جوان حمي

هناك في عالم البرزخ، يعاقبك الباري عز وجل في جهنمه لإنك آثِمٌ، أما هنا فلا لِذَنبٍ ارتكبناه؛ نُعاقَبُ أبداً بسعير الجُهَنّمات.

ماحدث في شِنْكال/سنجار في آب من سنة٢٠١٤ لم يكن عبثياً البتة، كان السيف مسلولاً هناك، على تخوم الرب، ومسلطاً على رقاب شعب الله الأكثر مظلومية عبر التاريخ؛ الكورد، عياض بن غُنم عاد من فتوحاته، حيث جفّت الدماء على سيفه منذ ١٤٠٠عام، رطَّب سيفه مرة أخرى بدماء الكورد.

الرضيع(خِه دِه ر) لمّا يَشْبعْ من حليب أمه، والتي لم يُكتب لها أيضاً أن تَشبع من رضيعها، احترقَتْ مقلتاه، عندما غَشِيَ فاغر العينين والفم، في حضن أمه اليَبِسَ ضَرْعُها بعد أن ظلت تجري تائهة وخائفة، وهي إبنة الجبل والخبيرة بمتاهاته، لكن منظر أجداث أهلها البلا رؤوس أفقدها سَمْتَها؛ لقد قطعت مسافة كبيرة في جبل وَعِر، متجهة شرقاً، عِوَضاً أن تتجه غرباً-كما كل أبناء عمومتنا، في الشمال أوالجنوب أوحتى في الشرق، كلهم يتجهون غرباً، إلينا عند مآسيهم- وعندما اصطدمَتْ هناك براية سوداء أدركت خطأ طريقها؛ أعادت تصويب “عدّاد عمرها” غرباً، لكن للأسف فقد أدركها ملاك الموت، لقد ركضتْ فارّة برضيعها، حافية القدميين، بلا زوّادة أوماء في أتون آب وفوق لهيب حصيات ذلك الجبل الجَرِد، بعد أن نحر جُنْدُ الدولة الاسلامية زوجها وإخوتها، مكملين سَريتَهُم تلك بتلة من رؤوس أبناء قريتها، قطيع من السبايا، وجرح قاطع عميق في خاصرتها اليمني دكَّتْهُ “مطهرة” إياه برماد ناعم مزرق، من الكوة أسفل تنّور بيت أهلها واِحتَزَمَتْه بغطاء رأسها.

قدماها اللتان لمْ تحظيا يوماً، بحذاء لائق يرمم تشققات عقبيها، جروح عميقة لقدميها، أضيفت لتلك الشقوق المعتقة، امتنعتْ جرود ذلك الجبل العَطِش عن شرب خيوط دماء إبنة حواء تلك، مخافة لعنة أبينا آدم الذي لعن كل أرض ستشرب من دم أبنائه، بعد دم القتيل الأول هابيل.

تلك الشقوق تفجرت أخيراً بدم بائس شحيح مفرط اللزوجة، مُتَّرَبٍ بحصيات صغيرة.

تَكَوّرَتْ الفارّة محتضنة جسد رضيعها عَلَّها تُظّللهُ، وأَسلمَت الروح بعد أنْ سَلَّمَتْ رضيعها، أوبالأحرى كبدها – فالكورديات تَستجبْنَ للألم بأكبادهنّ أكثر من قلوبهنّ؛ قلوبهن ميتة أصلاً- أمانة لأبينا الذي في السموات، وبقيت تتوسل إليه حتى انطفائها؛

أبانا في السموات؛ خُذني، قرباناً عن رضيعي، احنن عليه، احمهِ، لا يوجد في هذا القَفْر سواه، أبانا لَئِنْ كانت هاجر قد سَعَتْ لابنها أشواطاً سبعاً بين الصفا والمروة، فأنا الجريحة، أنا الطَّعِينة قد جريتُ، ركضتُ، هرولتُ، وحتى لقد زحفتُ به أياماً سبعاً، أما أنت، بُنَيّ: ياالكل من كبدي فاضربْ بقدميك الصغيرتين الأرض؛ إن الرب لَغائِثٌ لك، كَإغاثته لاسماعيل ابن هاجر.

وهنا…هنا لاح في يقين تلك الأم، إنّ الرب قد لايفهم لغتها الكوردية!!!.

الشمس فقط كانت الحنونة على الرضيع، لقد قَطَفَتْ عينيه!!!!!، حتى لا يشاهد ما يحلّ بأمه وبقية رهطها، لقد أَفْقدتْهُ الشمس وعيه في البداية أي بَنَّجَتْهُ، ولاحقاً وبحرارة آب أذابَتْ مقلتيه، كانت رؤوفة به، لم تجعله يتألم حين الإذابة.

