لماذا الولايات المتحدة ليست اشتراكية؟

شارك هذا المقال:

غريسن هودسون

ترجمة: كيڤورك خاتون وانيس

في أمريكا، تحمل كلمة «اشتراكي» دلالات سلبية؛ إذ يعتقد كثيرون أن الاشتراكية تنتقص من الحرية الاقتصادية، وتحدّ من الابتكار، وتؤدي إلى قيام حكومة شبيهة بحكومة «الأخ الأكبر»، تفرض رقابة مشددة على الأفراد. غير أن مفهوم الاشتراكية واسع، ويشمل مجموعة متنوعة من المعتقدات والتوجهات الفكرية.

وعندما يدافع أنصار الاشتراكية عن تأييدهم لهذا النظام الاجتماعي والاقتصادي، فإنهم غالباً ما يستشهدون بدول يرون أن الاشتراكية حققت فيها نجاحاً، مثل السويد وغيرها من دول إسكندنافيا. في المقابل، يستشهد معارضو الاشتراكية غالباً بالتدهور الاقتصادي في فنزويلا، التي تُوصَف هي الأخرى بأنها دولة اشتراكية. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه الدول تختلف عن بعضها بعضاً.

فالاشتراكية مصطلح شامل يندرج تحته عدد من النظريات السياسية المختلفة، ومن أبرزها الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية.

فالشيوعية هي نظرية سياسية وضعها كارل ماركس، وترى أن التاريخ يمثل مساراً من الصراعات الطبقية التي تؤدي إلى تحوّل النظم الاقتصادية. ويعتقد ماركس أن نهاية هذا المسار تتمثل في الوصول إلى الشيوعية، وهي نظام اقتصادي يمتلك فيه العمال وسائل الإنتاج. ويحدث هذا التحوّل، وفقاً لهذه النظرية، من خلال ثورة عنيفة تقودها الطبقة العاملة!

وفي مطلع القرن العشرين، استند فلاديمير لينين والبلاشفة إلى هذا الفكر الماركسي لإقامة صيغة معدّلة من الحكم الشيوعي في روسيا السوفيتية.

ومع ذلك، فهذا ليس هو النوع ذاته من الاشتراكية الذي نراه في الدول الإسكندنافية. إذ تتبنى هذه الدول نمطاً من الاشتراكية يستند إلى المراجعة الإصلاحية  (Revisionism)، التي تطورت بدورها انطلاقاً من الفكر الشيوعي. يبدو أن الأمر مربك ومعقد نوعاً ما، لذلك دعونا نبّسط الموضوع!

يرفض أتباع تيار “المراجعة الاصلاحية” فكرة أن التحول إلى الاشتراكية يتطلب ثورة عنيفة؛ بل يؤمن أصحاب هذا الفكر بأن التطبيق التدريجي للسياسات الاشتراكية عبر الوسائل الديمقراطية سيؤدي إلى بناء مجتمع اشتراكي. وإضافة إلى ذلك، لا يؤيد هذا الفكر التخطيط المركزي أو تأميم الدولة للقطاع الخاص.

والأهم من ذلك، لا تركز الاصلاحية على الغاية النهائية للاشتراكية، بل على الحركة الاشتراكية ذاتها.

أما “الاشتراكية الديمقراطية” فتتبنى المبادئ ذاتها، ولكن ضمن إطار نظام رأسمالي.

وهي تدعو إلى تطبيق سياسات مثل توفير الرعاية الصحية الشاملة، ورعاية الأطفال المجانية، والتعليم العالي المجاني. أما على الصعيد الاقتصادي، فهي تناصر فرض ضرائب أعلى على الأثرياء وإخضاع القطاع الخاص لمزيد من الضوابط التنظيمية، على سبيل المثال لا الحصر.

تُطبق هذه السياسات على نطاق واسع في معظم الدول الغربية؛ لكن هذا التقليد لم يجد طريقه قط إلى الولايات المتحدة. فما السبب في ذلك؟

يُعدّ التفسير الذي قدّمه عالم الاجتماع فيرنر سومبارت، في كتابه الصادر عام 1906 بعنوان “لماذا لا توجد اشتراكية في الولايات المتحدة؟”، التفسير الأكثر انتشاراً لهذه الظاهرة؛ حيث جادل بأن قيام الاشتراكية في أمريكا أمرٌ مستحيل.

ويرى سومبارت أن نظام الحزبين القائم في الولايات المتحدة يحدّ من فرص ظهور حزب ثالث؛ إذ يخشى الناخبون أن تضيع أصواتهم هباءً. ونتيجة لذلك، أصبح الحزب الديمقراطي يمثل، بحكم الأمر الواقع، تيار اليسار، رغم أن أفكاره لا تتعدى، في أحسن الأحوال، الأفكار المعتدلة.

كما يشير سومبارت إلى أن العامل الأمريكي يتمتع بوضع مالي أفضل بكثير من نظيره الأوروبي، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى التوسع غرباً في الولايات المتحدة؛ فقد اضطر القطاع الخاص إلى رفع الأجور لمنع العمال من الانتقال غرباً وتأسيس مزارعهم ومساكنهم الخاصة.

بالإضافة إلى ذلك، لجأت الولايات المتحدة إلى استخدام عنف الدولة لقمع الأفكار الاشتراكية في فترات ساد فيها الخوف من الدول الاشتراكية، ولعل أبرز هذه الفترات ما عُرف بـ “الخوف الأحمر” (Red Scare) في موجتيه الأولى والثانية.

ففي موجة “الخوف الأحمر” الأولى، استُهدف الراديكاليون وزعماء النقابات العمالية بموجب “قانون التحريض” (Sedition Act) لعام 1918، وهو ما أسفر عن “حملات بالمر” (Palmer Raids)؛ وهي مداهمات عنيفة شنّتها أجهزة إنفاذ القانون ضد الراديكاليين، بتوجيه من النائب العام الأمريكي ألكسندر ميتشل بالمر.

وفي موجة “الخوف الأحمر” الثانية، قاد السيناتور جوزيف مكارثي حملة استهدفت المشتبه في كونهم شيوعيين؛ حيث وجّه اتهامات لكل من اشتبه في تبنيه أفكاراً اشتراكية، مما حوّل هؤلاء الأفراد إلى شخصيات منبوذة اجتماعياً.

ولا تزال أصداء هذا الخطاب المناهض للاشتراكية تتردد في أمريكا حتى يومنا هذا؛ إذ أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث (Pew Research) عام 2019 أن غالبية الأمريكيين يحملون مشاعر سلبية تجاه الاشتراكية. كما أكد استطلاع آخر أجرته مؤسسة “غالوب” (Gallup) هذه النتيجة، مبيناً أن أغلبية الأمريكيين لا يؤيدون السياسات ذات التوجه الاشتراكي.

ورغم أن الاشتراكية قد تؤدي إلى نتائج أفضل للفرد العادي – مقارنةً بالرأسمالية على الأقل – إلا أن غالبية الأمريكيين لا يزالون يتبنون المواقف المناهضة للاشتراكية التي ترسخت خلال حقبة “الخوف الأحمر”.

وفي دراسة مقارنة بعنوان «الرأسمالية والاشتراكية والمستوى المعيشي»، خلص الباحثون إلى أن الدول الاشتراكية حققت نتائج أفضل في عدد من المؤشرات المتعلقة بمستويات المعيشة مقارنةً بالدول الرأسمالية. وشملت هذه المؤشرات معدل وفيات الرضع، ومعدل وفيات الأطفال، ومتوسط العمر المتوقع، إلى جانب عوامل أخرى.

ولا تزال الوصمة الاجتماعية المرتبطة بتبنّي الأفكار الاشتراكية في الولايات المتحدة قائمة ويصعب التخلص منها. فكثيرون يتبنون أفكاراً اشتراكية، لكنهم يمتنعون عن التعبير عن آرائهم علناً، خشية التعرض للانتقاد أو النبذ الاجتماعي!

لكننا لم نعد نعيش في حقبة سياسات “الخوف الأحمر”

فالاشتراكية ليست أيديولوجيا واحدة، بل مظلة واسعة تضم تيارات ومعتقدات متنوعة، تمتد من الشيوعية إلى الاشتراكية الديمقراطية. ولا ينبغي للأمريكيين أن يشعروا بالخجل أو الحرج من تأييد هذه السياسات، متأثرين بالخطاب المناهض للاشتراكية الذي تكرر عبر التاريخ الأمريكي!

توضيح  بخصوص ترجمة كلمة Revisionism ( المترجم):

ثمة نظريات مؤثرة ومصطلحات تاريخية مهمة تستوجب إعادة قراءة موضوعية متجردة من التحيزات الأيديولوجية. ويأتي مصطلح  (Revisionism) الذي تم ترجمته “بالتحريفية”  كنموذج صارخ للمصطلحات التي شُحنت بدلالات سلبية مقصودة تُوحي بالتزييف وتحريف الحقائق. ألم يكن هذا الوصف وليد صراع سياسي بحت، استخدمته التيارات الراديكالية كأداة لشيطنة الخصوم وتخوين المجددين؟

فإذا ما ركّزنا على اختبار النتائج بعيداً عن تقديس النصوص؛ نجد أن تيار Revisionism ‘المراجعة الاصلاحية’، الذي تُرجم  بالتحريفية وأُقحم في القواميس والمراجع السياسية، هو الذي نجح في إرساء دعائم دول الرفاهية والاستقرار (كالنموذج الإسكندنافي). وفي المقابل، أدى الجمود العقائدي والتمسك الحرفي بنظرية ‘الثورة العنيفة’ إلى زج شعوب الانظمة التي طبقتها في أتون حروب أهلية وإنتاج ديكتاتوريات شمولية، لينتهي بها الأمر إلى انهيار اقتصادي تام وارتداد نحو صراعات أثنية.

 وبناءً على هذه المفارقة التاريخية، ألا يغدو الإبقاء على مصطلح ‘التحريفية’ بحمولته الإقصائية قاصراً عن التعبير عن الواقع والحقيقة، مما يتطلب استبداله بمصطلحات أكثر علمية وحيادية مثل ‘المراجعة الإصلاحية ‘ أو ’التجديد الفكري‘ أو ‘الاشتراكية الديمقراطية”؟!

شارك هذا المقال: