كيف نجت بريطانيا من التطرف الأيديولوجي في ثلاثينيات القرن العشرين؟ (1)

شارك هذا المقال:

بروفيسور ألوين تورنر

ترجمة : كيڤورك خاتون وانيس

هل نحن في عصر الديكتاتوريات؟ تساؤلٌ طرحه الصحفي المخضرم السير سيدني لو في سبتمبر/أيلول 1923، متزامناً مع الانقلاب العسكري الذي قاد ميغيل بريمو دي ريفيرا إلى سدّة الحكم في إسبانيا. في تلك الآونة، كان بينيتو موسوليني يرسخ أركان نظامه الفاشي في إيطاليا، ومصطفى كمال أتاتورك يُرسي دعائم الجمهورية التركية الوليدة، بينما بلغت الاضطرابات النازية بقيادة هتلر ذروتها في ألمانيا. دفعت هذه التطورات مجتمعةً هذا الصحفي إلى التساؤل عما إذا كان العالم يشهد “انحداراً عاماً للمؤسسات البرلمانية”.

وعلى مدار السنوات اللاحقة، تحولت رؤيته الاستشرافية إلى واقع مألوف وركيزة أساسية في الخطاب السياسي المعاصر. فبحلول عام 1938، بسط الحكم الاستبدادي نفوذه على أكثر من اثنتي عشرة دولة أوروبية، ممتداً من البرتغال إلى بولندا، ووصولًا إلى الاتحاد السوفيتي. ولم تكن المعاقل التي تمسكت بديمقراطيتها بمعزل عن هذا المدّ؛ إذ تنامت فيها القوى المناهضة للديمقراطية نفوذًا وسلطة؛ ففي الانتخابات البلجيكية عام 1936، حصد اليمين المتطرف قرابة 20% من الأصوات، بينما انتزع الحزب الشيوعي الفرنسي 15% من المقاعد في انتخابات العام نفسه.

ومع ذلك، لم تشهد الساحة البريطانية، خلال حقبة ما بين الحربين العالميتين، أي حاضنة شعبية داعمة للتطرف الايديولوجي. فعلى الرغم من ظهور “الاتحاد البريطاني للفاشيين” (BUF)  بزعامة أوزوالد موزلي، النائب المحافظ الذي تحول إلى مستقل ثم انضم لحزب العمال قبل أن ينتهي به المطاف في عباءة الفاشية، إلا أنه ظل شخصية هامشية؛ إذ لم يتجاوز قوام اتحاده 45 ألف عضو لفترة وجيزة في ذروة تمدده منتصف عام 1934. وبالمثل، استقر عدد أعضاء الحزب الشيوعي لبريطانيا العظمى عند عتبة 20 ألف عضو في الثلاثينيات. تتضح ضآلة هذه الأرقام عند مقارنتها بحزب العمال الذي ناهزت عضويته نصف مليون فرد، مدعوماً بكتلة نقابية قوامها ستة ملايين عامل. وتجلّى هذا الانحسار في انتخابات 1931 العامة، حيث دفع الحزب الشيوعي بـ 26 مرشحاً نالوا معدلاً ضئيلاً لم يتعدّ 3000 صوت للمرشح الواحد (0.3% من إجمالي الأصوات)، بينما اكتفى حزب موزلي بـ 0.2%، قبل أن يحجم الاتحاد الفاشي تماماً عن خوض انتخابات 1935. وبناءً على ذلك، فإن نجاة بريطانيا من المد المتطرف الذي اجتاح أوروبا لم تكن وليدة معجزة مفاجئة، بل لأنها لم تقترب من حافته أساساً.

حصانةٌ خلف المياه
تضافرت عوامل عدة ومحورية منعت بريطانيا من الانزلاق إلى غواية الفاشية أو غيرها من الأيديولوجيات الراديكالية. ويأتي في طليعة هذه العوامل حصانتها الجغرافية كجزيرة معزولة، واستقرارها السياسي المنبثق من عراقتها كأمة ذات حدود تاريخية ثابتة ومستقرة. يُضاف إلى ذلك، أن الخسائر البشرية البريطانية في الحرب العالمية الأولى ، رغم فداحتها، ظلت دون مستويات الضحايا في الدول المتحاربة الأخرى. وعلى المنوال نفسه، ورغم ما خلفه “الكساد الكبير” (كساد اقتصادي عالمي حاد حدث خلال ثلاثينيات القرن العشرين، ويعد أكبر وأشهر الازمات الاقتصادية في القرن  الماضي – المترجم) من أزمات طاحنة، إلا أن الاقتصاد البريطاني أظهر مرونة أعلى مقارنة بالانهيارات التي ضربت دولاً أخرى.

علاوة على ذلك، أدت  طبيعة عمل حزب العمال والنقابات المهنية، الملتزمة بآليات العمل البرلماني، دوراً حاسماً في كبح التطرف. والتقى ذلك مع التوجه السياسي لحزب المحافظين تحت قيادة ستانلي بالدوين، والمستند إلى فلسفة “الأمة الواحدة”، فضلاً عن بنية النظام الانتخابي الصارمة التي وضعت عراقيل جمة أمام صعود كتل سياسية جديدة.

وفي مؤلفه “الطريق إلى رصيف ويغان” الصادر عام 1937، والذي رصد فيه واقع الحياة في الشمال الصناعي، لاحظ جورج أورويل أن “الكماليات الزهيدة” أسهمت في تهدئة الطبقة العاملة وصرفها عن الاحتجاج. وحسب تعبيره: “إن وجبات السمك والبطاطا المقلية، والجوارب الحريرية الاصطناعية، والسمك المعلب، والشوكولاتة الرخيصة، إلى جانب السينما والراديو والشاي الثقيل ومراهنات كرة القدم، قد حالت مجتمعة دون اندلاع الثورة”. بيد أن هذه النزعة الاستهلاكية المتدنية لم تكن ميزة بريطانية خالصة؛ فإذا كانت البلاد قد اختارت التأقلم والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة، فإن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى تجذر ثقافة وطنية تنفر بطبيعتها من التغيير الجذري العنيف وتأبى الانقلاب الشامل.

من الجدير بالإشارة إلى أن تلك الحقبة مثلت العصر الذهبي للجمعيات التطوعية؛ فرغم أن النوادي الاجتماعية للعمال كانت قائمة في المدن والحواضر الصناعية منذ عقود، إلا أن معدلات نموها تضاعفت بشكل لافت في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وبحلول عام 1922 ، الذي وافق اليوبيل الماسي لـ “اتحاد نوادي ومراكز التثقيف العمالي”— كان الاتحاد يضم 2300 نادٍ ينخرط في سلكها أكثر من مليون عضو. وعلى المنوال نفسه، تمدد “معهد المرأة” ، الذي أبصر النور في كندا قبل أن ينتقل إلى بريطانيا إبان الحرب،  لتصل عضويته في الثلاثينيات إلى نحو 300 ألف منتسبة. وفي السياق ذاته، استقطبت أندية الروتاري (شبكة عالمية تهدف إلى تقديم الخدمات الإنسانية، وتعزيز السلام، ودعم المجتمعات المحلية.المترجم  ) التي تأسست في شيكاغو قرابة 19 ألف عضو، وتجاوزت قاعدة “اتحاد عصبة الأمم” عتبة 400 ألف شخص. ولعل الصرح الأكثر تأثيراً تجسد في “الفيلق البريطاني” الذي تأسس عام 1921 بدمج كيانات متعددة من قدامى المحاربين، حيث قفزت عضويته خلال عقد واحد إلى 300 ألف فرد، ما يعادل عُشر إجمالي منتسبي القوات المسلحة البريطانية آنذاك.

وإلى جانب هذه الشبكات الكبرى، زخرت بريطانيا بطيف واسع من الجمعيات والمجموعات المحلية المكرسة لاهتمامات نوعية؛ كالتصوير الفوتوغرافي، وإصلاح السجون، ومسارح الهواة، وأنشطة الزراعة الصغيرة، وموسيقى الجاز، فضلاً عن آلاف الموضوعات والهوايات الأخرى. وفي هذا الصدد، رأت الروائية فيليس بنتلي أن الخيط الناظم لهذه الكيانات يتجلى في مستواها العالي من التنظيم الذاتي، إذ كتبت: “تمتلك كل جمعية لجنة ورئيساً بالانتخاب الشرعي، وتُدار شؤونها وفق جداول أعمال منظمة، وآليات رصينة لتقديم القرارات والتصويت عليها، مدعومة بتقرير سنوي وموازنة مالية متاحة لرقابة الأعضاء كافة”. وخلصت إلى أن البريطانيين شعب “لا يُبارى في إدارة الشؤون العامة بأساليب تطوعية محضة تخضع لضبط ذاتي صارم”. ولقد مثلت هذه الظاهرة التجسيد المؤسسي لما أطلق عليه الفيلسوف والسياسي إدموند بيرك مصطلح ” الروابط الاجتماعية الصغيرة “، وهو المفهوم الذي صاغه للتأكيد على محورية الأواصر المجتمعية المتشكلة على المستويات المحلية والأسرية في صون تماسك الدولة.

ورغم وجود حراك حزبي تمثل في نحو ألفي نادٍ للمحافظين، وألف نادٍ لليبراليين، إلى جانب الإرهاصات الأولى لتشكلات حزب العمال، إلا أن الأهمية البالغة استقرت في رصيد المؤسسات غير الحزبية. فقد كفل عدم انحياز هذه الجمعيات المتنوعة مناخاً ثرياً لتعدد الآراء وبناء أرضية مشتركة قامت على أسس التعاون والتحالف. وفي هذا الصدد، رأى ستانلي بالدوين (رئيس وزراء بريطانيا في تلك الفترة) أن الشعب استقى من هذه الجمعيات التطوعية والنقابات العمالية “مبادئ الديمقراطية وعناصرها” التي “لن يتخلى عنها أبداً”؛ وبذلك ترسخت الممارسة الديمقراطية في تفاصيل الحياة اليومية ممتدة إلى آفاق تتجاوز العمل السياسي المحض.

تحفّظ ثقافي – اجتماعي

في الواقع، شهدت الحياة الاجتماعية والثقافية البريطانية غياباً ملحوظاً للسياسة. فالسينما، على سبيل المثال، خضعت لرقابة “المجلس البريطاني لتصنيف الأفلام” (BBFC)، وهو هيئة تمحورت مهمتها الأساسية حول تجنب إثارة السجال أو استياء الجمهور، مقتصرة على إجازة الأعمال التي تبث قيم الصمود ومجابهة الشدائد. وبناءً على ذلك، حُظر الترويج للأطروحات الثورية أو أفكار “الحب الحر” (حركة اجتماعية – فلسفية راديكالية تتحدى مؤسسة الزواج التقليدي، كان يُنظر إلى “الحب الحر” كجزء من الفكر الثوري) ومُنعت السرديات الحافلة بـ “السياسة المثيرة للجدل”، بما فيها تلك التي تتطرق لـ “العلاقات الشائكة بين رأس المال والعمال”. ومن هذا المنطلق، رفض المجلس إجازة مشروع فيلم مقتبس من رواية والتر غرينوود “حب في ظل إعانة البطالة” (Love on the Dole) بذريعة احتوائه على “تفاصيل مأساوية ومخزية للفقر”. وفي المقابل، حظي الفيلم الكوميدي “خارج طابور البطالة” (Off the Dole) بالقبول؛ ورغم أنه يتمحور حول شخصية جورج فورمبي الذي أُقيل من مكتب العمل بعد أربع سنوات من البطالة، إلا أنه لم يتجاوز سقف السخرية السياسية اللطيفة (كقوله: “عضو البرلمان هو رجل يضحي بحياتك من أجل بلاده”). كما امتد مقص الرقابة ليحظر بدقة كل ما “يهدف إلى جرح مشاعر الأجانب”، أو “يكرس لدونية الأعراق الأخرى”، أو “يثير النعرات العنصرية”

اتخذت الرقابة في بريطانيا نهجًا متميزًا يختلف اختلافًا واضحًا عن النهج السائد في معظم الدول الأوروبية. فلم تكن تستهدف توجهًا سياسيًا بعينه، وإنما سعت إلى إقصاء السياسة من الشاشة السينمائية برمتها. وفي عام 1937، صرّح اللورد تيريل، رئيس المجلس البريطاني لتصنيف الأفلام (BBFC)، قائلًا: «يحق لنا أن نفخر بأنه لا يُعرض في لندن فيلم واحد يتناول أيًا من القضايا الملتهبة في ذلك الوقت».

وقد أُسس المجلس البريطاني لتصنيف الأفلام، ولا يزال يُدار حتى اليوم، بمبادرة من صناعة السينما نفسها. ورغم أنه لم يكن يتمتع بسلطة قانونية رسمية، فإن مكانته لم تكن محل طعن أو تشكيك يُذكر. وقد وصف السياسي العمالي هربرت موريسون هذا النظام بأنه «ترتيب غير مألوف»، لكنه استدرك قائلًا: «لدى البريطانيين تقليد راسخ في ابتكار ترتيبات غير تقليدية تثبت جدواها».

ومهما يكن من أمر، فقد بدا هذا النموذج أكثر اعتدالًا من أنظمة الرقابة الحكومية الصارمة التي كانت سائدة في دول أخرى، ولا سيما في ألمانيا النازية بقيادة جوزيف غوبلز، أو في الاتحاد السوفيتي، حيث أُعدم بوريس شومياسكي، رئيس هيئة صناعة السينما السوفيتية، عام 1938 بتهمة الخيانة، بعد أن اعتُبر مقصراً في أداء المهام الموكلة إليه.

يتبع ….

شارك هذا المقال: