د. مسلم عبد طالاس
مرت أكثر من ثمانية عشر شهرا على انتخابات برلمان إقليم كردستان في أكتوبر 2024، ولا تزال الحكومة الجديدة غائبة. في الظاهر، يبدو ذلك استمرارا لنمط مألوف من التأخير في تشكيل الحكومات. لكن هذا التفسير لم يعد كافيا. ما يحدث اليوم يشير إلى مشكلة أعمق: ربما النظام السياسي نفسه لم يعد قادرا على تحويل نتائج الانتخابات إلى سلطة حاكمة.
لا يبدو أن هذه أزمة تفاوض عادية بين أحزاب، بل علامة على أن القواعد الناظمة للعملية السياسية في الإقليم بدأت تتفكك. فالنظام الذي نجح لسنوات في إنتاج الاستقرار—رغم تناقضاته—كان يعتمد على توازن غير مكتوب بين القوة السياسية والموارد المالية. ومع تغير هذا التوازن، لم تعد الانتخابات وحدها كافية لإنتاج حكومة.
لفهم ما يجري، لا بد من النظر إلى الأزمة كنتاج تفاعل بين ثلاثة تحولات متزامنة: تغير ميزان القوة بين الأحزاب، تقلص الموارد التي كانت تستخدم لإدارة الخلافات، وضعف المؤسسات التي يفترض أن تنظم هذا التنافس. هذه العوامل لم تعمل بشكل منفصل، بل تفاعلت لتقويض الإطار الذي كان يسمح للنظام بالاستمرار.
من تسوية مستقرة إلى صراع على قواعد الحكم
لأكثر من عقد، لم يكن الاستقرار السياسي في إقليم كردستان نتاج مؤسسات قوية بقدر ما كان نتيجة تسوية سياسية غير مكتوبة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. هذه التسوية قامت على مبدأ بسيط لكنه فعال: كل طرف يمتلك ما يكفي من القوة لتعطيل الآخر، وفي الوقت نفسه ما يكفي من الحوافز لتجنب المواجهة المفتوحة. وبهذا المعنى، لم يكن التوازن قائما على الثقة، بل على إدراك متبادل لحدود القوة.
هذا الترتيب لم يكن مثاليا، لكنه كان عمليا. فقد سمح بتقاسم السلطة وإدارة الموارد بطريقة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، حتى في ظل ضعف المؤسسات الرسمية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القواعد غير المكتوبة إلى ما يشبه “نظاماً ضمنياً” للحكم، يعمل خارج النصوص الدستورية لكنه يحدد كيفية اتخاذ القرار فعلياً
غير أن هذا النظام بدأ يتآكل عندما تغيرت الشروط التي قام عليها. انتخابات 2024 لم تُنتج فقط نتائج رقمية جديدة، بل كشفت عن تحول أعمق في ميزان القوة. الحزب الديمقراطي، الذي عزز موقعه الانتخابي، لم يعد يرى مبررا للاستمرار في نموذج تقاسم السلطة الذي يمنح الطرف الآخر وزنا يفوق حجمه البرلماني. من وجهة نظره، لم يعد التوازن القديم يعكس الواقع السياسي الجديد.
في المقابل، لم يتعامل الاتحاد الوطني مع هذا التحول كأمر يمكن استيعابه، بل كتهديد مباشر لموقعه داخل النظام. وبدلا من القبول بإعادة توزيع السلطة وفق منطق الأغلبية، اعتمد على ما يمتلكه من أدوات بديلة—الجغرافيا، النفوذ الأمني، والعلاقات السياسية خارج الإقليم—لإعادة فرض نفسه كطرف لا يمكن تجاوزه.
وهنا يتغير منطق الصراع بشكل جوهري. لم يعد التنافس يدور حول من يحصل على أي وزارة أو منصب، بل حول سؤال أكثر أساسية: هل يجب أن يستمر النظام كصيغة تقاسم بين قوتين، أم يتحول إلى نظام يعكس تفوق طرف واحد؟ وفي غياب اتفاق على هذا السؤال، تصبح كل تفاصيل التفاوض—من توزيع المناصب إلى تشكيل الحكومة—مجرد انعكاس لهذا الخلاف الأعمق.
الأهم من ذلك أن هذا التحول لم يحدث داخل إطار مؤسسي قادر على احتوائه. ففي الأنظمة التي تمتلك قواعد دستورية واضحة وآليات مستقلة للفصل بين السلطات، يمكن استيعاب تغيرات ميزان القوة من خلال إعادة توزيع السلطة بشكل منظم. أما في حالة كردستان، حيث ظل النظام يعتمد على تفاهمات غير رسمية، فإن أي خلل في هذا التوازن يؤدي مباشرة إلى شلل سياسي.
بهذا المعنى، لم تكن نتائج الانتخابات سبب الأزمة، بل كاشفا لها. فقد أظهرت أن التسوية التي ضمنت الاستقرار لسنوات لم تعد تعكس الواقع، وأن النظام السياسي لم يطور آليات بديلة لإدارة هذا التحول. ونتيجة لذلك، وجد الإقليم نفسه في وضع تكون فيه كل الأطراف قادرة على منع الحل، دون أن تكون أي منها قادرة على فرضه.
بغداد كساحة بديلة للصراع الكردي
مع تعثر التوافق داخل الإقليم، لم يبق الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني محصورا في أربيل أو السليمانية. تدريجيا، انتقل جزء مهم منه إلى بغداد، حيث أصبحت المؤسسات الاتحادية والتحالفات الوطنية أدوات لإعادة موازنة القوة داخل البيت الكردي نفسه.
هذا التحول مهم لأنه يغيّر طبيعة الخلاف. فبدلا من أن يدخل الحزبان إلى بغداد بموقف كردي موحد للتفاوض مع القوى العراقية الأخرى، أصبح كل طرف يستخدم علاقاته الاتحادية لتعزيز موقعه في مواجهة الطرف الآخر. وبهذا المعنى، لم تعد بغداد مجرد طرف خارجي في العلاقة بين المركز والإقليم، بل تحولت إلى ساحة داخلية للصراع الكردي، وإلى أداة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكردية.
ظهر ذلك بوضوح في ملف رئاسة الجمهورية. هذا المنصب، رغم محدودية صلاحياته التنفيذية، يحمل ثقلا رمزيا وسياسيا كبيرا لأنه يمثل الحضور الكردي في قمة الدولة العراقية. تاريخيا، كان شغل المنصب يقوم على قدر من التفاهم الكردي الداخلي قبل الذهاب إلى البرلمان الاتحادي. لكن الخلاف الأخير حوله كشف تآكل هذه القاعدة. فقد دعم الاتحاد الوطني مرشحه عبر تفاهمات مع قوى سياسية في بغداد، بينما رأى الحزب الديمقراطي أن ذلك تجاوز لمبدأ التوافق الكردي، فاختار المقاطعة والاعتراض بدلا من القبول بنتيجة لا تعكس، من وجهة نظره، الوزن الانتخابي والسياسي الجديد داخل الإقليم.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في من حصل على المنصب، بل في الطريقة التي تم بها حسمه. فحين يحسم منصب كردي تقليدي عبر تحالفات اتحادية لا عبر تفاهم كردي داخلي، فإن ذلك يعني أن مركز الثقل في القرار الكردي بدأ ينتقل من داخل الإقليم إلى خارجه. وهذا يضعف القدرة التفاوضية للكرد ككتلة موحدة، ويجعل القوى العراقية الأخرى أكثر قدرة على التعامل مع الحزبين بشكل منفصل.
الأمر نفسه ظهر في كركوك، وربما بصورة أكثر حساسية. فالمدينة ليست مجرد محافظة عادية، بل واحدة من أكثر المساحات رمزية في العلاقة بين كردستان وبغداد، وبين الكرد وبقية المكونات. لذلك، فإن انتخاب محافظ تركماني بدلا من محافظ كردي، وبدعم من الاتحاد الوطني ضمن ترتيبات سياسية أوسع، لم يكن مجرد تغيير إداري. لقد عكس انتقالا في منطق الصراع: من الدفاع عن موقع كردي مشترك في محافظة متنازع عليها، إلى استخدام ترتيبات محلية واتحادية لإعادة ضبط ميزان القوة بين الحزبين الكرديين.
هذا لا يعني أن الاتحاد الوطني تصرف خارج منطق السياسة الواقعية؛ فالحزب يسعى إلى حماية نفوذه وموقعه في مواجهة ما يراه تمددا للحزب الديمقراطي. كما لا يعني أن الحزب الديمقراطي بلا حسابات خاصة به. لكن النتيجة العامة تبقى واحدة: كلما لجأ طرف كردي إلى بغداد لموازنة الطرف الآخر، تقلصت قدرة الإقليم ككل على التفاوض مع بغداد من موقع موحد.
وهنا تكمن المفارقة. فالأحزاب الكردية تحتاج إلى بغداد لحل أزماتها المالية والدستورية، لكنها حين تدخلها منقسمة، تمنح المركز قدرة أكبر على فرض شروطه. فالانقسام الداخلي لا يبقى داخليا؛ إنه يتحول إلى ضعف تفاوضي في ملفات النفط، والرواتب، والجمارك، والموازنة، وكركوك. وبمرور الوقت، تصبح بغداد أقل حاجة إلى التفاوض مع الإقليم ككيان واحد، وأكثر قدرة على بناء تفاهمات منفصلة مع أطرافه المختلفة.
بهذا المعنى، ليست أزمة رئاسة الجمهورية ولا أزمة كركوك حدثين منفصلين. إنهما علامتان على تحول أعمق: انتقال الصراع الكردي من داخل مؤسسات الإقليم إلى مؤسسات الدولة الاتحادية. وهذا التحول يعيد تشكيل العلاقة بين المركز والإقليم بطريقة هادئة لكنها عميقة. فبدلا من أن يكون الحكم الذاتي الكردي مدعوما بوحدة موقف داخلي، أصبح مكشوفا أمام منطق التنافس بين الحزبين.
والخطر في هذا المسار لا يكمن في خسارة منصب بعينه، بل في تآكل القاعدة السياسية التي جعلت الإقليم قادرا على التفاوض كفاعل واحد. فإذا استمر هذا الاتجاه، فإن الفيدرالية لن تتغير بالضرورة عبر تعديل دستوري كبير، بل من خلال تراكم ممارسات يومية تجعل القرار المالي والسياسي والأمني أكثر ارتباطا ببغداد وأقل اعتمادا على مؤسسات الإقليم.
عندما ينهار الاقتصاد الريعي، ينهار معه التوافق
إلى جانب التحولات السياسية، لعبت التغيرات في الاقتصاد دورا حاسما في تفكيك التوازن الذي قام عليه النظام في إقليم كردستان. لفهم لماذا أصبحت التسوية السياسية أكثر صعوبة، لا يكفي النظر إلى سلوك الأحزاب، بل يجب النظر أيضا إلى الموارد التي كانت تجعل هذا السلوك قابلا للإدارة.
لأكثر من عقد، اعتمد الاستقرار في الإقليم على نموذج اقتصادي ريعي، كان النفط في مركزه. لم تكن عائدات النفط مجرد مصدر تمويل للحكومة، بل كانت جزءا من البنية السياسية نفسها. فقد أتاحت هذه العائدات تمويل الرواتب، وتوسيع التوظيف العام، وتخفيف التوترات بين الفاعلين السياسيين، من خلال توفير موارد يمكن تقاسمها دون الحاجة إلى إعادة توزيع حقيقية للسلطة.
بهذا المعنى، لم يكن الاقتصاد منفصلا عن السياسة، بل كان آلية لاحتوائها. فعندما تكون الموارد كافية، يصبح الخلاف أقل تكلفة، لأن كل طرف يمكن أن يحتفظ بحصته دون أن يخسر الطرف الآخر بشكل حاسم. وهذا ما يفسر كيف استطاعت تسوية غير رسمية، تقوم على توازن هش بين قوتين، أن تستمر لسنوات رغم ضعف المؤسسات.
غير أن هذا النموذج بدأ يواجه حدوده. تعثر الصادرات النفطية المستقلة، وتزايد الاعتماد على الترتيبات المالية مع بغداد، وتقلبات الأسواق العالمية—كلها عوامل أدت إلى تقليص الموارد المتاحة. ومع هذا التراجع، لم يعد ممكنا الحفاظ على نفس مستوى الإنفاق أو نفس آليات التوزيع التي كانت تدعم الاستقرار.
وهنا يظهر تحول مهم في منطق الصراع. ففي الأدبيات المتعلقة بالدول الريعية، ينظر عادة إلى وفرة الموارد بوصفها عاملا يضعف المؤسسات لكنه يساهم في الاستقرار. لكن هذه الأدبيات تشير أيضا إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في وفرة الريع، بل في تقلبه. فعندما تتراجع الموارد في نظام يعتمد على توزيعها، لا يحدث انتقال تلقائي نحو نظام أكثر كفاءة، بل غالباً ما يتصاعد التنافس على ما تبقى منها.
هذا ما حدث في كردستان. الموارد التي كانت تستخدم لتخفيف التوتر أصبحت محدودة، وبالتالي أصبحت محل تنافس مباشر. ومع تقلص “الهامش المالي”، لم يعد بالإمكان تعويض الخلافات السياسية عبر توزيع الموارد، بل أصبح كل خلاف يحمل تكلفة ملموسة.
في هذا السياق، تتغير أيضاً حسابات الفاعلين السياسيين. التنازل الذي كان ممكنا في ظل وفرة الموارد يصبح أكثر صعوبة عندما تكون الموارد محدودة. لأن أي تنازل لا يعني فقط خسارة موقع سياسي، بل فقدان القدرة على الوصول إلى موارد ضرورية للحفاظ على النفوذ. وبهذا، يصبح التمسك بالمواقف أكثر صلابة، ليس بالضرورة بدافع التصعيد، بل كاستجابة منطقية لبيئة أكثر ندرة.
كما أن تراجع الموارد أعاد تشكيل العلاقة مع بغداد. فمع تقلص الإيرادات الذاتية، أصبح الإقليم أكثر اعتمادا على التحويلات والترتيبات المالية الاتحادية، وهو ما زاد من قدرة المركز على التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية. وفي ظل الانقسام الداخلي، يصبح هذا الاعتماد أكثر حساسية، لأنه لا يدار من خلال موقف موحد، بل من خلال تفاوض متعدد الأطراف.
بهذا المعنى، لم يعد الاقتصاد مجرد خلفية للأزمة، بل أصبح جزءاً من آليتها. فالتفاعل بين تقلص الموارد، وضعف المؤسسات، وانقسام النخب، أدى إلى تفكيك الآلية التي كانت تسمح بإدارة الخلاف. وبدلا من أن يعمل الاقتصاد كوسيلة لتحقيق الاستقرار، أصبح عاملا يسرع من تعقيد الصراع.
مؤسسات غير قادرة على امتصاص الصدمة
إذا كان تغير ميزان القوة وتراجع الموارد قد كشفا هشاشة النظام السياسي في إقليم كردستان، فإن ما جعل هذه الهشاشة تتحول إلى أزمة مفتوحة هو ضعف المؤسسات التي يفترض أن تدير هذا التحول. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود خلافات سياسية، بل في غياب إطار مؤسسي قادر على استيعابها.
لفهم هذه النقطة، من المفيد الاستعانة بفكرة أساسية في الأدبيات المؤسسية، كما طورها Douglass North، وهي أن المؤسسات ليست مجرد قواعد مكتوبة، بل تشمل أيضا القواعد غير الرسمية التي تنظم السلوك السياسي. في بعض الحالات، تكون هذه القواعد غير الرسمية أكثر تأثيرا من القوانين نفسها، لأنها تعكس توازنات القوة الفعلية.
هذا الوصف ينطبق إلى حد كبير على كردستان. فالنظام السياسي لم يكن يعمل فقط من خلال الدستور أو البرلمان، بل من خلال تفاهمات غير مكتوبة بين القوى الرئيسية. هذه التفاهمات كانت تحدد عمليا من يملك القرار، وكيف توزع الموارد، وكيف تحل الخلافات. وبما أنها كانت متوافقة مع ميزان القوة القائم، فقد بدت مستقرة رغم ضعف المؤسسات الرسمية.
لكن هذا الاستقرار كان مشروطا. فعندما تغيرت موازين القوة وتقلصت الموارد، لم تعد القواعد غير الرسمية قادرة على أداء نفس الدور. وهنا تظهر حدود هذا النوع من الأنظمة: فهي تعمل بكفاءة طالما أن التوازنات مستقرة، لكنها تفتقر إلى آليات داخلية لإدارة التغيير.
هنا تكتسب أفكار Mushtaq Khan أهمية خاصة. فوفقا لنظرية “التسوية السياسية”، لا تعتمد فعالية المؤسسات على تصميمها القانوني فقط، بل على مدى توافقها مع توزيع القوة بين الفاعلين. وعندما يحدث خلل في هذا التوافق—كما هو الحال عندما يتغير ميزان القوة دون أن تتغير المؤسسات—تبدأ هذه المؤسسات في فقدان قدرتها على العمل.
في حالة كردستان، يبدو أن هذا الخلل قد أصبح واضحا. فالمؤسسات الرسمية—البرلمان، الحكومة، وحتى القضاء—لم تصمم لتعمل في بيئة تنافس مفتوح بين أطراف غير متوافقة، بل في إطار تسوية مسبقة بين هذه الأطراف. وعندما انهارت هذه التسوية، لم تتمكن المؤسسات من ملء الفراغ.
يمكن ملاحظة ذلك في عدة مستويات. فالبرلمان، رغم وجوده وانتخابه، لا يستطيع فرض مسار لتشكيل الحكومة في غياب توافق سياسي. والحكومة، حتى عندما تعمل، تبقى مقيدة بتوازنات حزبية تجعلها أقرب إلى إدارة مشتركة منها إلى سلطة تنفيذية موحدة. أما القضاء، الذي يفترض أن يكون حكما بين الأطراف، فيجد نفسه جزءا من بيئة سياسية متنازع عليها، ما يحد من قدرته على لعب دور مستقل.
بهذا المعنى، لا يعود الخلل في “ضعف المؤسسات” فقط، بل في طبيعة العلاقة بينها وبين القوة السياسية. فالمؤسسات لم تبن لتكون بديلا عن التوازنات السياسية، بل كانت انعكاسا لها. وعندما تغيرت هذه التوازنات، لم تعد المؤسسات قادرة على أداء وظيفتها.
النتيجة هي ما يمكن وصفه بـ”الجمود المؤسسي”: وضع تكون فيه كل الأطراف قادرة على تعطيل القرار، لكن لا توجد جهة قادرة على فرضه. وهذا النوع من الجمود لا ينتج عن غياب القواعد، بل عن وجود قواعد لم تعد تتناسب مع الواقع.
في هذا السياق، تصبح الأزمة الحالية أكثر وضوحا فهي ليست مجرد فشل في التوافق، بل فشل في وجود نظام قادر على إدارة الخلاف عندما يتغير ميزان القوة. فالمؤسسات، بدلا من أن تكون وسيلة لحل النزاع، أصبحت جزءا من بنيته، لأنها تعكس نفس الانقسامات التي يفترض أن تنظمها.
لماذا فشلت الانتخابات، وإلى أين يتجه الإقليم؟
في ضوء ما سبق، يصبح من الواضح أن فشل تشكيل الحكومة في إقليم كردستان لا يعود إلى نقص في الآليات الديمقراطية بقدر ما يعود إلى تآكل الشروط التي تجعل هذه الآليات فعالة. فالانتخابات، في حد ذاتها، لا تنتج حكما مستقرا ما لم تعمل ضمن إطار سياسي واقتصادي ومؤسسي متماسك. وفي الحالة الراهنة، يبدو أن هذا الإطار لم يعد قائما.
لقد أظهرت الأزمة أن النظام السياسي في الإقليم كان يعتمد على توازن دقيق بين القوة والموارد والقواعد غير المكتوبة. وعندما تغير هذا التوازن—بفعل صعود طرف، وتراجع الموارد، وتآكل الثقة—لم تكن هناك مؤسسات قادرة على استيعاب التحول. وبهذا، لم تفشل الانتخابات لأنها غير كافية، بل لأنها تعمل داخل نظام لم يعد قادرا على ترجمة نتائجها إلى ترتيبات حكم مستقرة.
كما تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع لم يعد محصورا داخل الإقليم، بل أصبح يتقاطع بشكل متزايد مع مسار السياسة الاتحادية. فانتقال التنافس إلى بغداد، سواء في ملف رئاسة الجمهورية أو في الترتيبات المحلية الحساسة مثل كركوك، يشير إلى أن موازين القوة لم تعد تحسم فقط داخل مؤسسات الإقليم، بل عبر تفاعلات أوسع. وهذا التحول لا يغير فقط طبيعة الخلاف، بل يعيد أيضا تشكيل موقع الإقليم داخل الدولة العراقية.
في الوقت ذاته، لعبت التحولات الاقتصادية دورا حاسما في تعميق هذه الأزمة. فمع تقلص الموارد، لم يعد بالإمكان الحفاظ على آليات التوافق السابقة، وأصبح التنافس على الموارد أكثر مباشرة. ومع غياب مؤسسات قادرة على إدارة هذا التنافس، تحول إلى جمود سياسي يعكس عدم توافق أعمق بين توزيع القوة وبنية النظام.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم الأزمة الحالية بوصفها لحظة اختبار لنموذج الحكم الذي تشكل بعد عام 2003. هذا النموذج، الذي جمع بين تقاسم السلطة والاعتماد على الموارد الريعية، نجح في توفير الاستقرار لفترة، لكنه لم يتحول إلى نظام مؤسسي قادر على التكيف مع التغيرات. ومع تغير الظروف، بدأت حدوده تظهر بوضوح.
المسار المستقبلي للإقليم سيعتمد على كيفية التعامل مع هذا التحول. استمرار الجمود قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرة على الحكم الذاتي، ليس من خلال قرارات كبيرة، بل عبر تراكم تحولات صغيرة في إدارة الموارد والعلاقة مع بغداد. أما التوصل إلى تسوية سياسية، فهو ممكن، لكنه سيبقى هشا ما لم يعالج الاختلال بين القوة والمؤسسات والموارد. وفي المقابل، فإن إعادة بناء هذا التوازن تتطلب أكثر من اتفاق سياسي؛ إنها تتطلب إعادة تعريف القواعد التي يقوم عليها النظام نفسه.
في النهاية، تطرح هذه الأزمة سؤالا يتجاوز توقيت تشكيل الحكومة: هل يستطيع النظام السياسي في إقليم كردستان أن ينتقل من نموذج قائم على التوازنات المؤقتة إلى نموذج مؤسسي أكثر استدامة؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل الحكومة المقبلة، بل ستحدد أيضا مسار الإقليم في السنوات القادمة.
(يستند هذا التحليل إلى مقاربات الاقتصاد السياسي والمؤسسية التي تربط بين توزيع الموارد، وتوازنات القوة، وطبيعة عمل المؤسسات في تفسير استقرار النظم السياسية أو تعثرها.)
