مسلم عبد طالاس
غالبا ما يناقش موضوع الحقوق الكردية في سوريا ضمن إطار سياسي أو قومي ضيق: إما باعتباره قضية مظلومية تاريخية، أو باعتباره تهديدا للوحدة الوطنية. هذا المقال يحاول الاقتراب من المسألة من زاوية مختلفة قليلا، هي زاوية الاقتصاد السياسي للمؤسسات. الفكرة الأساسية التي ينطلق منها النص بسيطة: إن الطريقة التي تفهم بها الحقوق — هل هي امتيازات تقتطع من حصص الآخرين أم قواعد عامة تتوسع فائدتها للجميع — تحدد شكل النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ في سوريا. ولتوضيح هذه الفكرة، ينتقل المقال عبر ثلاث خطوات مترابطة: أولا يشرح الفرق بين اقتصاد الامتيازات الريعية و اقتصاد الحقوق. ثم يستخدم مفاهيم مثل اقتصاديات الشبكة والخارجيات الإيجابية لشرح كيف يمكن لتوسيع حقوق مجموعة معينة أن يولد فوائد غير مباشرة لبقية المجتمع. وأخيرا يناقش فكرة “الصوت والخروج” لفهم لماذا يمكن لتوسيع الحقوق الكردية داخل الدولة أن يعزز الاستقرار السياسي بدل أن يهدده.
لفهم هذه الفكرة يجب البدء بالسؤال الأعمق الذي يغيب غالبا عن النقاش العام: كيف تنظم السلطة وتوزع الموارد داخل الدولة؟
فعندما ننظر إلى المسألة الكردية من زاوية الاقتصاد السياسي، لا تبدو مجرد مطالبة أقلية بخصوصية ثقافية، بل جزءا من صراع أوسع بين نموذجين لتنظيم الدولة: نموذج يقوم على اقتصاد الامتيازات الريعية، ونموذج يقوم على اقتصاد الحقوق العامة.
1. اقتصاد الامتيازات مقابل شبكات الحقوق
في الأنظمة السياسية المركزية المغلقة تفهم السلطة عادة كأنها كعكة ثابتة. أي أن أي مكسب لطرف يعني خسارة لطرف آخر. يسمي الاقتصاديون هذا النوع من الصراع اللعبة الصفرية. في هذا النموذج لا تتعامل الدولة مع المجتمع عبر قواعد عامة تنطبق على الجميع، بل عبر نظام امتيازات. الامتياز، في الاقتصاد السياسي، يشبه ما يسمى الريع السياسي: منفعة أو موقع سلطة تمنحه الدولة لفئة معينة مقابل الولاء. ولكي يحتفظ الامتياز بقيمته يجب أن يبقى نادرا، أي أن يحصل عليه البعض ويحرم منه الآخرون. بهذه الطريقة تتحول السياسة إلى منافسة مستمرة على الاقتراب من السلطة للحصول على نصيب من الامتيازات. عندما تظهر مطالب كردية بالاعتراف الثقافي أو اللامركزية بمختلف اشكالها، يتفاعل هذا الوعي السياسي — الذي تشكل في ظل اقتصاد الامتيازات — بطريقة شبه تلقائية. فيفسر أي مطلب كردي كأنه امتياز جديد سيقتطع من حصص الآخرين.
لكن الاقتصاد السياسي يقدم طريقة مختلفة لفهم المسألة، وهي فكرة اقتصاديات الشبكة. في عالم التكنولوجيا، تزداد قيمة الشبكات كلما ازداد عدد المستخدمين فيها. الهاتف لم يكن ذا قيمة كبيرة عندما كان عدد مستخدميه قليلا، لكن مع توسع الشبكة أصبح أكثر فائدة للجميع. كل مستخدم جديد يضيف قيمة لبقية المستخدمين. الحقوق السياسية تعمل بطريقة مشابهة.
فعندما ينتزع اعتراف قانوني باللغة الكردية أو بالإدارة المحلية، لا يتم إنشاء “جزيرة منفصلة”. بل يجري توسيع قاعدة الحقوق داخل الدولة. كل حق جديد يصبح جزءا من شبكة أوسع من القواعد التي تحمي المجتمع. والنتيجة أن قدرة السلطة على الاستبداد تتقلص تدريجيا. فعندما تصبح الدولة عاجزة قانونيا عن قمع هوية معينة، فإنها تفقد جزءا من أدواتها المعيارية في قمع مطالب مجتمعية أخرى — سواء في درعا أو السويداء أو حلب.
2.الخارجيات الإيجابية: حق جارك يحميك
في علم الاقتصاد يوجد مفهوم يسمى الخارجيات. الخارجية تعني أن قرارا ما ينتج آثارا غير مباشرة على أطراف لم تكن جزءا من القرار. عندما تكون هذه الآثار مفيدة تسمى خارجيات إيجابية. مثال بسيط: عندما يزرع شخص أشجارا في شارع ما، لا يستفيد هو فقط من الظل، بل يستفيد كل من يمر في الشارع. الحقوق تعمل بطريقة مشابهة. عندما يحصل مجتمع ما على حقوق محمية قانونيا، فإن أثر ذلك لا يبقى محصورا داخل ذلك المجتمع. بل يمتد إلى بقية المجتمع. إذا نجحت منطقة ما في ترسيخ نظام إدارة محلية يتمتع بسلطات حقيقية، فإن هذا يخلق سابقة مؤسساتية داخل الدولة. هذه السابقة ترفع سقف التوقعات لدى بقية المواطنين. يصبح السؤال في بقية المحافظات: إذا كان هذا ممكنا هناك، فلماذا لا يكون ممكنا هنا؟
من منظور الاقتصاد السياسي، يؤدي ذلك إلى تقليل ما يسميه الاقتصاديون تكاليف المعاملات السياسية. والمقصود بهذه التكاليف هو الجهد والوقت والموارد التي يحتاجها المواطن للحصول على حقوقه أو التأثير في القرار السياسي. عندما تصبح الحقوق مؤسساتية وقابلة للمطالبة القانونية، لا يعود المواطن مضطرا إلى استجداء “مكرمة” من المركز، بل يستطيع الاستناد إلى قاعدة عامة تطبق على الجميع. من هنا، يصبح الدفاع عن الحقوق الكردية ليس مجرد تضامن أخلاقي، بل استثمار سياسي عقلاني. لأن توسيع قاعدة الحقوق في مكان واحد يخلق آثارا إيجابية تمتد إلى بقية المجتمع.
3. استرايجيات الصوت والخروج
قدم عالم الاقتصاد والسياسة Hirschman فكرة مهمة لفهم علاقة الأفراد بالمؤسسات. عندما يشعر الناس أن مؤسسة ما لم تعد تخدمهم، يكون أمامهم خياران أساسيان: الصوت :محاولة تغيير النظام من الداخل عبر الاحتجاج أو التفاوض أو المشاركة السياسية. او الخروج الانسحاب من النظام والبحث عن بديل خارج إطاره. لنأخذ مثالا بسيطا من الحياة اليومية. إذا أصبح متجر ما يقدم خدمة سيئة، يستطيع الزبائن أن يفعلوا أحد أمرين: إما أن يشتكوا ويطالبوا بتحسين الخدمة، أو أن يتركوا المتجر ويذهبوا إلى متجر آخر. في السياسة يحدث شيء مشابه. عندما لا تملك المجتمعات سوى خيار الخضوع للسلطة المركزية، يصبح “الصوت” ضعيفا. أما عندما توجد قنوات مؤسسية للتعبير — مثل الإدارة المحلية أو اللامركزية — يصبح للصوت وزن أكبر.
هنا تظهر أهمية إعادة فهم حق تقرير المصير. هذا الحق لا يعني بالضرورة الانفصال وتأسيس دولة مستقلة. ففي الأدبيات السياسية يوجد أيضا ما يسمى تقرير المصير الداخلي، أي قدرة الجماعات على إدارة شؤونها داخل الدولة عبر الحكم المحلي أو اللامركزية. من منظور نظرية هيرشمان، توسيع هذا النوع من الحقوق يقوي خيار الصوت ويجعل خيار الخروج أقل جاذبية. الدولة التي تمنح مجتمعاتها القدرة على المشاركة في إدارة شؤونها تصبح أكثر استقرارا، لأن المواطنين يشعرون أن لديهم ما يخسرونه إذا انهار النظام.
4. كسر منطق المقايضة الصفرية
تكمن المشكلة الأساسية في النقاش السوري في الافتراض بأن الحقوق الكردية هي خصم من رصيد العرب أو بقية السوريين. هذا التصور هو نتيجة سنوات طويلة من سياسات الدولة المركزية التي أدارت المجتمع عبر توزيع الامتيازات بين المكونات. لكن عندما ننظر إلى المسألة من زاوية الاقتصاد السياسي يتضح أن توسيع الإدارة المحلية أو اللامركزية أو الاعتراف بالتعددية الثقافية لا يعني تقسيم الموارد بقدر ما يعني إعادة تنظيم استخدامها. التجارب الاقتصادية حول العالم تظهر أن المجتمعات التي تدير جزءا من مواردها محليا تكون أكثر قدرة على مراقبة الإنفاق العام وتقليل الفساد. وعندما ينجح نموذج إدارة محلية في منطقة ما، فإنه يخلق ما يمكن تسميته منافسة مؤسساتية بين المناطق. أي أن نجاح تجربة معينة يضغط على بقية المناطق للمطالبة بمعايير مشابهة من الشفافية والكفاءة. بهذه الطريقة لا يؤدي توسيع الحقوق إلى تقسيم الدولة، بل إلى تحسين أداء مؤسساتها.
5. نحو عقد اجتماعي يتجاوز الامتيازات
الخطر الحقيقي على وحدة سوريا ليس في تعدد الحقوق، بل في استمرار نظام الامتيازات الذي يخدم نخبة ضيقة على حساب المجتمع كله. التحول من دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق يعني الانتقال من نظام يقوم على توزيع المكاسب بين المجموعات إلى نظام يقوم على قواعد عامة تنطبق على الجميع. لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه السوريين اليوم ليس: ماذا يريد الكرد؟ بل سؤال أعمق بكثير: أي نوع من الدولة نريد؟ هل نريد دولة تعيش على توزيع الامتيازات وإدارة الصراعات بين مكوناتها؟ أم دولة تقوم على اقتصاديات الحقوق، حيث تزداد قيمة المواطنة لكل فرد كلما اتسعت شبكة الحقوق لتشمل الآخرين؟
إذا كان الهدف هو بناء دولة مؤسساتية تحمي الجميع، فإن احتضان الحقوق الكردية ليس تنازلا سياسيا، بل خطوة أساسية في بناء عقد اجتماعي جديد. ففي عالم الحقوق، على عكس عالم الامتيازات، كل حق ينتزع لمجموعة يصبح جزءا من البنية التحتية السياسية التي تحمي حقوق بقية المجتمع أيضا.
