أثر خويبون الثقافي و الحراك القومي في كوباني

شارك هذا المقال:

محسن سيدا  

شهدت نهايات الدولة العثمانية تطورات متسارعة تمثلت في إصدار قوانين  جديدة والتي كانت لها انعكاسات واضحة على مجتمعات الأطراف . فعندما شرعت  الدولة العثمانية بمد  خط سكة حديد برلين – بغداد ، انتابت القبائل الكردية مشاعر الريبة والذعر(1) تجاه هذا المشروع الذي سيقوض ما تبقى من استقلالية لنظامهم الاجتماعي ، وقد بادر الزعيمان القبليان  شاهين بك (……- 1911م) ، وهو أحد أعضاء المجلس البلدي في سروج عام (1303هجري – 1885م)  وبصراوي آغا (….- 1951م) إلى طرد عمال الشركة من هضبة مشتنور، المطلة على مدينة كوباني من جهة الجنوب ،  بعد قدومهم إليها لجمع الحجارة البازلتية لبناء السكة الحديدية وطالبا الشركة، التي أعطت عقد استخراج الصخور من مشتنور لتاجر يهودي من سالونيك، بدفع  تعويضات مالية (2). كانت مكاتب الشركة التي شيدت بالقرب من محطة القطار، والقريبة من قرية ” كانيا عربان ” ( عرب بيكار) النواة الأولى لمدينة ستشهد أفول العثمانية وصعود القومية الكردية. لم تكن القبائل في المنطقة بعيدة عن تاثير سياسات الدول العظمى الساعية إلى اقتسام ممتلكات ” الرجل المريض” .

فقد أشار تقرير بريطاني إلى أن قبائل الملية والقركيجية والكيتكان والبرازية وافقت على تشكيل اتحاد يهدف إلى إعلان استقلالها في حال سقوط إسطمبول بيد الجيش البلغاري(3). كما يبدو أن مساعي السياسي وعالم االآثار ليونارد ، الذي كان ينقب إلى جانب ” لورنس  العرب ” في جرابلس، لعقد مصالحة بين بعض الزعامات البرازية  بوساطة ابن عم إبراهيم باشا الملي ، الذي أكد على ضرورة توحيد موقف العرب والكرد ضد الأتراك (4)، جاءت منسجمة مع السياسة البريطانية في المنطقة. وفي السياق ذاته ، التقى زعيم قبيلة الكيتكان عام 1919 في “عرب بينار” مع مجموعة من الزعماء التابعين له بالسلطات العسكرية البريطانية، حيث قرروا تشكيل كتلة مناهضة للأتراك (5).  
تظهر هذه الوقائع أن الزعامات القبلية كانت فاعلة في سير الأحداث بالمنطقة بالرغم من القوانين التي أصدرتها الدولة العثمانية  لجعل الدولة أكثر مركزية ، ومن رحم تلك التطورات  بدأت ملامح القضية الكردية بالظهور في المنطقة . وعندما شاركت بعض هذه الزعامات القبلية في تأسيس  ” خويبون ” كانت فكرة القومية الكردية حاضرة في وعيها السياسي وإن بقيت مثقلة بالنزوع القبلي .

بعد اخفاق ثورة آرارات عام 1930م ،  بدأت خويبون تركز نشاطها داخل الاراضي السورية ومفضلة العمل الثقافي على الكفاح المسلح  وقد تمثل هذا التوجه الجديد في الاهتمام بإحياء اللغة والأدب الكرديين، وجات مجلة هاوار لتشكل نقطة تحول  في الحياة الثقافية  لكرد  سوريا .  كانت العائلة البدرخانية  ذات الشهرة الواسعة في عموم كردستان ،  معروفة  بين سكان سهل سروج ، إذ تشير الاغاني الملحمية المتداولة في المنطقة إلى هذه العائلة ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ملحمة ” دوريشي عفدي ” الشهيرة في تلك الأنحاء التي تشير إلى الصراع بين عشيرة ال” شرقيان ” اليزيدية وأحفاد بدرخان . ولكن لا تتوافر معلومات كافية حول بدايات العلاقة الأولى بين الأمير جلادت بدرخان وابناء شاهين بك  . غير أن الباحثة الألمانية بربارا هيننك  تشير إلى أن مصطفى بك (1889 -1953م)   استأجر للأمير جلادت بدرخان منزلا في حلب عام 1927م ،(6) وهو العام  الذي  شهد تأسيس ” خويبون” على يد مجموعة من المثقفين الكرد، إلى جانب عدد من الزعامات القبلية ، من بينهم مصطفى بك وبوزان بك (1890- 1968م) . كما أضافت جريدة ” الوقت” التركية ، في عددها رقم 4528 الصادرفي 17 أغسطس 1930م ، أسماء جديدة إلى قائمة الفاعلين في خويبون ، وهم بصراوي آغا ، والشيخ نوح (؟) ، والشيخ عبد الله (؟)،  . ومع ذلك لا تتوافر لدينا معلومات دقيقة حول عضوية وطبيعة أدوارهم داخل الجمعية ، لكن الباحثة بربارة تشير إلى محاولات انضمام بصراوي آغا إلى صفوف خويبون (7)  ومن نتائج  العلاقة بين رئيس خويبون الأمير جلادت بدرخان وآل شاهين بك أن الأمير  سجل على قيود قرية آل شاهين بك “مكتله” ، احدى ضواحي مدينة كوباني اليوم، وذلك لنيل الجنسية السورية .

