جاك دريدا

الترجمة من الإنكليزية: خالد حسين

إضاءة على النَّص:

قنفذ دريدا

I

تشكّل تأملات جاك دريدا، هنا، حول الشعر ردّاً على سؤال: ما الشّعر؟

[Che cos’è la poesia?] الذي وجهته إليه مجلة poesia [شعر] الإيطالية وجرى نشره في عدد (نوفمبر 1988) بترجمة Maurizio Ferraris ماوريتسيو فيراريس وكذلك نُشر بلغته الأصلية الفرنسية في مجلة شعر Poesie، (خريف 1989). وقد ظهر النص باللغة الإنكليزية [حيث ترجمنا منها] ضمن مجلد لدريدا بعنوان: مواقع (أو نقاط): مقابلات 1974ــ 1994 بترجمة پگي كامف Peggy Kamuf وآخرين في 1995.

إلى ذلك؛ ليس بأمر غريب أن تبدأ متاهة الكتابة لدى دريدا منذ المقطع الأول، منذ الجملة الأولى، لتتسع المتاهة وتبتلع القارىء وهي تتحرّك في مسارات غير متوقعة. وإذا كان من الصعوبة بمكان السيطرة على هذه المسارات والممرات التي يدشُّنها هذا المقال فمن الممكن استكشاف العصب الذي يستجمع أفكار دريدا حول “الشعر” فيها. إن الفكرة التي ينطلق منها دريدا تقوم على مفهوم المضاهاة والتماثل والتشاكل بين القصيدة ــ الشعر والحيوان وتحديداً “القنفذ”، وبتحديد أكثر وضبط أدقّ كينونة القصيدة مع حركتي الانبساط والانقباض لدى هذا الحيوان في كينونته، انفتاحه في حالة الأمان ثم الانغلاق على ذاته في وجه الخطر. هذه الحالة سرعان ما تتحوّل لدى دريدا إلى “استعارة ــ القنفذ” في توصيف “القصيدة” في هبوبها التأويلي والنأي بسرها الأبدي من جهة ثانية. إنّ القصيدة تبعاً لكينونتها النصية تمنح القارىء في انبساطها بعضاً من أسرارها لكنها في الوقت ذاته لا تني تنغلق، تنقبض على سرّها، فالنص كما يرى دريدا ليس بنصٍّ إذا استسلم لقارئه ولمرة واحدة، فمحاولات القارىء/ القراء سوف تتنوع وتعدّد، تنفسح مع انفساح النص ثم تنغلق بانكماشه على سره الذي لاسرّ له. هكذا تتكرر هذه الحركة المتعاكسة في “القنفذ ــ القصيدة” أو “القصيدة ــ القنفذ”. والسؤال هل أَوْحى “القنفذ” في حركتيه لهايدغر أولاً بمفهومه الشهير عن الكينونة في انفساحها وتراجعها، في انفتاحها وانغلاقها، في لا ــ احتجابها وتحجُّبها، لتغدو “استعارة القنفذ” هي القاسم المشترك بين “كينونة” هايدغر و”قصيدة” دريدا؟ لا شك بأنّ دريدا يعترف بمديونيته الفلسفية لهايدغر وليس بالأمر العسير ملاحظة أن مفهوم “الكينونة” لدى هايدغر يتنفس من/ وفي ينابيع الشّعرية، بل إنّ “الشّعر” أضحى “الفلسفة” الحقة لديه في انعطافه الأخير، فليس من المستبعد أن تتسرّب “استعارة القنفذ” من هايدغر إلى دريدا ومن مجال “الكينونة” إلى مجال “القصيدة”، من إطار الكينونة ــ الشعر إلى إطار القصيدة ــ الشعر. إنها “استعارة ـ القنفذ”، استعارة الطبيعي التي تجعل الكينونة/ القصيدة الملتبسة قيد المحسوس والتأمُّل والتأويل. لكنّ فكر دريدا يعبث بالتماثلات والتناصات التشاكلية، ففي نهاية المقال يفجّر استعارة ــ القنفذ، يفجّر الكرة التي يلتفُّ فيها “القنفذ ــ القصيدة”، فالقنفذ هذا الحيوان الكارثي، الفاجعة، القريب من الأرض، المتواضع إذ ينقبضُ على ذاته متكاثفاً عليها في كرةٍ، حيث سهامه، أشواكه على أهبة الاستعداد درءاً للخطر، فإنه ينسى في حمأة الالتفاف على ذاته في كرته الشوكية أن الموت، الدّهس يترقبه. وهذه النهاية ــ الفاجعة تنتقل عبر عصب الاستعارة إلى القصيدة ــ الشعر، الكرة اللغوية، نظيرة القنفذ لتتلاشى في انتظار انبثاق “النثر” ـ الطوفان!

نصُّ المقال

                                          II

من أجل الإجابة على سؤالٍ من هذا القبيل ـــ في كلمتين فحسب، أليس كذلك؟ ــ يُطلب من المرء أن يُدرِكَ كيف أنْ يتخلّى عن المعرفة. ولإدراكها بصورةٍ مُثلى، من دون نسيانها البتة: ينبغي عليكَ تسريح الثقافة ([1])، ولكن لا تنس مطلقاً في عمائك المكتسب ما تُضحّي به على الطَّريق، في اجتياز الطَّريق ذاته.

[لذلك]من يتجاسر على أن يسألني ذلك؟ فعلى الرغم من أنها تظلّ غير جليةٍ، وبما أن قانونها هو الاختفاء، فإن الإجابة ترى ذاتها (مثلما) تُمْلى (إملاءً). هنا يتكلّم الشِّعر: أنا إملاءٌ، احفظني عن ظهر قلبٍ، انسخني، احرسني واحفظني، اعتنِ بي، واَنْظُرْ إليّ، فأنا إملاءٌ يُمْلَى، بمواجهة عينيك مباشرةً: أنا موسيقى تصويريةٌ، يقظةٌ، أثرُ ضوءٍ، صورةُ احتفالٍ في حِداد.

والإجابة ترى ذاتها تُملى لتكون شعرية، من خلال كونها شعرية. ولهذا السبب، فهي مُلزمة بالتوجّه بذاتها نحو شخص ما، نحوك بصورة منفردة، ولكنها كأنما كانت تائهةً في هوية مجهولة، بين المدينة والطبيعة، سرٌّ منقول، عامٌّ وخاصُّ في الوقت ذاته، الذات والآخر بصورة مطلقة، مبرّأة من الداخل والخارج، لا الذات ولا الآخر، الحيوان المرميّ على الطريق، الحيوان الكامل، الوحيد، الملفوف في كرة، إلى جانب ذا(ته). ولهذا السبب تحديداً، فـالقنفذ قد يعرّض نفسه للانسحاق، وعلى وجه الضبط الـهريسون hérisson في الفرنسية، ايستريشه istrice في اللغة الإيطالية، وفي اللغة الإنجليزية هيجهوك hedgehog.

وإذا كنتَ تجيبُ بصورةٍ مختلفةٍ وفقاً لكل حالة، آخذاً بحسبانك المكان والزمان الممنوحين لك مع هذا الطلب (فأنت بالفعل تتكلّم الإيطالية)، من خلال الطلب ذاته، وتبعاً لهذا الاقتصاد، ولكن كذلك بقرب حدوث عبور ما خارج ذاتك، بعيداً عن البيت، مغامراً صوب لغة الآخر في مشهد ترجمة مستحيلة أو مرفوضة، ضرورية، ولكنها مرغوبة مثل الموت ــ فما الذي ينبغي أن يفعله كلُّ هذا، الشيء الحقيقي الذي قد شَرَعْتَ فيه تماماً لتتحوّلَ بصورةٍ هذيانيةٍ، في هذه النقطةِ، مع الشِّعر؟ أو على الأصح، مع الشِّعرية، وطالما أنك تنوي التكلُّم عن تجربةٍ، كلمة أخرى لأجل السفر voyage، هنا التجوال العشوائي في رحلة مضنية، المقطوعة الشعرية strophe التي تنعطف، ولكنها لا تقود البتة إلى الخطاب، أو العودة إلى الوطن(البيت)، أو على الأقل لا تُختزل بالمطلق إلى الشعر ـــ المكتوب، أو المنطوق، أو حتى المُغنَّى.

 وبناءً على ذلك، في الحال، وبكلمتين بغية عدم النسيان:

1. اقتصاد الذاكرة. إذ ينبغي للقصيدة أن تكون موجزة، بيضاوية الشكل من خلال الموهبة، مهما كان غرضها أو اتساعها الظاهري. المتبصّرة بلاوعي التكثيف([2]) Verdichtung والانسحاب.

2. القلب([3]).The heart. ليس القلب في منتصف الجمل التي يجري تداولها بدون مزالق من خلال التبادلات وتدع نفسها أن تُتَرجم إلى أيِّ لغةٍ وكلّ اللغات. وبكلّ بساطة ليس القلب المؤرشف عن طريق جهاز تخطيط القلب، فهو شأن العلوم أو التقنيات والفلسفات، والخطابات البيولوجية، والأخلاقية، والقانونية. ربما ليس قلب الأسفار المقدسة أو قلب باسكال، ولا حتى الذي يفضّله هايدغر عليها، وهذا ليس بمؤكدٍ. لا، فقصة “القلب” مُغَلّفة بصورةٍ شعريةٍ في التعبير الاصطلاحي apprendre par Coeur (حفظ عن ظهر قلب)، وذلك سواء في لغتي [أي في الفرنسية] أو في لغةٍ أخرى، [مثل] اللغة الإنجليزية to learn by heart (التعلُّم عن ظهر قلب)، أو كذلك في اللغة العربية hafiza a’n zahri kalb (حفظ عن ظهر قلب) ـــ إنها رحلة فردية بمسارات متعددة.

وهكذا ثمة مسلّمتان في واحدة: فالثانية كائنة [حرفياً ملفوفة] في الأولى. من هنا فالشعرية، دعونا أن نقولها، سوف تكون تلك التي ترغبُ في تعلُّمِها، ولكن من (وعن) الآخر، بفضل الآخر وعن طريق الإملاء، عن ظهر قلب؛ imparare a memoria [بحفظٍ عن ظهر قلبٍ في الإيطالية]. أليست هذه هي بالفعل، القصيدة، إذ بمجرد إعطاء علامةtoken، فإن انبثاقَ حدثٍ، في البرهة التي يظلُّ فيها اجتياز الطريق الذي يُدعى الترجمة بوصفه غير مرجّح مثل الحادث، وهو الشيء نفسه المحلوم به بصورةٍ مكثّفةٍ، وهو المطلوب هناك فما يَعِدُ [الشيءُ] به باستمرار يترك شيئاً ما يُرغبُ فيه؟

ثمة اعتراف ممتن بهذا الشيء تحديداً إذ يسبق الإدراكَ هنا: دعاؤك يسبق المعرفة. إنها حكاية إذ يمكنك أن تسردها كهبةٍ للقصيدة، إنها حكاية رمزية: شخص ما يكتب لكَ، إليكَ، عنكَ، عليكَ. لا، بل إنّ العلامة المرسَلة إليك، تلك المتروكة لك والمؤتمنة بكَ عليها، تكون مصحوبة بوصية، إنها في الحقيقة مُؤسَّسة وفق هذا الترتيب ذاته الذي يشكلّك بدوره، أو يعيّنُ أصلك مما يؤدّي إلى نشأتك. اتلفني، أو على الأصح اجعل دعمي محجوباً عن الخارج، ففي العَالم (وهذه بالطبع ميزة جميع العلاقات، حيث تاريخ التعالياتtranscendences([4]))، وعلى أي حال، أَدِّ ما ينبغي عمله ليظلّ منشأ العلامة من الآن من دون تحديد الموقع أو غير قابل للتعرُّف عليه. عليك أن تتعهّدَها: اتركها تتشوّه أو تُغير هيئتها أو تجعلها غير محددة في ساحلها ـــ وفي هذه الكلمة سوف تسمع [أمواج] شاطئ المغادرة علاوة على المرجع الذي من أجله يجري نقل الترجمة. تناولِ الطعامَ، اشربْ، التهمْ رسالتي، احملها، انقلها بداخلك، مثل قانون الكتابة يغدو جسدك: الكتابة في ذاتـ(ـها). إنّ خدعة الأمر الاحترازي [النصيحة مثلاً] قبل كل شيء تدع ذاتها مستوحاة من خلال الإمكانية البسيطة للموت، وعن طريق المخاطرة التي تشكلّها مركبة على كل كائن محدود. وهنا فأنت تسمع الكارثة قادمة. ومنذ تلك البرهة المختومة بصورة مباشرة على السمة، تأتي من القلب، الرغبة الفانية توقظ فيك الحركة (الحركة المتضاربة، حيث تتبعني، وحيث ضبط النفس المزدوج، والارتباك المعضل). وللحماية من الاندثار فإنّ هذا الشيء الذي بالصدمة ذاتها يعرّض ذاته للموت ويصونها في كلمة واحدة، العنوان، تَقَهْقُر القنفذhérisson، كحيوانٍ على الطريق السيّار ملفوفاً في كرة. إذا يرغب المرء أن يأخذه بين يديه، ويتعهد بتعليمه وفهمه، للاحتفاظ به لنفسه، قريباً من ذاته.

وطالما (أنت)تحب ــ الاحتفاظ بهذا في شكله الفريد، فنحن نستطيع أن نقول عن حرفية للكلمة المنطوقة vocable التي لا غنى عنها إذا كنا نتكلّم عن الشعر وليس فحسب عن الشعرية بصورة عامة. بيد أن قصيدتنا لا تثبت داخل الأسماء، ولا حتى داخل الكلمات. وهي قبل كل شيء يجري رميها على الطرقات وفي الحقول، إنها شيء يتجاوز اللغات، حتى لو حدث في بعض الأحيان فإنها تستردُّ ذاتها في اللغة، حينما تنكمش، ملفوفة في كرة على ذاتها، وهي بذلك تكون مهددة بصورة أكبر مما مضى في انكماشها: وهي إذ تصون نفسها، فإنها تفقد نفسها في الوقت ذاته.

حرفياً: ترغبـــ(ـون) بالاحتفاظ عن ظهر قلب بشكل فريد وعلى نحو مطلق، بالحدث الذي لم تَعُدْ بعدُ فرادته الغامضة تفصل المثالية، أو المعنى المثالي كما يقول المرء، عن جسد الحرف. وفي شهوة هذا الانفصال المطلق، اللامطلق المطلق، فأنتـ(ـم) تتنفس الشعري. من هنا؛ المقاومة غير المحددة لنقل(ترجمة) الحرف(الرسالة) الذي يدعونا الحيوانُ، باسمه، للقيام بذلك.. تلك هي محنة القنفذ hérisson. فما الذي تسعى إليه هذه المحنة، وتشدّد على ذاتها؟ وبالمعنى الصارم للكلمة، هو أن توضع رهن الاستعداد. من هنا النبوءة [تنادي]: ترجمني، راقبني، احتفظ بي لهنيهة، انطلق، أنقذوا أنفسكم، دعونا نخرج من هذه الطريق السّالكة autoroute. وهكذا ينمو بين جوانحك حلمُ التعلُّم عن ظهر قلب learning by heart. لتدع قلبك يعبره الإملاء المُملى. في سمة متفردة ـــ وهذا هو المستحيل، وتلك هي التجربة الشِّعرية. وهنا فأنت لم تدرك القلب بعد، هكذا تتعلمه. من هذه التجربة ومن هذا التعبير. وما أسمّيه قصيدةً هو ذلك الشيء تحديداً الذي يلقّن القلب، يبتكر القلب، الشّيء الذي، أخيراً، يظهر بأن كلمة القلب تعنيه، وهو الشيء الذي، في لغتي، ليس بمستطاعي تمييزه ببساطةٍ من الكلمة ذاتها. والقلب، في قصيدة “تعلم عن ظهر قلب” (أن تتعلمها عن ظهر قلب)، لم يعد يسمّي بعدُ الجوانية المحضة فحسب، والتلقائية الحرة، ولا حرية التأثير على النفس بنشاط من خلال إعادة إنتاج الأثر المحبوب. إن ذاكرة “عن ظهر قلب” موثوقة كصلاةٍ ــ أكثر أماناً ــ منها إلى شكل خارجي معين للإنسان الآلي، أو لأعراف تحسين الذاكرة، أو لتلك االطقوس التي تقلد الميكانيكا للوهلة الأولى، أو للمركبة التي تفاجئ ولعك

