هل كانت الثورة الفرنسية حقاً ثورة؟

شارك هذا المقال:

البروفيسور ريدر ماليكس

ترجمة كيڤورك خاتون وانيس

يحتفل الفرنسيون بالعيد الوطني في الرابع عشر من تموز / يوليو من كل عام، مستذكرين اقتحام سجن الباستيل، الرمز البغيض للنظام القديم. ووفقًا للرواية الكلاسيكية، تمكّن الشعب المتحد من امتلاك زمام أموره ، فولدت فرنسا الحديثة من رحم ثورة بطولية. لكن من وجهة نظر إيمانويل كانط (1724-1804)، الفيلسوف الألماني الشهير، لم تكن هناك ثورة حقيقية، بالمعنى المتعارف عليه بأنه تغيير أو إسقاط النظام القديم بطرق عنيفة غير قانونية. ففي أعقاب تلك الأحداث، خلص كانط إلى أن الملك، بارتكابه لـ”خطأ جسيم في التقدير”، قد تنازل عن العرش دون قصد، تاركاً السلطة للشعب. فهل كانت حقاً ثورة أم لا؟

كثيرًا ما يُنظر إلى وجهة نظر كانط بازدراء باعتبارها وسيلة ملتوية لتبرير الثورة دون التصريح  بذلك علناً. فالدفاع العلني عن الثورة كان من شأنه أن يثير غضب ملك بروسيا ( مملكة سبقت وجود الإمبراطورية الألمانية وكان كانط من رعاياها- المترجم)، الذي شأنه شأن جميع ملوك أوروبا، يخشى تقدم الثورة، وقد يؤدي تأييد قادة الرأي إلى تسريع هذه النتيجة سيما وأن كانط، الأستاذ في كونيغسبرغ Königsberg، هو أبرز فلاسفة ألمانيا وله أتباع كثر، ودافع عن نظرية أخلاقية مثالية للغاية تتشابه بوضوح مع مُثل الحرية والمساواة والإخاء. ولذا، ربما كان الخوف من الرقابة هو السبب الذي دفع كانط إلى تحريف الحدث وتصويره على أنه شيء آخر مختلف عن الثورة.

لكن أليس من المحتمل أن يكون كانط صادقاً في تفسيره؟ إذا راجعنا مواقف وآراء كانط السياسية في سياقها، فإن أول ما نلاحظه هو نطاق حجته: فقد كانت تخص أحداث عام 1789، لا التحولات المتعددة (والدموية) التي شهدها العقد التالي. علاوة على ذلك، فإن الأحداث التي كان يقصدها كانت أشبه بانتقال ديمقراطي منظم إلى حد كبير. حيث كان الملك لويس السادس عشر يواجه أزمة ديون كارثية، وكانت مؤسساته القضائية عصية على فرض ضرائب جديدة لسداد الدين. ولحل هذه المشكلة، دعا الملك، الحاكم المطلق، جميع دافعي الضرائب الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 25عاماً لانتخاب نواب في مجلس تمثيلي (يُسمى مجلس طبقات الأمة)، والذي كان من المفترض أن يتداول في حلول الدين وكيفية تحسين الرخاء الاقتصادي للدولة بشكل عام. اجتمعت هذه الجمعية شبه الديمقراطية في فرساي في الخامس من مايو عام 1789. تم تشكيل الجمعية لتمنح حق النقض لطبقتي النبلاء ورجال الدين – حماة النظام القديم – ولكن بمبادرة من عامة الشعب، سرعان ما تخلت الجمعية عن هذا القيد. وبتأكيد سيادتها، بدأت الجمعية في التحضير لدستور جديد يكرس قيم الحرية والمساواة والإخاء

يُنظر إلى هذا عادةً على أنه فعل ثوري، إذ لم يكن الملك ينوي التخلي عن سلطته المطلقة، بل كان قد طلب المشورة بشأن كيفية إدارة البلاد. لكن وفقًا لكانط، لم تكن نوايا الملك ذات أهمية. فبمجرد ارتكابه خطأ إنشاء هيئة تمثيلية، لم يعد الحاكم المطلق. إذ أن مفهوم الحكم المطلق يرتكز على فكرة أن الملك هو الممثل الوحيد للشعب (الذي لولاه يتحول إلى غوغاء تعمّه الفوضى). وبمجرد تخلي الملك عن هذه المهمة، لم يعد بإمكانه الادعاء بأنه الحاكم، “وانتقلت سيادته تلقائياً إلى الشعب”.

لم يكن رأي كانط غريباً في ذلك الوقت. فقد اعتقد إدموند بيرك (1729-1797) أيضاً أن الملك قد تخلى عن السيادة المطلقة، وهو ما أسعد المفكر السياسي المحافظ الذي كان متشككاً في السلطة المطلقة سواء كانت في يد الملك أو الشعب. لكن بيرك وكانط اختلفا حول البديل الذي حل محله. فقد خلص بيرك إلى أن السلطة عادت إلى النظام الإقطاعي القديم الذي كان سائدًا قبل الحكم الملكي المطلق، حيث كانت السلطة موزعة بين الكنيسة والنبلاء والعامة والملك. أما كانط، فلم يعتبر حكومة بهذا الشكل المختلط حكومة حقيقية، بل مجرد تجمع من مجموعات وأفراد يسعون وراء مصالحهم الخاصة.

علاوة على ذلك، فإن الجمعية التمثيلية التي دعا إليها لويس السادس عشر كانت منتخبة من الشعب (أو على الأقل من قبل الذكور من أصحاب الأملاك)، وكان من المفترض أن تمثل ليس فقط فئات معينة، بل الأمة بأسرها. يتوافق هذا تماماً مع رؤية كانط للسيادة الشعبية باعتبارها المصدر الأسمى للعدالة في أي حكومة. وقد شارك كانط هذه الرؤية مع إيمانويل جوزيف سييس (1748-1836)، الذي لم يكن فقط الزعيم الشعبي الفرنسي الأكثر نفوذًا، بل كان أيضاً من المعجبين بأفكار كانط. ومثل سييس، لم يكن كانط يكره الملكية، بل كان يرى ببساطة أنه بمجرد إنشاء الجمعية الشعبية، تحوّل الملك إلى ملك دستوري، وفقد حق التراجع عن هذا الاجراء. لم تكن الانتفاضة الشعبية التي أعقبت ذلك في صيف عام 1789، والتي بلغت ذروتها باقتحام الباستيل، ثورة، لأن السيادة كانت بالفعل للشعب. بل كانت مجرد نتيجة لمخاوف شعبية من أن يستعيد الملك السلطة التي تخلى عنها.

إذا كان كانط محقاً، فعلينا إعادة النظر في الرواية السائدة المتعلقة بتأسيس فرنسا الحديثة. إذ لم تكن ثورة عنيفة قادتها الجماهير الشجاعة، بل كانت انتقالاً ديمقراطياً أطلق عنانه الملك بنفسه. ولعله الأجدر بفرنسا أن تحتفل بعيدها الوطني في الخامس من أيار/ مايو.

شارك هذا المقال: