كوباني .. تعدد الأسماء في مدينة واحدة

شارك هذا المقال:

محسن سيدا

     تُعد وثائق الأرشيف العثماني من المصادر بالغة الأهمية في دراسة أسماء القرى والمزارع والمواقع الجغرافية، إذ تسهم في تتبع تطورها التاريخي، من خلال رصد ظهور قرى جديدة في فترات زمنية معينة، أو اندثار بعض القرى واختفاء أسمائها تدريجيا . ومن أبرز هذه الوثائق سجلات الطابو العثمانية، التي تتضمن معلومات قيمة ونادرة عن القرى المنتشرة في سهل سروج، والتي تؤكد -سجلات الطابو العثمانية- أن ملكيتها كانت تعود إلى الأكراد البرازية منذ القرن السادس عشر الميلادي. لم يرد اسم قرية ” كانيا عربان ” أو ” عرب بينار ” في سجلات الطابو العائدة للقرن السادس عشر، ويعد أقدم مصدر عثماني، حسب معرفتي، ورد فيه اسم “عرب بينار ” هو سالنامات ولاية حلب الصادرة خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. إن تأخر ظهور اسم ” عرب بينار” في الوثائق العثمانية يثير جملة من التساؤلات، من بينها ما إذا كانت القرية تعرف باسم آخر في الفترات السابقة، أو أن الموقع لم يكن مأهولا بالسكان، وهو أمر مستبعد من وجهة نظري، أو أن ثمة عوامل أخرى حالت دون ورودها في السجلات المتاحة اليوم. وما يبرر طرح هذه التساؤلات هو أن سجلات القرن السادس عشر تذكر قرية ” مشهد بينار”، ( كانيا مشدي) التي زارها الجغرافي العثماني حاجي خليفة (1609- 1657م) في القرن السابع عشر وتحدث في كتابه “جيهانما” عن مياهها العذبة، كما ورد اسم قرية مقدلة (مَقْتلة، مَكْتلة) في القرن السادس عشر في سجلات الطابو وتشكّل قريتا ” مشهد بينار ” (كانيا مشدي) ومقدلة (مكتلة) اليوم جزءا من مدينة كوباني.

     ارتبطت نشأة مدينة كوباني بالتحولات السياسة والاقتصادية التي رافقت انهيار الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، وما أعقب ذلك من إعادة رسم الحدود وظهور دول حديثة في المنطقة. كما أن الأسماء التي أُطلِقتْ على البلدة الناشئة لم تكن بمعزل عن السياقات العمرانية والاجتماعية التي رافقت تطورها. في إطار مشروع مدً سكة حديد برلين – بغداد، استعانت إحدى الشركات الألمانية بأبناء القرى الكردية المجاورة للعمل مع الشركة كعمال، وقد أقامت الشركة مقار عمل بالقرب من محطة القطارالواقعة بين القريتين الكرديتين، كانيا مشدي وكانيا عربان، فأطلق السكان عليها اسم ” كوباني” وهو اسم محوّر ومخفّف من كلمة ” كامباني” المتداولة آنئذ في إشارة إلى الشركة.   أطلق العثمانيون على المحطة اسم “عرب بينار” وهو ترجمة عثمانية للاسم الكردي ” كانيا عربان”. وسرعان ما أصبح هذا الاسم التسمية العثمانية الرسمية للمحطة، فاعتمده الكتًاب والدبلوماسيون الغربيون في مؤلفاتهم وتقاريرهم. وإلى جانب التسمية الرسمية، بدأ اسم كوباني بالظهور بين سكان القرى المجاورة، قبل أن يصبح الاسم الأكثر تداولا للمدينة لاحقا. فثمة علاقة بين شيوع اسم كوباني وتداوله وبين هجرة الأرياف إلى المدينة. يعد الأرمن من الآباء المؤسسين لمدينة كوباني وتطورها العمراني. فبعد المجازر التي تعرضوا لها عام 1915م على يد الدولة العثمانية، استقر عدد من الناجين في محيط محطة ” عرب بينار ” ، وسرعان ما شرعوا في بناء المنازل والمتاجر وشكلوا نواة عمرانية واقتصادية أسهمت في نشوء المدينة وتطورها خلال العقود اللاحقة. ففي عام 1929م صدر قرار، من الحكومة السورية ،  بتحويل عرب بينار إلى ناحية في إشارة واضحة إلى نموها السريع و كانت  بمثابة جزيرة أرمنية في محيط كردي في بداياتها . وتظهر مذكرات عدد من الأرمن الذين عاشوا في المدينة استخدام الاسم العثماني ” عرب بينار” للدلالة عليها. فقد أشار بيدروس دير بيدروسيان (1884- 1980م ) في مذكراته إلى مشاريعه الاقتصادية في ” عر ب بينار”، كما استخدم الأسقف سركيس غازاريان ، الذي أقام فيها منذ عشرينيات القرن المنصرم حتى أربعينياته، الاسم نفسه في مذكراته . كذلك الأمر استخدم خاتشادور بوغوصيان ، المولود في “عرب بينار”  عام 1946م ، تسمية “عرب بينار ” مع إشارته إلى أن المدينة كانت تعرف باسم ” كوباني ” لدى الأكراد المقيمين فيها وفي القرى المجاورة . تشكل مجلة هاوار مادة مصدرية مهمة لمعرفة الاسم الذي أطلقه  بعض النشطاء والوجهاء الكرد على مدينتهم الناشئة. وتظهر إسهاماتهم أنهم استخدموا تسمية ” كانيا عربان” بدلا من التسمية  العثمانية المتداولة بشكل رسمي آنذاك.  وعلى سبيل المثال لا الحصر ،  دعا الوجيه  أحمد ميلك (1888- 1978م ) في مقالة له إلى فتح المدارس باللغة الكردية في ” كانيا عربان ” غير أن اسم ” كانيا عربان ” لم يترسخ كاسم للمدينة ربما لأنه اسم لقرية معروفة بجغرافيتها لدى السكان وتقع بعيدا، نسبيا، عن مركز المدينة. وتؤكد هذه التسمية ما أورده الكردي الأردني علي سيدو كوراني ( 1908 – 1992م ) في كتابه ” رحلة من عمان إلى العمادية “ إذ ذكر أنه زار ” نبع العرب ” سنة 1934، وحل ضيفا على النائب عن جرابلس، مصطفى شاهين بك. ويضيف ، في معرض حديثه عن تسمية البلدة، أن الكرد يسمونها ” كانيا عربان ” وأن الترك يسمونها “عرب بينار” . كما استخدم الشاعر جكرخوين اسم ” كانيا عربان ” في إحدى قصائده التي تناول فيها البلدات والمدن الكردية في سوريا.     

     يُستنتج مما سبق أن اسم كوباني لم يكن متداولا كاسم للمدينة حتى ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أن ذلك لا يعني أنه لم يكن مستخدما من قبل سكان القرى المجاورة. أصدر الرئيس السوري هاشم الأتاسي عام 1938م، المرسوم الجمهوري رقم 591 لتثبيت حدود قضاء “عين العرب” ويلاحظ أن تسمية ” عين العرب ” جاءت آنذاك لتحل محل الاسم العثماني ” عرب بينار” المأخوذ بدوره من التسمية الكردية ” كانيا عربان “.  وهنا يجدر التنويه إلى أن ما أورده الخوري برصوم أيوب في كتابه” الأصول السريانية في أسماء المدن والقرى السورية ”  من أن اسم ” عين العرب ” ذو أصل آرامي غير صحيح، إذ يستند في تفسيره إلى ما ذكره العلامة اللبناني أنيس فريحة بشأن اسم بلدة ” عين عرب” اللبنانية . وقد فسر أنيس فريحة هذا الاسم في معجمه عن أسماء المدن والقرى اللبنانية بمعنى ” عين الصفصاف وتفسيره يتعلق باسم البلدة اللبنانية ولا يجوز القياس عليه هنا. ومن مجمل ما تقدم، يمكن الاستنتاج أن اسم ” عين العرب ” مشتق من التسمية الكردية ” كانيا عربان ” وهو الاسم الذي أطلقه الكرد على قريتهم الوادعة. ومع تثبيت التسمية العربية الرسمية في عهد الرئيس هاشم الأتاسي، جرى تعريب الاسم إلى عين العرب في حين استمر الاسم الشعبي ” كوباني ” بالتداول والترسخ بالتوازي مع اتساع المدينة ونموها العمراني. وعليه، فإن الاسمين لا يعكسان حالة تناقض أو تناف كما قد يبدو في الوقت الحاضر، بل يمثلان وجهين لتسمية واحدة في سياقين لغويين مختلفين. فـ” كانيا عربان ” تسمية كردية، و ” حي الأكراد ” في دمشق أو في حلب تسمية عربية

      وفي الختام، لا بد من القول إن اسم ” كوباني ” قد أصبح الاسم الراسخ للمدينة، وهو اسم ظهر بصورة عفوية في الاستعمال الشعبي، ثم ترسخ تدريجيا مع مرور الوقت.  

شارك هذا المقال: