بقلم البروفيسور سيرهاي بولخي

ترجمة كيفورك خاتون وانيس

شغلت مسألة أين تبدأ روسيا وأين تنتهي – وممن يتكون الشعب الروسي – المفكرين الروس لقرون. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 والعدوان الروسي على أوكرانيا عام 2014 تحولت هذه المخاوف إلى “مسألة روسيّة” كبيرة تشكّل مشكلة عالمية: كيف  ينبغي أن تكون علاقة الدولة الروسية الجديدة بممتلكاتها الإمبراطورية السابقة – جمهوريات ما بعد مرحلة الاتحاد السوفيتي كجورجيا وأرمينيا وأوكرانيا – وبلاروسيا والجيوب الناطقة بالروسية في تلك الجمهوريات؟ كيف يجب التوفيق بين الخرائط الذهنية للعرق والثقافة والهوية الروسية مع الخريطة السياسية للاتحاد الروسي؟

هذه الأسئلة ليست جديدة. فقد ظهرت لأول مرة على الأجندة السياسية لمسيرة الثورة الروسية، التي أنهت حكماً قيصرياً دام أكثر من 300 عام وخلقت مفهوماً حديثاً للأمة الروسية. لقد عجّل البحث عن تعريف دقيق لتلك الدولة الجديدة، ما بعد الإمبراطورية، بمواجهة ساخنة بين العملاقين السياسيين اللذان كانا يحاولان إجراء عملية الولادة: فلاديمير لينين وجوزيف ستالين.

في ذلك الوقت، كان لينين المهندس المبجّل ورجل الدولة الأكبر سناً  للثورة البلشفية، بينما كان ستالين زعيم حزبي صاعد وطموح. لم يكن صراعهما صراعاً بين الرؤية السياسية وفن الحكم فحسب، بل تضمن الإهانات والأحقاد الشخصية.  وبينما كانا يبحثان عن مستقبل الأمة، فإن معركتهما لم تنتهي بحل، بل بموت لينين المبكر.

وصل الصراع بين الزعيمين إلى ذروته في الأيام الأخيرة من ديسمبر 1922 ، حين اجتمع 2000 وفداً من جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية السابقة في القاعة الرئيسية لمسرح البولشوي في موسكو من أجل تأسيس دولة جديدة، اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. ستضم تلك الدولة روسيا، التي كانت تتنعم بأراضيها ومؤسساتها الخاصة، المتميزة عن تلك التابعة للاتحاد، والجمهوريات التي كانت للتو قد أصبحت سوفيتية كأوكرانيا وبيلاروسيا وجمهوريات جنوب القوقاز، والتي كانت مستقلة رسميًا عن روسيا.

بدأ الطريق إلى تشكيل الاتحاد السوفيتي في نيسان / أبريل من ذلك العام في مدينة رابالو الإيطالية، عندما وقّع البلاشفة أول معاهدة دولية لهم مع الغرب: اتفقت موسكو وبرلين على التخلي عن المطالبات المالية بعد الحرب تجاه بعضهما البعض وفتحتا الطريق للتجارة والتعاون الاقتصادي.  وقّع جورجي شيشيرين، المفوض السوفيتي الروسي للعلاقات الخارجية، على الوثيقة نيابة عن الجمهورية الروسية، التي تم تشكيلها في تموز / يوليو 1918. لكنه حاول أيضاً التوقيع نيابة عن الجمهوريات السوفيتية الأخرى ، بما فيها أوكرانيا وبيلاروسيا، اللتان كان البلاشفة قد أجُبروا على الاعتراف باستقلالهما قبل القيام باجتياحهما عام 1919.

وفقًا للاتفاقية السابقة بين روسيا والجمهوريات السوفياتية الأخرى، والتي تم توقيعها في خضم الثورة والحرب الأهلية، لم يكن للسلطات الروسية الحق في إصدار أوامر إلى المؤسسات الأوكرانية دون موافقة الحكومة الأوكرانية.  في غضون ذلك، اعترض شيوعيو جورجيا بقوة، وأصروا على حقوقهم كأعضاء لجمهورية مستقلة.  في نهاية المطاف، تسبب هذا التجاوز من قبل سلطة روسيا السوفياتية، في مفاوضات أدت إلى تشكيل الاتحاد السوفيتي.

في آب / أغسطس 1922 ، شكل جوزيف ستالين وسيرغو أوردزونيكيدزه ، ساعده الأيمن في منطقة جنوب القوقاز (المنطقة التي تضم جورجيا وأرمينيا وأذربيجان )، لجنة خاصة للتوصية بنموذج جديد للعلاقات بين اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وروسيا والجمهوريات.  كان اقتراح ستالين، الذي أسماه “جمهوريات الحكم الذاتي”، بسيطاً للغاية. حيث سيتم دمج الجمهوريات المستقلة رسمياً في الاتحاد السوفيتي الروسي مع التمتع بالحكم الذاتي. وستصبح الهيئات الحكومية لروسيا الاتحادية هي المؤسسات المركزية للحكم السوفيتي، وتمارس السيطرة على جمهوريات ذات الحكم الذاتي الرسمية.

تمردت الجمهوريات.  بذل الجورجيون جهداً كبيراً ضد نموذج ستالين، زاعمين أن فكرة التوحيد برمتها سابقة لأوانها.  كما أعرب الأوكرانيون عن تفضيلهم للوضع الراهن. بينما أعلن البيلاروسيون تماشيهم مع أي نموذج يطوره الروس والأوكرانيون.  

رفض ستالين التزحزح عن موقفه ومضى قدماً في خطته للحكم الذاتي – ولم يوقفها إلا لينين ، الذي وقف إلى جانب الجورجيين والأوكرانيين.  فقد رأى إن ضم الجمهوريات إلى الاتحاد الروسي، وخاصة ضد إرادة قادتها، يضع الروس في موقع السادة الإمبرياليين، مما يقوض فكرة الاتحاد الطوعي للأمم – ويجعلهم أفضل بقليل من الإمبراطورية القيصرية التي أطاحوا بها.

صبغت اهتمامات لينين الأوسع نطاقًا – حول الوحدة العالمية للطبقات العاملة من جميع القوميات – تفكيره حول مستقبل الجمهوريات.  فقد كان يعتقد بأن ديمومة الحكم السوفييتي ترتبط ارتباطًا وثيقاً بنجاح ثورة عالمية، التي تعتمد على صعود الطبقة العاملة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ومن ثم على الحركات القومية في الصين والهند ومستعمرات الغرب في آسيا .إذا كان للثورة أن تنتصر على نطاق عالمي ، فيجب إشباع رغبة هؤلاء الناس في حكم أنفسهم.

بدلاً من توسيع الاتحاد الروسي، اقترح لينين إنشاء اتحاد الجمهوريات السوفيتية لأوروبا وآسيا.  الاتحاد سيبنى من روسيا والجمهوريات المستقلة رسميًا على قدم المساواة ويطور هيئات حكومية تابعة لكل الاتحاد منفصلة عن روسيا الاتحادية.

مع اعتراف ستالين بأن الاتحاد الروسي الموسّع من شأنه أن يخلق صورة سيئة للدولة الشيوعية متعددة الجنسيات كمجتمع مساواة، اقترح ببساطة تحويل الهيئات الحكومية الروسية إلى هيئات تمثل الاتحاد برمته. فقد رأى بأنه لا داعي لمستوى آخر من البيروقراطية.  لكن لينين لم يتراجع: بالنسبة له، كان الاتحاد مسألة مبدأ وليس انتفاع. كان لابد من إيجاد طريقة ما لاستيعاب تصاعد النزعة القومية غير الروسية.  لكن نموذج ستالين اقترح العودة إلى اللامساواة العرقية التي كانت سائدة في الماضي، التي أدت للتو إلى انهيار الإمبراطورية الروسية – وربما تؤدي إلى الإطاحة بالدولة السوفيتية أيضًا.

تراجع ستالين. إذ أن سلطة لينين في الحزب البلشفي كانت أكبر من أن تتم مساءلتها علانية.  وافق على تبني أفكار لينين كأساس لإنشاء الاتحاد، الذي تم إعلانه رسمياً في المؤتمر الأول لعموم السوفييت  في 30 كانون الأول / ديسمبر 1922.

ولكن بحلول الوقت الذي دعا فيه المؤتمر للانعقاد، اختفى لينين من المشهد.  فقد بقي زعيم البلاشفة البالغ من العمر 52 عامًا، والذي قاتل بأسنانه وأظافره من أجل إنشاء الاتحاد، في شقته في الكرملين الواقعة على مسافة قصيرة من مسرح البولشوي، حيث كان المؤتمر يعقد جلساته.  لقد كان ممشىً قصيراً ومع ذلك لم يستطع القيام بها.  قبل ثمانية أيام، في 12 ديسمبر/ كانون الأول، كان قد أصيب بسكتة دماغية كبيرة وفقد السيطرة على يده وساقه اليمنى.

حدثت السكتة الدماغية بعد حوار ساخن بين لينين وفيليكس دزيرجينسكي، رئيس البوليس السري وأحد عملاء ستالين في قيادة الحزب.  ترأس دزيرجينسكي اللجنة التي برأت مؤيدًا آخر لستالين، سيرجو أوردزونيكيدزه، الذي كان قد تم إرساله إلى القوقاز لسحق المعارضة المحلية لنموذج “الحكم الذاتي” لستالين، والقضاء على الانشقاق الجورجي. على الرغم من أن ستالين والعديد من أنصاره ، مثل أوردزونيكيدزه و دزيرجينسكي ، لم يكونوا من الروس، (ستالين و أوردزونيكيدزه ينحدران من أصول جورجيّة، دزيرجينسكي من بولندا)، مع  ذلك فقد اتهمهم لينين بالشوفينية الروسية.

لكن السكتة الدماغية منعته من اتخاذ أي خطوات حاسمة ضدهم.  بعد يومين، فرضت لجنة من مسؤولي الحزب، بقيادة ستالين، قيودًا صارمة على أنشطة لينين، مما عزلته فعلياً .  قيل بأنها وضعت لمنع تدهور صحة لينين.  لكنها خدمت أيضاً غرضاً سياسياً.

نظراً لحظره من حضور المؤتمر وعدم ثقته في ستالين لتنفيذ خطه بالكامل، قرر لينين المشلول إملاء أفكاره حول مسألة القومية في وثيقة ليتم نقلها إلى قيادة الحزب.  بعنوان “حول مسألة القوميات أو ‘الحكم الذاتي‘ “، اتخذت شكل رسالة واكتملت في اليوم التالي، 31 كانون / ديسمبر. فيها هاجم لينين سياسات ستالين بشأن هذا الموضوع وانتقد الحقوق الممنوحة للجمهوريات في معاهدة الاتحاد ، التي اعتبرتها غير كافية لوقف تصاعد نزعة روسيا  العظمى القومية، التي وصفها بـ “شوفينية قوة عظمى”.  بالنسبة للينين ، كان الذين غالوا بالروسية من غير الروس مثل ستالين وأوردزونيكيدزه من بين أسوأ المذنبين.

من وجهة نظر لينين، كان قوميو روسيا العظمى يشكلون التهديد الرئيسي لوحدة الدولة – وليس القوميين الإقليميين، الذين كان يأمل في استيعابهم من خلال منحهم استقلالاً محلياً  في سياق الاتحاد.  كان لينين مستعدًا لاستبدال الاتحاد الذي اقترحه في الأصل برابطة أكثر مرونة يمكن أن تقتصر فيها السلطات المركزية على الدفاع والعلاقات الدولية وحدها.  لقد شعر أن حق الجمهوريات في الانفصال ، الذي تضمنه معاهدة الاتحاد ، قد يكون ثقلاً موازنًا غير كافٍ للقومية الروسية، واقترح أنه في المؤتمر القادم يمكن إصلاح الاتحاد بحيث يتم حصر المركز في المهام المذكورة أعلاه فقط.

بذل ستالين قصارى جهده لعزل لينين عن بقية القيادة وإبقاء رسائله الأخيرة سرية.  حتى أنه دخل في صراع مع زوجة لينين ، ناديجدا كروبسكايا ، التي اتهمها بنقل الأخبار السياسية إلى لينين، مما يهدد راحة بال لينين – وفي النهاية صحته.  أهان ستالين كروبسكايا في وقت من الأوقات بقوله :”سنرى أي نوع زوجة لينين تكونين”، ملمحًا على ما يبدو إلى علاقات لينين العاطفية السابقة خارج نطاق الزواج. عندما سمع لينين بذلك ،غضب وطالب باعتذار. أرسل ستالين قائلاً إنه اعتذر، لكنه لا يعرف ما الذي يريده لينين منه – أنه كان فقط يحمي الزعيم من الإجهاد غير الضروري.

زاد مستوى توتر لينين بشكل واضح عندما علم أن ستالين كان يملأ قاعة لجنة القوميات في برلمان الاتحاد الذي تم إنشاؤه حديثاً، بمؤيديه الروس.  حاول لينين، الغاضب، حشد دعم زميله الزعيم الثوري ليون تروتسكي في نضاله ضد ستالين، لكن دعوته للمساعدة لم تتم الاستجابة لها. لقد  تبين أن مذكرة لينين لتشجيع البلاشفة الجورجيين ، التي تم إملائها في 6 مارس 1923 ، كانت هي رسالته الأخيرة على الإطلاق.  في اليوم التالي تعرض لسكتة دماغية ثالثة أصابته بالشلل الدائم.  توفي في 21 يناير 1924.

في نهاية المطاف، أصبح الاتحاد السوفيتي، الذي تم إنشاؤه في خضم معركة بين لينين وستالين، بمثابة توافق بين رؤيتين ومقاربتين.  كان على ستالين أن يقبل الهيكل الفيدرالي للدولة الجديدة، لكنه لم يتخل أبدًا عن مخططه “الحكم الذاتي” ، والذي تجسد في العمود الفقري الحقيقي للحكم السوفياتي – الحزب البلشفي.  كان الاتحاد مسيطر عليه بالكامل من موسكو، ولم يكن لأحزاب الجمهوريات حقوقاً أكثر من منظمات حزبية إقليمية في روسيا. هيمنت المؤسسات والهوية الروسية، مشكلةً الأساس لكثير من المؤسسات الاتحادية. فالأكاديمية الروسية للعلوم، على سبيل المثال، أصبحت هيئة تمثل الاتحاد بأكمله.

لم ينجح لينين في تطبيق طريقته في إنشاء اتحاد فضفاض للجمهوريات المتحدة من الناحية العسكرية والسياسة الخارجية فقط.  لكنه حقق في مسألة هيكل الاتحاد – تشكيلة من جمهوريات خافتة – انتصارًا سيكون له، من المفارقات ، في نهاية الأمر عواقب أكبر على الروس مقارنة بالآخرين.  ساعد انتصار لينين منح الروس أراضٍ ومؤسسات وسكان وهوية متميزة عن تلك الخاصة بالاتحاد ككل. في الدولة التي تصورها ستالين، كان الروس سيستمرون في مشاركة كل هذه الميزات مع الإمبراطورية ، التي أعيدت تسميتها الآن باسم الاتحاد.  في دولة لينين، لم يكن لديهم خيار سوى البدء في اكتساب هوية منفصلة عن الهوية الإمبراطورية.  افتراضياً تقريباً، أصبح لينين والد الأمة الروسية الحديثة، بينما أصبح الاتحاد السوفيتي مهدها.

تعقيب المترجم

صحيح أن المحور الرئيسي للمقال هو الصراع بين رؤيتين وطريقتين حددتا شكل الاتحاد السوفيتي، لكن الاتحاد( الوحدة بين الدول) بحد ذاته، ليس في هذه الحالة فقط، هو موضوع يحفز أسئلة كثيرة أهمها: لماذا سعت الكثير من القيادات (أو بالأحرى الزعامات) بعد وصولها استلام السلطة بعد فترة قصيرة، سواء عن طريق ثورة أو انقلاب، إلى سلوك هذا المنعرج الخطير؟ بمعنى آخر: هل تقوم الثورات من أجل إنشاء وحدة أو اتحاد مع دول أخرى، هل هذا ما كان ينقص الناس في ظل السلطة السابقة؟ أليس تطوير الوضع المعيشي ودعم الحريات وسيادة القانون…الخ هي الأهداف الحقيقية والبسيطة وراء كل تغيير؟

حدثت تجارب كهذه في أكثر من بلد عربي وكانت لها نتائج كارثية.

فعلى سبيل المثال للحصر، كانت سوريا ومصر في منتصف القرن العشرين دولتان قد نالتا استقلالهما للتو، وبدل أن يقوم الذين أدعوا حمل هموم الشعب، برعاية هذين الجنينين، هربوا من هذه الاستحقاقات الحقيقية وذهبوا باتجاه انشاء الجمهورية العربية المتحدة، وكأن الشيء الوحيد الذي كان ينقص المواطن السوري أو المصري هو هذه الوحدة الخلبية التي كانت نتائجها كارثية على كلا الشعبين، هذا عدا عن أن ظروف وشروط تشكيل الوحدة نفسها التي كانت انتكاسة خطيرة على صعيد الحريات السياسية (حل الأحزاب وما إلى ذلك) وبالتالي افساح الطريق لتأسيس نظام حكم ديكتاتوري لم يكن أفضل من الذي ثاروا أو انقلبوا عليه.

الحديث يطول في المجال لكن ثمة نقطة هامة أو ربما عبرة يمكن للمرء أن يكتشفها من خلال مراجعة خاطفة لهذه التجارب المريرة، ألا وهو أن القاسم المشترك بين هذه الانظمة الثورية او الانقلابية: جميعها أم انظمة إيديولوجية أو عسكرية، ما يقودنا إلى نتيجة مفادها: ويل لأمة صدقت شعارات العسكر أو الإيديولوجيين، ووثقت بان أمثال هؤلاء يبنون أوطاناً حقيقية؛ هؤلاء في الحقيقة لا يهتمون إلا بديمومة عروشهم باستخدام شعارات مخدّرة!