أَصبح قدرنا يومها أنْ نبحث عن ناجين أوجرحى، مُتَقَفِّينَ في لهيب آب، سير الهاربين الأوائل والغارّين بأرواحهم منذ القدم إلى متاهات الجبل القاتلة للجغرافيا والتاريخ، لكن مع حرارة تقارب حرارة الجحيم، لم أتوقع العثور إلا على “جثث” ، وبات حصادنا المفجع بعض الأجداث، الأم، ورضيعها(خِه دِه ر) الذي كان يتنازعه منجل عزرائيل، حملناهم إلى المشفى وتمَّ إمداد بدنه الذابل الصغير بأمصال طبية، وتخفيض سعير جسمه بأكياس ثلج وضعناها حول جسده الصغير، أَعَدْنَا له القليل من روحه لكنه سَعّر قلوبنا مقتصاً من أرواحنا، وبدأ بوَجَعيه المفجعين؛ ألم غياب الأم وألم حرق كرتي العين-والذي لا يضاهيه أي ألم- وهنا ما انفكت اللغة العربية بجزالتها، قوة وصفها، وغزارة قاموسها، تقف عاجزة، مرتعبة وخاشعة من سطوة ألم الرضيع، لم يكن نحيباً، لم يكن عويلاً، لم يكن نشيجاً، لم تكن حشرجةً، كان صوته مُفْقِئَاً للأعين وناخراً للعقول قبل القلوب؛ للبشر وحتى الحجر في ذاك المشفى الصغير، كان نقّار ألمٍ، يُذِلُنا، يُذِّل الحضارات، ويذل الأديان جميعاً..

وأخيراً أسلم الرضيع روحه المعذبة لبارئها، لكن بعد أن خَرِيَ – ولن أضعها بين قوسين أو تنصيصين لإنها غير خادشة للحياء هنا، إنها عين الحقيقة المرة – نعم خَرِيَ الرضيع علينا، على ألفي عام من الحضارة البشرية، على جميع الأمم المتحدة والمتفرقة، وعلى انسانيتنا، يومان كاملان مُتْرَعا الألم ليعبر خلالهما إلى برزخ الخلود، لَئِن قَطَفت الشمس مقلتيه فنحن من أغلقنا عينيه حتى لا يرى آثامنا بحقه.

ماء زمزم الذي وصل للأمصار كلها، لم تكن فيه رشفة مُبَلِّلة لريق المرأة الشنكالية ورضيعها.

كل اللواتي تم بيعهن كسبايا في أسواق النخاسة للدولة الاسلامية في الموصل، الرقة، ودول الجوار، وجميع الذين سقطوا في هذا الجرد، كانوا جميعاً بلا قلوب، فقد تركوا قلوبهم حارسة لتلال رؤوس أحبَّتهم المقطوفة، هناك في (كوچو)، و(شنگال)¹

الجميع خذل الايزيديين، حتى ملك الموت؛ لم يقبضْ أرواحهمْ بمنجله -رحمة بهم- ضربة واحدة، خاطفة، بل تلذذ بموتهم، استمتعَ بعذابهم؛ ماتوا جوعاً وعطشاً، سقطوا فُرادى ومجتمعين، صغارهم وكبارهم، إناثهم وذكورهم.

ومع كل هذا وذاك لا زال أهلي الإيزيديون يبتهلون للرب في (سبقاتهم)²:

(ياسلطان الأكوان الأعظم

يامَنْ تدير السحاب و الأفلاك،

يامَنْ تُهْطِلُ الغيث

يامَنْ تخمر البحار وتُرَقِدُها على الأرض

الدنيا ملك لك، وأنت لي المذهب و الدين؛

امنح الخير لإثنين وسبعين قوماً، ومازاد عنهم، إلهنا، تلك الفضلةُ عندكَ ارزقنا بها)،

ويومها كانت حصتنا من الفَضْلَة سيف عياض ابن غُنم.

منذ القدم التجأ أهلي الإيزيديون لهذا الجبل، فالجماد الأصم والأبكم كان عطوفاً عليهم أكثر من بني البشر، وربما لهذا الأمر علاقة ب “ميثيولوجيا” أصل التسمية الكوردية لهذا الجبل (شنكال)، فجاءت من تركيب كلمتين وهم( شنك) ويعني الجميل و(آل) وتعني العَلَم أوالجهة ويصبح المعنى الأقرب (القمة الجميلة)؛ كلما تهارَبَ أهلي ولاح لهم الجبل، تبدى لهم ذاك القفر،الجرد، والعَجٕف جمالاً مهيباً، وأمسى أكثر بهاءً وهو يحمي أهلي خلال الأربع والسبعين من الإبادات الجماعية بحقهم، لكن في الإبادة الخامسة والسبعين لهم في آب من سنة ٢٠١٤، فشل الجبل في حمايتهم، انطفؤوا جميعاً، ماتوا هرباً من دين الله، في نفس المسالك الحجرية التي هرب إليها أجدادهم، نعم يومها انطفأت أجسادهم لكن أرواحهم أَوْقَدَتْ كافة السُّرُج والقناديل ال٣٦٥ في خوابي (لالش النورانية)³، كما في كل ليلة ومنذ آلاف السنين، منيرة لظلمات قلوب البشر، قبل ظلمات الحجر.

¹(كوچو)، و(شنگال): من البلدات الإيزدية في جبل سنجار، هاجمها تنظيم الدولة الاسلامية في آب من سنة ٢٠١٤، وارتكب فيها الفظائع؛ قتل رجالها جميعاً، وسبا أطفالها ونسائها

²(سبقاتهم): ترانيم او أدعيات يرددها الإيزديون في تعبداتهم.

³ (لاش) النورانية: الموقع الأكثر قدسية عند الايزديين، يحجون إليها، تقع ٥٠كم شرقي مدينة دهوك/كوردستان العراق، فيها٣٦٥قنديلاً بعدد أيام السنة، توقد كلها كل ليلة، بزيت الزيتون المقطوف من ٧٠٠شجرة مزروعة هناك منذ القدم، ويعصر بشكل بدائي بيدي الإيزديات