بعد انتكاسة ثورة الشيخ سعيد عام 1925م وبسبب السياسات القمعية التي انتهجتها السلطات وملاحقتها للنشطاء الكرد ، غادر بعض المناضلين والمثقفين الكرد من كردستان الشمالية ولجأوا إلى منطقة الجزيرة الخاضعة  آنذاك للانتداب الفرنسي . ومع ذلك لم تشهد منطقة كوباني موجة مماثلة من اللجوء ، إذ لم يتجه إليها الساسة والمثقفون الكرد ، وربما يعد لجوء أوسمان صبري إليها استثناءا  . فقد لجأ إليها في وقت متأخر نسبيا بعد فشل الثورة ، حيث يذكر في مذكراته أنه وصل إلى (عرب بينار) عام 1929م (8)، واستقر في قرية ” كانيا عربان ” ، ومنها أرسل إحدى مساهماته الأدبية إلى العدد الثاني لمجلة ” هاوار ” وهي قصيدة مهداة للشاعر قدري جان . غير أن الحدث الأبرز في مسيرة أوسمان صبري خلال وجوده في كوباني كان تعرفه إلى الأمير جلادت بدرخان في منزل مصطفى شاهين بك في قرية ” مكتله” ، وهو اللقاء الذي شكل نقطة تحول في حياته، إذ انضم على أثره إلى ” خويبون” (9) وكلف بتنفيذ عمليات عسكرية مع بعض رجالات البرازية داخل الأراضي التركية . لم تكن  ” كوباني ” ،  أو ” Bajar ” ،كما كان يسميها سكان القرى المجاورة ، خاصة  قريتا ” كانيا مشدي” و ” كانيا عربان”،  معزولة عن الحراكين السياسي والثقافي اللذين شهدهما كرد سوريا آنذاك . فمشاركة أبناء شاهين بك  وغيرهم في  قيادة خويبون ، جعلت من كوباني محطة لزيارات السياسيين والمثقفين الكرد .

لقد حفظ لنا ذاكرة المعمرين و بعض الكتابات أسماء هؤلاء الذين كانوا يترددون إليها . ذكر الباحث الكردي روهات آلاكوم في كتابه عن خويبون أن  الجنرال احسان بوري باشا زار مصطفى بك ( حرجو) ، وأثناء زيارته رزق الأخير بمولودة، فأطلق عليها اسم ياشر تيمناً باسم زوجة ضيفه.(10) إلى جانب زيارة إحسان نوري باشا، كان الاخوان جلادت وكاميران بدرخان يترددان الى ” مكتله ”  وكذلك الشاعران قدري جان وجكرخوين . و من الطبيعي أن يترك قدوم هؤلاء المثقفين إلى كوباني أثراً في وعي بعض الشباب الذين كانوا يحضرون مجالسهم ، فانعكس هذا التأثير في إسهاماتهم التي نشرت في مجلة هاوار، والتي شكلت مرأة لوعيهم الثقافي والسياسي .

بدأت نتاجات شباب  كوباني بالظهور في مجلة هاوار  منذ صدورها عام 1932م ، حيث شارك فيها عدد من الشباب من وجهاء المدينة،  من  بينهم لاوي فندي ( نعسان فندي 1904- 1961) )  وحبش اسماعيل (1900- 1968) و مصطفى شاهين بك و شاهين مصطفى  و أحمد ميلك (1888- ……) و بوزان شاهين بك و غيرهم .

