تعتبر رواية “أحلام الزمن المتوسط” منشورات “عروة للطباعة” طرطوس-سوريا 2001 باكورة الأعمال الرّوائية للكاتب الأستاذ علم عبد اللطيف، (صدر بعدها للكاتب روايتان هما،”السّور والعتبات” و”قمر…بحر”)، تدور أحداث الرواية في قرية الكاتب (الملّاجة)، في أوائل النصف الثاني من القرن المنصرم، وتتعالق شخصيّاتها مع شخصيّات حقيقية عاشت في القرية، وأحداث حقيقية جرت فيها في تلك الفترة، حيث يعرض لنا الكاتب من خلال روايته حياة وأفكار وقيم ومفاهيم ثلاثة أجيال من المثقفين في حياة القرية، يمثلها كل من الأستاذ اسماعيل والأستاذ سعيد والأستاذ فؤاد، وذلك عبر تركيزه على الجيل الثاني أو الأوسط، ممثلا بشخصية الأستاذ سعيد، وكشف علاقة هذا الجيل (الزمن) بالجيل الذي سبقه والآخر الذي تلاه، وفي الحقيقة نجد أن الاشتباك الرئيسي في الرواية هو بين الزمن الماضي والزمن المتوسط، إذ لاتبدو ملامح الجيل الثالث إلا استشفافا وإيماء. يلتقط الكاتب ببراعة مفردات وتفاصيل الحياة الريفية في أواسط القرن العشرين، من خلال وصفه لبيت الشيخ حسن أحد أبطال روايته، هذا البيت الواسع الذي يتسع بالإضافة إلى سكانه  للدجاجات والبقرات، والذي ينسجم في هندسته وطريقة بنائه مع حاجات ومتطلبات الإنسان في ذلك العصر، ومن خلال شخصية الشيخ حسن ذاتها هذه الشخصيّة العصاميّة التي استطاعت تحويل جبل صخريّ إلى سلاسل ومدرّجات مغروسة بأشجار الزيتون، والتي برع الكاتب في رسمها وتصويرها بدقّة وإتقان وإدماجها في نسيج الرّواية لتكون أحد أبطالها الرئيسيين، وكما أرى فإن الكاتب يعتمد مبدأ توزيع البطولة كما نلحظه عند ديستيوفسكي في رواية الأبله، فعلى الرغم من وجود بطل رئيسي للرواية، إلا أن أي شخص قابل لأن يكون بطلا في لحظة ما، إذا ما أتاحت له الظروف التعبير عن شخصيته وإخراج مكنوناته، هكذا نجد تعدد الأبطال فمن الشيخ حسن إلى اسماعيل وسعيد وصابر وعلي اسكندر وحتى سليمة التي فاجأت الجميع بصمتها المديد حزنا على شريك عمرها الشيخ حسن، وعلى الرّغم من تشظّي مفهوم البطولة في الرّواية، إلا أن القارئ سوف يلاحظ الدور المحوريّ الذي تنهض به شخصيّة الأستاذ سعيد العلي التي تتعالق فيما أظن مع شخصية (الشاعر محمد عمران)، وهو ممثل الزّمن المتوسّط بأحلامه وطموحاته وأفعاله التي تركت آثارا لاتمحى في حياة القرية ومستقبلها، عبر الأستاذ سعيد كعاصفة في حياة القرية الوادعة، فأقلق سباتها وسكينتها وانتشلها من حياة البساطة والخمول والصبر والاتكال ليزرع فيها أفكارا جديدة، قوامها الشكّ وإعمال التفكير في كل شيء، كان عاصفة بحق لكنها عاصفة من الفرح والرّقص والأغاني الجديدة، و نستطيع القول بأن الأستاذ سعيد قد حلّ المعادلة الصّعبة التي واجهت وتواجه المثقفين بشكل عام في مجتمعنا، ألا وهي كيف تتبنى أفكارا جديدة خارج ما يألفه النّاس من أفكار ومعتقدات دون أن تبتعد عن النّاس ودون أن تحسّ بالاغتراب عن واقعك ومجتمعك، لقد حل سعيد العلي هذه المعادلة ببراعة يحسد عليها وتسجل له، فعلى الرغم من الثقافة الجديدة والنظرة الجديدة إلى الحياة التي تبناها وحاول تعميمها في مجتمع القرية إلا أنه بقي لصيقا بالناس البسطاء، مشغولا بقضاياهم وهمومهم، متفهّما لمخاوفهم وشكوكهم من كل جديد، وذلك بالضبط لأنه خاطب مصالحهم ومعاناتهم اليومية، وهو المبادر والمحرّض والفاعل الرئيسي في شقّ طريق جديد يصل القرية بالطريق العام الواصل بين طرطوس والدريكيش، الطريق الذي سيكون بوّابة القرية إلى الحضارة والتمدن، استطاع سعيد العلي أن ينغرس في قلب مجتمع القرية وأن يكون عنصرا فاعلا ومؤثرا ومحبوبا من الجميع، وذلك دون مجاملة أو محاباة لهذا المجتمع، وإنما بجرأة وشجاعة المثقف الواعي الذي يعرف ما يريد وكيف يصل إلى ما يريد، وهو الذي أدخل (اللوكس) الذي حول ظلام القرية الحالك إلى نور وضياء يبدد عتمة الليالي، وهذا لا يخلو من رمزية تقصدها الكاتب كما أعتقد، وفي الواقع فإن شخصية الأستاذ سعيد كانت هي (اللوكس) الحقيقي بما نشره من أفكار تنويرية وعادات جديدة، وكتب وزعها بحماس على شباب القرية، فحتى حين قرّر الزواج من حبيبته سميحة كان عرسه مختلفا عما عهدته القرية من أعراس وأفراح.

يتخذ الكاتب من متن الرواية مساحة للحوار الجاد والهادف بين القديم والجديد سواء كان ذلك على صعيد الشّعر والثّقافة بشكل عام أوالحياة بشكل أعمّ، وذلك من خلال الحوارات التي يجريها بين الأستاذ اسماعيل والأستاذ سعيد باعتبارهما يمثلان جيلين مختلفين، وفي الواقع فإن الأستاذ سعيد العلي بما أدخله إلى حياة القرية قد حول مجتمع القرية إلى حلقة نقاش واسعة، فانتقل النقاش إلى كل بيت بين جيل الأبناء وجيل الآباء، بين القديم والجديد ومما لاشك فيه أن الشّروط الموضوعيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في مجتمع القرية كانت قد نضجت لإثارة هكذا نقاشات وطرح هكذا تساؤلات، ولم يكن دور الأستاذ سعيد سوى الاستجابة الفعّالة والتّعامل الصّحيح مع هذه الشروط، وقد فعل ذلك بشكل ناجح ومثمر وفعّال.

مع انتقال سعيد العلي من الملّاجة إلى دمشق حاملا أحلامه ومشاريعه، يغادر وطنه الصغير الذي أحبّ، إلى الوطن الكبير سوريا بعاصمتها دمشق، وفي الوقت الذي يبدو هذا الإنتقال أشبه بانتقال من الهامش إلى المتن على صعيد المكان، إلا أنّه في الواقع كان عكس ذلك على صعيد الفعل والتأثير، وذلك على الرغم من تبوّئه عدة مسؤوليات في صحف ومجلّات العاصمة في سبعينيات القرن الماضي ” وحقيقة أدرك للوهلة الأولى أن حلم دمشق ليس امتدادا لحلم الملّاجة، تلك الطّفلة الغريرة التي كان باستطاعته حملها على ذراعيه وهدهدة بكائها، أين هي من دمشق العصيّة على كل محاولة للفهم والاحتواء” (ص 293)، لقد اكتشف سعيد العلي أن الفعل الثقافي بمجمله على هامش الحياة العامة في العاصمة، وأن تأثيره محدود مقارنة بالعوامل الأخرى السياسية والاقتصادية والعسكرية، في الوقت الذي بدأ تيّار الاستبداد والفساد يمدّ أذرعه الأخطبوطيّة ليكتسح كل شيئ في البلد، عندها أدرك سعيد العلي قتامة المشهد القادم وعاد إلى الملّاجة مترعا بمشاعر اليأس والإحباط، فبمقدار ماكان فاعلا ومبادرا ومؤثرا في حيّزه الصّغير، الأمر الذي مكنّه من تحويل أحلامه إلى واقع ملموس وإنجازات حقيقية، ومنحه شحنة من التفاؤل والإيمان بقدرة الإنسان على الفعل واجتراح المعجزات، بمقدار ما أحسّ بعد عودته من دمشق بالعجز والعبث واللّاجدوى، بعد أن تكسّرت أحلامه على صخرة الواقع الصلب في العاصمة، لذلك لجأ إلى الشعر( الحلم) ملاذه الأخير وعامل التوازن الأخير المتبقي لديه، استطاع أن يموضع حلمه في قريته الصغيرة، لكنه فشل في تعميم هذه التجربة على مساحة الوطن الكبير، فامتلأ قلبه بالمرارة والحزن، وهذا ما لاحظه صديقاه المقرّبان نديم وصابر عندما التقوا به في الملاجة.

على الرغم من تعالق الرواية بشخصياتها وأحداثها وأمكنتها مع شخصيات وأحداث وأمكنة واقعية، إلا أن ذلك لم يؤثّر على الطابع التّخييلي للرواية، وكما أرى فإنه لا أهمية في الواقع لافتضاح المكان، ولو لجأ الكاتب إلى تعميته كما فعل مع الشخصيات لما تأثرت الرواية بشيء، وعلى كل يبقى اسم الملّاجة روائيا تخييليا لمن لايعرف القرية والمنطقة بشكل عام، ولا يؤثر هذا كما أعتقد على جودة الرواية واستمتاع القارئ بها.

صحيح أن “أحلام الزمن المتوسط” هي الخطوة الأولى للكاتب في عالم الرواية، لكنها خطوة واثقة في تقديري، استطاع الكاتب من خلالها أن يضع قدما راسخة في هذا الفن العظيم، وما الإصدارات التالية للكاتب إلا توكيد لما ذهبنا إليه.