خالد حسين

      السِّيمْيَاء بِحَسَبِ خزائنِ المعرفةِ هي: الاندفاعُ بالأشياءِ والظَّواهرِ لِتَتَجَلَّى «علاماتٍ مُشَفَّرَة» قابلةً للاستقْصَاء والاستِبْصار، وهي بالتَّالي تَتَنزَّل في موقعِ علمِ تَشفير العَلامات على مستوى الكتابة، ونظيره علم فكِّ التَّشْفير على مستوى القراءةِ والتأويل، ولذلكَ ستتبع القراءةُ الرَّاهِنَةُ مسالكَ علمِ السَّيمْيَاء في تتبُّع تصاريف سيميائيات الأُلْفَةِ علاماتٍ وعلاقاتٍ مع المكان والصَّداقة والأُنسِ والحُبِّ:  

تَحْفِرُ «الأُلْفَةُ»، بوصفها دالاً ومدلولاً، كينونتَهَا في أَرْضِ اللُّغَةِ، وكَيْنُوْنَتُهَا ليستْ سوى دلالاتِها الطَّامِحَةِ في أنَّ تكونَ «الأُلْفَةُ» كائناً لغوياً يَهْمِسُ بـدلالات: الجمع والتَّلاقي واللّزُومِ والتَّوَاصُلِ والعَهْدِ والحَنينِ، وبكلمةٍ أُخْرَى تَشْهَـقُ «الأُلْفَـةُ» بالإيْنَاسِ والقُـرْب والتَّداخُلِ، فالأُلْفَةُ هي فضاءُ الأمانٍ، بمنأى عن العُزلَة والفَزَعِ والرُّعبِ؛ فالألفـةُ تنبثـقُ من حضور الآخـر ومعه، دالٌّ يُنْجِزُ مدلولَهُ بامتداد الطَّرفين نحو بعضهما البعض: فلا أُلفـَـةَ للذّات مع ذاتِها أو الشيءَ مع نفسه، فالأُلفـةُ أن تكونَ مع الآخر، أن يكونَ معك الآخرُ، أن تكون مَعَـهُ دون أن تكونَ بحوزتِهِ أو بحوزتِكَ إذا عكسنا الحدُّ، وبصياغة هيدغرية تغدو «الألفــة» تحويلاً مكثفاً للوجود ــ في/ ومع ــ العَالَـم.  وفي الأحوال كافةً: فالألفة هي خروجُ الذات من ذاتها، من عتمتِهَا، من جحيم عزلتِهَا، من جنونِهَا والشيء من دائرته، من صمته الأبدي، من عُجْمَتِهِ، للإلتقاء في فضاء الحميمية، من حيث إنَّ الحميميةَ هي احتفاءُ الآخر بـ«الذات» على «حَدٍّ» لاينتمي لكليهما؛ ومتى ما انتمى الحدُّ انهارت الألفة، وجفَّت الحميميةُ؛ لأنَّ الحميميةَ هي اختراقُ الآخر لنا، واختراقُنا له، ومن ثـَمَّ التآلف في «موضعٍ» لايعترف بالملكية، فهي اللانتماء مكانياً، ومن هنا فالألفةُ هي تَخَارجٌ بلغة الحكمة، وفي التَّخارج انقذاف للأنا من العزلة نحو العـَالـَم، نحو الآخر، استئصالٌ للوحشة التي تَربِضُ على حافاتِ الوحدة ؛ ولهذا تأتي الألفةُ موقوتةٌ بالحميمية، لأنَّ في الحميميةِ قتلٌ للمسافةِ، حيث لا أُلفةَ بحضور المسافةِ، لكونها تتلاشَي بوجود البعد، تكفُّ أن تكونَ حضوراً، كينونةً، حدثاً، اقتراباً، جمعاً، ائتلافاً، لا ألفةَ بحضور المسافةِ، أو لا مسافةَ بحضورِ الألفةِ، عداءٌ مستحكمٌ، صدعٌ، هاويةٌ، ثغرةٌ بين الطَّرفين، الألفـةُ هي القربُ متفجِّراً بغبطةِ الحميميةِ، والمسافةُ هي البعدُ احتفالاً بالوحشة، ذلك أنَّ الوحشةَ سليلةُ الفراغ، وكمينُ المسافةِ في الإيقاع بالألفة، ذلك الحليف العتيد للقرب: أن تكونَ ثـَمَّـةَ مسافةٌ، فالأمر لايعني سوى أن يكون الكائن/الشيء مشغولاً بتأويل الوحشة موتاً، حيث دالُّ الألفةِ ما ينفكُّ رهينَ الغياب؛ مَقَيَّـداً إلى الخفاء؛ فحضورُ الألفةِ مرهونٌ بغياب الوحشة، بل لا أُلفةَ دون وحشةٍ، فالوحشةُ حتى في غيابها ماثلةٌ في كينونة الألفة، لايمكن للألفة أن تؤسسَ كينونتها بمعزلٍٍ عن الوحشة، فهي ملوَّثة به، ذلك أنَّ الوحشةَ عتبةٌ لابدَّ للكائن/ الشيء أن يَطَأهَا، أن يَمْكُثَ فيها، أن يَخُوضَهَا ويتجاوزَهَا حتى تنبجسَ الألفةُ، فهي العَلامةُ التي ترسمُ الطريقَ إلى فضاء الأُلفة، الممرَّ إلى العَالَم وقد تَسَمْطَـقَ، تَشَفَّرَ بأُلفةِ المعنى، أي تَأَلْفَنَ، وغدا في كَنَفِ الكينونة كائناً سيميائياً برسم التَّعايش والتَّحاور. ولكن ماذا بشأن كائنات الألفة ؟:

