: دار تموز للطباعة والنشر، 2016م.
  • مرتاض، عبدالملك، في نظرية الرواية، ط1، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، (1998).
  • ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، لسان العرب، تحقيق:  أمين محمد عبدالوهاب، محمد الطادق العبيدي، ط3،  بيروت، لبنان، دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، 1999م.
  • نواف، ميسلون نوري، المنجز العربي للروائيين الكرد العراقيين، دراسة في روايات ما بعد الحداثة، ط1، العراق: رؤى للطباعة والنشر، 2019م.
  • هلال، محمد طلب، دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية، د.ط، د.ن، 1962م.

الدوريات والمجلات

  1. بوركة، عز الدين، جائزتنا. مجلة الدوحة، العدد 149، مارس، 2020.

مراجع شبكة الإنترنت

  1. رسول، لماذا أكتبُ باللُّغة العربيَّة؟، https://2u.pw/f4vNw
  2.   ينظر: حسين، عشبةٌ ضارّةٌ في الفردوس – العنوان، الميْتَاسَرد، وخِطاب السُّلطة،  https://2u.pw/YnylA
  3. جان دوست، الرواية الكردية متعثرة بـ«حجر الآيديولوجيا والهم القومي»، http://www.welateme.net/cand/modules.php?name=News&file=article&sid=3148#.X-C7idjXKUk
  4. مقابلة مع الروائي الكردي جان دوست في برنامج ضيف حديث العرب، من خلال فضائية سكاي نيوز، نشر اللقاء على موقع يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=644Eish4YKk
  5. مقابلة مع الروائي الكردي هوشنك أوسي في برنامج متون وهوامش، من خلال فضائية العربي 2، نشر اللقاء على موقع يوتيوب: https://youtu.be/Z_U1mIOsfsw
  6. سمير، رشا، ثلاث خطوات إلى المشنقة، الرابط: https://2u.pw/rkghS
  7.   جان دوست، الكراهية تمتد في التراث والتاريخ، https://2u.pw/g1Ab

(([1] جعفر، الأدب الكوردي المكتوب باللغة العربية، مجلة القلم الجديد، ع 102، ص4.

([2]( هلال، دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية، د.ط، ص 52.

([3]) جعفر، الأدب الكوردي المكتوب باللغة العربية، مجلة القلم الجديد، ع 102، ص4.

([4]( علي، المنجز العربي للروائيين الكرد دراسة في البنية السردية 2008-2013، ط:1،صفحة 28.

([5]) رسول، لماذا أكتبُ باللُّغة العربيَّة؟، https://2u.pw/f4vNw

([6](  مرتاض، في نظرية الرواية، ط1، صفحة 22.

([7](  يُنظَر: بوعزة، تحليل النص السردي، ط1، الصفحات 15-17.

([8](  يُنظر: علي، المنجز العربي للروائيين الكرد، دراسة في البنية السردية من 2008- 2013م، ط1، ص 25 . حيث رجحت الباحثة أن أول روائي كردي عراقي كتب الرواية باللغة العربية هو عبد المجيد لطفي، عن روايته (قلب أم ) طبعت في بغداد، مطبعة الصباح، عام 1944.

([9](  يُنظر: نواف، المنجز العربي للروائيين الكرد العراقيين، دراسة في روايات ما بعد الحداثة، ط1، ص 32 .

([10](  الخاني، أحمد، ممو زين، ترجمة: محمد سعيد رمضان البوطي، د.ط، صفحة 5.

([11](  ينظر : حسين، عشبةٌ ضارّةٌ في الفردوس – العنوان، الميْتَاسَرد، وخِطاب السُّلطة،  https://2u.pw/YnylA

([12](  جعفر، الأدب الكوردي المكتوب باللغة العربية، مجلة القلم الجديد، ع 102،  صفحة 4.

([13](  ينظر: علي، المنجز العربي للروائيين الكرد، دراسة في البنية السردية من 2008- 2013م، ط1، ص 26-27 .

([14]( جان دوست، الرواية الكردية متعثرة بـ«حجر الآيديولوجيا والهم القومي»، http://www.welateme.net/cand/modules.php?name=News&file=article&sid=3148#.X-C7idjXKUk

([15](  جان دوست، الرواية الكردية متعثرة بـ«حجر الآيديولوجيا والهم القومي»، http://www.welateme.net/cand/modules.php?name=News&file=article&sid=3148#.X-C7idjXKUk

([16](  مقابلة مع الروائي الكردي جان دوست في برنامج ضيف حديث العرب، من خلال فضائية سكاي نيوز، نشر اللقاء على موقع يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=644Eish4YKk

([17](  مقابلة مع الروائي الكردي هوشنك أوسي في برنامج متون وهوامش، من خلال فضائية العربي 2، نشر اللقاء على موقع يوتيوب: https://youtu.be/Z_U1mIOsfsw

([18](  ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، الجزء الثاني، ط1، صفحة 208.

([19]( ابن منظور، لسان العرب، ط 3، مجلد 4، صفحة 173.

([20](  سمير، رشا، ثلاث خطوات إلى المشنقة، الرابط : https://2u.pw/rkghS

([21](  جان دوست،  الكراهية تمتد في التراث والتاريخ، https://2u.pw/g1Ab

([22](  جان دوست،  ثلاث خطوات إلى المشنقة، ط1، صفحة 212.

([23])  لا يرى كثير من النقاد أن إنتاج سليم بركات الذي لم يتوج إلى الآن بجائزة مع ما تركه من أثر في الأدب العربي يغمز من قناة تلك الجوائز؛ فيتساءل المترجم كاميران حوج:” هل حصول بركات على جائزة ما يرفع من قامته الأدبية وعدم حصوله عليها يبخسه حقه، أم أن قامته هي التي ترفع من شأن تلك الجائزة؟ ” (حوج، بركات والجوائز الأدبية، مجلة الدوحة، ع 149 ، صفحة 57)، أما الناقد عز الدين بوركة فيقول:” كبير هو على الجوائز، كل الجوائز، بل هو جائزتنا التي حظينا بها، يكفي أن نقرأه لنفوز. وهو، إذ يكتب، يطعن عميقًا في بطن كل جائزة تحسب نفسها حَكَمًا عليه” (بوركة، جائزتنا. مجلة الدوحة، ع 149 ، صفحة 58)

شارك هذا المقال: