كيفورك خاتون وانيس

لم يحدث على مدى تاريخ المنطقة العربية أن اتفقت فيه نخب المنطقة وكتابها، ناهيك عن الخصوم والفرقاء؛ سواء هؤلاء المتصارعون إيديولوجياً (علمانيون، دينيون)، أو أولئك المتصارعون سياسياً (المعارضة والسلطة) على مسألة كما اتفقوا على مسألة تحميل اتفاقية سايكس بيكو مسؤولية حال هذه البلاد وإدانتها عند نشوب أي صراع داخلي وما يتبعه من فوضى وعدم استقرار في منطقة “الهلال الخصيب”.

في الحقيقة إن  اجماع كل هؤلاء ( الذين لم يتفقوا يوماً على فكرة أو حدث) على هذا الموقف والتمسك به لمدة أكثر من قرن من الزمن، هو أمر يدعو إلى البحث في مدى صحة الحجج التي استندوا عليها في توجيه هذه التهمة.

على الساحة الإيديولوجية، تستند تهمة النخب القومية العربية على أن هذه الاتفاقية هي السبب في تفتيت الأمة العربية، بينما يتهمها الكثير من النخب الكردية القومية بأنها كانت السبب في حرمانهم من تحقيق حلم الدولة، أما الدينيون فأنهم يعتبرونها مسؤولة عن وضع نهاية حاسمة للخلافة  الإسلامية من خلال تقطيع أوصال الدولة  العثمانية .

وعلى النطاق السياسي، تتسابق النخب المعارضة (في كل بلدان المنطقة )،على اختلاف مشاربها الفكرية، مع الأنظمة الحاكمة في ترديد هذه الأسطوانة بنغمة متوافقة دونما اتفاق في طريقة التهرّب من تحمل المسؤولية عند كل منعطف تاريخي تمر به المنطقة دون تكليف أنفسهما عناء مراجعة شعاراتهما على مدى أكثر من قرن من الزمن!

أما نحن (الشعوب) فقد صدقناهم ولازال الكثيرون منا، كما هو الحال مع كل المقولات الدوغمائية  التي لازال يرددها هؤلاء وأولئك على مسامعنا ليلاً نهاراً إلى درجة أنها أصبحت من المسلّمات “المخدرة”.

في الحقيقة، رغم أن سايكس بيكو كانت اتفاقية تقاسم نفوذ بين فرنسا وبريطانيا وروسيا، وأن رسم خريطة المنطقة بدأ بمؤتمر سان ريمو الذي انتج اتفاقية سيفر  1920، التي استُبدلت بمعاهدة لوزان الثانية 1923،  إلا أن هذا ليس هو المهم هنا ولا يغيّر في جوهر الموضوع ألا وهو إلقاء اللوم على الآخرين (القوى الخارجية) في الوضع الذي عاشته المنطقة من صراعات دموية وفوضى وعدم استقرار، وما لا زالت تعيشه حتى يومنا للأسف الشديد.

لكي نحدد مدى مسؤولية سايكس بيكو (أو سيفر أو لوزان ) دعونا بشكل سريع نعود بالزمن إلى أيام الحرب العالمية الأولى ونقرأ الواقع الذي كنا نعيشه من خلال الخريطة السياسية للمنطقة في تلك الفترة، ونتبين الخيارات المتاحة والامكانيات التي امتلكناها والمبادرات التي قمنا بها.

كلنا يعلم بأن هذه المنطقة كانت على مدى أكثر من أربعة قرون جزءاً من الإمبراطورية العثمانية على شكل ولايات ومتصرفيات (ولاية حلب، ولاية بغداد، متصرفية جبل لبنان……الخ) أي أنه لم تتواجد في هذه المنطقة دول ذات جغرافيا سياسية (هوية وطنية) محددة.

كما أن الفكر القومي الذي تم اعتماده في تشكيل الدولة – الأمة لم يكن قد وصل مده إلى شعوب المنطقة خلال تلك الحقبة وحتى تاريخ اندلاع الحرب العالمية الأولى، إذ أننا لم نكن سوى ملل وطوائف وقبائل كالكثير من رعايا ومكونات الإمبراطورية العثمانية.

إذن الزمن والظروف التي عشناها لم توفر لنا أي فرصة لاكتساب أي خبرة في ادارة أنفسنا، وعليه فأن خياراتنا كانت شبه معدومة على صعيد القدرة على تشكيل الكيان الحديث (الدولة)!

عندما انتهت الحرب الكبرى وتلاشت ثلاث امبراطوريات؛ النمساوية- الهنغارية، والبروسية (الألمانية)، والإمبراطورية العثمانية التي كنا جزءاً منها، ودخلت المنطقة (وأجزاء كثيرة في أوروبا) في فوضى عارمة، وتاهت الشعوب،  فكان لا بد من البحث عن حلول لإعادة تنظيم الشعوب على أسس حديثة.

على فرض أن التهمة صحيحة، وأن ما قامت به اتفاقية سايكس بيكو أو الاتفاقيات التي تلتها هي السبب في كل ما جرى ويجري في المنطقة من صراعات وفوضى، فهل لو كنا قد تركنا لمصيرنا في تلك الأيام كنا سنتمكن بأنفسنا من تشكيل “دولنا”؟ وعلى أي أسس كنا سنشكلها؟ الأهم من هذا وذلك، لأي درجة كانت ستكون مستقرة سياسياً واجتماعياً؟

وعلى فرض بأننا كنا حينها قادرون، فيما لو تركنا لمصيرنا، على القيام بكل ذلك (قبل قرن من الزمن وضمن ظروف ما بعد الحرب الكبرى!!)، لماذا لا نستطيع اليوم، بعد كل هذا التبادل الاجتماعي والمعرفي داخلياً وخارجياً والعيش معاً لعشرات السنين، القيام بذلك بأنفسنا، ولماذا نترك أو بالأحرى نستجدي الآخرين (القوى الخارجية) لتقرير مصيرنا؟

إن عدم استقرار دول المنطقة لا يعود إلى عدم تجانس تركيبة الدول التي انتجتها الاتفاقية، كما يحاول البعض أن يفسرها، ولا إلى تقسيم المنطقة إلى دويلات بعد أن كانت “دولة واحدة” كما يجهد البعض الآخر أنفسهم في إقناعنا به.

فالتاريخ أثبت أن الأولى، أي الدولة المتجانسة (ذات هوية إيديولوجية وحيدة) ليست إلا قنبلة موقوتة طال الزمن أم قصر، وأن الثانية، أي أن هذه المنطقة كانت دولة واحدة بالمعنى الجغرافي والسياسي، ليست إلا مجرد خداع للذات أو ركض وراء وهم!