زي المرأة الكردية في القرن التاسع عشر[1]

شارك هذا المقال:

لوســــــــــــــــــــــــي جـــــي غارنيت

ترجمة عن الإنكليزية: راج آل محمـــــــــــــــــــــــــــد

    يتكون زي المرأة الكردية من الطبقة العليا من قميص فضفاض بأكمام وسروال تركي واسع، يُشد حول الخصر بحزام يُغلق بإبزيم كبير مصنوع من الذهب أو الفضة، يُلبس فوقه عادةً ثوب يُفصّل كمعاطف الرجال، يُزرر عند الرقبة فقط، تاركاً القميص والسروال ظاهرين، ويُصنع من قماش قطني أو حريري مخطط أو مزخرف من غوجارات [في الهند] أو القسطنطينية، أو من البروكار الشرقي الثمين، وذلك بحسب الموسم ومكانة من يرتدي الثوب. ويأتي بعده (البِش) Bish، وهو عادةً من الساتان، ويأخذ شكل الثوب، ولكن بأكمام قصيرة ضيقة لا تصل إلى المرفق. وفي الشتاء، يُستبدل هذا بـ (اللِبَاردة) libardė، وهي سترة طويلة من القطن المُبطن.

     وفي الشتاء، ترتدي السيدات الكرديات أحياناً (التشوروكيا) tcharokiaالمحلية، وهي عباءة من قماش مقلم بالأصفر والأحمر، يُزرر عند الكتفين وتنسدل إلى ما تحت الركبتين. أما غطاء الرأس لديهن فهو تركيبة ثقيلة بشكل غير عادي: إنه يتكون من مناديل حريرية، أو بالأحرى شالات، من جميع ألوان قوس قزح، تُثبت معاً بالدبابيس على شكل تاج أسقفي بارتفاع قدمين، وأطراف طويلة تتدلى حتى تصل إلى الكعبين تقريباً. بعض هذه التيجان مزينة بصفوف من الدانتيل الذهبي، تتدلى منها زخارف ذهبية صغيرة تشبه الأوراق، والتي تشكل، مع صفوف العملات المعدنية والخرز، المجوهرات الأساسية للسيدة الكردية. على الرغم مما يسببه غطاء الرأس هذا من إزعاج، وما يؤدي إليه من صلع، فإنه يقال إن النساء يرتدينه حتى أثناء الليل، مستخدمات وسائد صغيرة لإسناده.

    أما زي النساء الفلاحات فهو مشابه في شكله، لكنه يُصنع دوماً من أقمشة قطنية زرقاء؛ وتكون عباءة (التشوروكيا) بلون أزرق داكن، تزين أسفلها خطوط بيضاء، وتُعقد أطرافها عند الصدر أو الكتف. ويُوضع على الرأس طاقية صغيرة، بينما تتهدل خصلات الشعر حول الوجه.

    وبالرغم من كونهن مسلمات اسمياً، فإن النساء الكرديات لا يلتزمن كثيراً بوضع الحجاب خارج المنزل. ففي المدن الكبرى كالسليمانية، ترتدي السيدات عباءة زرقاء مربعة النقش، وحجابا من شعر الخيل الأسود، على غرار نساء الأتراك في المناطق الداخلية. بيد أن هذا الحجاب قلما يُسدل، إلا من قبل سيدات الطبقة العليا اللواتي قد يرغبن في المرور في الشوارع متخفيات. أما نساء الطبقة الدنيا فيتجولن سافرات الوجه عادة. وتتحجب نساء القرى حين يغادرن منازلهن، بينما تستر نساء البدو الرحّل وجوههن جزئياً بمنديل قطني أو وشاح أثناء الترحال. ولا يُستبعد خدم الرجال من الغرف التي تشغلها سيدات المنزل، كما هو الحال لدى الأتراك، ويتم بحرية استقبال الزوار الرجال بين أفراد العائلة المجتمعين.

    ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الحرية الظاهرة في المعاملة، فإن النساء الكرديات يتصرفن بأقصى درجات الوقار والاحتشام، فلا يظهرن ذلك الخجل الذي يميز الأرمنيات، ولا قلة الأدب أو الجرأة الزائدة التي كثيراً ما يُشاهد في سلوك التركيات العثمانيات. والواقع أن معيار الأخلاق لديهن رفيع على نحو استثنائي بين أعراق تركيا، وأي انحراف أخلاقي من قبل المرأة المتزوجة، كقاعدة عامة، يُقابل بعقاب القتل فوراً من قبل الزوج الذي جُرِحت كرامته، ويقع على شريكها في الذنب المصير ذاته. ولا يلحق بالرجل الذي يطبق القانون بيديه أي بغض مجتمعي، بل بالعكس، فإنه يستحق المديح والثناء. وثمة الكثير من الحكايات الدارجة بين الكرد التي تشرح القصاص؛ تتعلق إحدى تلك القصص بكردي برتبة نقيب في إحدى القوات غير النظامية في بغداد، الذي سمع بخيانة زوجته الكرمانجية أثناء غيابه عن البيت، ودخل خلسة إلى بلدته ودخل منزله ليلاً وأطلق النار على زوجته وحبيبها. قصةٌ أخرى تصف قاتلاً، وهو صبي في الخامسة عشر، الذي قتل زوجة أبيه وشريكها أثناء غياب والده الذي اضطر إلى الابتعاد [عن قريته] نتيجة خلاف مع زعيم محلي. في كلتا الحالتين قُدِّر العمل عالياً وقُوبل الفاعل بكل احترام وتقدير من قبل الأصدقاء والجيران. لم يقدّم أقارب المذنبين أية شكوى إلى السلطات، كما لم تبدِ أي نوع من الامتعاض. على العكس من ذلك، فإن الجريمة التي استدعت القتل مقيتة في العقل الكردي حيث لا تُجرى الزيارات التقليدية للقيام بواجب العزاء تجاه عائلة المقتول. 

   وثمة الكثير من القصص الشائعة عن نساء متزوجات وغير متزوجات ممن دافعن عن شرفهن بقتل المعتدي.  إحدى تلك القصص مثيرة لدرجة إنني سأحاول أن أعيد صياغتها بإيجاز:

كانت إحدى الكرديات عائدة إلى بيت زوجها برفقة خادم واحد فقط من زيارة لوالديها اللذين كانا يقطنان على مسيرة يوم واحد. وفي الطريق تعمد الرجل المماطلة والتأخير، فبدلاً من الوصول إلى المنزل قبل غروب الشمس، اضطرا للتوقف ليلاً في خان مهجور منعزل، ذاع صيته كملاذ لقطاع الطرق والأشرار. وبعد أن ربط الخيل في الإسطبل، صعد الرجل إلى العلية حيث كانت سيدته، ودنا منها بإيحاءات تنتهك الحرمة. لكنها، وقد أدركت نيته، كانت قد أعدت سكيناً صغيراً طعنته به في حنجرته لحظة إمساكه بها، فخر صريعاً. لم تجرؤ على إغماض عينيها في ذلك المكان الموحش، فانكمشت في ركن تترقب طلوع الفجر. وعند منتصف الليل، أفزعها صوت حوافر خيل تقترب من الخان؛ فمن عساه يصل إلى هنا في جوف الليل سوى جانٍ أو مجرم؟ ترجّل القادم، وبدا أنه يبحث عن إسطبل لفرسه وهو يسوقه في المكان. قالت في نفسها: ‘إن وجد خيولنا، فإني هالكة’، فتناولت السكين مرة أخرى وقطعت إحدى ذراعي الرجل الميت وألقت بها من النافذة نحو الغريب أثناء مروره أسفل البناء. غير أنه ظل يجوب ذهاباً وإياباً يقود فرسه، وعند مروره في المرة التالية قطعت الذراع الأخرى وألقت بها عليه أيضاً. عندئذ صاح قائلاً: ‘أياً كنتم، فاعلموا أني دِرغو من كيسان[2]، وإني لا أخشاكم!’ وكم كانت فرحة! كان هذا صوت زوجها.

فأجابته قائلة: ‘دِرغو! إنها أنا، غوزَل، زوجتك، تعال وأنقذني’.

    ووجد الزوج المندهش وزوجته سبيل أحدهما إلى الآخر، وأعقب ذلك حديث عما حصل. لكونه غير متأكد من يوم عودة زوجته إلى الديار، لم يقلقه عدم وصولها، بل كان قد أمضى الأمسية بصحبة نفر من الأصدقاء. وقد دار الحديث عن شجاعته [من عدمها]؛ ولكي يثبتها، قبل الرهان بأن يذهب وحده في منتصف الليل إلى (باس خان) ويترك فيه علامة تدل على زيارته. وكان يبحث عن موضع آمن يضع فيه هذه العلامة، حيث لم تثنه تلك المقذوفات المروعة التي أُلقيت عليه، والتي ظنها من فعل بعض قطاع الطرق ممن اتخذوا الخان مأوى لهم.

   وقد قابل السيد ريتش Rich، خلال ترحاله في كردستان، فتاةً من قبيلة بلباسي قتلت بالحربة تركياً أهانها. وكانت تلك الأمازونية الشابة ترتدي زي الرجال، وتخدم الزعيم فضل الله أفندي بوصفها تابعه المخلص، ترافقه في جميع غزواته. ونساء هذه القبيلة على درجة خاصة من الصلابة والجرأة. ويعملن أحياناً كقطاع طرق، والويل للتاجر أو المسافر الذي يقع في أيديهن! فهن لا يكتفين بسلب المسكين، بل يجردنه من ثيابه، ويستثرنه ليوجه إليهن عروضاً بالزواج، ثم يعاقبنه على ذلك بشتى ضروب التعذيب الخفيف الذي قد توحي به مخيلاتهن الخصبة، من قرص وخدش والتعذيب بالشوك.

    أما داخل نطاق الأسرة، فتُعامل النساء كندّ للرجال، الذين هم في غاية الود والرقة في علاقاتهم بآبائهم وأمهاتهم وأخواتهم وأبنائهم، وهم في غاية المراعاة والعطف والصفح بصفتهم أزواجاَ. ولأضرب مثلاً على هذه الخصلة الأخيرة، وفي الوقت ذاته على العادات العامة لدى الأكراد الحضر، لا أجد أفضل من أن أسوق القصة الخلابة التالية.


[1] المقال مستل من كتاب نساء تركيا وفلكورهن، لوسي جي غارنيت الصادر في لندن سنة 1891. والفصول الأربعة الأولى عبارة عن دارسة انثروبولوجية-اجتماعية شاملة مخصص لنساء الكرد، ويغطي مجالات كثيرة من عادات الزواج والدفن، والأغاني والموسيقى وقصص وحكايات فلكلورية….الخ.  أتمنى من مراكز الدراسات الكردية أن تقوم بترجمته قريباً.

[2] مدينة بين بتليس ووان.

شارك هذا المقال: