كيڤورك خاتون وانيس
مهما بدت صفحات كتب تاريخ المآسي البشرية كالحروب والمذابح والحروب الاهلية والتصفيات العرقية، سوداء إلا أنها تتضمن مع ذلك صفحات بيضاء.
صحيح أنها قليلة بالقياس إلى كم الصفحات السوداء أو الحمراء، وصحيح أنها صفحات مهملة أو منسية إلا أنها صفحات فريدة في نصاعتها لأنها تحيي الثقة بالإنسانية والعمل الخّير، إذ أنها تتضمن جهود استثنائية جبارة وتضحيات هائلة.
إنها صفحة الجنود المجهولين الذين يحسون بألم المستضعفين ويسمعون أنينهم حتى وإن كانوا على مسافات بعيدة عنهم، فيسيرون وراء ضمائرهم الحية، ليشاركوا الآلام ويضمدوا الجراح ويكونوا صوتاً لمن ليس لهم صوت.
مهما تكلمنا عن نبل وشجاعة وإنسانية الكثيرين من أبناء المنطقة ( رابط مقال السنة الفائتة) الذين لم يترددوا في انقاذ أرواح أخوتهم في الإنسانية فأننا لن نوفيهم حقهم فقد غامروا بحياتهم وحياة عائلاتهم في سبيل هذه المواقف، ودفع العديد منهم حياته ثمناً لها.
كلما حلّت ذكرى المأساة الكبرى التي اتخذت من يوم 24 نيسان / أبريل 1915 رمزاً لها، لا بد من استذكار كل الضمائر الحية التي وقفت مع المظلومين الأبرياء سواء بالكلمة أو الفعل، إذ أنهم كانوا السبب في انقاذ آلاف الأرواح ومدّهم بنسغ الحياة من جديد: بدون هذه الضمائر لا طعم للحياة سوى المرار ولا لون لها سوى السواد!
واليوم أيضأ ونحن نستذكر أولئك الضحايا نكتشف شكلاً آخراً من التضحية لا يقل أهمية وأثراً عن تضحيات أبناء المنطقة، بطلاته خمس فتيات غادرن بلادهن في أقصى الشمال الأوروبي في بداية القرن العشرين إلى جنوب شرقي الاناضول بعد أن وصلت إلى اسماعهن أخبار المجازر التي يتعرض أرمن الإمبراطورية العثمانية والمعاناة التي يعيشها نتيجة سياسة التهجير والقتل التي تنتهجها السلطات العثمانية .
ألا تعجز القواميس أحياناً عن تزويدنا بمصطلح أو تعبير يصلح استخدامه في وصف تضحيات فريدة في انسانيتها، بعبارة أخرى
، هل تسعفنا القواميس بوصفٍ يفي حق من يحس بألمك ومعاناتك وهو على بعد ألاف الاميال منك، فيتخلى دون تردد عن عشه الآمن ويقرر الانتقال للعيش إلى جانبك في واحدة من أحلك فترات التاريخ حينذاك ( جنوب شرقي الاناضول قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها وبعدها بسنوات) من أجل مشاركتك الألم لا بل والعمل على تضميد جراحك وانقاذك من الموت المحقق ؟!.
أهل الخير في زمن الشرور الفظيعة
ماريا ياكوبسن Maria Jacobsen … من الدنمارك إلى جبيل!
تركزت جهود مايريك ماريا ( مايريك تعني ماما بالأرمنية؛ لقب اعتاد الأرمن على مناداتها بها) الإنسانية في عملها في المشفى الامريكي في خاربيرد (هاربوت، إيلازيغ في تركيا الحديثة). التي وصلتها 1906عندما كانت في الرابعة والعشرين من عمرها ، فأنقذت حياة الالاف من الايتام خلال التصفية العرقية التي تعرض لها الأرمن في 1915، وعندما تم ترحيل كل الامريكان من الدولة العثمانية بسبب دخول الولايات المتحدة الامريكية الحرب العالمية الأولى، بقيت ماريا تدير المشفى لوحدها التي كانت تهتم برعاية أولئك الايتام و إطعام 4500 طفل في وقت من الأوقات العصيبة.
اضطرت ماريا إلى العودة إلى الدنمارك في 1919 بعد اصابتها بالتيفوس الذي انتشر بين الأطفال الذين ترعاهم، لكنها سرعان ما عادت إلى لبنان بعد أن علمت بأن منظمة الإغاثة المعنية بالشرق الأدنى قد بدأت بترحيل الأطفال، تجنباً لموجات اضطهاد جديدة، لتؤسس في منطقة جبيل دار ايتام عش الطائر الذي ضم 200 طفلاً.
وصف الزوار هذه الدار بأنها أشبه بمدرسة منها بدار للأيتام، إذ كانت نظيفة ومنضبطة للغاية، ويتلقى الأطفال فيها دروسًا، وتتعلم الفتيات فنون التطريز الرائعة. ومن المثير للدهشة أن ماريا حافظت على استمرار عمل الدار خلال الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1950 أصبحت أول امرأة تحصل على الميدالية الذهبية الدنماركية تقديرًا لجهودها الإنسانية.
توفيت ماريا في نيسان / ابريل 1960 في لبنان ودُفنت في حديقة دار الايتام بناءً على وصيتها!
كارن يابه Karen Jeppe ….من الدنمارك إلى حلب

Karen Jeppe
وصلت كارن إلى منطقة أورفه في 1903 وبدأت عملها كمّدرسة. في عام 1909، بعد مجازر أضنة، واصلت كارن عملها في توفير لقمة العيش للأرمن، فاشترت قطعة أرض في الجبال، حيث زرعت كروم العنب، وبنت علاقات طيبة مع الكُرد والعرب.
بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، التي خلالها ارتُكبت التصفية العرقية للأرمن، حاولت كارن تنظيم جهود الإنقاذ ومساعدة اللاجئين الأرمن الذين كان يتم تهجيرهم عبر أورفه، إلى الموت في صحراء دير الزور السورية، حيث وفرت لهم المآكل والمشرب وأخفت العديد منهم. لم تغادر أورفه أبدًا خلال الحرب وساعدت الكثير من الأرمن على الفرار من خلال تنكرهم بالزي الكردي و العربي. بعد الحرب العالمية الأولى، أُجبرت، بسبب اعتلال صحتها، على العودة إلى الدنمارك عام 1918.
بعد 3 سنوات عادت إلى حلب في 1921 وقامت بإنشاء مدارس وورش عمل ومستوصفات طبية ودور ايتام بصفتها مديرة مفوضية الشرق الأدنى لحماية الأطفال والنساء في حلب. كانت كارن وراء تحرير أكثر من ألفي امرأة أرمنية من العبودية .
توفيت كارن في 1935 في حلب ودفنت في مقابرها .
Bodil Katharine Biørn الام كاترينا …من النرويج إلى موش
ولدت بوديل كاثرين لعائلة غنية. فهي ابنة مالك سفينة ثري، وكانت واحدة من الفتيات القليلات نسبياً في محيطها اللواتي حظين بتعليم واسع النطاق.
غادرت النرويج إلى جنوب شرقي الاناضول في 1905، بعد أن انهت دراسة التمريض في ألمانيا، حيث بدأت عملها كممرضة خاربيرت (هاربوت، إيلازيغ في تركيا الحديثة). ، ولاحقاً في منطقة موش. ساهمت في فتح مدارس ومراكز رعاية صحية لارامل وايتام ضحايا المجازرالتي تعرض لها أرمن الإمبراطورية العثمانية في 1915، كما عملت في دور الايتام الأرمن في سوريا وأرمينيا وتركيا؛ بحلول نهاية عام 1918، أنقذت كاثرين المئات من الأيتام والنساء الأرمنيات.
في عام 1922 أسست دار ايتام في أرمينيا السوفيتية.
في عام 1926 انتقلت إلى سوريا، حيث عملت في دور الأيتام لرعاية الأطفال الأرمن حتى عام 1935.
توفيت في النرويج 1960
آلما يوهانسون Alma Johansson : شعب في المنفى
وصلت آلما إلى جنوب شرق الاناضول 1901 قادمة من السويد، حيث عملت في منطقة موش في دار ايتام الأرمن حتى 1915. وكشاهد عيان على الاعمال الوحشية التي ارتُكبت في 1915 دونت مشاهداتها في كتاب صدر بالسويدية في 1930: شعب في المنفى: سنة من التاريخ الأرمني Ett folk i landsflykt: Ett år ur armeniernas historia
في عام 1923 انتقلت إلى مدينة سالونيك (اليونان) واسست معملاً لأكثر من 200 لاجئة ارمنية ، كما أسست رياض أطفال ومدرسة ابتدائية في مدينة خاريلاوس (اليونان).
توفيت في 1974 حيث روى مثواها التراب في مدينة Enskede في ضواحي ستوكهولم.
آنا بول Anna Büll …. امن منقذة للاجئين إلى لاجئة!
ولدت آنا في أستونيا التي كانت حينها جزءاً من الإمبراطورية الألمانية، واصحبت جزءاً من الاتحاد السوفيتي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.
بعد سماعها بالأهوال التي يقاسيها أرمن الدولة العثمانية غادرت إلى مدينة مرعش حيث عملت كمدرسة في مدارس الايتام الأرمن من 1911- 1916، خلال هذه الفترة كانت شاهداً على المذابح التي يتعرض لها الأرمن فأنقذت حياة حوالى ألفي طفل وامرأة عندما كانت مرعش قد تحولت إلى “مدينة الايتام”.
في نهاية 1921، بعد فترة غير قصيرة قضتها في النمسا للعناية بعمتها المريضة، عادت آنا إلى حلب حيث ساهمت في انشاء مخيم لاجئين للناجين من المذابح، كما نظمت مساعدة طبية لضحايا الطاعون حيث ساهمت في بناء مشفيين، بالإضافة إلى العديد من ورش الحياكة ومدرسة أرمنية وغيرها من المشاريع التي من شأنها تحسين ظروف حياة اللاجئين .
في عام 1951، عندما عاد معظم اللاجئين الذين كانت ترعاهم إلى أرمينيا السوفيتية، رفضت السلطات السوفيتية منح آنا تأشيرة دخول. كما مُنعت من العودة إلى موطنها إستونيا الذي كان آنذاك تحت الاحتلال السوفيتي. بعد أن تحولت آنا نفسها إلى لاجئة، انتقلت إلى أوروبا وواصلت عملها الخيري في فرنسا وسويسرا وألمانيا، حيث عاشت بقية حياتها دون أن تتخلى عن جنسيتها الإستونية.
توفيت في مدينة هايدلبرغ الألمانية في 1981 بعد أكثر من 40عاماً قضتها في العمل الإنساني في خدمة اللاجئين الأرمن.
حتى لا يبقى “الجندي المجهول” مجهولاً !
كبقية كل الشعوب الوفية التي لا تنس من أضاء لها الطريق في ليالي التاريخ الحالكة، لم ولن ينس الأرمن من رسمن لهم خارطة النجاة، حيث لم يتوان الشعب الارمني على مر الاجيال عن تخليد ذكراهن لكي يصبحن قدوة في التضحية والعمل الإنساني على مر العصور. فعبّروا ولازالوا يعبّرون عن ذلك بوسائل ومناسبات وفعاليات شتى، نذكر منها:
تشرفت جمهورية أرمينيا بإصدار بطاقات وطوابع بريدية تخلد صور وأسماء كل منهن، كما تم تثبيت صندوق زجاجي يحتوي تراباً من قبورهن على جدار الذكرى في متحف ومعهد الابادة في العاصمة يريفان.
قامت بلدة إيجيفان Ijevan (جمهورية أرمينيا) بإطلاق اسم الام مارياعلى روضة أطفال، وتم تخليد الأم آلما في جمهورية أرمينيا بإطلاق اسمها على احد شوارع العاصمة يريفان وإقامة تمثال نصفي لها وللام آنا في العاصمة يريفان.
بمبادرة أرمن مدينة حلب، تم اقامة نصبين تذكاريين للام كاترينا أحدهما في حلب، وشحن الثاني إلى مدينة كراغيرو Kragerø (النرويج) ونصبه هناك. كما تم تخليد اسم الأم كارن عبر اطلاق اسمها على أول مدرسة أرمنية في مدينة حلب في عام 1946.
قام أرمن الشتات في أمريكا بتخليد ذكرى الام ماريا بإقامة تمثال نصفي في ولاية كاليفورنيا.
أقامت الجمعية الثقافية الارمنية في استونيا لوحة تذكارية للان آنا في مسقط رأسها في مدينة هابسالو Haapsalu.
أخيراً وليس أخراً، طوبى لكل من كتب عن ألم المستضعفين ووقف إلى جانب المظلومين!
