بقلم:  أحمد علي محمد*

No description available.

     قليلة هي الدراسات النقدية التي تناولت أعمال الشاعر الراحل رياض الصالح الحسين، مع أن معظم المهتمين بالحركة الشعرية السورية اتفقوا على أهميتها وفرادتها على الساحة الشعرية السورية، ولعل هذا يشير إلى أمرين: أولهما تراجع الحركة النقدية بشكل عام، وعدم قدرتها على مواكبة ماينشر من أعمال جديدة، وثانيهما يعود في تقديري إلى طبيعة النص الشعري لدى هذا الشاعر الذي يمكن وصفه بالسهل الممتنع، الأمر الذي خلق حالة من التهيب والرهبة في تناول قصائده؛ إذ يبدو عالمه الشعري عصيّاً على القبض، فعسى أن تكون هذه المغامرة في قراءة هذا الشاعر المتميز حافزا لآخرين لكي يدلوا بدلوهم، ويقدموا قراءاتهم لهذه التجربة الشعرية المتفردة، لشاعر عبر الساحة الشعرية السورية كنيزك، ورحل سريعا عن عالمنا، لكنه بقي حيا بيننا بما خلفه من نتاج شعري رهيف لايزال يسكن قلوب محبيه، ويمنحهم الإحساس بالدهشة.

وفي ظني أنه يمكننا الذهاب إلى أن رياض الصالح الحسين قدم مشروعا شعريا متكاملا، رغم الحياة القصيرة التي عاشها، لكأنه كان على موعد مع الموت، فأراد أن يستبق ضربته القاصمة بالكتابة، وهكذا شكّل الموت أحد موضوعات قصائده أيضا، فضلا عن أن قصائده عكست هموم الناس البسطاء وأحلامهم وتطلعاتهم، وتبنت قضاياهم الكبرى بأبعادها الثلاثة: الوطني والاجتماعي والديموقراطي ( الحرية )، ولم يكن ذلك التزاما من الشاعر بالمفهوم المتعارف عليه للأدب الملتزم، بمعنى أنها لم تكن علاقة ذات بموضوع، بل كانت اندماجا وتماهيا عضويا (هو هم، وهم هو)، كما عبر عن هذه الحقيقة بشكل صريح في قصيدة جرثومة النبع:

 ” وأنا…(تعرفون أنّ أنا هو أنتم)…

هكذا يقول شاعر شحيح من بلاد القبعات الواسعة

والمسلسلات السريعة الطلقات

أنا أحتفي بقدوم المآسي،

 ولدي قدرة مذهلة على هضم الأوجاع

والصفعات الرتيبة التي تأتيني كل صباح،

 كما عبر عن هذه الحقيقة أيضا عندما أجرى مقابلة بين الديكتاتور والشعب في قصيدة  (مدينة) من مجموعة “خراب الدورة الدموية”:

“هي ..هي..المدينة/ المئذنة،

 ثمة طاووس وحيد في حديقتها الواسعة،

 يفرد بزهو ذنبه الملون، لينظر إليه:

 – ماسح أحذية ذو عينين حزينتين ووجه ملطّخ بالبويا

 – امرأة شقراء عيناها جرح ووجهها كآبة

 – بائع بطاقات يانصيب خاسرة سلفا

 – كاتب هذه القصيدة المطرود من عمله لأنه حاول التأكيد على أن الأرض توقفت عن الدوران”

أو كما في قصيدة ” مايحدث لي ولكم” وغيرها من القصائد.

الوطن/ سوريا

عاش الشاعر حياته كلها في سوريا، متنقلا بين مدنها وبلداتها بحكم عمل والده في سلك الشرطة، وتعرف، وهو طفل، على سوريا بتنوعها وغنى بيئاتها، وتشرب عشقها صغيرا، ليسري هذا الحب في مسام نصوصه لاحقا،:” لي وطن أحبه وأصدقاء طيبون“.

 ويلحظ المدقق في شعره أنه شاعر سوري صرف، لايمر انتماؤه لسورية عبر محطة العروبة، كما عند الماغوط ونزار قباني وغيرهم مثلا، إذ من اللافت أن كلمة العرب أو العروبة لم تذكرعلى الإطلاق في أي من نصوصه، فيبدو انتماؤه بين حدين لاثالث لهما هما سوريا والعالم ( الإنسانية)، ولا أجد تفسيرا لذلك إلا بوصفه شكلا من أشكال الرفض لـ (الديماغوجيا القومجية العروبية) التي اعتمدها النظام الاستبدادي  بوصفها وسيلة أساسية لتضليل الناس وحرف أنظارهم عن قضاياهم الحقيقية المتمثلة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، من خلال تعلقهم بهوية مزيفة وقضية غير قابلة للضبط، وأمجاد وهمية لاتثمن ولاتغني من جوع. لقد أكد الشاعر على الوجود الحقيقي للناس البسطاء ومعاناتهم اليومية في تحصيل لقمة عيشهم، كما أتى على الذل اليومي الذي يتعرضون له حتى أصبح كالهواء الذي يتنفسونه:

مايحدث لي ولكم.

ماذا يحدث لي

أنني أتألم جدا

وأقول آآآخ

كلما رأيت البشر والحيوانات والأشجار

البشر يعملون ويحبون

والحيوانات تعمل وتحب

والأشجار تزهر في الربيع

ولكن، ماهو سيئ

أننا نقول آآخ

في الصباح والمساء، وعندما نضع رؤوسنا على الوسائد”.

من الصعب تحديد القصائد أوالمواضع التي يذكر  فيها الشاعر وطنه (سوريا)، إذ يستخدم رموزا متعددة للإشارة إلى ذلك، فهو مرة يناديها باسمها الصريح كما في قصيدة (سوريا)، أو حينا يشير إليها  بالبلاد:

“ثمرة ثمرة تقطفين أيامي، يا بلادي الجميلة

فأستمع، لا أحد يغني سوى الساطور.”

 ويشير إليها غير مرة بالحرف (س)، وهنا أشير إلى أنّ الذين قرأوا (س) على أنها حبيبة محددة للشاعر قد جانبوا الصواب ومن هؤلاء صديقي رياض الشاعر منذر المصري والقاص فراس السواح**، بل إن (س) كما أرى هي سورية، وهذا ما يصرح به الشاعر في هذا المقطع الواضح من قصيدة (عيد واحد للقبلة، أعياد كثيرة للقتل):

” في التاسعة عشرة

وضعت على رأسي قبعة

وحملت كلاشينكوف،

أكلت السردين كثيرا والغبار

وكنت كلما جردت من يقتله الأعداء من أشيائه القليلة

أجد بينها صورة فوتوغرافية لـ (س)”

فصورة الوطن محفورة في قلوب أبنائه البررة، الذين يبذلون أرواحهم رخيصة في سبيل حمايته والذود عن حياضه ضد هجمات الغزاة والطامعين، و(س) هي أيضا الوعد المأمول بوطن نظيف معافى، ذلك الذي سيغتسل به الشاعر في المستقبل:

” حينما كنت صغيرا كغرسة الحمص

وأليفا كالهرة

سألتني سيارة هرمة

 بعد أن لطخت وجهي بالطين

 بماذا ستغتسل في المستقبل؟

آنئذ فتحت الباب، ودخلت (س)”

وفي ظنّي أنه لو أتيح لرياض أن يؤول دواوينه كما فعل ابن عربي في شرحه لديوان (ترجمان الأشواق) لقال عن سوريا ما قاله ابن عربي عن حبيبته نظام الملك، من أن كل امرأة وكل صديقة وكل حبيبة في هذه الأشعار إنما هي سوريا، وكل رمز إنما يشير إليها، وكل إشارة أوضميرغائب أو مخاطب إنما يأتي عليها بالاسم، فأية حبيبة تلك التي من قطن وجسور ومساكن إن لم تكن هي:

” فيما بعد

بعد عشرين سنة أو برتقالة أوسيجارة

أجدها هنا

أجد حبيبتي التي من قطن وجسور ومساكن

تفتش عن قطرة المطر المتكسرة بين أسنان الرمال”

أية أيام سوداء إذاً تلك التي تنتظر وطن الشاعر لكي يفتش عن قطرة الماء بين أسنان الرمال؟

ومرة تكون سوريا هي الصديقة :

“أسأل صديقتي

(صديقتي لحم ودم وخراب)

لماذا للمرة الألف نباد؟”

ومرة تكون سوريا هي المرأة بشكل عام:

” يا امرأة من لحم وصنوبر وأحجار

إنك لاتشبهين أحدا سوى رأسي

رأسي المعبأ بالشوارع والجثث والكلابات”

لقد استطاع الشاعر المزج بشكل فريد بين هذه الرموز، والانتقال من أحدها إلى الآخر بمهارة لم يستطع أحد من الشعراء امتلاكها، فنراه يتحدث عن امرأة من لحم ودم، صديقة أو عشيقة؛ لنكتشف فجأة أنه يتحدث عن سوريا:

” أنت جميلة، والمطر أشقر، ونحن وحيدان

أيتها الرائعة الخاوية حتى من جسدي

أيتها البلاد المثقوبة كالخرز أو كالجراح

ها أنذا أعطيك نهرا قبل أن أغتسل فيه”

ويصل الشاعر إلى قمة التماهي والاندماج بينه وبين حبيبته ( سوريا) في حالة هي أشبه بمقام الاتحاد عند الصوفية، حيث تنتفي الأثنينية، ويصبح هو وحبيبته كيانا واحدا، وذلك في قصيدة (دائما1) من ديوان (وعل في الغابة):

“أنا الهواء في رئتيك

والأزرار في عروة قميصك

اينما نظرت سترينني

على الطاولة والكرسي والمدفأة

في المكتبة والحمام والباص

في الحقول والمصانع ومظاهرات الطلبة

…….

أنظر إليك من سمائي كإله

وأرفع يدي طالبا مغفرتك

أنا صرخة الألم في حنجرتك

والأغنية الجميلة التي ترددين

,,,,,

أنا اللوحة التي تزينين بها جدار حياتك الأسود

والدم الذي يسيل منك

حين يطلقون عليك الرصاص

يناديك النهار فألتفت

تبردين فيرتعش جسدي

بعيني تشاهدين الطيور

 وبصوتك أطالب بالحرية”

الحرب

يعبر الشاعر في أكثر من موضع عن كرهه للحروب وإدانته لأهوالها ومآسيها وماتحدثه من خراب أنى وقعت، وهاهو يخصص لها قصيدة في مجموعته (أساطير يومية):

” حرب…حرب…حرب

عاشق قال :

هذه هي الحرب

تخلع قمصانها الخشبية

تكشف عن عريها الحشري

دماء وأرصفة

ودفاتر مبتلة بالنشيج

صحيح أن الشاعر يدين الحروب، ويكره موقديها بشكل عام، إلا أن هذا الموقف لايذهب به إلى حدود النظرة العدمية التعميمية، كما نرى ذلك عند الشاعر نزيه أبوعفش في قصيدته (المضيق)، بل نراه يميز بين حرب وحرب، بين حرب عدوانية هدفها النهب والدمار والقتل، وحرب هدفها الدفاع عن النفس والأرض والعرض، لذلك رأينا كيف رسم صورة الشاب الذي بلغ التاسعة عشرة وحمل كلاشينكوف، وأكل السردين والغبار، ولنستمع إليه وهو يصف لنا غرفة المحارب:

“يتوسد خندقه الرملي وحيدا

ويداه تحيطان برشاش مملوء بالموت

سيأتي الزوار مساء

زائرة تحمل للأرض قنابل ضوئية

أخرى ستمشط بالنار سهولا تمتد

سيأتي الأعداء مساء كقطيع ذئاب كاسرة

يلتهمون بيوت الطين واشجار التفاح

وكراسات الأطفال

ويتذكر الشاعر بارودة جده القديمة عندما تحضر فلسطين التي يحتسيها مع قهوة الصباح، ويطرد عن جسدها البعوض والأكاذيب في قصيدة (أيام):

“ماما…

أما زلت تحتفظين ببارودة جدي القديمة

بين بيت المؤونة وزريبة الحيوانات؟

أما زلت تسرحين شعرك بأصابعك النحيلة

وتخبزين فطائر الحكمة لأخوتي؟

أنا هنا يا أمي

أحتسي فلسطين صباحا مع فنجان القهوة

وأطرد عن جسدها البعوض والأكاذيب”

يتبين لنا أن موقف الشاعر ليس حياديا أو لامباليا عندما يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية العادلة، فحين تكون الحرب دفاعا عن الأوطان ضد غاز أو مغتصب تمسي حرباً للشعب، وذلك بغض النظر عن موقف السلطة منها.

الحرية

لعل موضوع الحرية أن يكون من أكثر الموضوعات تناولا في قصائد هذا الشاعر، وذلك لأن الاستبداد الذي بدأ يحكم البلاد مع سبعينيات القرن الماضي قد شكل المعاناة الأبرز لعموم السوريين، وهو الأساس الذي نهض عليه كل الفساد والذل وهدر الكرامات:

“قل لي ما النفع أرجوك

من حلم محاط بالسواد

من فم بلا شفاه

من سماء بلا زرقة

من غابة بلا أشجار

ومن حياة بلا حرية

فالوطن الذي لا ينعم أبناؤه بالحرية هو وطن يتألم، كغابة محروقة، ولا معنى للحياة فيه:

” من سيفتح لي صنبور الحياة لأشرب

إذا جف حلقي تحت هذه السماء الخائنة

…..

ومن سيمشي معي في هذا السجن الطويل”

فالوطن بدون حرية إنما هو سجن طويل ومديد وواسع :

“غدا في الصباح

سنتسلق الشجرة ونأكل التوت

غدا في الصباح

سأمسك يدك وأركض في البرية

غدا في الصباح

سأقبلك ألف قبلة

وأقول لك ألف صباح الخير

ولكن من يؤكد لي أن الصباح سيأتي

الليلة مديدة كالعصور

المرأة في الشرفة

وأنا في السجن”

هكذا يبدو الشاعر متشائما فالحياة بدون حرية هي أشبه بالسجن الطويل، وهو ليس متأكدا من وجود نهاية لهذا الليل الطويل الذي يبدو كالدهر، لذلك تبدو رغبات الشاعر وأفعاله مجرد أحلام، فالوطن بدون حرية ليس سجنا فحسب، بل هو كالقبر الواسع وسكانه أموات، كما في قصيدة (ثلاثة أيام):

” ما الذي سيحدث في هذا القبر الواسع

إذا فقدت السجائر

لمدة ثلاثة أيام”

أو كما في قصيدة ( العدالة):

” العدالة هي أن ألقي بنفسي في البحر الشاسع

وأنا واثق أن أحدا لن يمسكني من أذني

ويقودني مرة ثانية إلى القبر

فالحياة التي يحاول الشاعر أن يتخلص منها إنما هي قبر واسع، والناس فيها موتى دون أن يدركوا ذلك، ذلك أنهم اعتادوا موتهم هذا واستمرؤوه لدرجة فقدوا معها القدرة على التمييز بينه وبين الحياة الحقيقية :

“ونحن أيضا

-أردت أن أجدد كآبتي أمامه-

نبكي على نوافذ تعاستنا

منتظرين أن يأتي نهر الحرية

لنشرب منه إلى الأبد”

ولم يكتفِ الشاعر بذكر الحرية في قصائد متعددة، بل نراه يخصص قصيدة لها، مؤكدا فيها أن الحياة بدونها لافائدة منها ولاقيمة لها:

” الحرية

لافائدة من الصراخ

مادام الصوت لايخرج من زنزانة الفم

لافائدة من الطريق

مادامت الأقلام مدججة بالسلاسل

لا فائدة من …..

لا فائدة من….

……..

وثمة فائدة من كل هؤلاء

عندما نمضغ عنب الحرية”

وفقدان الحرية ليس أمرا طارئا أو آنيا، وإنما هو حالة دائمة تضرب جذورها عميقا في تاريخ مجتمعاتنا، لا بل في تاريخ الوجود الإنساني برمته:

” منذ السكاكين الحجرية

وحتى أطفال الأنابيب

ما زلت أبحث عن الحرية”

وهاهو يمجد إصرار الإنسان عبر العصور، ورغم كل ما لحق به من عسف وطغيان عبر التاريخ إلا أنه لايزال يرفع راية الحرية، التي أصبحت تعبيرا عن إنسانيته المنتهكة وروحه المضطهدة وطموحه نحو عالم أفضل:

“انظروا إليه

انظروا إليه فقط

لقد تفسخ جسده منذ زمن بعيد

وما زال يرفع راية الحرية”

وبما أن الحرية مفقودة، وأن الحياة بدونها لامعنى لها، تصبح الثورة من أجلها أمرا مشروعا وواجبا وضروريا، بل هي أمر حتمي.

الثورة

يبدأ الشاعر حديثه عن الثورة بنقض مقولة السلطة الاستبدادية من أن الثورة قد تمت في الماضي، وأن الشعب ما عليه إلا التنعم بمنجزات الثورة والاحتفال بذكراها السنوية، وذلك في إطار مصادرة أي نشاط أوعمل سياسي باعتباره مناهضا لأهداف الثورة المزعومة، فإذا بالشاعر يشكك في كل هذه الرواية بل يرميها في سلة المهملات في قصيدته ( ديكارت):

” ولكن ما أشك فيه

يا ديكارت المجنون

أن أكذوبة وأكذوبة

وبناية فوق بناية

ومستنقعا قرب نهر

يساوي ثورة”

الثورة إذن ليست كما يُدّعى أبنية وشوارع وأكاذيب يومية يضخها إعلام السلطة، بل هي منظومة قيم ومفاهيم ترتبط بالإنسان وكرامته وحريته وحياته أولا وأخيرا، هي مساواة أمام القانون وتكافؤ فرص وحرية تعبير، هي خلق وإبداع على المستويات والصعد كافة، وبما أن ما يزعمونه عن الثورة لايحقق ذلك فإن الثورة الحقيقية لم تأت في رأيه بعد، فما هو قائم على أرض الواقع إنما هو الإفساد الممنهج الذي أخذ ينخر في جسد المجتمع، وما عنوان ديوانه الأول (خراب الدورة الدموية) إلا تعبير عن حال الوطن المنهك والمريض بفعل الفساد المستشري والاستبداد الذي أحرق الزرع، وجفف الضرع، وسمم حياة المجتمع حتى خرب دورته الدموية، هذا مايعبر عنه في معظم قصائد الديوان مثل قصيدة الرجل السيء:

” فعندما يمرض النبع

وتضع زهرة المشمش السمّ في فنجان القهوة الصباحي

لزهرة البرتقال

سيتساقط الليل بغزارة

والزجاج بغزارة

والفقراء بغزارة

والرصاص بغزارة”

إن المقدمات التي يخلقها نظام الاستبداد والفساد سوف تفضي حتما إلى الثورة، ولربما إلى ماهو أبعد من الثورة، حيث يتساقط الرصاص بغزارة، وهاهو الشاعر ينتظر قدوم الثورة، ويحاول تقريب ساعتها عبر طقوس يومية يمارسها استعدادا لهذا الحدث الجلل:

” اعتياد

-أعددت لك فنجان قهوة

فنجان قهوة ساخنة

القهوة بردت

وما جئت.

-وضعت وردة في كأس ماء

وردة حمراء، حمراء

الوردة ذبلت

وما أتيت.

-كل يوم أفتح النافذة

فأرى الأوراق تتساقط

والمطر ينهمر

والطيور تئن

ولا أراك.

-لقد اعتدت أن أعد القهوة كل صباح لاثنين

أن أضع وردة حمراء في كأس ماء

أن أفتح النافذة للريح والمطر والشمس

لقد اعتدت أن أنتظرك أيتها الثورة”

ليس الأمر مجرد انتظار سلبي كما قد يبدو أول وهلة، بل هو شكل من أشكال التمهيد والاستحضار عبر ممارسة طقسية تماما كمن يستحضر أرواحا؛ فإعداد القهوة كل يوم، ووضع وردة حمراء في كأس، إنما هي كناية عن أفعال تحضيرية لقدوم الثورة، ولايكتفي الشاعر بممارسة هذه الطقوس فحسب بل هو يعمل بشكل جدي لصنع الثورة كما يشير في هذا المقطع الهام والمعبر من قصيدة (عيد واحد للقبلة، أعياد كثيرة للقتل):

” أصبحت في الثالثة والعشرين

رجلا بوجنتين شاحبتين، ومستاء للغاية

ودعت (س) بعد أن تركت على عنقها دمعة حارة كالفلفل

وها أنذا أعمل لأشتري لها تفاحة ورغيفا

ولكن ثمة من أخبرني

بأنني سأجد في التفاحة دودة

وفي الرغيف صرصارا ميتا

فإذا تركت الرغيف والتفاحة سأموت

وإذا أكلتهما سأموت

وفي الحالتين سأخسر نفسي

وفي الحالتين سأخسر (س)”

إن الرغيف والتفاحة بشكل خاص إنما هما رمزان للثورة التي يحلم بها الشاعر، لكنه يدرك أن هذه الثورة ستكون ملغومة، لأنّه يكتشف بأن في التفاحة دودة، وفي الرغيف صرصورا ميتا، ولذلك فإن هذا المقطع يعبر عن النظرة التشاؤمية العميقة للمستقبل التي يستبطنها الشاعر، حيث انعدام الخيارات الإيجابية أمام سوريا، إذ ليس أمامها سوى الخسارة والموت، ولعل من الأهمية بمكان الانتباه إلى عملية التبادل التي تمت، ففي حين كان الشاعر يعمل ليشتري تفاحة ورغيفا لـ(س) نراه هو من سيأكل التفاحة والرغيف في النهاية، فإذا أكلهما سيموت، وإذا لم يأكلهما سيموت، وفي الحالتين سيخسر نفسه وسيخسر (س) أيضا، وسيحل هذا اللغز إذا أدركنا لعبة الرموز التي يستخدمها الشاعر، فإذا كانت (س) تمثل سوريا، فهو يمثل شعبها الطيب الكادح المنتج (تعرفون أن أنا هو أنتم) وهكذا تظهر عملية التماهي والاندماج بينه وبين (س) (هو هي وهي هو) كما أسلفنا.

إن الدودة المختزنة في التفاحة هي التي ستحول الثورة الأمل إلى حرب أهلية طاحنة وموت عبثي مجاني، هذه الحرب التي تنبأ بها الشاعر، وكان يراها قادمة لامحالة كما يخبرنا في قصيدة (إنها تقترب) من ديوان (أساطير يومية):

“إنها تقترب.

هي ذي تقترب كسفينة محملة بالجثث

الساعة ذات الرقاص الرتيب تؤكد ذلك

النهار ذو الشمس المنهكة يؤكد على ذلك

والبيوت المتراصة كعيدان كبريت في علبة صغيرة

تؤكد على ذلك

وأنا أؤكد لكم

إنها تقترب كسمكة قرش مريعة

إنها تقترب كقنبلة معطوبة

ومعها يقترب كل شيء من كل شيء

اللحم من السكين

المدافن من الجثث

والنار من زجاجة بنزين سريعة الاشتعال”

ثم لنتأمل هذه الصورة المدهشة والمرعبة في آن معا التي يرسمها الشاعر لسوريا في قصيدة ( أقمطة ونياشين وولاعات للرجال السعداء) من ديوان (خراب الدورة الدموية):

” هذا ماقالته المرأة الواسعة

التي مسحت أحذية القادة بلسانها الملتهب

…..

المرأة التي عبرت المجنزرات بين نهديها

كسرب من النوارس البيضاء

………

هذا ما قالته المرأة الواسعة

قبل أن تحمل مظلتها الضيقة

وتمضي في المطر الناري”

فالمرأة الواسعة التي هي سوريا مضطرة إلى أن تمضي في المطر الناري، دون أن يكون بحوزتها عوامل الحماية الكافية، ياله إذن من درب جلجلة هذا الذي ستعبره دون أن يكون لديها خيار في ذلك.

وبمقدار ما كان الشاعر متيقنا من وقوع الكارثة التي ستحفر أثلاما عميقة في الجسد السوري الغض، كان قلقا من عدم قدرة هذا الجسد على الصمود أمامها، وبالتالي كان خائفا عليه من التشظي والضياع، وكان حريصا على أن يفعل كل مابوسعه لمنع حدوث ذلك، وهذا ما تجلى بشكل ناصع في قصيدته (سوريا) التي يمكن اعتبارها كـ (الفاتحة) أو كـ (أم الكتاب)  في كل أعماله، هذه القصيدة القسم، هذا النشيد الوطني:

” يا سوريا الجميلة السعيدة

كمدفأة في كانون

يا سوريا القاسية كمشرط في يد جراح

ياسوريا التعيسة كعظمة بين أسنان كلب

نحن أبناؤك الطيبون

الذين أكلنا خبزك وزيتونك وسياطك

أبدا سنجفف دمك بأصابعنا الخضراء

ودموعك بشفاهنا اليابسة

أبدا سنشق أمامك الدروب

أبدا سنقودك إلى الينابيع

ولن نتركك تضيعين يا سوريا

كأغنية في صحراء”

إن تأكيد الشاعر على أنه لن يترك سورياه تضيع هو في الواقع تحذير من أن هذا الاحتمال كبير، وأن خطر التفكك والضياع داهم، لذلك يعلنها وعدا وقسما باسم أبناء الوطن الطيبين، فقراء الوطن وكادحيه، بأنهم لن يتركوا وطنهم الجميل يضيع من بين أيديهم، ولذلك يدعونا إلى الحوار في قصيدة (يوميات) من ديوان (بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس)، بوصفه السبيل الوحيد لمنع تفكك البلد وضياعه:

” بالصوت والإشارة والقبلة

برفيف الأهداب وهزة الرأس

بالأصابع والعيون

بأفراحنا الصغيرة ودمارنا الكبير

بأنيابنا المكسورة وأظافرنا المقلمة

بالأوراق البيضاء وأقلام الحبر الناشف

بالأغاني الحزينة والموسيقا الخرساء

تعالوا لنتفاهم

لنتفاهم….لنتفاهم

كما تفعل النملة مع النملة

والليل مع النهار

وإذا حصل أي سوء

فلنضرب الطاولة بقبضاتنا المتعبة

لنمتحن قدرتنا على الصراخ

لنستشهد بالأقوال المأثورة كبشر عاديين

ولكن قبل كل شيء

من الأفضل أن نتجرد من المعاطف والأحقاد القديمة

ونضع السكاكين والمسدسات عند الباب

وندخل القاعة بنوايا طيبة”

النزعة التشاؤمية

 انطلاقا من رؤيته العميقة  للواقع يعبر الشاعر عن حزنه واستيائه وقلقه وتشاؤمه من المستقبل، ويظهر ذلك في العديد من قصائده، بل نستطيع القول إن مسحة من الحزن الممزوج بالتشاؤم تخترق عالمه الشعري بالكامل:

” كئيبا ومنفتحا كالبحر، أقف لأحدثكم عن البحر

مستاء وحزينا من الدنيا، أقف لأحدثكم عن الدنيا”

بهذه العبارة يفتتح شاعرنا عالمه الشعري، موزعاً إياه بين الكآبة والحزن والاستياء، وإذا كانت أوضاع سوريا تفضي إلى التشاؤم، حيث السجون والمعتقلات، وحيث (خرير الإرهاب في الشوارع)، وحيث الفقر والجوع، والفساد المستشري، وحيث تصبح (سورياه التعيسة) كعظمة بين أسنان كلب، ولذلك فإن الشاعر يستهل ديوانه (بسيط كالماء …واضح كطلقة مسدس) بهذا المقطع المعبر لشاعر مصري قديم:

“لمن أتحدث اليوم

الأخوة أشرار

والأصدقاء ليسو أصدقاء حب

لمن أتحدث اليوم

القلوب قلوب لصوص

وكل رجل يقنص ماعند جاره”

أية غربة إذن وأية مرارة حين لايجد المرء من يتحدث إليه، إن هذا يذكرنا بقصة معبرة للكاتب الروسي الشهير تشيخوف حين يحاول الرجل أن يبث شكواه لأحد ما، وحين يكتشف أن الجميع مشغولون ومنهمكون في شؤونهم الخاصة، وأنهم تحولوا إلى جدران صماء يتوجه إلى حصانه فيبثه شكواه وأنينه؛ ولعل شاعرنا قد عبر عن هذه الفكرة تماما في قصيدته (الجدار):

“مثلما يمكن أن تصنع

من غصن الشجرة الأخضر هراوة

ومن زجاجة الكازوز الفارغة أداة جارحة

مثلما يمكن أن تصنع من الغرفة الأليفة زنزانة

ومن الشارع الواسع مسرحا للقتل

هكذا تماما

يتحول بعض البشر إلى جدران قاسية وكتيمة كما ينبغي

سوداء ومزعجة كما ينبغي

جدران تستطيع أن تدق فيها مسمارا

أن تفتتها بالفؤوس والمطارق

لكن من المتعذر عليك أن تقول للجدار : يا صديقي

فيرد عليك: يا أخي”

وإذا كانت الأوضاع المزرية التي تعيشها سوريا هي ما دفع الشاعر إلى التشاؤم واليأس أحيانا، فإن القطب الآخر لهذا التشاؤم إنما هو العالم، هذا العالم المليء بالحروب والأوبئة والمجازر والانقلابات والمجاعات واللصوص والقتلة والطغاة والسفاحين، هذا العالم الذي حاله ليست أحسن حالا من سوريا ، فهو أيضا تعيس كعظمة بين أسنان كلب، بل هو عظمة بين أسنان وحش كبير، وحش رؤوسه بعدد القارات والمدن، كما يخبرنا في قصيدة (جرثومة النبع):

“بعد قليل ستتقدم البذلة النيقة

التي تحتوي رجلا لامعا

لتقدم الهدية إلى وحش رؤوسه بعدد القارات والمدن والقرى

وحش لايملك أوصاف دراكولا

فأنيابه مهذبة للغاية

ولديه امرأة جميلة ولطيفة

تأكل قلوب الأطفال ببراعة لاعب شطرنج ماهر”

فالعالم لايرحم أيضا، وقوى الشر والطغيان تجتاح قاراته، كما أنها تتمدد عبر العصور جميعا، كما يشير في قصيدة (ذات يوم فوق سرير شاسع):

“حدثيني عن الدنيا وقاراتها الخمس

وحدثيني فيما بعد عن الزمن

وحدثيني عن العصور جميعا

ابتداء من العصر الحجري القاتل

وانتهاء بعصرنا السفاح”

كما أنه يشير إلى تشظّي الذات الإنسانية أمام الآلة الجبارة لرأس المال، الذي شوّه العلاقات الإنسانية، وعمل على تغيير المفاهيم وتجييرها لخدمة مصالحه، بحيث فقدت قيمتها الأصلية ومدلولها ووظيفتها، باختصار لقد شوه كل شيء وشيّأ حتى الإنسان ذاته:

” بين يديك أيها العالم

المدارس = القتل

الأصدقاء = النميمة

الثقافة = الكذب

التاريخ = التكرار

والدولة هي الدولة.

بين يديك أيها العالم

نحن لسنا سعداء تماما

بين يديك أيها العالم

نحن لسنا تعساء تماما

نحن لاشيء البتة

هذا مايقوله النسيم

وهذا ماتقوله أمريكا”

لكن الشاعر لايغلق الدائرة، بل يترك فسحة أمل تذكر بمقولة الراحل سعد الله ونوس (إننا محكومون بالأمل)، التي تمثل، في رأيي، قمة اليأس، لأنها تعبر عن غياب أية مؤشرات في الواقع تدل على وجود الأمل، وهذا مانجده لدى الشاعر في قصيدة (القراصنة) من ديوان (بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس):

” قلت للسفن:

إذا رأيت القراصنة

بسيوفهم الطويلة

وقلوبهم الخرساء

فاسأليهم لماذا لايستطيعون سرقة البحر؟”

كما نجد هذا التفاؤل التاريخي في قصيدة (رغبات) من ديوان (وعل في الغابة):

” لقد بدأت أعلم

  • وربما متأخرا قليلا-

أن آلاف الحروب، وملايين الجرائم

لم تستطع منع القطة من المواء عندما تجوع

والوردة من أن تتفتح

والمطر من أن ينهمر بغزارة”

 الخاتمة :  

قدمنا في الصفحات السابقة قراءة متواضعة لأعمال الشاعر رياض الصالح الحسين، ركزت على علاقة الشاعر بالوطن، حيث أشارت إلى حضور وطن الشاعر سوريا في المجموعات الأربعة التي أصدرها الشاعر، كما بينت التصاق الشاعر بهموم الناس ومعاناتهم اليومية، ونظرته التشاؤمية من المستقبل الذي ينتظر هذا الوطن وهؤلاء الناس، ولا شك بأن العالم الشعري للشاعر على درجة من الاتساع والعمق والغنى مايجعله مادة خصبة لدراسات أعمق وأدق تطال الجوانب المتعددة لتجربة هذا الشاعر المتميز.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب سوريّ

**يشير الشاعر منذر المصري في مقدمته للأعمال الكاملة للشاعر إلى أن (س) هي سمر المير حبيبة الشاعر، وهو ما يؤكده القاص وائل السواح في مقال بعنوان (حين قرأنا خبر موت رياض الصالح ونحن في سجن تدمر) في موقع أنطولوجيا بتاريخ 19/02/2019 .