بروفيسور بول بريستون
ترجمة: كيڤورك خاتون وانيس
يُعدّ انتقال البلاد من الديكتاتورية إلى الديمقراطية في أواخر سبعينيات القرن الماضي بلا شكّ أحد أبرز قصص أوروبا المعاصرة. في الذكرى الخمسين لوفاة الجنرال فرانكو، يستكشف بول بريستون كيف انبثقت التعددية من رماد الاستبداد.
عندما توفي الجنرال فرانشيسكو فرانكو في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1975، بعد 39 عاماً من اندلاع الحرب الأهلية الوحشية التي أوصلته إلى السلطة، بدا احتمال الانتقال السلمي إلى الديمقراطية في إسبانيا ضئيلاً للغاية. كان فرانكو قد وضع إطاراً صارماً لضمان استمرار الديكتاتورية التي أمسك بها بقبضة حديدية لما يقرب من أربعة عقود. كانت إسبانيا تترنح على حافة إراقة الدماء والفوضى، في ظل معارضة شرسة من جماعات سياسية متطرفة لأي حلول وسط.
وهكذا، وبينما كان يُدفن الكوديو أو الزعيم في وادي الشهداء الشاسع، على مشارف مدريد، وسط هتافات عشرات الآلاف من أنصاره الذين ارتدوا القمصان الزرقاء، لم يتوقع سوى قلة من المراقبين مستقبلًا يسوده التعددية والسلام النسبي. ومع ذلك، فقد تحقق ذلك بالفعل. إن قدرة الشعب الإسباني، على مدى السنوات العشر التالية، على اجتياز مسار محفوف بالمخاطر نحو الديمقراطية، متخطياً حقول الألغام التي زرعها فرانكو بنفسه، والكمائن التي نصبها إرهابيون من اليمين واليسار، تُعد إنجازاً استثنائياً. يمكن تصنيفه بلا شك، حتى بعد مرور خمسين عاماً، ضمن أبرز قصص أوروبا الحديثة. فكيف حدث ذلك؟
طمس الماضي
للإجابة على هذا السؤال، علينا العودة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد كان الترهيب والترويع أساس نظام فرانكو منذ لحظة وصوله إلى السلطة في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين. لكن هزيمة دول المحور عام 1945 حطمت خططه الأولية لمستقبلٍ فاشي، مستقبل تهيمن فيه الأنظمة الاستبدادية على أوروبا. لقد أدرك فرانكو أنه بحاجة إلى إنهاء عزلة إسبانيا الدولية في فترة ما بعد الحرب، والاندماج في المجتمع الغربي. ولتحقيق ذلك، كان لا بد من اتباع نهج جديد.
وهكذا، في محاولةٍ لطمس ماضي الديكتاتور الإسباني في دول المحور، وضع حليفه، قائد البحرية لويس كاريرو بلانكو، خطةً لإدامة النظام خلف واجهة ملكية. ولتحقيق ذلك أعلن قانون الخلافة الصادر في 26 يوليو/تموز 1947 إسبانيا كمملكةٍ يرأسها فرانكو. كما نص القانون على تعيين فرانكو كوصيٍّ على العرش حتى وفاته أو عجزه على القيام بمهامه السياسية، وكان له الحق في ترشيح خليفته الملكي.
لم يُعلن الديكتاتور عن هذا الخليفة فوراً. في الواقع، لم يُعلن فرانكو للعالم عن هوية الرجل الذي سيتولى رئاسة الدولة بعد وفاته إلا في يوليو/ تموز 1969. كان هذا الرجل هو خوان كارلوس، حفيد ألفونسو الثالث عشر، ملك إسبانيا من عام 1886 إلى عام 1931. لم يكن هذا بمثابة إعادة الشرعية للعائلة المالكة، بل تنصيباً لملكيةٍ أنشأها الفلانخ، الجماعة السياسية القومية اليمينية المتطرفة التي كان فرانكو واجهةً لها. كان خوان كارلوس مُلزماً بالتقيّد بالقوانين الأساسية للنظام، أو العزل في حال الانحراف عنها. ولذلك، كان تحت رحمة النظام إلى حد كبير. ومع ذلك، ورغم أن أحداً لم يكن يعلم بذلك في ذلك الوقت، فقد أظهر الشجاعة والرؤية اللازمتين لقيادة إسبانيا نحو مستقبل ديمقراطي.
في أواخر الستينيات، بدا ذلك المستقبل بعيد المنال فقد كان فرانكو لا يزال على قيد الحياة. في ذلك الوقت، كان الديكتاتور قد فوّض إدارة النظام إلى كاريرو بلانكو، وهو تعيين لم يُرسّخ النظام، بل عجّل بتفككه. في مواجهة تصاعدٍ مطردٍ في معارضة الطبقة العاملة والطلاب، والمعارضة المسلحة لمنظمة إيتا الإرهابية الانفصالية الباسكية، كثّف كاريرو القمع، مستخدماً منظمات النازيين الجدد، ورجال شرطة غير مكلفين، وأجهزة أمنية لتنفيذ أعماله القذرة. وهي استراتيجية سمّمت العلاقات مع الباسك ورجال الدين والعمال، وأثارت القلق بين أكثر عناصر النظام تفهماً.
كما جعله هدفاً للاغتيال. ففي 20 ديسمبر/كانون الأول 1973، اغُتيل كاريرو في مدريد بقنبلة زرعها أربعة من عناصر منظمة إيتا. ولم يتحسن الوضع كثيراً في عهد خليفته، كارلوس أرياس نافارو. بل إن موجة الانشقاقات المبكرة في عهد كاريرو تحولت إلى فيضان ابتداءً من عام 1974. ومع معاناة بلادهم من التدخلات العسكرية، وتطرف اليمين، والعنف في إقليم الباسك، وتخلف الصناعات، والتنمية غير المتوازنة، توصّل المعتدلون في صفوف النظام والمعارضة على حد سواء إلى قناعة سريعة بأن التفاوض هو السبيل الوحيد لتجنب حمامات الدم.
جيش فرانكو الغازي
مع ذلك، واجه الساعون إلى حلول وسط في أعقاب وفاة فرانكو في تشرين الثاني / نوفمبر 1975 عقبات بدت مستعصية، أبرزها أن إسبانيا، في عهد فرانكو، كانت تُحكم كما لو كانت أرضاً غزاها جيش غازٍ. فقد كان تحالف قوى اليمين هو من أشعل فتيل الحرب الأهلية دفاعاًعن مصالحها القطاعية في مواجهة طموحات الإصلاح التي رسّختها الجمهورية الديمقراطية الثانية. أراد ملاك الأراضي والصناعيون والمصرفيون الحفاظ على امتيازاتهم الاقتصادية، بينما سعى الجيش إلى حماية نظام الحكم المركزي للدولة الإسبانية، وحافظت الكنيسة على هيمنتها الثقافية. وقد ساهم كلٌّ منهم في مجهود فرانكو الحربي، مالياً أو عسكرياً أو أيديولوجياً.
لقد سهّل سيطرة النظام التامة على وسائل الإعلام وتطبيق نظام تعليم هدفه غسل الادمغة الوطنية وتأجّيج الخوف من عودة “الحمر” دوام هذا النظام لفترة طويلة. بعد الحرب الأهلية، ظلت هذه القوى بمختلف مشاربها الموالية للفرانكوية متحدة بالخوف وشبكات الفساد. وترسّخت الفرانكوية المتشددة في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية.
مع ذلك، بالنسبة لأولئك الذين سعوا إلى مستقبل بديل لإسبانيا، مثل خوان كارلوس، كانت هناك بوادر أمل. فقد كشفت المظاهرات الحاشدة عن رغبة شعبية عارمة في الديمقراطية. كان خوان كارلوس يعلم أن قطاعات مهمة من الرأسمالية الإسبانية تنظر إلى الجهاز السياسي للفرانكوية كعائق أمام النمو. باختياره الجريء للتقدم، كان يتبع نصيحة القادة البريطانيين والأوروبيين والأمريكيين.
رغم كون خوان كارلوس الشخصية الأبرز في مشروع الإصلاح الإسباني في حقبة ما بعد فرانكو، إلا أنه لم يكن السياسي الوحيد الساعي إلى تغيير البلاد. في الواقع، يُمكن القول إن العقل المدبر وراء هذه العملية هو معلم خوان كارلوس السابق، توركواتو فرنانديز ميراندا، الخبير في القانون الدستوري الفرانكووي. وبصفته رئيساً للكورتيس (البرلمان الإسباني، الذي كان عليه التصديق على أي خطة إصلاحية) ومجلس المملكة (الذي كان عليه المصادقة على رؤساء الوزراء)، سهّل فرنانديز ميراندا الإصلاح “القانوني” الذي شكّل الأساس الحقيقي للمرحلة الانتقالية.
كما لعب فرنانديز ميراندا دوراً محورياً في تولي الشاب الليبرالي أدولفو سواريز، المنتمي لحزب الفلانخ، منصب رئيس الوزراء في صيف عام ١٩٧٦. رغم أن الضغط الشعبي دفع البلاد نحو الديمقراطية (إذ شهد عام 1976 أعمال عنف ومظاهرات حاشدة وإضرابات عمالية)، إلا أن سواريز كان الرجل الأمثل للمهمة التاريخية المتمثلة في قيادة الإصلاح الديمقراطي عبر مؤسسات فرانكو. لقد كان هو، أكثر من أي شخصية أخرى، من أقنع السياسيين الآخرين بجدية مشروع الإصلاح.
أما خوان كارلوس، فقد تمثلت مساهمته أولاً في إقناع شخصيات بارزة بالانضمام إلى حكومة سواريز. ثانياً، من خلال جولاته المتواصلة في أنحاء إسبانيا، استطاع حشد الدعم للإصلاحات وتجاوز موجة الاستنكار التي أثارها ترشيحه لشخصيات من الفلانخ مثل سواريز. والأهم من ذلك، من خلال ظهوره بزي القائد العام، وعبر اجتماعاته الخاصة مع الضباط، نجح في تحييد القيادة العليا للجيش وكبح جماح العداء العسكري للعملية الديمقراطية.
في خريف عام ١٩٧٦، وبمهارة فائقة، تمكن سواريز من تمرير مشروع فرنانديز ميراندا الإصلاحي الذكي عبر مؤسسات فرانكو. وفي منتصف تشرين الثاني / نوفمبر، حظي المشروع بموافقة أغلبية ساحقة من أعضاء الكورتيس، وهم في غالبيتهم من النواب غير المنتخبين. وقد وصفه سواريز لاحقاً بأنه انتحار جماعي لنواب الموالاة للفرانكوية.
بذل خوان كارلوس جهوداً حثيثة للتواصل مع أعضاء المعارضة لإقناعهم بضرورة الاعتدال. وقد أثمر هذا الجهد في 15 ديسمبر/كانون الأول، عندما شهد الاستفتاء على الإصلاح السياسي موافقة أغلبية تجاوزت 90% على المشروع. تجاهلت قواعد اليسار دعوات المعارضة للامتناع عن التصويت، في دلالة واضحة على استعداد الشعب لتقديم التضحيات من أجل ضمان الإطار الأساسي للديمقراطية. كان الاستفتاء انتصاراً لسواريز، وكذلك للضغط الجماهيري الذي كان قد مارسه الشعب طوال عام 1976 والذي دفع الحكومة نحو الديمقراطية.
رمز المصالحة
كيف ساعد العفو إسبانيا على مواجهة ماضيها ومستقبلها؟
في 15 يونيو/حزيران 1977، شهدت إسبانيا حدثاً استثنائياً: توجه الشعب إلى صناديق الاقتراع في انتخابات حرة لأول مرة منذ عام 1936. ومع فوز حزب اتحاد الوسط الديمقراطي (UCD) بزعامة أدولفو سواريز، بدأت عملية بناء الديمقراطية المعقدة. ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك دون إغراق إسبانيا مجددًا في براثن الديكتاتورية أو أهوال حرب أهلية أخرى؟ كان الإجماع السائد هو ضرورة تقديم تضحيات، وهذا يعني إصدار عفو.
في 14 أكتوبر/تشرين الأول، أقر البرلمان الإسباني (الكورتيس) هذا العفو ليصبح قانوناً نافذاً. نص هذا التشريع البالغ الأهمية على عدم اخضاع عمليات الإرهاب التي ارتُكبت ضد ديكتاتورية فرانكو – والتي تمثلت في حرب العصابات المتقطعة في أربعينيات القرن العشرين وإرهاب منظمة إيتا – وانتهاكات حقوق الانسان التي ارتكبتها الحكومة كرد على تلك العمليات، للملاحقة القضائية. وبذلك، طوى هذا القرار صفحة الماضي، مستنداً إلى اتفاق ضمني جماعي من غالبية الشعب الإسباني على نبذ أي تصفية حسابات مع نظام فرانكو.
كان الضغط الشعبي للمطالبة بهذا العفو على مدى أشهر في تصاعد – ففي العام السابق، شهدت أيام الاحد من كل أسبوع خروج 80 ألف شخص إلى شوارع برشلونة للمطالبة به. ومع ذلك، لم يخلُ إقرار التشريع من الجدل. ففي أوائل تشرين الأول /أكتوبر، التقى سواريز بممثلين عن جميع الأحزاب، وحذرهم من أن الجيش والبنوك، وإلى حد أقل الكنيسة، قد أعربوا عن اعتراضهم على العفو عن سجناء سياسيين. ولهذا السبب، استثنى القانون الذي أقره البرلمان ذكر ضباط الجيش الذين كانوا قد قاتلوا في صفوف الجمهورية خلال الحرب الأهلية، وكذلك المنخرطين في الاتحاد العسكري الديمقراطي، وهي جماعة ضغط من ضباط ليبراليين عوقبوا لمحاولتهم ضمان عدم عرقلة الجيش للتحول الديمقراطي.
نظراً للتفاوت الكبير بين العدد القليل للذين شاركوا في أعمال العنف ضد النظام، والعدد الكبير للمشاركين في فرضه بوحشية، فقد استلزم القانون من القوى الديمقراطية تقديم تضحية كبيرة. كما رافق ذلك تدمير ممنهج لأرشيف جهاز القمع التابع لنظام فرانكو.
ومع ذلك، ورغم هذه المشاكل، بدا العفو – الذي حظي بتصويت شبه إجماعي – وكأنه يرمز إلى المصالحة في بلد عانى من العنف والمرارة وإراقة الدماء لعقود. وباعتباره أساس “ميثاق النسيان” (pacto del olvido) الذي تم إقراره عبر الطيف السياسي عقب وفاة فرانكو، فقد كان أحد أركان الانتقال إلى الديمقراطية.
الورقة الرابحة
مع اقتراب موعد الانتخابات في حزيران / يونيو، كان على سواريز تأسيس حزب. وإيمانًا منه بأن فرصته الأفضل للنجاح تكمن في حزب وسطي، قام سواريز بتشكيل اتحاد الوسط الديمقراطي (UCD) مستغلًا حاجة العديد من أحزاب يمين الوسط الصغيرة إلى التحالفات. وكانت ورقته الرابحة هي سيطرة الحكومة على هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية وعلى أجهزة الإدارة المحلية. ضم اتحاد الوسط الديمقراطي خمس مجموعات رئيسية، تتألف كل منها بدورها من عدة مجموعات أخرى، جميعها تتوق بشدة لأن تكون جزءاً من حركة انتخابية عملية. وتراجعت الاعتبارات الأيديولوجية والأخلاقية إلى المرتبة الثانية.
أثمر استخدام سواريز الماهر لوسائل الإعلام عن فوزٍ ساحق. فقد حصد حزب UCD 165 مقعدًا في البرلمان الجديد، يليه حزب العمال الاشتراكي الإسباني (الذي حظي بدعم دولي كبير) بـ 118 مقعدًا. أما الحزب الشيوعي الإسباني وتحالف الشعب اليميني، فقد تراجعا كثيراً بحصولهما على 20 و16 مقعدًا على التوالي.
لكن جزءاً أساسياً من التقدم نحو الانتخابات شكّل أيضاً العقبة الأكبر أمام ترسيخ الديمقراطية على المدى الطويل. فقد عزز ترخيص وجود الحزب الشيوعي في 9 أبريل/ نيسان، قناعة الجيش بأن مهمته لم تعد تقتصر على الدفاع عن إسبانيا ضد أعداء الخارج، بل أصبحت حماية انتصار فرانكو في الحرب الأهلية.
لم يكن هذا التهديد الوحيد للديمقراطية الناشئة. فقد كان على خوان كارلوس من عام ١٩٧٧ – ١٩٨٢، وبشكل شهري، أن يفرض سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة على الضباط الغاضبين من تلاعب وزير دفاع سواريز، الجنرال مانويل غوتيريز ميلادو، بتعيين ضباط ليبراليين في مناصب رئيسية وإخراج رجعيين منها. وقد تفاقم الوضع بسبب الاستفزازات المتواصلة التي شنتها منظمة إيتا ضد الضباط. وكان رد فعل المتشددين داخل الجيش هو التأمر للقيام بانقلاب عسكري لإعادة الديكتاتورية. وفي حفلات الاستقبال المتكررة لكبار الضباط في قصر زارزويلا، وخلال زياراته المتوترة للحاميات العسكرية، دافع خوان كارلوس بقوة عن الوحدة والانضباط.
ومع ذلك، اشتدت الأزمة، وفي أواخر عام ١٩٨٠، تم التخطيط لانقلاب عسكري. فقد أقنع الأمين العام السابق للبلاط الملكي، الجنرال ألفونسو أرمادا، جنرالات آخرين، أبرزهم القائد العام لـ فالنسيا، المتشدد خايمي ميلانس ديل بوش، بأنه حصل على موافقة ملكية للتحريض على تغيير النظام.
في نهاية يناير/كانون الثاني 1981، وفي مواجهة تمرد من داخل حزبه مع تراجع شعبيته، استقال سواريز من منصب رئيس الوزراء. ما ترك الملك الضامن الأبرز للديمقراطية، لكن لقاءاته مع أرمادا مكّنت الأخيرة من إيهام الناس بتواطؤ ملكي في ما كان يُحاك. وفي 23 فبراير/شباط، نفّذ المتآمرون خطتهم. حيث احتجز العقيد أنطونيو تيخيرو النخبة السياسية الإسبانية بأكملها أثناء حضورهم مراسم تنصيب حكومة جديدة برئاسة ليوبولدو كالفو سوتيلو في الكورتيس، بينما أمر ميلانس ديل بوش بنشر الدبابات في شوارع فالنسيا.
قاد الملك، بمفرده ومعه مساعدوه المقربون، عملية إفشال الانقلاب بشجاعة. وفي ليلة عصيبة، ظهر على شاشة التلفزيون مؤكدًا التزامه بالدستور. واتصل هاتفياً بميلانس، يخبره بشكل صريح بأنه يفضل الموت على الرضوخ للانقلابيين : “أقسم لك أنني لن أتنازل عن العرش ولن أغادر إسبانيا”. وبالفعل أنهى تدخله الانقلاب. وبحلول نهاية الشهر، كان المتآمرون في السجن.
مؤامرات لاغتيال الملك
في أكتوبر/ تشرين الأول 1982، حقق الاشتراكيون فوزاً ساحقاً في جولة جديدة من الانتخابات. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد خوان كارلوس بحاجة إلى وصفه بـ”رجل الإطفاء”، بل أصبح بإمكانه التصرف كرئيس دولة دستوري.
بقيت مشكلتا الإرهاب الباسكي والفتنة العسكرية قائمتين، وكانت هناك مؤامرات منظمة إيتا لاغتيال خوان كارلوس في أعوام 1985 و1986 و1995 و1997. علاوة على ذلك، كان على الملك أن يسير على حبل مشدود، محافظًا على تأييد كل من اليسار واليمين، ومقنعاً المعارضة بأنه سيلعب دوراً في التحول الديمقراطي، وفي الوقت نفسه يحافظ على دعم اتباع فرانكو من خلال إظهار احترامه للقوانين الدستورية التي استندت إليها “شرعيته” حتى عام 1977.
من المؤكد بأن شخصية الملك الودودة كانت عاملاً مساعداً في كل ما تم. ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما حدث عام ١٩٧٨ عندما كانت لجنة برلمانية، أو ما يُعرف بـ”بونينسيا”، تُعدّ الدستور الديمقراطي الجديد. أُقيم حفل استقبال للرئيس الفرنسي المتغطرس جيسكار ديستان، الذي كان يزور مدريد. في لحظة ما، اقترب خوان كارلوس من ميغيل روكا إي جونينت، أحد أعضاء “بونينسيا”، وهمس قائلاً: “ألا تظنه ملكاً أكثر مني؟”
بالطبع، المظاهر يمكن أن تكون خادعة. ومن الكابوس الذي هدد بإغراق إسبانيا بعد وفاة فرانكو، حقق الملك المتواضع وزملاؤه إنجازاً باهراً: لقد نجحوا في تسخير العزيمة الجماعية للشعب لتجنب الحرب الأهلية والديكتاتورية مرة أخرى.
