عن التر جمة … أن تدعَ النصًّ يأتي إليكَ وتمضي إليه شوقاً وشغفاً!

شارك هذا المقال:

خالد حسين

I

الترجمةُ …عملٌ شاقٌّ وشائقٌ: هي أن تدعَ النصًّ يأتي إليكَ وتمضي إليه بكثيرٍ من الشوق والشغف …الترجمةُ هي أن يأخذك الانهمام بالآخر ليتكلَّم لغتكَ بلغته…!!!

II

لا يستقيم القول بأنَّ الترجمة “تحويل”، انعطاف يصيب “النَّص ـ الغريب” بقدر ماهي “حَدَثُ نموّ”ٍ له، فـ”النَّص – الغريب” إذ يبدأ بالحضور والانبساط في “لغة ـ الذات”، فإنه ينمو وينتشر، ولذلك فنجاح الترجمة يرتهنُ  برعاية “الغريب”، مراعاته. والمترجم إذ يرعى “الغريب”، فإنه ينأى بنفْسَه عن ارتكاب العنف بحق “الغريب = النَّص” قيد النموِّ والانفتاح والانتشار في لغته الأم”؛ ودون ذلك سيقع المترجم ضحيةً لـ”لتمركز العرقي” في الترجمة كما يرى أنطوان برمان بفرض لغته على اللغة الأخرى؛ بالإجهاز على الغريب في غربته، عبر إخضاعه للغة الأم؛ ليكون مجرَّدَ صدى باهتٍ للمعتاد من طرائق التصريف للغة الأم؛ هنا يكف النَّص ـ الغريبُ عن الانفتاح والتجلي والإضاءة أو بالأحرى ينفكُّ معتاشاً في مهبِّ التشاكل، والتطابق مع لسان ـ الذات؛ كما لو أنَّ ترجمةً له لم “تحدث”.

III

خطوة بعد خطوة يتجذّر التقويض (أو التَّفكيك) Deconstruction في المشهد الثقافي بتمثيلاته الفلسفية والنقدية ويغدو الأخير أكثر ألفةً مع مفاهيمه واستراتيجياته وأحافيره وليس أفضل ما يؤدّي هذه الوظيفة أكثر من الترجمة بوصفها الفعل أو المعْبَر الذي تعبره اللغات في اتجاه بعضها الآخر. وهي الممرُّ الذي يتيح للفكر الجديد والمختلف والمباين بالعبور ومن ثمَّ الأرضنة والانتشاء والبدء بكينونةٍ مغايرةٍ في فضائه الجديد.

IV

في “التّرْجمة”، في هذا الحَدَث، في هذا المكان، تلتقي لغتان، بل لغاتٌ تمتحنُ بعضَها بعضاً، بل تلتقي اللغةُ ذاتَها بذاتِها، لغة تطاردُ لغةً، لغةٌ تلتفُّ على جسدِهَا وأسرارِهَا وألغازِهَا في اصْطيادِ الوجودِ وأُخرى تراودُها عن نفسها، تقتربُ منها، تقوّضها، تَنْتَهِكُها، تتغذّى عليها، تنقذُ بها حياتَها من الموت وإذ تتعدّى عليها؛ فإنها تمنحُها في الوقت ذاته، تمنحُ اللغةَ العاكفةَ على ودائعها من النّصوص والأقوال حياةً أبعد، كينونةً أعمق، جذوراً أكثر انتثاراً.

V

في “الترجمة”، هذا الممَرّ، يجري لقاءٌ لا يتّسمُ بالودّ بأيّ حالٍ، لقاءٌ من قبيل التّحدي، صراعٌ بين لغتين أو أكثر في جسدِ القائم بالنّقل والتّحويل، الجسدِ القَائم بالترجمةِ، في هذا الجَسدِ يديرُ فعلُ التّحويل شؤون المواجهةِ بين لغتين، قريبتين أو بعيدتين من حيثُ الأُصول والسُّلالة.