في العدد الثاني عشر من المجلة ، كتب مصطفى شاهين مقالا بعنوان ” ما سبب  تخلفنا؟!”  بينما ساهم حبش اسماعيل بمنظومة شعرية بعنوان ” أنين القلب ” دعا فيها إلى  نشر المعرفة بين الكرد ، وكتب شاهين مصطفى شاهين مقالا تناول فيه موضوع ” وحدة الأكراد” ، أما  نعسان فندي ” لاوي فندي ”  فكان مساهمته بمنظومة بعنوان ” الصرخة ” . يمكن القول إن معظم نتاجات هؤلاء الشباب تمحورت حول مسألتين اساسيتين، هما ضرورة نشر المعرفة بين الكرد و تحقيق وحدتهم، وهي القضايا والموضوعات ذاتها التي شغلت المثقفين الكرد منذ نهايات القرن التاسع عشر . وفي العدد السابع عشر من المجلة الصادر عام 1933م ، نشر أحمد ميلك ،  أحد وجهاء قرية تليجب، مقالا بعنوان” يا ويلنا ” دعا فيه إلى ضرورة افتتاح مدرسة في ” كانيا عربان” أسوة بمدارس الأرمن والسريان هناك .  وقد تساءل في مقاله قائلا:  ” لماذا لا نصحو ؟ّ! إن الغالبية من أهلنا من الأثرياء وأهل الدين ، فلماذا لا يتعاونون فيما بينهم لفتح مدرسة بلغتهم؟! لماذا يتم صرف الأموال في أمور لا طائل من ورائها ولا يتم صرفها في أمور ذات فائدة “.
لا يقتصر التفاعل مع مجلة ” هاوار ” على أولئك الشباب الذين نشروا فيها ، إذ تفيد الروايات الشفوية بأن المجلة كانت تصل إلى بعض الشباب الآخرين ، ومن بينهم مدرس الحسين ( 1918م – 1977م) نجل مجحان آغا .
وقد أكد ملا إبراهيم هذا الأمر في الحوار الذي أجريته معه . لقد  أولت صحيفة هاوار ، وصاحب امتيازها الأمير جلادت بدرخان ، اهتماما كبيرا بالفلكلور الكردي وبالمغنين الشعبيين  انسجاما  مع نهجها  في إحياء التراث الكردي ونشر الوعي القومي . ومن أبرز المغنين الذين تأثروا بأفكار جمعية خويبون وجسدوها في أغانيهم ، كل من سعيد آغا الجزيري(1910 – 1957م)  ومشو بكبور(…….- 1956م) ، اللذين يعدان من رواد الأغية القومية الكردية في سورية . وقد حالف الحظ هذين الفنانين، إذ كانا من القلائل من بين المغنين الشعبيين الذين تمكنوا من تسجيل أغانيهم لدى شركة (سودوا) لتسجيل الأسطوانات الغنائية ، التي ازدهر نشاطها خلال فترة الانتداب الفرنسي. اشتهر المغني مشو بأداء  الملاحم الكردية وقد ورث هذا النمط الغنائي عن أسلافه من المغنيين الشعبيين.  . تذكر الروايات الشعبية أن مشو كان مغنيا في ديوان غالب بك قائممقام الفرق الحميدية في سروج ، ثم انتقل من قريته عتمانك إلى قرية ” كانيا عربان ” . ومن هناك بدا يتردد إلى مضافة أبناء شاهين بك بالإضافة إلى مضافة الوجيه مجحان آغا (1864- 1972م) في قرية ” كانيا عربان ” . 
لقد أتاح ، وجود مشو في ديوان أبناء شاهين بك ، له فرصة للتعرف على أعضاء جمعية خويبون والتفاعل مع أفكارهم . 
نشرت هاوار في عددها السابع لعام 1932م خبرا عن زيارة المغنيين مشو وخدو هنداوي  إلى مقر  المجلة ، كما خصت مشو بنشر نماذج من أشعاره الشعبية التي عبر فيها عن انتقاده لإهمال الآباء في تعليم أبنائهم. من أبرز الأغاني التي غناها مشو والتي تعبر عن تحول واضح في وعيه السياسي ، وتشكل في الوقت نفسه مرحلة جديدة في مسيرته الغنائية ، أغنيتا ” لو ولاتو ” و ”  هبوا لنيل الاستقلال” والأخيرة سجلتها شركة سودوا  في نهاية الثلاثينيات على الأرجح  وقد أدى هذه الأغنية كل من حمدي دومان (1929 – 2020) وباران كندش ( 1969- 2003م) ومحمد مامد كاشو ، غير أنها لم تحظ بما تستحقه من شهرة وانتشار . يقول مشو في أغنيته الإيقاعية والطافحة بالحماس القومي : ” لم يتجرأ أحد على الكرمانج  إذا توحدوا ” . وتعد هذه الأغنية، إلى جانب أغنية ” او ملكي كردان  تف سيف و زيره ” للفنان سعيد آغا الجزيري ، من الأغاني القومية الريادية بالنسبة لكرد سوريا . أما أغنية ” لو ولاتو ” فهي تصور مأساة ثورة الشيخ سعيد وما تعرض له الكرد من مظالم على يد الكماليين .
ويرى الشاعر الكبير جكرخوين أن كلمات الأغنية من تأليف مصطفى شاهين بك(11)  وهو الرأي الذي أكده لي المرحوم ملا إبراهيم  إبراهيم (1925- 2015) ، إحدى الشخصيات الدينية المتنورة في كوباني . وفي الختام ، لا بد من الإشارة إلى أن الاحاطة بموضوع ” تأثير خويبون في كوباني ” ليست بالأمر اليسير، ولا سيما في ظل غياب المصادر المكتوبة ورحيل المعاصرين لتلك الأحداث. ومع ذلك ، لا يمكن إنكار أن جمعية خويبون كان لها دور واضح في نشر الوعي السياسي القومي ، حتى قبل تأسيس أول تنظيم كردي في سوريا عام 1957م. وعلى الرغم من أن أنشطتها آنذاك اقتصرت على فئة الأعيان والزعامات العشائرية ، فإن المغني الشعبي مشو بكبور استطاع بصوته أن ينقل ماكان يدور من نقاشات وأفكار في مجالس الأعيان والوجهاء إلى فئات اجتماعية أوسع .  
وهكذا، وفي خضم تلك  التحولات التي شهدتها المنطقة، أدى انهيار الدولة العثمانية وقيام دول جديدة إلى دفع العديد من أعيان الكرد وزعاماتهم القبلية نحو تبديل ولاءاتهم. فبعض القادة الكرد الذين دافعوا عن العثمنة في فترة ما وجدوا أنفسهم لاحقا في صفوف جمعية خويبون، مدفوعين بتحولات المرحلة التي أعقبت رسم الحدود بين سوريا وتركيا عام 1921م ، وهكذا تبدأ  مرحلة نضالية جديدة للأبناء والأحفاد ، يدافعون فيها عن القضية الكردية بدلا من  ” القضية الكرمانجية ” و ينتمون إلى  مدينة كوباني  بدلا من ” كانيا عربان ” .

المصادر والمراجع

1-  Woolley, C.Leonard, Dead Towns and Living Men, pp216, Oxford University Press,1920.(أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأصدقاء الدكتور نضال حج درويش، وراج آل محمد ، و محمد علي أحمد ، على جهودهم في ترجمة النصوص التي استعنت بها في كتابة هذا المقال )

2- نفس المصدر ، ص 218

3- جويدة ، وديع ، الحركة القومية الكردية ، نشاتها و تطورها.، ص 271،ترجمة مجموعة من المترجمين ، منشورات دار الفارابي، بيرت و دار آراس ، أربيل ، الطبعة الأولى: 2013.

4-Woolley,C. Leonard, pp195

5- جويدة ، وديع ، الحركة القومية الكردية ، ص330.

6- Henning, Barbara, Narratives of the History of the Ottoman-Kurdish Bedirhani Family in Imperial and Post- Imperial Contexts Continuities and Chanes. Pp521, University Of Bamberg Press.

7- نفس المصدر ص 521

8- صبري ، أوسمان ، مذكرات ، ترجمة هورامي يزدي و دلاور زنكي، مراجعة توفيق الحسيني، ص 78، منشورات مركز عامودا للثقافة الكردية ( 19) 2003م.

9- نفس المصدر ، ص 80.

10- آلاكوم، روهات ، خويبون وثورة آكري، ترجمه الى العربية رابطة كاوا للثقافة الكردية، مراجعة شكور مصطفى، ص88، الطبعة الأولى : 2001م.

11- Cigerxwin, Jinenigariya Min, r150, wesanen Apec ,Capa Yekem: Stockholm 1995.


المقال منشور في مجلة الحوار العدد ٨٤ للعام ٢٠٢٥

شارك هذا المقال: