بقلم المستشار: صالح شرف الدين

عضو شعبة الخيال العلمي باتحاد كتاب مصر

………………..

أولاً: على سبيل التقديم

البكاء أول صوت يصدره الطفل عندما يخرج من رحم أمه إلى براح الدنيا، ومن العجيب إنه إذا أصدر ذلك الصوت فرح به الجميع؛ لأنه دليل على الحياة؛ فهل نحن موجودون في هذه الدنيا لنبكي، ونعاني، ونقاسي، ونتألم، وننتقل من البكاء إلى النحيب، ومن خوف المجهول إلى الضياع في المأمول…؟ هل نتكبد كل تلك المعاناة، والمكابدة؛ لنمضي إلى الموت، ولا نعلم ما سيحدث لنا بالضبط بعد أن نمضي معه رغما عنا…؟ هل تستحق هذه الحياة القصيرة مهما طالت كل تلك االمعاناة، وكل هذا الصراع من أجل حفنة تراب أو حفنة دنانير…؟ هل تستحق الحياة كل تلك القسوة غير المبررة، وكل تلك الوحشية التي يقتل فيها إنسان إنسانًا بدم بارد، ويهين كرامته رغم أن من خلقه كرّمه، وسخّر له ما في البرّ والبحر…؟ هل تستحق الجغرافيا كل هذا الصراع الدامي الذي أزهقت فيه أرواح الملايين…؟ وما الذي فعله التاريخ بتسجيله كل تلك المآسي المرعبة، والذي يبدو فيها أنه اكتفى بالتدوين، فلم يستفد الأشرار من دروس التاريخ، ومازالت المآسي مستمرة، والمصائب تتواتر، والجرائم في حق الإنسانية ترتكب صباحَ مساء، تسمح بها الجغرافيا، ولا يردعها

التاريخ…؟

ويظل الإنسان يعاني حتى يخرج من الدنيا إلى مجهول لم يجرّب الحياة فيه من قبل، البعض لا يقوى على المقاومة في الدنيا، وتخور قواه، ويستسلم للأمر والواقع ، وقلة قليلة تتمسك بحقها الجغرافي تمسكًا يصل لحد الأسطورة، لا تخشى الموت أو التشرد أو أهوال الحروب. كل ما يعنيها عدم الاستسلام طالما فيها عرق ينبض، ولسان ينطق، ويد تفعل، تخلص لقضيتها من دون حدود، وتثق في قدرتها على تحقيق الأمل ولو بعد حين. هذا الصمود الأسطوري في جينات أبناء الجبال، وأبناء الحضارات الراسخة، في مكوناتهم الجينية سرّ الصلابة، والصمود والتحدي، قصصهم ورواياتهم وتراثهم الشعبي الملهم لهم، والمنظر لرؤاهم، ومن الثوابت إلى الثوابت ينتقلون. ورغم الأهمية الكبرى للجغرافيا، فهي لبّ القضية، فإنهم يركزون على وعي الإنسان، فإذا غاب الوعي ضاعت القضية. هذه القلة الماجدة، لا يؤثر في عزيمتها سيطرة الأقوياء على التاريخ، واستخدامه كأداة تدعم سيطرتهم، وتثبط عزائم أصحاب الحقوق الذين لا يستطيعون الصمود إلا بإيمان لا يتزعزع بأن الحق منتصر لا محالة، مهما طالت صولة الباطل.

تسيطر عليّ هذه الخواطر بعد قراءة سريعة لرواية “كأنني لم أكن” (دار سؤال – بيروت – 2022). وبعد القراءة المتأملة، تأكدت من أن في الرواية عوالم واقعية، وأخرى خيالية، وثالثة أسطورية، ورغم سيطرة العوالم الواقعية المأزومة على السرد الروائي، فالتمسك بالحلم البعيد القريب نسق موجود بقوة، وكذلك العمق الأسطوري الأعمق من الحلم والخيال انتقل من سراديب الحكايات القديمة إلى النسق الروائي. وما لم تقله الرواية أكثر بكثير مما صرحت به عشرات الإشارات. والمعادلات الموضوعية تأخذنا لنبحث عن أصل القضية، فنتابع الخرائط، والأفلام الوثائقية، وهذا نجاح للسرد الروائي الذي يبدو في نسقه الظاهر تلقائيًا قد يستمتع به القاريء المتعجّل، ولكنه في أنساقه المضمرة يشير إلى قضايا كثيرة لا تقف عند حدود الجغرافيا أو التاريخ أو القومية أو الزمن، ويشير إلى ثقافة موسوعية لا تحدها حدود معينة، قد تتفق مع أطروحاتها أو تختلف، لكنك في كل الأحوال، ستثمّن الجهد المخلص في السرد، ومحاولة إحكام أنساقه، لتحقق الوحدة العضوية؛ فيبدو العمل الروائي كائنًا حيًا ينبض بالحيوية والحركة، وتتسع أفاق التلقّي الحرّ التي تفتح أبوابها الفكرة الإنسانية السامية، والصدق الانفعالي، والصياغة المحكمة.

هذه الأنساق وما حوته – كما نرى – سنحاول أن نسلط الأضواء عليها في الأسطر القادمة، فتتسع أمام المتلقّي مساحات الحق والخير والجمال، رغم الواقع المأزوم الذي لا يستسلم فيه الماجدون للباطل أو الشرّ أو القبح.

ثانيًا: عتبات الرواية

أ- العنوان: “كأتّني لم أكن”

تأمّله ينقلُ إلينا الحيرة التي يريد أن يشعرنا بها الكاتب؛ هل هو كائن أم لم يكن؟ وتبدو المراوغة في كون اللاشيء لا يعبر، ولا يوجِد ما هو كائن بالفعل وهو العنوان، والإحساس بعدم جدوى الحياة، وأننا نأتي إليها ونمضي دون أية فائدة، ومن دون أن نترك شيئًا له قيمة يمنحنا حيوات، بعد انتهاء حياتنا الدنيا، وهو المعنى نفسه الذي قصده درويش في قوله: “تنسى كأنك لم تكن” الذي استوحى منه الكاتب عنوانه القوي الذي يتلاءم مع حالة الضجر التي يسببها واقع مأزوم.

.ب- الحجم: تقع الرواية في 232 صفحة، فهي رواية متوسطة الحجم.

ج- التنويه :عهدنا به أن يكون في بداية الكتاب، فلماذا جعله الكاتب في نهايته؟ ويتضمن التنويه إشارة إلى أن العنوان مستوحى من عنوان قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش: “تنسى كأنك لم تكن”، وأن الرواية ليست تأريخًا ولا توثيقًا، وأن أغلب الشخصيات خيالية، لسد ثغرات النقد غير الموضوعي، فالزمان امتد عشرات السنوات، والأماكن تعددت في أكثر من عشر دول، والشخوص أغلبها لها تاريخ تزدحم به عشرات الكتب، وهو يرغب أن يتم تناولها وفق قواعد السرد لا أكثر، ويغلق باب  الانتقائية التي ستتهم الرواية بها. فهناك وقائع كثيرة لم تذكر، وقد تكون أكثر أهمية مما ذُكر.

د-الإهداء: “إلى أمي التي لا تعرف القراءة والكتابة ،وتجيد فقط الحزن والألم، والغناء ،وسرد الحكايات”. رغم عدم إجادتها القراءة والكتابة فهناك ما كانت تجيده الأم، وتستحق عليه أن يهديلها روايته. وفي النسق المضمر، وفاء واعتراف بالفضل، وارتباط بالأم (ياء المتكلم في “أمي”).

هـ- الاستهلال: حوالي 13 سطرًا قبل بداية الفصل الأول؛ تدور حول الندم: (الأسف، الحزن، الحسرة)، وتعكس رؤية الكاتب الخاصة التي قد نتفق أو نختلف معها يقول: “… ما من أحد دخل الحياة إلاّ وكان الندم في استقباله، وما من أحد خرج منها إلاّ وهو في وداعه …”.

و- العناوين الداخلية لثمانية فصول:

  1. “ماذا تفعل هذه النجمة هنا…؟” ص9
  2. “غروزيا أيتها الأقدار العائمة” ص 45
  3. “طبول مثقوبة” ص 103
  4. “كتالوغ ناقص” ص 113
  5. “مواعيد متأخّرة” ص 152
  6. “حفلة عميان” ص164
  7. “الجدران التي تلاحقنا” ص183
  8. “الرحيل الذي لا ينتهي” 204

قوّة عنوان الرواية تنداح لتشمل العناوين الداخلية، وكل عنوان يفتح أبوابًا كثيرة للتلقي، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بما يندرج تحته، وتغلب على العناوين الذهنية.

ك- السيرة الذاتية:

عتبة من العتبات المهمة غير موجودة في الكتاب، لكنها موجودة في الواقع، ويمكن الرجوع إلى صفحات التواصل الاجتماعي للإلمام ببعض ملامح سيرة الكاتب الذاتية. وأحسب في أنساق الرواية بعضها.

ثالثًا: متن الرواية:

أ- لا جديد ،وما من رتابة أيضًا“؛ هكذا تبدأ الرواية، وبسرد غير مباشر، يبدأ الحديث عن شخص في صراع مع ظله، ورسم مميز لبيت في حي الصالحية بدمشق، ثم يذكر السارد اسم البطل (هوزان) وقد اكتشف سردابًا في منزله الواسع، لم يدخله أحد من سنوات طويلة، فيه صناديق ممتلئة بأمهات الكتب القديمة، تعد ثروة. ويذكر بعض أسمائها، وأثناء خروجه، وجدَ عبارة على باب السرداب من الداخل: “أيها الخارج من هنا، كنْ سردابًا أعمق، واحفظْ سرّ هذا المكان”. يؤجل هوزان الاطلاع على كتب السرداب إلى ما بعد انتهائه من دراسته الجامعية، لكنه لا يعرف؛ لماذا نسي هذا السرداب وسقط من ذاكرته؟

يسأل هوزان والده عن النجمة السداسية، وسبب وجودها على باب بيتهم  من الداخل، ويعرف أن صاحب الدار كان يهوديًا واسلم وعانى كثيرًا حتى مات، ودفن في ساحة المنزل. وعرف أن النجمة السداسية عنصر من عناصر الزخرفة الإسلامية منذ القدم، ولم تكن سيرة والده: شالاو حمة عبد المقصود الكسنزاني القادري المولود في قرية “حاجي عمران” 1930 سوى رحلة عذاب مديدة بصحبة الوهم، والبحث عن الحرية المفقودة سردها له والده، وحفرت في ذاكرته بمذاقها الأليم الذي لا يمكن أن ينسى.

يحكي الأب عن انضمامه لجنود القاضي محمد، و المُلا مصطفى البارزاني في سنة 1946. ونتيجة لفشل إقامة الجمهورية الكردية، هرب مع مئات المقاتلين البيشمركة إلى الجبال، ثم إلى الاتحاد السوفيتي السابق، وهناك تعرف على والدة هوزان، أولغا التي أمها أرثوزكسية، ووالدها يهودي،. ويحكي عن طيبة جدته ناتالي، ومأساة جده لأمه، وكيف مات في جزيرة نائية هو وآلاف من المعتقلين بأوامر من ستالين، وكان شاعرًا، وصديقًا للشاعر الروسي مايكوفسكي. ويحكي عن رحلة العودة إلى “حاجي عمران” سنة 1959، ولم تطق الجدة ناتالي الحياة بعيدًا عن “طشقند”، فعادت إلى بيتها هناك، وماتت في زلزال ضرب المدينة. يصف والده رحلة العودة وصفًا دقيقًا ماديًا ونفسيًا، وكيف انتحر واحد من رفاقه المقاتلين لأنه ترك زوجته وطفليه في روسيا. ويتحدّث والد هوزان عن ظروف ولادة أولغا على ظهر السفينة العائدة بهم، وكيف رحّب بهم قائدهم مصطفى البارزاني عندما وصلوا ميناء الفاو، واستبشر الجميع خيرًا بميلاد الطفلة. وعثور الأب على أمّه بعد فراق 13 سنة، وقد كفّ بصرها بعد رحيل زوجها حزنًا لفقد ولدهما، وتعطيه مالاً وذهبًا ادخرته له، وتموت بعد فترة مرض قصيرة.

يرحل والد هوزان إلى أربيل، ويعمل هناك نجارًا، لكنه لا يشعر بالراحة نتيجة عودة القتال والصراع، فيرحل سرًا إلى دمشق، ويستقر فيها. وفي عام 1981، وفي تفجير عشوائي،  قتل والده مع 200 شخص آخرين، لا لسبب إلا إنهم تواجدوا في الوقت نفسه، في مكان التفجير. اتهم نظام الأسد “الإخوان المسلمين”، واتهم “الإخوان” نظام الأسد، بارتكاب تلك المجزرة، وضاع دم 200 شخص لا ذنب لهم. ودفن شالاو، والد هوزان، في مدفن الشيخ خالد النقشبندي بدمشق، حسب وصيته.

هوزان الفنان التشكيلي، يستعد لافتتاح معرض لوحاته التشكيلية التي يعرض فيها 12 لوحة مستوحاة من 12 قصيدة شعرية لجدّه لأمه؛ يوري روبنسكي الذي مات في جزيرة آكلي لحوم البشر، ويسمي المعرض باسم الجزيرة (نازينو)، ويعرض شعر جدّه، بالروسية والعربية والكردية. زوجته سارة، وابنه آزاد، وابنته زوزان، وابنه ولات يحضرون المعرض وفخورون بهويتهم المركبة: العربية، والكردية، والسورية، والروسية. فقدان هوزان بصره فجأة من دون أي سبب عضوي، لم يمنعه من افتتاح المعرض في موعده. يذهب إلى روسيا ولندن للتداوي بلا فائدة، ويبدأ في بمتابعة جلسات علاج نفسي مه طبيب أمراض نفسية. وصار يقرأ لمشاهير المكفوفين؛ أبي العلاء المعري، وطه حسين، ويتساءل ماذا لو قاد العالم العميان؟ أثناء متابعته تسجيلات الجلسات مع  طبيبه النفسي، يتعجّب هوزان من المعلومات الخطأ التي يدلي بها للطبيب عن حياته، ويستغرب كثيرًا وهو يسمع نفسه، ويخبر الطبيب لمعرفة السبب، ويتكرر ذلك معه! يتعلّم طريقة “برايل”، ويقرأ ويكتب بها. يقيم حفلة لأصدقائه العميان، يتعرفون على بعض ويناقشون موضوعات كثيرة، حروب العرب والهزائم المستمرة، والألوان والفرق بينها.

أثناء جلسة مع الطبيب النفسي، ينسب هوزان لنفسه أحداثًا، ويحكي وقائع لم تحدث، وتزيد دهشته وهو يستمع تسجيل تلك الجلسة، ولا تفسير عند الطبيب لذلك. ويدور حوار فلسفي بينهما. بعد خمس جلسات، يخبره الطبيب: “إن هناك حالات يقف الطب أمامها عاجزًا”. وبدأت تتكون عنده رغبة في كتابة رواية بلغة “برايل”. يصرّ على البقاء في دمشق، بالرغم من هجرة أخوته، وإلحاح زوجته سارة عليه في الإسراع بالهجرة. يؤجّل ذلك حتى ينهي روايته التي بدأها، ولا يعرف كيف ينهيها. عاد إليه بصره فجأة، ولكنه لم يعد يسمع! يتوقّف عن الكتابة، ويوافق على الهجرة إلى فرنسا. ويتذكر السرداب وكنوز المخطوطات والكتب التي نسي الاطلاع عليها، ومرارات هجر طشقند التي حكى له عنها والده. يودع دمشق باكيًا، وتبكي أسرته معه. وفي فرنسا يلوم ويؤنب نفسه تأنيبًا مرًّا على تفريطه في حقوق وأشياء كثيرة. صديق جديد يخرجه من حالته الصعبة، فيعود للرسم، ويبرر سبب بعده عن السياسة، وسرّ التقاتل بين الفرقاء عبر التاريخ في الشرق والغرب. يتحدّث صديقه الجدد عن لوحته التي اشتراها من التاجر الدمشقي، وكيف كان ثمنها منقذا للرجل وجعله يكسب ملايين

بعد أن ضاعت كل أمواله في القمار، ويفشل الرجل في استعادتها، ويصاب بحالة نفسية لعجزه فينتحر. يجري الحديث عن الصدفة الغريبة التي جمعت انتحار التاجر في باريس، مع إصابة هوزان المفاجئة في دمشق، بنفس اليوم، من دون معرفة السبب. يشعر هوزان بالملل، فيذهب إلى مسرح سيقدّم حفل موسيقي صاخب وهو الأصم. فيستعيد سمعه أثناء تعرّض الحفل إلى هجوم إرهابي، عقب إصابته في ذلك الهجوم. يصارع الموت شهرًا، وفي كانون أول 2015 يغادر الحياة؛ لكنه لم يصل إلى وطنه. ودع باريس تاركًا لوحة غير مكتملة، غادرها كما غادر من قبله والده “حاجي عمران”، “مهاباد”، “طشقند”، “أربيل”، و”دمشق”!

بعد مراسم الدفن، وقبل أن تحرق زوجته ملابسه التي قتل فيها، عثرت على ورقة في معطفه الأسود، كتب فيها: “حبيبتي سارة، أعتذر لك عن احتفاظي بهذا السرّ، طوال هذه السنوات، كنت مجبرًا على الكتمان، خلف خزانة الصفيح في مستودع بيتنا الدمشقي، هناك دهليز يؤدي إلى سرداب تحت الأرض فيه صناديق مليئة بالمخطوطات والكتب القديمة التي يعود تاريخها إلى مئات السنين، لا أعرف كيف يمكنك الحفاظ عليها، وسط تلك الحرب. انتابني إحساس إنني مغادر، لا أعرف متى وكيف، أوصيك بالعناية بنفسك والأولاد وبتلك الكتب والمخطوطات الثمينة التي تهددها الحرب ويهددها القصف في أية لحظة، يمكنك إبلاغ السلطات الفرنسية بذلك السرداب إن حدث لي أي مكروه. أتمنى إحراق هذه الورقة فور انتهائك من  قراءتها“.

ب-هيمنة الواقع المأزوم:

 الواقع المأزوم يسيطر على الرواية من أول عتبة لها العنوان؛ “كأنّني لم أكن”، ثم الإهداء؛ “… تجيد الحزن والألم …”، ثم الاستهلال الذي ينظّر للندم؛ “الأسف والحزن ،والألم”. وفي متن الرواية أيضًا؛ فشل إعلان جمهورية الأكراد، معاناة الفارين من الحرب، والشتات، مآسي الغربة، و13 سنة بعيدًا عن الوطن، الثورة الروسية وقتل مئات الآلاف من المعتقلين، ووحشية النفي والحبس، وأكل المساجين لحوم بعضهم البعض، موت جد هوازن في جزيرة (آكلي لحوم البشر)، قهر النظام للروس وإجبارهم على تعليق صورة قاتلهم (ستالين) في منازلهم، آلام العودة من الغربة بعد التعوّد عليها، انتحار واحد من الرفاق برمي نفسه في البحر، وتركه رسالة مبكية لزوجته، موت جد البطل لأبيه حزنًا على ولده المفقود، وإصابة جدته لأبيه بالعمى ثم موتها، موت جدته لأمه في زلزال طشقند، هجرة والده من قريته “حاجي عمران” ‘إلى أربيل، ثم مغادرتها إلى لدمشق سرًّا، موته في تفجير إرهابي ضرب إحدى ميادين دمشق، الفشل المستمر في إنشاء دولة للأكراد وضياع حقهم في تقرير المصير، إصابة هوزان بالعمى، ثم إصابته بالصمم، فهجرته إلى فرنسا، وتأنيبه لنفسه على ما فرط فيه من حقوق، إصابة تاجر اللوحات الدمشقي بأزمة نفسية وانتحاره، اصابة البطل بثلاث رصاصات في هجمات باريس الإرهابية، وفقدانه للنطق، مقاومته الموت شهرًا، ومغادرته الحياة في الغربة.

الواقع المأزوم هيمن على جغرافيا واسعة من الأماكن؛ مهاباد، حاجي عمران، أربيل، طشقند، روسيا، جزيرة آكلي لحوم البشر، العراق، إيران، سوريا، لبنان، تركيا، فرنسا، …، وكذلك هيمن على التاريخ، فكل الوقائع التاريخية لأكثر من مائة عام يغلب عليها النسق المأساوي، وضياع الحقوق، وإزهاق الأرواح، والانتقال من مأساة لأخرى. ولا تكاد أن تخلو صفحة من واقعة قتل دامية أو خيانة مؤلمة، أو حديث عن ذلك، أو تمهيد له.

الواقع المأزوم سيطر على شخوص الرواية؛ الجد للأم، مات في جزيرة معزولة أكل فيها المساجين بعضهم البعض من الجوع، والجد للأب مات كمدًا بعد أن دفن عظام سبعة قتلى على أنها عظام ولده المفقود، والأب تغيّر، وترك القضية، وهجر قريته ومدينته إلى دمشق، ومات في تفجير عشوائي سنة 1981، الجدة لأب أصيبت بالعمى، ومرضت وماتت، والجدة للأم ماتت تحت أنقاض بيتها في طشقند، والبطل رغم شهرته الواسعة وحالته المادية الميسورة، أصيب بالعمى، ثم الصمم ثم أصيب بثلاث رصاصات، مات بسببها بعد أن فقد النطق.