VI

فيه، في هذا الجسد، في فعلِ المترجم، فيما يقوم به من إيقادِ المواجهةِ، بما يمكن توصيفُهُ فسحةً للقاءِ، يجري تأويلُ “النَّصِّ ـ الأَصْلِ” Source text، ليرتحلَ إلى فضاءِ اللغةِ المستضيفةِ، في صورةٍ مغايرةٍ، هيئةٍ مختلفةٍ عن كونهِ أصلاً، أصلاً جديداً يحملُ بكلّ ما في النَّص الأَصليّ من وضوحهِ، غوامضهِ، إبهاماتهِ، فجواتهِ، والتباساتِهِ، بما كشفَهُ هذا “الأصلُ” في بيئتهِ الأصليّةِ وبما لم يكشفْ ويَبُحْ فيها وبما سيومىءُ به في فضائه الغريب، كلُّ ذلك يتسلّلُ بهذا القَدر أو ذاك إلى النَّصِّ الضيْفِ، الكائنِ الجديدِ، النص ـ الهدف Target text المتشكّل تحت ضَرباتِ الترجمةِ،. ليغدوَ من ودائعها، قطعةً من لحمِهَا، جسدِهَا، قد يظلُّ غريباً في منفاه الجديد، يعتصرُهُ الألمُ، مطعوناً بالنّسيان وقد يصبحُ أبعدَ من الأصل، بل أصل الأصل، كليّ الحضور على غرار سرديات “كليلة ودمنة”، وكأنّ “النصّ الأصليّ هو الذي يعتمد على الترجمة”، ليعثرَ على أصلهِ، أصلٌ يجدُ أصالته في الترجمةِ ذاتها، الترجمة التي تهديه فرصةً أُخرى للحياة والانتشار واقتناص الوجود.

VII

 إنّ قوّة أيِّ نصٍّ أصليٍّ هو قابليتُهُ على التحوّل والانتقال، أي على الترجمة والاستسلام للتعديل والتغيير، فلا تُطابقَ، ولا تكافؤَ بين النّصين، وإنما ولادة جديدة كما يذهب التقويضيون في نظريتهم للترجمة.

VIII

في الترجمة لابد من ارتكارب “الخيانة”حتى تستمر الألسنة في الوجود والاكتناز، أن الترجمة تكشف عن “الفقر” الأبدي الذي يكمن في اللغة/اللغات، عن النداء الذي لاينفك يلازم “الغريب” إلى الانتقال إلى فضاء الآخر. في هذه “الخيانة” ــ الضرورة، الخيانة التي لابدَّ منها، يغدو المرء”مستضيفاً” حيناً و”ضيفاً” حيناً آخر في ضيافة اللغة/ اللغات.

IX

وفي واقع الحال تستضيف “لغةٌ” “لغةً أخرى”، ” كلمةٌ” تستضيفُ “كلمةً أخرى”، الضيافة تهيّىء الفضاء “للغريب” ليحضر، ليتكلم ويتجلّى، فالترجمة هي التي تسمح لـ”لسان ــ الآخر” لا أن يحضر فحسب؛ وإنما تتيح لهذا “الآخرـ الغريب” أن يكشف عن اللامتوقع الذي يسكنه، العالم المغاير، الغموض الذي يحضر معه إلى “لسان ـ الذات”.

X

هل تمكن المجازفة بترجمة “الكلمة الشّعرية”؟

لست متيقناً من الرد، لذلك سأترك هذا “الردَّ” ينمو شيئاً فشيئاً في هذا الفضاء! لاشكَّ أنَّ ترجمة الكلمة الشعرية تعدُّ “مجازفة”، فثمة “منطقة” سرية في الكلمة الشعرية تستعصيى على “النقل” و”التحويل” إلى لغة أخرى وتركها تتكشَّف هناك. ولكن رغم ذلك تجري ترجمة “الشعر”، الذي يستعصي على الترجمة، ولكنه يُترجم، يقول و/أو يكتب “نفسه” بطريقة أخرى، كما يقول الناقد الإيطالي أومبرتو إيكو، ولكنه يحافظ على “السّر” الذي فيه دون أن ينتقل إلى الفضاء الجديد، محافظاً على “سره” الأبدي.

XI

إن الكلمة الشّعرية بقدر تتمنّع على الترجمة وتقاومها بعناد؛ فإنها تغوي وتنادي لكي تُترجم، كما لو أن الهجرة قدر”الغريب”، فلامناص من الانتقال إلى لسان آخر لكي يدوم على ضفة التاريخ وتتجلّى في دوامه حقيقة الكينونة.

ملاحظة:

اللوحة للفنان رحيمو حسين

شارك هذا المقال: