كيفورك خاتون وانيس

رغم التنافر والعداء والخلافات والاختلافات بين الأحزاب الإيديولوجية بمختلف مشاربها (دينية، قومية، شيوعية ) من حيث المبادئ والمعتقدات والنظريات والمنظرين، إلا أن التاريخ كعادته يذكّرنا بوجود مشتركات جوهرية جامعة فيما بينها.

أهم هذه المشتركات هي شرعنتها للعنف “الثوري” سبيلاً للتغيير، واستمرارها (بعد الوصول إلى السلطة) في استخدام القوة بشكليها الناعم والخشن في تصفية بقية القوى السياسية والمدنية التي ساندتها وأيدتها في التخلص من الطبقة الحاكمة السابقة، إذ أنها بطبيعتها وتركيبتها غير قادرة على تقبّل المشاركة في إدارة البلاد كونها تؤمن بامتلاكها الأبدي للحقيقة المطلقة!

حدث هذا في كل البلدان التي حُكمت ولاتزال تُحكم من قبل هذا النوع من الأحزاب، في الشرق والغرب على حدٍ سواء.

إذا كانت هذه المشتركات تسقط الأقنعة عن زيف ادعاءاتها وشعاراتها المخادعة بأنها تحمل هموم ومظالم الشعب، فان  ثمة مشترك خطير يثبت أن العنف والتخوين والاقصاء والتصفية هي أساليب لم تستخدمها فقط في الحالات المذكورة أعلاه بل أنها استخدمتها فيما بينها للتخلص من الخصوم الداخليين (بعد الاستيلاء على السلطة) وذلك بطريقة ربما أبشع من طريقة التخلص من الأعداء والخصوم الخارجيين.

فكلنا يذكر التصفيات التي تمت فيما بين الضباط الأحرار في مصر بعد وصولهم إلى سدة الحكم، ولم يبق إلا الموالين للزعيم. كذلك الأمر بالنسبة للصراعات التي وقعت في صفوف البعثيين بعد استفرادهم بالسلطة  في العراق  وسوريا. ولا ننسى التصفيات الدموية التي جرت في إيران ضمن مجموعة الخميني ذاتها بعد أن وصلوا إلى سدة الحكم.  

لم تقتصر هذه التصفيات الداخلية على الأحزاب الايديولوجية في الشرق، ففي كوبا على سبيل المثال لا الحصر، تخلص الأخوان كاسترو وانصارهما (بعد أن وصلوا إلى السلطة) من أهم ثلاثة قادة للثورة الكوبية بطرق جهنمية: فقد تخلصوا من وزير الدفاع كاميليو (لأسباب لا يتسع المجال لذكرها)  بالادعاء بفقدان طائرته في سماء البحر الكاريبي، أما هوبر ماتوس ( الذي كان صاحب الفضل في تأمين  السلاح للثورة من صديقه الرئيس الكوستاريكي) فقد قام الأخوان كاسترو باتهامه ومحاكمته ميدانياً في أكبر ساحة في هافانا أمام عشرات الآلاف بتهمة الخيانة العظمى (عادة أخرى مشتركة بين الثوريين المؤدلجين!) والحكم عليه بالسجن 20 عاماً.

أما التخّلص من غيفارا فلم يكن بالأمر السهل واحتاج إلى دراسة متأنية وخطة محكمة، كيف لا وهما يعلمان جيداً مكانة هذه الشخصية في وجدان الملايين، لذلك فقد استخدما أخبث الطرق وضربا عصفورين بحجر واحد: التخلص منه على يد “الإمبريالية”، بالتالي استخدام اسمه كشرعية ثورية إيديولوجية في حكمهم العائلي!

أما النتائج الكارثية  التي نتجت عن  ليلة السكاكين الطويلة فلم تبق محصورة ضمن الحزب أو الدولة التي ابتلعها الحزب بل تعداها إلى كامل القارة الأوروبية، فقد شكلت تلك الليلة (إضافة إلى حريق البرلمان الألماني- الرايخستاغ)  نقطة انعطاف خطيرة في فرض النازية لسيطرتها المطلقة على ألمانيا وبالتالي تفرد هتلر بالحكم وإدخال أوروبا في واحدة من أبشع الحروب.

ففي غضون ثلاثة أيام تخلّص هتلر ورفاقه وعلى رأسهم غورينغ (مؤسس الجستابو) وهيملر(قائد الجستابو) من قادة كتائب العاصفة (S.A) وأبرزهم إرنست روم الذي كان أحد أبرز حلفاء هتلر وداعميه.

نعم كانت ليلة السكاكين الطويلة أحد أبرز الأحداث التي أدت إلى حصول هتلر وزمرته على دعم شعبي ورسمي غير محدود.

كان تعداد كتائب العاصفة (S.A) التي يتزعمها إرنست روم  في عام 1932 حوالي نصف مليون عضو، وفي 1934 فاق الثلاثة ملايين.

رأى هتلر بأن هذه الكتيبة وقائدها هما خطران كامنان على زعامته، وقد تم تعزيز هذه الخشية من قبل غورينغ وهيملراللذان أخبرا هتلر بأن إرنست منشغل بتنظيم انقلاب محتمل.

لم يكن هتلر (الذي كان قد تولى للتو منصبه كرئيس حكومة أو مستشار) وباقي قيادة الحزب النازي متفقين مع طريقة التصفيات “الثورية” التي استمرت الـ SA وخاصة أرنست في تنفيذها للتخلص من النخب التقليدية المحافظة واستبدالها بانصار النازية، فقد أرادوا (هتلر وزمرته) الظهور بمظهر الاعتدال وتولي زمام الأمور ببطء من خلال الوسائل الديمقراطية حيثما أمكن ذلك، والحفاظ على الاستقرار والوهم الديمقراطي.

في 30 حزيران 1934 وصل التوتر بين الفريقين إلى أقصاه. فتمت دعوة قادة الـ  SA إلى اجتماع في فندق في باد فايزه، في مقاطعة بافاريا. وصل هتلر وأمر مباشرة  باعتقال قيادة الـ SA  بما فيهم أرنست روم، وخلال يومين  تم اعدام أكثر من 150 شخصية قيادية دون محاكمة ! (التي عُرفت لاحقاً بـ ليلة السكاكين الطويلة).

وبينما كانت التصفيات مركّزة على الـ SA، استغل النازيون هذا الحدث لتصفية بقية الخصوم السياسيين، وخاصة المستشار السابق (رئيس الوزراء) كورت فون شلايخر.

فيما تولى غوبلز التغطية الإعلامية في أعقاب الهجوم لتقديمه كإجراء وقائي، ردا على ’خطة الـ SA   للإطاحة بالحكومة”.  ونظراً للعنف وعدم الانضباط الذي كان معروفاً به الـ SA  ، فقد رأى الكثيرون في هذا الإجراء خطوة مشروعة من قبل الحكومة لضمان النظام العام. وعليه صادق الرايخستاغ  (البرلمان الألماني)  في 13 تموز / يوليو 1934 وبأثر رجعي على مشروع قانون يشرّع التطهير كإجراءات دفاعية طارئة.

في النتيجة ساعدت ليلة السكاكين الطويلة (بالإضافة إلى وفاة الرئيس الألماني هيندينبورغ بعد بضعة أشهر) هتلر والحزب النازي على تعزيز السلطة المطلقة في ألمانيا بالتخلص من معارضيهم السياسيين.

تلخص هذه الحادثة ومثيلاتها سيرة الشبق الإيديولوجي للسلطة مهما اختلفت منابعها!