المكانُ ذلكَ الكائنُ السِّيميائيُّ بامتياز، ذلكَ الفضاءُ الذي تنمو فيه الألفـةُ؛ لتتلوَ الوحشةَ إقامةً، من حيث إنَّ الوحشةَ خليقةٌ بالمكان في وجوده، فهو الذي يَستَحْوذُ على هذه السِّـمـة؛ فالمكانُ مُوحِشٌ أصلاً، تنهبـُهُ كائناتُ الصَّمت، ولهذا لابـدَّ من ترويض كائن الوحشة فيه، لابدَّ من تأليفه، وتدبُّر شؤون الفراغ فيه، ليكون المكان أليفاً، مهيئاً لاستقبال الكينونة،، فسيرورة المكان وصيرورته هو انتقاله من دالِّ الوحشة إلى دالِّ الألفـة، إذ تشرع الألفةُ بالحضور في البرهة التي ينزلق فيها الكائنُ إلى العالم حيث يحتفي بـِهِ المكانُ، وقد بات يحتضن الكائنَ، ليودِعَهُ سـرَّ الألفة الأبديَّ، مكان وكائن، كائن ومكان، ائتلاف وتنفجر الألفةُ: هكذا لا تكون الألفة إلا بامتداد الذات نحو المكان والمكان نحو الذات، سُكنَى مُتبادلة، ليبدأ من ثمَّ العشقُ الأبديُّ بين المكان والكائن، لأن العشق هو ذروة الألفةِ، وبذلك يغدو المكان سـرَّ الكائن في كونه كائناً، والكائن سـرُّ المكان في كونه مكاناً، حيث ينحفر كلٌّ منهما بالآخر: هكذا يصبح مكانُ الطفولة فضاءَ الألفة الأولى، القوة التي ما تنفكُّ تمدُّ الكائن بأطياف الأحلام والصور والأوهام والمتخيَّلات، المكان البؤرة الذي لا مفرَّ من العودة إليه واقعاً أو تخيُّلاً، لتسكنه الألفة من جديد، فسرُّ العلاقة بين الكائن والمكان تكمن في هذه الألفة التي ما تبرح تحضرُ وتغيبُ، إذ بين الرحيل عن المكان والحضور إليه تتجدّّد الألفةُ ذاتها:[ وطولُ مُقام المرء في الحي مُخْلِقٌ/ لديباجتيه فاغتربْ تتجدَّدِ]، بيد أن الشغفَ هو للمكان الأول، شغف للسرِّ الذي لايمكن أن يتكشَّف، للمكان حيث الأنــثى ـ الأمُّ، فالألفة هي امتداد الأم جسداً، كلاماً، في تفاصيل المكان وتضاريسه، كما لو أنَّ ألفَنَةَ المكان لا تحدث إلا بحضور الأنثى ـ الأم، مع إبقاء العلامة الأخيرة تحت تهديد الشطب، أي بحضور الأنثى بالمطلق، ومن هنا، الخاصية الأنثوية التي اشترطها محي الدين بن عربي للمكان كيما يكون مكاناً: [المكان الذي لايؤنَّث لايعوَّل عليه]، فأَلْفـَنَـةُ المكان مرهونةٌ بأنثويته، مشروطةٌ بفتنة الأنـثى، كما لو أنَّ ألفنة المكان ليس إلا تلغيمه بالفتنة، ولذا لا غرابة البتة حين تتبدَّى طاقة المكان الأنطولوجية في أسْرِ الكائن، حيث للمكان المُجتاح بالفتنـة غوايةٌ وأيُّ غوايةٍ في استدعاء الكائن من المسافة، لإعادة الروح للمكان، لتجديد ألفتـه، وتجديد الوجود في العالم ومعه. إنَّ المكانَ الأليفَ يذكِّرنا به، ينادنيا، يسكن كلامنا، أحلامنا، كما لو أنه قلق من مصير الألفة في حال غيابنا، ولهذا يتلألأ ذات برهة:

«في رقة هادئةٍ تلمع أطرافُ السهول الرَّمادية

 وقرب التلال المغطاة بألسنة الغروب النضرة،

 القرى المسكينة، للبرد تهيِّـىء بيوتها الواطئة.

 ياللبهجة، يا للتردد، ياللحنان الخائف.

 آهٍ ياعمل الريف الحزين.

 ثمة من يحبس دموعه حين تعتم

 فترجع الحماماتُ إلى مربعات حنينها،

ويلتمُّ الدَّجاجُ على السُّور الطِّيني القديم.

 هناك في حقولٍ بعيدة، تسودُّ وتيبسُ

 أغصان شجيرات القطن،

تنكمش أوراقها الخضر وتحمرُّ أطرافها؛

 تهتزُّ وتهتزُّ في رياح المساءات الصامتة.» ([1]) .

يتكلم الشِّعر هنا باسم الأُلفة، فالعلاماتُ الشعرية ملغَّـمة بها، إذ ينجح الشعرُ بفرادةٍ  في اقتناص هذه العلاقة السِّرية بين الباثِّ/ الشَّاعر والمكان، وليست هذه العلاقة إلا بَهاءَ الأُلفة وقد تخثّر مشـعّاً في علامات اللغة، اللغة التي لاتكتفي، هنا، بوظيفتـِهَا الإحالية فحسب، وإنما تتجاوزها إلى الإمساك بكينونة المكان، أي بعلاقته الأليفة بالكائن وقد أشرف على فصل الشتاء: هكذا البيوت تلتـمُّ على كائناتها: الإنسان، الحمام، الدجاج، حيث ينتقل المكان من وجوده الفيزيائي المحض إلى وجوده الأنطولوجي حيث يغدو المكان والكائن جسداً واحداً، فالألفة هي هذا التماهي بينهما، الذي يتبدَّى من خلال انكماش الكائن نحو مكانه/ بيته، ذلك أنَّ البيتَ (القرى، مربعات الحنين، السور الطيني) يمثِّل بؤرة الألفة في علاقة الكائن بالمكان، إذ البيتُ، من حيث هو دالٌّ سميو ــ ثقافي،  يرسم شبكةً من الدَّلالات الثقافية: الراحة، الاطمئنان، الدفء، الحماية، الوقاية، الحبّ، دلالات ما هي إلا مؤشراتٌ على كثافة الألفة التي تمنحُ للمكان معناه، وتُخرجُهُ من وحشته الضالّة، فالمكان في أُلفتـِهِ تمثيلٌ للانسجام بين الكينونة والفضاء.

لكن ماذا عن الأنس؟ إنَّ السيمياء قائمة على إدامة النظر في العلاقاتِ التي تربطُ بين العَلامات؛ فالتأمُّلُ في أُلفـةِ المكان أو المكان وقد غدا سكنى للألفة، لابـُدَّ وأن يقودَ المتأمِّل إلى شؤون «الأُنْس»، فالأُنـْسُ من تجليات المكان الأليف، بل الأنـس هو الألفـةُ وقد تشخَّصت في علاقة الذات بالآخر كائناً وشيئاً في فضاء المكان، فالمكان الذي لايُؤْنِسُ ليس بمكان؛ لكونه، في هذه الحال، يفتقدُ إلى حضور الآخر، وبالتالي تنقصـُهُ الألفةُ، فألفةُ المكان تعني ببساطة متناهية حضور الأَنِيس، أي اتساعه للآخر بالحضور للاستئناس بـ/ ومع الذَّات؛ كما لو أنَّ لا ألفـةَ في غياب الأنس أصلاً، فالأُنـْسُ دالَّة مركزية من دلالات الألفـة المتعددة؛ فالألفةُ من الائتلافٌ أي انضمام شيء إلى شيء، وكذا الأنـسُ يتطلَّبُ انضمام الذات إلى الآخر والالتئام معه. ومن جهة أخرى يراكم المعجم حزمةً من الدلالات في فضاء «الأُنـْس» حيث ينزلق دالُّ الأنس في حركة متشعبة محيلاً المتأمل إلى: الإنسان، الناس، خلاف الوحشة، الطمأنينة، الإبصار، السرور، النار، إلخ وهي كلُّها مؤشرات دلالية تَشبِكُ الكائنَ بالكائن وبالشيء في المكان من خلال الأُنس، أي مطاردة الوحشة: «الأنس: ضدُّ الوحشة»، والأنـس لايتحقَّـق إلا من خلال الأَنيس، أي عبر حضور الآخر الذي يمضي بالوَحْشَةِ عن المكان، ويَلغِّـمُهُ بالألفـة.

إنَّ «الأُنـس» يعني أن يتفتَّـح المكانُ ألفةً بحضور الآخر، في تحدِّ لإنذارات الوحشة بالانبثاق؛ لأنَّ «الأَنَسَـةَ روحٌ للقلوب، وأنَّ الوحشة روعٌ عليها/ الأدب الكبير»، ومن هنا؛ فإنَّ سيمياءَ الأُنْس تقوم أساساً على الجذب بين الذات والآخر، فحضور الآخر هو الذي يشقُّ للألفة ثغرة للحدوث، لكي ينموَ الإيناسُ؛ إذ بحضور الآخر يبدأ الأُنسُ. لكن ماذا لو كان هذا الأُنْـس هو أَنـَسُ الصَّداقة؟ وهنا لسيمياء الأُنـس أن تجد طرائق لرصد مضاعفةٍ في دلالات الأنـس من حيث قوةُ  المودةِ وعنفُهَا:«إذ ماتَ لي صديقٌ سَقَطَ عضوٌ مني/ الصَّداقة والصَّديق»، هكذا بموت الصديق يتعرض الأُنـس للطَّيِّ؛ لتختفي الأُلفـة، وتحضر الوَحْشَةُ على نحو أرعن، فالموت هو انقطاعُ الأُنس وشرخٌ حادٌّ في مدار التواصل، ومن هنا، الفزع الذي يتملّك الكائنَ الإنسانيَّ في تجربة الموت، لأنَّ الكائن لايمكن له أنَّ يخوض تجربة الموت إلا خلال تجربة موت الآخر، الآخر الذي يرتبط بحضوره حدثُ الأنـس، فموتُ الصَّديق تهديدٌ لي، علامةٌ تنذرني، تنذر جسدي بالسّقوط في عتمة الموت، ولذلك ليس موتُ الصديق سوى موتي أنا، وإنما برسم التأجيل. هكذا يحدثُ الموتُ انعطافاً حاداً في دوام سيمياء الأُنـس حيث القرب وحيث الجوار ومتعة المجالسة يستحيلُ بعداً وأثراً وكمداً؛ لببدأ سيمياء الموت بمُراكمةِ الفجوات والانقطاعات والوحدة، لهذا ينتقل السومريًُّ ــ كلكامش من فضاء الأنس إلى فضاء العزلة واليأس بموت أنيسه أنكيدو:

«من أجل أنكيدو، خلّه وصديقه

 بكى جلجامش بكاءً مرّاً

 وهامَ على وجهِهِ في الصَّحارى(وصار يناجي نفسه):

 إذا ما متُّ أفلا يكونُ مصيري مثل مصير أنكيدو.

 لقد كلَّ الحزن والأسى بجسمي

 خفتُ من الموت، وها أنا أهيمُ في البوادي ملحمة كلكامش

 فالموت بكل صلافة يُنهي لذة التَّواصل، ويمضي بالأنـس عتمةً أبديةً حيث سلطان الصَّمت وحده الذي يتولَّى إدراة شؤون الظلام.  

والأُنـس يحيلنا على «الإبصار»، كذلك، بل إنَّ أصلَ الإنْسِ والأَنَسِ والإنْسان من الإيناس وهو الإبصار، ولهذا ارتبط الأُنـسُ بالبصر، وحقل الصَّداقة يفور بهذه العلاقة بين الأنـس والبصر:«أشتهي ـ يقول صديق لصديقه ـ أن أشتريَ داراً في جوارك حتى ألقاكَ كل وقتٍ، [ ردَّ الآخر]: المودة التي يفسدها تراخي اللقاء مدخولة/ الصَّداقة والصَّديق»، هكذا؛ فالصداقة تكون بإدامـة الأُنس رؤيةً عبر المساكنة جواراً إلى الصديق، فالجِوار/ القرب سوف يضمن وقاية الأنس من طيّات البعد الذي يؤسِّس للنسيان والتراخي، فالقرب هو الذي يمنحُ الأنسَ، لأنَّ الأنـس يكون بالقرب، فأن تكون قريباً مني، يعنى أن تكون أنيساً، يعني أن تكون صديقاً، فالأنس هو متعة الجوار والجلوس بالقرب من الصَّديق، ومن هنا، كان مشاقُّ البحث عن الأنس والتآلف عبر السَّفر للوقوع على صديق:«قيل لفيلسوف: من أطول الناس سفراً ؟ قال: من سافر في طلب صديق/ الصَّداقة والصَّديق»، فالسفر هنا ليس إلا البحث عن الصديق للإمساك بالأنـس، ففي وجود الصديق تكمن لذة الأنس، فالأنـس أن تسكن الصديق ويسكن إليك الصديق الذي «ليس إلا إنسان هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك» كما قال أرسطو.

والآن ما شأنُ الحبِّ بالألفة؟ أو ما شأن الألفة بالحبِّ؟

الأُلفـةُ هي الاجتماع والالتئام والصَّداقة والمؤانسة، وهي كذلك الحبُّ: أَلِفَ الشيءَ آنسهُ وأَحَبَّـهُ، فهو آلِفٌ والجمع أُلّاف. في هذه الانعطافة الدَّلالية يقتنصُ ابن حزم الأندلسيُّّ عنواناً أثيراً لمصنفه في الحب:«طوق الحمامة في الألفة والألاف»، ولا يخفى علينا إدراج الحمام في العنوان، فالحمام لايحيا إلا بالأُنـس والألفـة فهو لاينفكُّّ عن تأسيس العشق في فضاءاته، بل هو كائن الألفـة بامتياز؛ فالحبُّ بمراتبه سليلُ الأُلفةِ وعلامةُ الأُنْـسٍ حيث تغور المسافةُ والوَحْشَةُ في المكان، ولايبقى سوى بهاء الأنـس وسلطانه؛ إذ الحبُّ ضيافةٌ دون اشتراطاتٍ بين المُحِبِّ والمحبوب، وذروة التَّخارج عن الذات باتجاه الآخر: « ماالعشق ؟ فقال: تشوُّقٌ إلى كمالٍ ما بحركةٍ دالّةٍ على صبوةٍ ذي شكلٍ إلى شكلـِهِ/ المقابسات»، فالشذرة، هنا تعكسُ صورةَ الذَّات الخارجة عن عزلتها نحو الآخر، يدفعها التشوّق لكمال الأُنـس، والكلفُ كلٌّ بمحبوبه، فالحبُّ أُنـسٌ مخلوطٌ  بجحيم التشوق وسعير الصبوة، وتأجج الحركة لاختراق فضاء الآخر.

مع أُنـس الحُبِّ تغدو الذاتُ والآخرُ بمنزلة ذاتٍ واحدةٍ، ولكن تحت تسميةٍ جديدةٍ « الذات عينها كآخر»، حيث تكفُّ «الذات» عن أن تكونَ ذاتها، والآخر أن يكون آخرَ، بنسف التطابق والتماثل، إذ تحلُّّ التناصية أو التذاوتية بين كائني الأنس:«وللحب علامات يقفوها الفطن،/ ويهتدي إليها الذكيُّ، فأولّها إدمان النظر، والعين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها، والمعبّرة لضمائرها، والمعربة عن بواطنها، فترى الناظر لايطرف، ينتقل بتنقّل المحبوب، وينزوي بانزوائه، ويميل حيث ما/ طوق الحمامة»، فالأنـس حبّاً: تفاعلٌ بالنَّظر والانتقال والميلان والإنزواء، وبتعيرٍ آخر: الأنـس حباً شيء من الكلف بالآخر، محاولة إلى الاتصال والتواصل، هدفها لزومُ الآخر ــ المحبوب، ذلك أنَّ الحُبَّ أُلفـةٌ، وقـوّةٌ  تنتقل من هـذا إلى ذاك؛ لتعكس درجة الكَلَفِ بين العاشق والمعشوق، ومدى حضور  الأنس وقوته بينهما، ولهذا نجد كتب الحبِّ ترسم لنا تدرجات سيميائية للأنـس والألفة والقرب: فاللحبِّ مراتب: الهوى، العـلاقة، الكلـف، العشـق، الشَّـغَف، اللوعة، الجوى، والهيام…إلخ، وكلُّها عَلامَاتٌ على افتراس الآخر  اشتهاءً وشغفاً؛ لأنَّ العشقَ هو اشتهاءُ الآخر أُنـساً، فمع الشغف المُؤْنس تنتحرُ المسافةُ بين العاشق والمعشوق، لتمرَّ الألفةُ في طيّة سيميائية تُسمَّى الانصهار في التوحُّد، حيث ينفجر الجسدُ بالكلام:«تبدو حركة العناق في العشق أنها تؤدي، للحظةٍ، حلم انصهار العاشق بالمعشوق/ شذرات من خطاب العشق»، هنا يكفُّ التواصل عن طريق اللغة، إذ تغدو الأخيرة بكماء لاتُحْسِنُ التعبيرَ، ولهذا يتولى الجسد/ الجسدان زمام الخطاب، وتأسيس الألفـة والأنـس، فالجسد يغدو مفتوناً بآخره، يستضيفه في أروقته وضفافه، كما لو أنَّ العناقَ إنما هو التأكيد على الأنـس، بل لنقل: إنَّ الأنس مجالسةً وكلاماً وإشاراتٍ قد استنفدَ طاقته للتدليل على «القرب»، فلابدَّ، والحال هذه، من اللجوء إلى ضروب الحسِّ واللمَّس لتأكيد الحبِّ وحضور الأنيس ــ المعشوق.

إنَّ الحبَّ بوصفه كائنَ الأُلفة المدلَّل يُمَرْكِزُ الأنـسَ، ويجعل الكينونةَ حادَّة في وجودها، ولهذا فالتَّخلي عن العشق أشبه بحالة المنفى، حيث انقطاعُ التواصل بينكَ وبين الذي تحبُّ مكاناً وكائناً، ولذلك تبرز قسوةُ المنفى حيث تزدهرُ المسافةُ، وتجفُّ الألفةُ وينضب الأنس، فلا تجدَ الذاتُ لحظتئذٍ سوى أن تأكل ذاتها بفقدان الآخر ــ الأنيس.


([1]) ــ علي جازو: الغروب الكبير، دمشق: دار التكوين، ط1،2005، ص 74، 75.