كيفورك خاتون وانيس
رغم الشهرة العالمية التي تتمتع بها جائزة نوبل للسلام، والتي طالما تمنيت أن يحصل عليها حسن جمال، فإن الجائزة التي نالها هذا العام لا تقل عنها دلالة إنسانية؛ ليس فقط بسبب طبيعة التكريم الذي تمنحه، وإنما أيضاً بسبب الرسالة التي تحملها.
إنها جائزة “النزاهة ” التي تمنحها مؤسسة غاريو (Gariwo)العالمية من مقرها في مدينة ميلانو الايطالية، تكريماً لشخصيات خاطروا بأنفسهم أو بمكانتهم في مواجهة الاضطهاد والجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان. وتتميز الجائزة بطريقتها الرمزية في تخليد المكرّمين، من خلال غرس شجرة ووضع حجر تذكاري يحمل اسم كل منهم في إحدى حدائق المؤسسة المنتشرة في عدد من دول العالم، لتبقى سيرتهم شاهداً على الشجاعة والتضحية في سبيل الحقيقة والانسانية.
وقد لا يكون اسم حسن جمال معروفاً لدى كثير من قراء العربية؛ فهو لا يكتب بالعربية ولا يتحدثها، كما أن نشاطه الصحفي والثقافي لا يتناول الشؤون العربية. غير أن حكايته تحمل مفارقة تاريخية لافتة: فهو حفيد جمال باشا، المعروف في الذاكرة العربية بلقب «السفاح»، والذي حكم بلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى، وارتبط اسمه بإعدام عدد من الوطنيين والمثقفين العرب في بيروت ودمشق، في السادس من أيار/مايو 1916، وهي المناسبة التي تحييها سوريا ولبنان سنوياً بعيد الشهداء.
ولد حسن جمال في إسطنبول عام 1944، وتخرج في كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة عام 1965، قبل أن يبدأ مسيرة صحفية طويلة جعلته من الأسماء المعروفة في تركيا وخارجها. لكن ما منح مسيرته بُعداً يتجاوز العمل الصحفي هو اختياره مواجهة إحدى أكثر القضايا حساسية في التاريخ التركي الحديث: الإبادة الجماعية للأرمن، التي كان لجده، إلى جانب أنور باشا (وزير الحربية) وطلعت باشا (وزير الداخلية ومن ثم الصدر الأعظم)، دور بارز في أحداثها.
شغل الصحفي والكاتب حسن جمال، المشهور بلقب عميد الصحفيين الأتراك، منصب رئيس تحرير صحيفة “الجمهورية” Cumhuriyet اليومية في الفترة ما بين عامي 1981 – 1992، قبل أن ينتقل لكتابة المقالات في صحيفتي “الأمة” Milliyet و”صباح” Sabah. وفي عام 2013، استقال من صحيفة milliyet تحت ضغوط مارسها رئيس الوزراء آنذاك، رجب طيب أردوغان، على الصحيفة للتوقف عن نشر مقالاته، إذ أن حسن كان يدعم قيام الصحيفة بنشر محاضر زيارة قامت بها لجنة برلمانية لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المعتقل في جزيرة إمرالي التركية!
يُعتبر حسن جمال أحد أبرز الشخصيات التركية التي اتخذت موقفاً أخلاقياً شجاعاً تجاه القضية الأرمنية وجاهرت بالحقيقة. فقد أصدر كتاباً صارخاً في عنوانه “1915: الإبادة الجماعية للأرمن” Ermeni Soykırımı 1915 ، نُشر عام 2012 وأهداه إلى هرانت دينك (الصحفي ومؤسس جريدة آغوس التي تصدر من إسطنبول) الذي جمعته به علاقة إنسانية فريدة فأصر على مواصلة إرث هرانت عقب اغتياله عام 2007.
يستمع حسن جمال في هذا الكتاب إلى أصوات الماضي، وفي الوقت ذاته ينصت إلى أصوات السلطات التركية المعاصرة التي لا تزال ترزح تحت وطأة النزعة القومية التي لا ترى في المختلف عنها حتى وإن كان من “عرقهم” إلا عدواً أو خائناً يجب استئصاله!
كثيرة هي المواقف الإنسانية اتخذها والخطوات الشجاعة التي أقدم عليها حسن جمال على مدى أكثر من نصف قرن من العمل الصحفي والنشاط الثقافي، لكن لعل أبرزها هي لقائه في العاصمة الأرمنية يريفان بـ أرمين كيفوركيان، حفيد أرتاشاس كيفوركيان الذي اغتال جمال باشا في 1922 في تبليسي ( جورجيا)؛ وزيارته إلى نصب ضحايا الإبادة حيث كتب:
“تذكرت ذلك الفجر، حين أشرقت الشمس في يريفان لتصبغ السماء بلونٍ قرمزيٍّ وسط الضباب. وبينما كنت أضع ثلاث زهرات قرنفل بيضاء عند النصب التذكاري للإبادة الجماعية للأرمن، همست لنفسي: ’عزيزي هرانت، لقد قادتني معاناتك إلى هنا؛ أحاول أن أستشعر معاناتك ومعاناة أسلافك في قلبي، وأشارككم إياها. لترقد بسلام يا أخي”.
وهكذا، فإن تكريم حسن جمال لا يتعلق بمسيرة صحفي فحسب، بل يحمل دلالة إنسانية وتاريخية أعمق: حفيد أحد أبرز المسؤولين العثمانيين المتورطين في تلك الحقبة يختار أن يواجه إرث عائلته بالاعتراف بالحقيقة، لا بالدفاع عن الماضي أو إنكاره، بل مواجهة تاريخ عائلته وتحدي الروايات التركية الرسمية. لقد أسهم جمال ، من خلال عمله الصحفي وكتاباته ومشاركاته العامة، في الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن وتعزيز الحوار بين المجتمعين التركي والأرمني.
الجدير بالذكر، أن هرانت دينك نفسه قد كُرِّم في “حديقة النزاهة الإنسانية حول العالم” في ميلانو عام 2009؛ وترى المؤسسة أن تكريم حسن جمال في الحديقة ذاتها يخلق رابطاً ذا دلالة عميقة بين قصتيهما.
في الحقيقة الحديث عن حسن جمال وتوأم روحه هرانت دينك، وأمثالهما من أصحاب المواقف الإنسانية، التي يهدفون من ورائها إلى إيصال فكرة أن الحياة بين البشر قائمة على ثنائية: العدالة والتسامح، لا يمكن ايجازه بهذه الاسطر، لكن ربما الاستماع إلى مقطع من حديثهما يقدمهما بشكل أفضل!
لذلك يسرني مشاركة هذين المقطعين اللذين كان لي شرف ترجمتهما:
مقابلة حسن جمال في أرمينيا: الكاتب والصحفي حسن جمال (حفيد جمال باشا )، الملقب بعميد الصحفيين الأتراك، في أرمينيا
مقابلة هرانت دينك في تركيا: الماء وجد منبعه