 وتضغط عليك كما لو كنت من الخارج: auswendig عن ظهر قلب” باللغة الألمانية. ومن ثمّ: إنّ قلبك يخفق، يمنح النبض، وولادة الإيقاع، ما يكمن خلف المتعارضات، الخارج والداخل، خلف التمثيل الواعي والأرشيف المهمل. ثمة قلب هناك، بين الممرات والطرق السريعة، خارج حضورك، تواضعك، قربك من الأرض، انخفاضك(تواضعك). تكرار(ات) في همهمة: لا تكرّرها البتة. . . في شيفرة واحدة، تختم القصيدة (التعلُّم عن ظهر قلب، تعلمّها عن ظهر قلب) المعنى والحرف معاً، مثل الإيقاع المتباعد عن الزمن.

من أجل الإجابة بكلمتين: من خلال علامات الحذف، على سبيل المثال، أو الانتقاء، أو القلب، أو الهريسونhérisson، أو istrice إيستريشه[القنفذ]، سيكون عليك تعطيل الذاكرة، وتجريد سلاح الثقافة، وإدراك كيفية نسيان المعرفة ثم إيقاد النار في مكتبة الشعر…إن وحدة القصيدة تعتمد على هذا الشرط. إذ ينبغي عليك الاحتفال، وينبغي أن تحيي ذكرى فقدان الذاكرة، الوحشية، وحتى بلاهة “عن ظهر القلب”: القنفذ: the herisson. إنه يعمي نفسه ملفوفاً في كرة، متشائكاً بأشواك، قابلاً للعطب وخطيراً، حذراً وسَيِّءَ التكيف (لأنه يتحوّل إلى كرة، حاسّاً بالخطر على الطريق السالكة، لذلك يعرض نفسه لحادثة). لا قصيدة بلا حادثة (مصادفة)، ولا قصيدة لا تفتح ذاتها كجرح، بيد أنه لا قصيدة ليست كذلك تماماً كجرح. وسوف تطلق على القصيدة تميمة صامتة، الجرح الصوتي الذي، عنك، ومنك، أرغب بتعلُّمِهِ عن ظهر قلب. وهكذا فـ[القصيدة] تحدُثُ، بصورة جوهرية، من دون أن يضطر المرء إلى إنجازها أو خلقها: إنها تدع ذاتها تُنجز، دون نشاط، دون عمل، في أكثر حالات التعاطف pathos رزانة، وغريبةً عن كلّ عملية إنتاج، ولا سيما الخلق. إنَّ القصيدة تهبط عليّ، البركة الممنوحة، قادمة من (أو عن) الآخر. الإيقاع، ولكن اللاتجانس. ليس ثمة أي شيء سوى بَعْضِ قصيدةٍ، قبل أيّ شعر poiesis[في اليونانية]. وعوضاً عن “الشعر”poetry، حينما قلنا كلمة “شاعري” poetic، كان ينبغي علينا أن نعيّن: “القصيديّ”([5])poematic . بيد أنه وفي المقام الأول، لا تسمحوا للقنفذ أن يُقاد إلى السِّيرك أو إلى عالم البويزيس(الشّعر): ليس ثمة من شيء يجب أن يُنجز poiein([6]) [في اليونانية]، لا “الشعر المحض”، لا البلاغة المحضة، لا اللغة الصّافية reine Sprache [في الألمانية]، ولا “عرض ــ الحقيقة ــ في ـــ العمل”([7]). هذا التلوث فحسب، وهذا المفترق الطرق، هذا حادث هنا. هذا المنعطف، التفاف هذه الكارثة. هبة القصيدة لا تشير إلى شيء، لا تملك عنواناً، تمثيلها المسرحي قد انتهى، تأتي [القصيدة] من دون تَنَبُّئِكَ لها، تمزّق الأنفاس، تقطع كلّ الروابط مع الشّعر المنطقي وبخاصة الأدبي منه. في رماد هذا السُّلالات. هي ليست بطائر فينيق، ولا بعُقاب، ولكنها القنقذ/ الهريسون، البسيط للغاية، الوضيع، القريب من الأرض. بلا تسامٍّ ولا روحانيةَ، ملائكية، ربما، ولفسحةٍ من الزمن. ومن الآن فصاعداً ستسمّي القصيدة الولعَ المحدَد للعلامة الفريدة، التوقيع الذي يكرر تبدّدَها،  كل مرة بما يتجاوز المنطقي، غير الآدمي، الأليف بالكاد، وغير القابل لإعادة الانسجام في أسرة  الموضوع: حيوان متحوّل، ملفوف في كرةٍ،  يتجه صوب الآخر وصوب ذاته، وباختصار، إنه شيء بسيط، كتوم ، قريب من الأرض، التواضع الذي تسميه، ومن ثم  نقل  نفسك في الاسم بما يتجاوز الاسم، إنه القنفذ الكارثي catachrestic herisson  ، أشواكه(سهامه) معقودة على أهبة الاستعداد، عندما هذا الشيء الأعمى الأزلي يسمع لكنه لا يرى الموت مرتقباً. يمكن للقصيدة أن تطوي نفسها في كرة، لكنها ليس بعدُ لأجل تحويل علاماتها المسنونة صوب الخارج. ومن المؤكد أنها يمكن أن تتأمل اللغة أو تتكلم الشعر، لكنها لا تعود مرتبطة بنفسها البتة، وإنها أبداً لا تنتقل من تلقاء ذاتها مثل تلك الآلات التي تجلب الموت. إن حدثها وباستمرار يقاطع أو يعطّل المعرفة المطلقة عن مسارها، من حيث كونها ذاتية بالجوار من ذاتها. فـ”شيطان القلب” هذا لا يلمُّ ذاته البتة، بل يخسر ذاته ويبتعد عن ممر (الهذيان أو الهوس)، فهو يعرض نفسه للاحتمال، ويفضّل أن يدع ذاته ممزّقة بسبب ما يرهق كاهله. دون موضوع: لعل هناك قصيدة ما وربما هي لا تدع نفسها، لكنني لم أكتب البتة أي شيء. قصيدة، لم أوقّع عليها أبداً.  العلامة(العلامات) الأخرى. أنا فقط [كامن] في قدوم هذه الرغبة: التعلُّم عن ظهر قلب. [هذا المفهوم] المتمدد، المقدَّم إلى درجة استيعاب دعمه الخاص، ومن ثمّ بلا سند خارجي، بلا فحوى، بلا موضوع، إنه مطلق الكتابة في ذاتـ(ـه)(it)self، إذا يسمح [المفهوم] “عن ظهر قلب” لنفسه أن يُختار بما يتجاوز الجسد، الجنس، الفم، والعينين؛ يمحو الحدود، ينزلق عبر اليدين، تسمعه بالكاد، لكنّه يلقّننا القلب[العاطفة]. البنوة، أو علامة الاختيار الموثوق بها بوصفها ميراثاً، يمكن أن تربط ذاتها بأيّ كلمة تقريباً، بالشيء، سواء كان حياً أم لا، أو باسم القنفذ، على سبيل المثال، بين الحياة والموت، عند الغسق أو الشفق، نهاية العالم المذهولة، [العلامة] الملائمة والشَّائعة، العامة والسّرية.

ـــ لكن القصيدة التي تتحدّث عنها، وأنت تخرجُ عن مسار[الموضوع]، حيث لم يجر تسميتها على هذا النحو، أو بشكلٍ اعتباطيٍّ.

ـــ للتو قد قلتَها. الشيء الذي كان لابد من البرهنة عليه. تذكّر السؤال: “ما هو…؟”([8])  [سؤال] يندب اختفاء القصيدة، الكارثة الأخرى. وذلك بإعلان ما هو عليه على وجه التَّحديد، سؤالٌ يُحيّي ولادة النثر.


هوامش الترجمة:

([1]) ـــ يقال في اللغة: [أُعْلِنَ عَنْ تَسْرِيحِ الجُنْدِ: عَنْ إِعْفَائِهِمْ مِنَ الجُنْدِيَّةِ/ جامع المعاني، مادة: سَرّحَ]، وفي السياق النصي تعني الكلمة معنىً من هذا القبيل أي تحرير المرء نفسه من إكراهات الثقافة وإراداتها. وهي قريبة من مفهوم “الانفصال”.

([2]) ـــ الكلمة الألمانية Verdichtung تطوي دلالات التكاثف والانضغاط والتدميج في ذاتها.

([3]) ـــ والمقصود بذلك للوهلة الأولى هو: الجزء المختار، أو اللب، أو الجوهر، أو الأكثر أهمية، أو الجزء الأكثر حيوية من فكرة أو تجربة ما. لكن دريدا غالباً ما يفاجىء قارئه، فـ”القلب” سوف يشير إلى أحد التعابير الأكثر دوراناً في الثقافة الشعرية وهو ” الحفظ عن ظهر قلب/ to learn by heart”، فالقلب هو الآلية لحفظ الشعر وتعلُّمه.

([4]) ـــ مفهوم فلسفي شاع مع فلسفة كانط transcendence أي التعالي أو المفارق بمعنى التسامي عن التجربة وعدم الخضوع لضروراتها مثل الأفكار الميتافيزيقية. ينظر بالتفصيل المعجم الفلسفي: مراد وهبة، القاهرة: دار قباء الحديثة، ط1، 2007، ص 181ــ 185.

([5]) ـــ اللاحقة “atic” في الإنكليزية تساعد على تشكيل الصفات والأسماء مثل idiomatic [اصطلاحي]، ولذلك ترجمنا poematic بكلمة: [قصيدي] أي حين يتعلق الأمر بالقصيدة. 

([6]) ـــ كلمة شاعرpoet المستخدمة في اللغة الإنجليزية تأتي من الكلمة اليونانية poiētēs، التي ذاتها جاءت من poiein، التي تعني ”  to makeأن تصنع، تخلق، تنتج، تحوّل…إلخ”

([7]) ـــ “عرض ــ الحقيقة ــ في ـــ العمل”: هنا يحيلنا جاك دريدا إلى رؤية مارتن هايدغر للعمل الفني من حيث إنه فسحة، فجوة تتيح للحقيقة أن تتمظهر، فالعمل الفني هو المكان الذي تنبسط فيه “الحقيقة”، أي حقيقة الكينونة. ينظر بالتفصيل: أصل العمل الفني: مارتن هايدغر، ترجمة: أبو العيد دودو، بيروت: دار الجمل، ط1، 2003. الفصلان: العمل الفني والحقيقة، ص94. الفن والحقيقة، ص122.

([8]) ـــ هنا اضطررتُ لحذف العبارة اللاتينية للحفاظ على استمراية المعنى: ti esti, was ist . . . , istoria, episteme, philosophia) وتبعاً لترجمة آلية فمعنى العبارة [ ما هو/هي، ما هو/هي [في الألمانية]…، التاريخ، المعرفة، الفلسفة] ؛  فالصيغة “ti esti”   تخصُّ ماهية الشيء أي) ما يكون عليه الشيء( وهي تقابل الاصطلاح الإنكليزي: .( what it is)