ج- التقنيات السردية:

1-السارد العليم: استخدم الروائي تقنية السارد العليم التي تحولت إلى سارد مهيمن على كل الأحداث، وكل الشخوص، فجعلها تعبر عن أفكاره، وثقافته، وتحمل في سلوكياتها، ومواقفها الحياتية ما يريد بثهمن رسائل مباشرة، ورسائل مضمرة. فأغلب شخوص الرواية -عدا المشاهير – تعد معادلات موضوعية، تنقل لنا الفكر والرسائل بصورة روائية لها تأثيرات أكبر على المتلقي. فنجد مثلاً: ضجر شالاو من سلوكيات بعض المسؤولين، وانتقاد سلوكياتهم، هي نفسها ما يصرح به ولده البطل في حالة الوعي، أو أثناء الحكي مع الطبيب النفسي، وعندما يتحدث عن كنه الصراعات من الأزل إلى الأبد، فيقول ص 214: “…أنا وأنت ضحايا بشكل أو بآخر، ما يجري في هذا العالم صراع وتضارب مصالح ليس فقط بين ديناصورات الاستبداد وحسب، بل بين الضحايا المستفيدين من الاستبداد والفساد، والمتضررين منهما أيضًا… الصراع لدينا مركب وشديد التعقيد، ومحكوم بعدّة حلقات ضغط…”. ويقول في موقفه من الثورات: “لا أحب الثورات، ولا أكرهها، لا أقف معها، ولا أسمح لنفسي أن أكون ضدها، أنا ضد قمع الحريات ومصادرة الحقوق، ضد الاستبداد ومع حقوق الإنسان والحيوان والنبات والألوان الطبيعية …”.

2-تيار الوعي: سرت في الرواية تقنية تيار الوعي (المنولوج الداخلي)، ورغم الفوارق في الموضوع؛ فإن الرواية تشبه إلى حد كبير رواية نجيب محفوظ التي استخدم فيها تيار الوعي (اللص والكلاب )، وكل شخوصها مأزومة، والشخصية الوحيدة النبيلة، هي تلك الساقطة التي آوت البطل أثناء هروبه.

يقول على لسان والد هوازن أثناء فراره إلى روسيا السوفيتية: “… صرت أتخيّل أبشع الأشكال لذلك الشيء الذي أطلقوا عليه اسم العدو، تارة أراه شديد الفظاعة كقنفذ عملاق تخرج من جسده أفاعٍ تنفث سمًا ونارًا، تخيلته وحشًا قبيح المنظر ملطخًا بالدماء، يسيل من فمه المخاط والقيح والدم. سألت نفسي وقتها: لكن من هم الخونة؟ وبما يشبه إقناع الذات، استدركت وقلت: الأولوية الآن مقاتلة العدو …”.

3-الاسترجاع (الفلاش باك): استخدمه الكاتب، عبر تذكّر هوزان ما قاله له والده شالاو عن رحلة الألم والعذاب في الغربة، والعودة منها، وبعد العودة، وفي مواضع أخرى كثيرة.

4-الزمن: مصداقية الزمن، ودوره المميز في الرواية. يظهر ذلك في النسق الظاهر ونحن نتتبع السنوات التي ذكرها الكاتب، وحرصه على أن يذكر اليوم والشهر والسنة في أكثرها:

– تاريخ البدء في كتابة الرواية (1 يونيو 2016م)، وتاريخ الانتهاء من كتابتها (29 نوفمبر 2019م).

– شراء البيت الدمشقي 1962م

– ولادة ناتالي على ظهر الباخرة 1959م

– ميلاد هوازن 1965م

– ميلاد والد البطل شالاو في قرية حاجي عمران 1930م

– إعلان الجمهورية الكردية في إيران الثاني والعشرين من كانون الثاني  1946م

– اغتيال الزعيم القومي الأوكراني يفهن كونوفاليتس 1938م

– القبض على سودوبلاتوف 21 أغسطس 1953 والإفراج عنه في أغسطس 1968م

– اتفاق الجزائر 1975م الهزيمة الكبرى وفرض استسلام مذل على الكرد.

– موت الملا مصطفى البارزاني في أمريكا 1979م

– إرسال الفارين إلى روسيا إلى أوزبكستان آب 1948م

– عودة نتالي، جدة هوازن لأمه، إلى طشقند 1965م

– موت ناتالي بسبب الزلزال الذي ضرب طشقند 1966م

– اعتقال جد هوازن لأمه يوري روبنسكي في روسيا لأول مرة 29 /3/ 1908م، واطلاق سراحه صيف 1913م

– هجوم الثوار الروس على سجن بيتالك وسط موسكو وتحرير السجناء ومنهم روبنسكي جد هوازن لأمه  1917م

– انتحار مايكوفسكي صديق روبنسكي منتصف إبريل 1930م

– نفي روبنسكي إلى جزيرة نازينيو في سيبيريا 1933م

– موت ستالين واستلام خروشوف الحكم فبراير 1956م

– سيرغي رومانوفيتش يسلم أهل روبنسكي 12 نصًا شعريًا كتبها في المعتقل قبل أن يموت فيه، سلمها لهم مطلع  1958م

– خطاب برزاني الأول في جبل كوموند 1946م

– لقاء الزعيم السوفيتي بجمال عبد الناصر تشرين الأول 1958م

– عودة المقاتلين من روسيا للعراق نيسان 1959م

– تحويل البارجة الألمانية إلى سفينة ركاب 1949م، وتوقفت عن الإبحار 1975م

– رسو السفينة غروزيا في ميناء الفاو العراقي 16/4/1959م

– افتتاح فندق شط العرب 1938م

– مذابح العثمانيين للأرمن 1915م

– الإقامة في منزل قرية حاجي عمران ربيع 1959م

– شالاو والد هوازن، يغادر حاجي عمران إلى أربيل أيار 1959م

– رجوع الزعيم بارزاني من بغداد إلى كردستان 1961م.

– انقلاب عبد الكريم قاسم على النظام الملكي 14/7/1958م

– شالاو ينتقل في سرية من أربيل إلى دمشق أب 1961م

– بدء معارك وقصف الطيران العراقي لكردستان 11 أيلول 1961م واستمرت المواجهات بين الكرد والجيش العراقي إلى 1964

– انفجار ضخم في واحد من الميادين السورية يقتل فيه شالاو والد هوازن 29 تشرين ثاني 1981م

– افتتاح معرض هوازن للفن التشكيلي 22 تشرين الأول 2011م

– زيارة هوازن إلى لندن قبل إصابة بالعمى: 2005، 2007، 2009

– متابعة هوازن للطبيب النفسي تبدأ 28 من تشرين أول 2011م

– احتفال الجزائريين بثورتهم الأول من تشرين ثاني 1954م

– الاتفاق مع الطبيب النفسي أن تكون جلسة هوازن معه: الثلاثاء 8 تشرين الثاني 2011م

– حرب أكتوبر 1973 وتبادل الأسرى 6 حزيران 1974م

– بناء جدار برلين الذي يشطر ألماني آب 1961م وسقوطه 1989م

– جلسة جديدة بين هوزان والطبيب النفسي الثلاثاء 15 تشرين الثاني  2011م

– معلومات غير صحيحة عن انضمام هوزان لحزب العمال الكردستاني 9 تشرين الثاني  1989م

– تأجيل لقاء الطبيب النفسي إلى 22 تشرين الثاني 2011م

– استقلال لبنان عن فرنسا 1943م

– اغتيال جون كندي 1961

– اغتيال الرئيس اللبناني رينيه معوض 1989م

– جلستان مع الطبيب النفسي: 29 تشرين ثاني، 6 كانون أول 2011م

– بدء هوزان في كتابة روايته 21 آزار 2013م

– عودة الإبصار لهوزان وفقدانه السمع في 21 مارس 2014م

– اليهودي صاحب المنزل الدمشقي يعتنق الإسلام 1889م

– مونيه يرسم لوحة انطباع شروق الشمس 1872م

– انتحار التاجر اليائس من استعادة اللوحة 19 تشرين الثاني 2011م

– إصابة هوزان إصابات خطيرة وفقده النطق 13 تشرين الثاني 2015م

– موت هوزان متأثرًا بإصابات خطيرة من 3 رصاصات أصيب بها في أحد مسارح باريس يوم 25 كانون الأول 2015م

أكثر التواريخ السابقة تشير إلى أحداث حقيقية، وأغلبها تدل على مآس إنسانية، وبعضها لا يمكن الجزم بصحته، فقد يكون متخيلاً، ورغم كون التنويه يشير إلى أن الرواية ليست للتوثيق؛ فإن صحة أغلب التواريخ تؤكد النسق التوثيقي فيها، وإن لم يكن شاملاً لكل الأحداث، لاتساع المساحات الزمنية والمكانية وكثرة الشخوص والقضايا المثارة. ورغم ذلك ففيها ثراء وقوة، ومصداقية للخط المعلوماتي في الرواية. ولم يمر الزمن فحسب لكنه أثر في المكان، والشخصيات. وعلى سبيل المثال:  شالاو الذي تطوع وعمره 16 سنة مقاتلاً في جيش البارزاني، أثر فيه الزمن، ولم يشارك في قتال الستينيات، وفضّل الهجرة سرًّا إلى دمشق.

5-الأماكن: ممتدة امتدادًا جغرافيًا واسعًا، ومتنوعة. وقد أثرت في الأحداث والأشخاص، ورسم الكاتب بعضها بدقة، ولكن لم يرسم كل الأماكن بدقة رسمهِ البيت الدمشقي. فلم يرسم بيت قرية “حاجي عمران”، ولا بيت أربيل، ولا بيت باريس بالدقة نفسها.

يقول في وصف المنزل الدمشقي: “… شرفة الطابق الثاني لمنزله الدمشقي القديم، المطلة على فناء الدار الذي تتوسطه بركة ماء، ذات نافورة دائمة التدفق والخفقان، خريرها خرير جدول صغير يعبر بستانًا إلى حقل أكبر وأوسع، زقزقة العصافير التي تقفز متنقلة بين أغصان أشجار الليمون والنارنج والرمان، لا تفارق المنزل إلا مع اطباق الليل سلطانه على المكان، أرضية المكان المرصّفة بالأسود والأبيض كرقعة شطرنج تتوزع عليها نباتات وشجيرات زينة موضوعة في علب معدنية وأوان فخارية، موجودة على حواف البركة السداسية الأضلاع… في الزوايا يتسلق اللبلاب الكسول على مضض، الخيوطَ مشدودة إلى الأعلى وصولاً إلى السقف حيث يبدو اللبلاب إطارًا من الخضرة يزيّن حواف وزوايا البيت من داخل فنائه…”.

6-الشخوص: هوزان، ووالده شالاو شخصيتان رئيستان في الرواية، ثم الجدتان، والزوجة سارة، والطبيب النفسي، وكثير من الشخصيات الثانوية…، ونمو الشخوص الرئيسة، مما يحسب للرواية، فقد أثر فيها الزمان والمكان. ورغم واقعها المأزوم، فقد تطورت فكريًا، وتغيرت سلوكياتها وقناعاتها، ورغم حرص الكاتب على الرسم الاجتماعي لشخوصه، والرسم النفسي لها، فإنه ترك رسمها فيزيائيًا، رغم أهمية الرسم الفيزيائي للشخوص الرئيسة سرديًا في الروايات التقليدية، فترك تخيلها للمتلقي لا يجعلها شخوصًا تشعره بالحميمية. وكذلك لم يحرص الكاتب على البطولة النسائية رغم أن الرواية حفلت بشخصيات نسائية جديرة بأن يتسع دورها: الجدّة نتالي، وأولغا زوجة شالاو الأب، وسارة زوجة هوزان، والجدّة أم شالاو، والفتاة اليتيمة العمياء في القرية، وكجال أخت شالاو…، بالإضافة إلى صديقات هوزان الكفيفات!

7- الحبكة الروائية: تعددت العقد في الرواية، وتشابكت الأحداث في أكثر من مكان، والتفصيلات الدقيقة في السرد، وحيويته رغم بعض الاسترسالات، وكثرة الأحداث، والقضايا المثارة تعد مادة ثرية للتشويق، والقفزات الزمانية والمكانية دفعت الرتابة، وجذبت الانتباه. ورغم الإحساس بالكآبة الناتج من متابعة الكثيرة من الفواجع والمصائب، وعدم التركيز على نجاحات كثيرة تحققت: زواج شالاو، والاحتفاء بميلاد طفلته ناتالي على متن السفينة، وحب هوزان لسارة، وإنجابه ثلاثة أبناء منها، ونجاح معرضه التشكيلي. فضلاً عن خط الحبكة القوي في غموض مسألة السرداب الموجود في البيت الدمشقي، والذي أخذ عمقًا رمزيًا يفسر ولا يحل …

8-الحل: رغم موت هوزان المفاجئ، فمازالت القضية الرئيسة لم تجد حلاً، وقد أماته الكاتب ليبثّ الحياة من جديد في ذلك السرداب الذي يشير فيما يشير إليه إلى الجذور التي تستأهل الحفاظ عليها، وبكل الوسائل، فالحل سيأتي من الحفاظ عليها والتمسك بها.

رابعًا: الخاتمة

السؤال الأول: هل زادت هذه الرواية – كعمل أدبي إنساني مميز – من مساحات الحق والخير والجمال، وقاومت الباطل والقبح والشر؟ الإجابة: نعم. فرغم كل الخيبات والإخفاقات التي توالت الأجيال، ولم تُترَكْ القضية، بل كان نجاحها في ميادين بعيدة عن ميدان الاشتباك المباشر فيه دعم وتقوية للحق الذي لا يضيع، ومن يصرّ على المطالبة به، وفي الأنساق المضمرة في الرواية، تأكيد لذلك.

السؤال الثاني: كيف نصنف هذه الرواية؟ رغم وجود الكثير من التيارات الروائية الحديثة: (الواقعية السحرية، وتيار الوعي، والرمزية، والعبثية….) بيد أن هذه الرواية يغلب عليها البعد الاجتماعي، حيث تشابك الأحداث الإنسانية، ومن خلال الحكي المباشر وغير المباشر، كالهروب، والغربة، والعودة، والهجرة، والأزمات السياسية وانعكاساتها على الإنسان، والثورات، وموقف الإنسان منها، وقضايا كثيرة ذات بعد إنساني …

السؤال الثالث: هل حققت الرواية الهدف من كتابتها ونشرها؟ تتباين أهداف الروايات الظاهرة والمضمرة، وجلها يهدف إلى الإقناع والإمتاع، ولم تعد الروايات حديثًا تكتفي بالإقناع السريع، ولا بالمتعة العابرة، ولذلك تتعدد أنساقها وأهدافها. ومن يستطيع أن يصل لعمق أعماق الرواية، يكون اقتناعه أقوى وتكون متعته أشد. ونحن نطالع هذه الرواية، وجدنا الكثير من المصائب والفواجع، وحوادث القتل، والاغتيال، والتفجيرات، والعمى، وفقدان السمع، والنطق، والخيانات، وتساءلنا عن أصل المشكلة، وعن آخر ما وصلت إليه؟ وهذا نجاح كبير للرواية أن تقودنا للبحث، والفهم، وترتيب أحداث القضية، ومن ثم الشعور بمتعة الفهم، والوصول للحقيقة أو ما نحسبه كذلك. وقد نجحت في إثارة الذهن للبحث سرّ السرداب وكتبه  ومخطوطاته القديمة التي تشير في بعض إشاراتها للجذور، والعلوم الإنسانية التي يقوى بها الإنسان، وتتحقق بها الآمال. وهذه بعض الروابط التي راجعناها قبل أن نكتب عن هذه الرواية[1].

السؤال الرابع: ما أثر الرؤى النقدية التي حفلت بها الرواية على المتلقي؟ يتباين موقف المتلقين للقضايا التي تثيرها الروايات حسب ثقافة المتلقي وتوجهاته، وحالته النفسية والعصبية، وإذا كان الكاتب حرًّا في كل ما يتناوله في روايته، فعليه أن يدرك أن المتلقي لديه الحرية نفسها، وهو يقرأ ويتفاعل مع القضايا المثارة، وقد يكتب عنها، وفي كل الأحوال على الكاتب، والناقد المتلقي أن يحكم نصه ويغلق ثغراته حتى لا ينفذ منها (نقد النقد). وهنا نتناول بعض القضايا التي عالجها السارد نقديًا:

1- يحكي شالاو عن العدو المجهول الذي سيواجهه، ولا يعرف كنهه، أحسب هذه ثغرة يجب أن تغلق لأن من يتم إعدادهم للحرب يتلقون توجهات ثقافية، وتوجيه معنوي يجعل كل واحد منهم يضحي بأغلى ما يملك. وإذا كان هذا لا يحدث قديمًا، فيجب الإشارة إلى أن التوعية زادت حديثًا.

2- اليهودي المسكين؛ صاحب البيت الدمشقي الذي أسلم، فلم يصدقه المسلمون، وواصلوا اضطهاده، ويعتبره اليهود خائنًا، وعندما يموت يتم رفض دفنه، فيدفن في صحن داره. والحقيقة إن هناك جمعيات كثيرة تساعد من يدخلون الإسلام، وما في القلب يعلمه الله، والثغرة هنا في فهم غير مباشر تشير إليه هذه القصة وموجهة لغير المسلمين ومضمونه: (عدم دخولكم الإسلام أكثر فائدة لكم)، رغم كون أي اعتقاد حرية مطلقة.

3-المفاضلة بين طه حسين وبين نجيب محفوظ، وإلقاء اللوم على المصريين لأنهم احتفوا بنجيب محفوظ أكثر من  طه حسين، والأولى بالاحتفاء هو طه حسين. والحقيقة الواقعية: إن من احتفى بنجيب محفوظ أكثر من طه حسين هي لجنة جائزة نوبل، ولا سلطان للمصريين عليها. ولقب طه حسين؛ عميد الأدب العربي، يكفي لإظهار احتفاء المصريين به، فلا تثريب عليهم. أما قضية الانتحال وكتاب “في الشعر الجاهلي”، فقراءة كتاب “مرجليوث” المستشرق الفرنسي تفكّ شفرات كثيرة في قضية خلافية كبرى يضيق المقام عن الإحاطة بها ومعالجتها، وقراءة حديث الأربعاء، وعلى هامش السيرة، ينصف طه حسين إنصافًا يستحقه.

4- هزيمة العرب في 1973 واستعادة بعض الأرض لا تعد نصرًا – ثغرة كبرى في جدار المعلوماتية، يكفي أن نقرأ ما كُتب عن خط بارليف، وأن نطالع المجلات العسكرية المتخصصة في هذه المسألة، ويحسمها ما قاله العسكريون اليهود أنفسهم مثل؛ وايزمان، عن تلك الحرب، واستعادة مصر لسيناء، وعبورها المانع المائي، والساتر الترابي، وحصون بارليف، والتغلب على أقوى الأسلحة، وعلى التأييد الدولي الواسع. ولولا الهزيمة الكبرى لليهود، ما انسحبوا من كل سيناء، ومساحتها ثلاثة أضعاف دلتا مصر، وهذه المقولة موجودة على شبكة المعلومات، وهناك من مازال يحتفي بهزيمة العرب في 1967م كطابور خامس، يهتم بزعزعة ثقة العرب في مقدرتهم على تحقيق أي نصر، وأخذهم إلى مصير الهنود الحمر. وبعد 1973 استطاعت منظمة لا تملك جيشًا نظاميًا أن تجبر اليهود على الرحيل عن جنوب لبنان هروبًا من الخسائر ودون شروط، وتقف في وجههم موقف الند وأكثر.

إن إنكار الحقوق التاريخية، والسطو على الجغرافيا والتاريخ، وإن نجح مرحليا في بعض الأماكن، لكنه لن ينجح على المدى البعيد. فحق الشعوب في تقرير مصيرها حق يجب أن تتمسك به، ولا قيمة لحق لا تدعمه قوة.

السؤال الخامس: ما الجديد الذي قدمته الرواية على المستوى الإنساني؟ أحسبه العمق الإنساني في النسق الظاهر والمضمر لهذه الرواية، و تستحق الاحتفاء، والاحتفال بها لأجله. فعندما أسس رسولنا الكريم لأهمية العمق الإنساني في مقولته الشهيرة، وهو يقف لمرور جنازة يهودي: “…أوليست نفسًا”، وجّهنا إلى أن نحترم النفس البشرية، وأن نكفّ عن التمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين. فهذه مسؤولية الخالق وحده، وفي الرواية نجد هذا العمق الإنساني الرافض لأي تمييز. فعلى أرض الواقع، تزوج شالاو (الكردي المسلم) من أولغا الروسية التي أنجبها أب يهودي، وأم أرثوذكسية، عاشت معه أولغا حياة سعيدة، وسعدت بأبنائها منه، وبأحفادها وحمل ولده بطل الرواية (هوزان) الانتماء للإسلام والمسيحية واليهودية معًا، ونجح في أن يكون فنانًا شهيرًا، ويكوّن أسرة سعيدة، ويحترمه كل من يتعامل معه، وأولاده يفخرون بأنهم عرب وأكراد[2] وسوريون. هذا العمق الإنساني يجعل من الرواية لبنة مميّزة في صرح الإنسانية، يحتفل بها الماجدون في كل زمان ومكان. فقد توفرت لها مقوّمات الأدب الخالد: العمق الإنساني، والصدق الانفعالي، وانضباط الصياغة…

 نقول ذلك، ونتمنى للروائي المزيد والمزيد من الإصدارات المميّزة شكلاً ومضمونًا، وعلى الله قصد السبيل …

الجيزة –مصر

سبتمبر 2022م


[1]  

………………………………………………………………

……………………………………………………………..

……………………………………………………………

……………………………………………………

[2]  وثائقي عن الأكراد