هل كانت كردستان “أرضاً آشورية”؟ قراءة في التاريخ والأدلة

شارك هذا المقال:

الدكتور  نضال حاج درويش

كثيراً ما تظهر في النقاشات المعاصرة أسئلة تتعلق بتاريخ كردستان القديم، ومن بينها الادعاء بأن الكرد شعب وافد إلى المنطقة، أو أن أجزاء واسعة من كردستان كانت في الأصل “أرضاً آشورية”. ولتقييم هذه الآراء، لا بد من العودة إلى ما تقوله الآثار والنصوص القديمة، بعيداً عن إسقاط الهويات السياسية الحديثة على عالم كان مختلفاً تماماً.

قبل الخوض في الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن هذا المقال لا يهدف إلى الدخول في السجال المعاصر حول العلاقة التاريخية بين الآشوريين المعاصرين الناطقين باللهجات السريانية الآرامية وبين الآشوريين القدماء الذين استخدموا اللغة الأكّدية في الكتابة، فهذا نقاش واسع بين الباحثين في التاريخ والهوية.

تشير الأدلة الأثرية إلى أن كردستان العراق كانت من المناطق التي شهدت بدايات الاستقرار البشري والزراعة في الشرق الأدنى القديم. فقد ظهرت فيها قرى زراعية مبكرة إلى جانب مناطق أخرى من الهلال الخصيب، واستمر الاستيطان البشري فيها عبر مراحل تاريخية متعاقبة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصور التاريخية اللاحقة.

ولا تُعرف أسماء الجماعات التي سكنت كردستان قبل اختراع الكتابة، لكن مع ظهور النصوص المسمارية بدأت المصادر التاريخية تذكر شعوب شمال بلاد الرافدين، التي عُرفت في عدد من النصوص باسم سوباراتو وقد سكنت هذه المنطقة جماعات متعددة، من أبرزها الخوريون والكوتيون واللولوبيون، الذين شكلوا جزءاً أساسياً من تاريخ كردستان وبلاد الرافدين العليا.[1]

كانت هذه الشعوب جزءاً أساسياً من تاريخ ميزوبوتاميا وكردستان، ولم تختفِ بسبب الحملات العسكرية التي قامت بها الدول الجنوبية، مثل سومر وأكد، أو بسبب توسع الدولة الآشورية لاحقاً. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يتردد اسم الكوتيين في المصادر حتى القرن الثالث قبل الميلاد،[2] وكان لهم دور حاسم إلى جانب الفرس في احتلال بابل سنة 539 قبل الميلاد،[3] أي بعد قضاء الميديين والكلدانيين على الإمبراطورية الاشورية بحوالي 70 سنة، ودخول كردستان ضمن نطاق نفوذ الميديين، الذين يُعدّون في الدراسات الحديثة من الشعوب الإيرانية القديمة المرتبطة بتاريخ أسلاف الكرد،[4] والذين لم تنقطع أخبارهم في المصادر التاريخية حتى بعد الاحتلال العربي الإسلامي لكردستان.[5]

وتنسجم نتائج دراسات الحمض النووي القديم (Ancient DNA) مع هذه الصورة، إذ تشير إلى وجود استمرارية سكانية في شمال الهلال الخصيب منذ عصور ما قبل التاريخ، وتُظهر أن الكرد يحتفظون بجزء مهم من الإرث الجيني للسكان القدامى، ولا تدعم هذه النتائج فرضية إحلال سكاني شامل أو قدوم شعب جديد حلّ بالكامل محل السكان السابقين في العصور التاريخية.[6] ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن علم الجينات لا يحدد الهوية القومية، بل يقتصر دوره على الكشف عن أنماط الاستمرارية والاختلاط السكاني، بينما تُبنى الهوية أيضاً على اللغة والثقافة والتاريخ. فالتاريخ القديم لا يسير دائماً على أساس استبدال شعب بآخر، بل غالباً ما نشهد تداخلاً بين السكان المحليين والقوى السياسية التي تسيطر على المنطقة.

من هنا تبرز ضرورة التمييز بين السيطرة السياسية والوجود السكاني. فالإمبراطوريات القديمة كانت تتوسع بالقوة العسكرية وتفرض نفوذها على أقاليم واسعة، لكن ذلك لا يعني أن سكان تلك الأقاليم أصبحوا جميعاً ينتمون إلى هوية الإمبراطورية الحاكمة. وينطبق هذا المبدأ على مدينة أربيل، التي تُعد من أكثر الأمثلة إثارة للجدل. فبعض الخطابات القومية المعاصرة تصفها بأنها مدينة آشورية خالصة استناداً إلى ورود اسمها في النصوص الآشورية بصيغة أربائيلو (Arbailu)، وإلى مكانتها الدينية المهمة خلال العصر الآشوري الحديث.

لكن الأدلة الأثرية والتاريخية تقدم صورة أكثر تعقيداً. فأربيل أقدم بكثير من قيام الدولة الآشورية، إذ يعود تاريخ الاستيطان فيها إلى الألف السادس قبل الميلاد على أقل تقدير. كما ورد اسم المدينة في أرشيف إبلا (تل مرديخ في سوريا) حوالي عام 2400 ق.م بصيغتي إربيلوم (Irbilum)  وأوربيلوم (Urbilum)، أي قبل نحو ألف عام من توسع آشور في شمال بلاد الرافدين. كما يظهر اسمها في نقش الملك الكوتي إريدو-بيزير، وكان حاكمها في تلك الفترة خورياً.[7] وعندما أصبحت المدينة تحت السيطرة الآشورية، استُخدمت الصيغة الآشورية “أربائيلو”، وهو ما ينسجم مع اعتماد الإدارة الآشورية صيغاً أكدية لأسماء كثير من المدن المحلية، كما أعادت، في كثير من الحالات، تسمية مدن أو منحتها أسماءً جديدة لأغراض سياسية. وهي مسألة ذكرها عدد من الباحثين المتخصصين، ومنهم كارين رادنر.[8]

أما إذا عدنا إلى بدايات الدولة الآشورية نفسها، فإن معظم المختصين يتفقون على أن أقدم مركز للآشوريين كان مدينة آشور (قلعة الشرقاط الحالية)، الواقعة على بعد نحو 125 كم جنوب الموصل. وتشير دراسات عديدة إلى أن المدينة كانت تُعرف باسم بالتيل (Baltil)  قبل أن تصبح فيما بعد المركز الرئيس للآشوريين،[9] كما أن عدداً من الباحثين يرجحون أن جذور المدينة السابقة كانت مرتبطة بالسكان الخوريين.[10]  

وينطبق الأمر نفسه على نينوى، التي أصبحت العاصمة السياسية الرئيسية للإمبراطورية الآشورية ابتداءً من نهاية القرن الثامن قبل الميلاد. وكانت هذه المدينة مركزاً مهماً في البيئة الثقافية الخورية، إذ كانت مركز مملكة خورية حتى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، وكان حاكمها الخوري يُدعى تيش-أتَل.[11]

ومن المهم التمييز بين السيطرة السياسية والانتماء السكاني. فقد أقام الآشوريون في الألف الأول قبل الميلاد إمبراطورية واسعة امتدت من جبال زاغروس إلى الأناضول وسوريا وفلسطين ومصر، ووصل نفوذهم إلى قبرص. [12] لكن أحداً لا يقول اليوم إن مصر أو قبرص أصبحتا آشوريتين بسبب خضوعهما المؤقت للإمبراطورية الآشورية.

وبالمثل، أسس الميتانيون خلال الألف الثاني قبل الميلاد إمبراطورية كبيرة امتدت من جبال زاغروس إلى البحر الأبيض المتوسط، وكانت مدينة آشور نفسها إحدى المدن المهمة داخل هذه الإمبراطورية.[13] كما تأثر الفن والدين الآشوريان خلال العصر الآشوري الوسيط (وبشكل خاص القرن الرابع عشر) تأثراً واضحاً بالتراث الميتاني. ومع ذلك، لا يدعي أحد أن بلاد آشور كانت “ميتانية” بالمعنى القومي الحديث، لأن النفوذ السياسي لا يغير بالضرورة الهوية التاريخية للمناطق.

وينطبق المبدأ نفسه على العصر الحديث. فقد ألحقت اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى أجزاء واسعة من كردستان بكل من العراق وسوريا وتركيا وإيران، لكن هذا لم يجعل كردستان عربية أو تركية أو فارسية، لأن الحدود السياسية لا تلغي التاريخ ولا تبدل هوية السكان.

ولا يعني ذلك الادعاء بوجود نقاء عرقي أو استمرارية سكانية خالية من التغير. فمنطقة كردستان، شأنها شأن بقية مناطق الشرق الأدنى، شهدت عبر آلاف السنين وما زالت تشهد هجرات وحروباً وعمليات تهجير واختلاطاً سكانياً تركت جميعها آثارها في تركيبتها الديموغرافية. ولكن وبالرغم من تلك الحقائق فأن الأدلة التاريخية تشير إلى استمرار عدد من الجماعات القديمة في كردستان، مع تطور أسمائها ولغاتها وهوياتها عبر الزمن، حتى ظهور التسمية الحديثة للكرد.

إن الاستناد إلى فترة من السيطرة السياسية لنفي الانتماء التاريخي لشعب ما إلى موطنه لا ينسجم مع المنهج التاريخي. فلو طُبق هذا المنطق على مناطق أخرى، لوجب اعتبار مصر أرضاً رومانية، أو بلاد الشام أرضاً صليبية، وهي استنتاجات لا يقبلها أي مؤرخ.

إن احترام تاريخ جميع شعوب المنطقة، على اختلاف قومياتها ولغاتها وأديانها ومعتقداتها، يقتضي الابتعاد عن احتكار الماضي أو إقصاء الآخرين، والاعتراف بأن بلاد الرافدين كانت، عبر آلاف السنين، موطناً لشعوب متعددة تعايشت وتفاعلت فيما بينها، وتعاقبت عليها دول وإمبراطوريات مختلفة، وكان لكل من تلك الشعوب إسهامه في بناء تاريخ المنطقة وصياغة إرثها الحضاري.

Altaweel, Mark (2025). «The Sand Deposit Underneath the Ishtar Temple in Assur, Iraq: Origin and Implications for the Foundation of the Goddess’s Cult and Sanctuary». Journal of Archaeological Science: Reports 69..

Arnaiz-Villena, Antonio/ Gomez-Casado, Eduardo/ Martinez-Laso , Jorge (2002). Population Genetic Relationships between Mediterranean Populations Determined by HLA Allele Distribution and a Historic Perspective». Tissue Antigens 60, 111-121.

Arnaiz-Villena, Antonio et al. (2017). Genetic HLA Study of Kurds in Iraq, Iran and Tbilisi (Caucasus, Georgia): Relatedness and Medical Implications, PLOS ONE 12, no. 1.

Hennerbichler, Ferdinand (2012). The Origin of the Kurds». Advances in Anthropology 22, 64-79.

أحمد، كوزاد محمد (2020). «بين السهل والجبل: الحقيقة في تبيان ما هو سامي وغير سامي في كردستان القديمة: بحث في اللغة والفن». مجلة جامعة دهوك 24، العدد 1. يمكن قراءة المقال إلكترونياً عبر:
https://www.medaratkurd.com/2026/06/08/12676/.

أحمد، كوزاد محمد. «تاريخ كردستان ما قبل الآريين». في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى. طهران: مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى. يمكن قراءة المقال إلكترونياً عبر:
https://sulaimaniu.academia.edu/KozadAhmed.

حاج درويش، نضال محمود (2021). «الميديون وامتداد إمبراطوريتهم». مجلة زين، العدد 12. السليمانية: مؤسسة زين في إقليم كردستان العراق. يمكن قراءة المقال إلكترونيًا عبر:
https://www.medaratkurd.com/2022/05/08/10542/.

حاج درويش، نضال محمود (2022). أصل الكرد: دراسة في بحث المستشرق الألماني تيودور نولدكه: كَردو والكرد. يمكن قراءة الدراسة إلكترونياً عبر:
https://www.medaratkurd.com/2023/05/01/11103/.


[1] أحمد، https://sulaimaniu.academia.edu/KozadAhmed

[2]  Debevoise 1938, 14.

أحمد 2020، 41-79.

[3]  انظر على سبيل المثال في

Roaf 1990, 204;

   حاج درويش 2022 ، 70-71.

[4] حاج درويش 2021.

[5]  حاج درويش 2022.

[6]  انظر على سبيل المثال في

 Arnaiz-Villena/Gomez-Casado/Martinez-Laso 2002;  Hennerbichler 2012, 70.

[7] MacGinnis 2014;

أحمد 2021.

[8]  انظر على سبي المثال في:    Radner 2013.

[9]  أحمد 2021.

[10]  أحمد 2021.

كشفت التحاليل الجيوأثرية لأساسات معبد عشتار في آشور عن استخدام رمال منقولة من منطقة زاغروس في بداية الألف الثالث ق.م، وهو ما قد يعكس تداخلًا بين تقاليد البناء الدينية الجنوبية والتقاليد الثقافية لشمال بلاد الرافدين، بما في ذلك المجال الخوري. انظر:

Altaweel et al 2025.

[11] أحمد 2021.

[12]  انظر على سبيل المثال في: MacGinnis/Wicke/Greenfield (eds.) 2016.

[13]  حاج درويش 2022.

شارك هذا المقال: