في عدد خاص من مجلة التنمية الدولية حاول بعض الباحثين تحويل مفهوم العقد الاجتماعي إلى أداة تحليلية تساعد في فهم التطورات غير المتوقعة التي حدث في الشرق الاوسط والتي سميت بثورات الربيع العربي. بالنسبة لهؤلاء الباحثين لم يكن العقد الاجتماعي هو حالة معيارية ايجابية كما وصفها منظروه الاوائل (مثل هوبز روسو وغيرهم)  بل حالة أمر واقع يحدث في كل المجتمعات بطريقة أو باخرى, وقد يحمل الايجابيات والسلبيات.  أعاد هؤلاء تعريف العقد الاجتماعي على انه: “مجموعة من الاتفاقات الرسمية وغير الرسمية بين المجموعات المجتمعية وسيادتها (الحكومة أو أي جهة فاعلة أخرى في السلطة) بشأن الحقوق والالتزامات تجاه بعضها البعض”. ورأوا أن فعالية العقد الاجتماعي, أي قدرته على الحفاظ على الاستقرار السياسي, تعتمد  بدرجة كبيرة على جوهره,  أي المخرجات المتبادلة بين الحكومة والمجتمع, والتي تم اختصارها بأن تقدم الحكومة ما يسمى بـ (3Ps) أي أن تقدم الحكومة الخدمات الاساسية (بما فيها دعم السلع الاساسية وفرص العمل…الخ) والمشاركة السياسية والحماية(أي الامن الداخلي والخارجي), في المقابل يقدم المواطنون الولاء والضرائب. والخلل في هذا التبادل يمكن أن يودي إلى تغيير العقد الاجتماعي أو انهياره, مما قد يؤدي, بتضافر عوامل أخرى, للحرب الاهلية كما حدث في سوريا.

         أنطلاقا من هذا الفهم للعقد الاجتماعي, يرى بعض هؤلاء الباحثين أن ما ساد منطقة الشرق الاوسط  وشمال افريقيا خلال مرحلة ما قبل 2010, هو مرحلتين. المرحلة الاولى هي مرحلة العقد الاجتماعي الشعبوي السلطوي من الاستقلال لغاية عام 1985 تقريبا, والمرحلة الثانية هي مرحلة العقد الاجتماعي مابعد الشعبوي,أو العقد اللاجتماعي كما سماه احدى الباحثات,  التي مهدت لثورات الربيع. في المرحلة الاولى لم  تقدم الدول العناصر الثلاث التي يفترض أن تقدمها للمواطنين بل انتقصت من المشاركة السياسية وحاولت تعويضها بالحماية والخدمات الاساسية (بما فيها السلع الاساسية المدعومة من خبز ووقود وما شابه وفرص العمل) وتم تمويل ذلك من مصادر ريعية وخارجية وخصوصا عائدات النفط والمساعدات الخارجية والتحويلات. لكن في المرحلة الثانية, مع تراجع اسعار النفط والمساعدات الخارجية والتحويلات وفشل نموذج التصنيع بديل الاستيراد, لم تستطع الدول ان تمول الخدمات الاساسية ومن ثم بدأ تخفف منها بدون أن تعوضها بالمشاركة السياسية. وربما عوضتها بالمزيد من الحماية الحقيقة أو المختلقة, أي زيادة درجة القمع بادعاء وجود مخاطر داخلية أو خارجية أو اختلاق تلك المخاطر اختلاقا.

     كانت مصائر العقود الاجتماعية في الشرق الاوسط متنوعة ما بين التعديل بأشكال مختلفة أو الانهيار نحو الحرب الاهلية. والحالة السورية هي مثال على انهيار العقد الاجتماعي ونشوء العديد من العقود الاجتماعية (الجزئية الانتقالية) على انقاضه, حيث يتم نجد عقد مناطق النظام وعقود منطقة جبهة النصرة ومنطقة المعارضة الاخرى ومنطقة الادارة الذاتية بالاضافة لعقد داعش الذي انهار.

     في مناطق النظام ظهر عقد اجتماعي معدل يشمل مناطق جغرافية أضيق وفئات اجتماعية أقل. بقيت المشاركة السياسية على حالها جوهريا, أي محدودة جدا, وأن تغير مقدار ممارستها بالنسبة لفئات المجتمع, حيث ان هناك فئات استبعدت وتم تقريب فئات أخرى من مركز القرار. ما تغير هو ارتفاع درجة الحماية الحقيقية والمختلقة وتم التمسك بالخدمات الاساسية , بل بذلك محاولات لرفعها في بداية الازمة.  لكن السنتين الاخيرتين عاد الدعم للانحسار  وخصوصا خلال الايام الماضية حيث تم الاعلان عن تغيير معايير استحقاق الدعم على السلع الاساسية مثل الخبز والمواد التموينية الاخرى والوقود. وهناك مؤشرات أن حوالي 500 الف عائلة قد تحرم من الدعم. ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة لمستقبل سوريا؟

       بالنظر للوراء, يرى عدد من الباحثين أن من الاسباب الاساسية للازمة في سوريا هو عدم مراعاة  السياسات النيوليبرالية التي اتبعها بشار الاسد منذ عام 2000 للعقد الاجتماعي فيما يتعلق بتوفير السلع الاساسية المدعومة مثل الخبز والوقود وفرص التوظيف مما أدى استثناء فئة واسعة من السورية من حصتهم من ما تقدمه الحكومة ومن ثم ردهم على ذلك بالتخلي عن الولاء والثورة عليها. تلك الفئة تشمل  الفلاحين السنة وفقراء المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية واطراف المدن. وهم نفس الفئة التي استطاعت الحكومة السورية الاعتماد على ولائها, إلى جانب عوامل اخرى, في محاربة الاخوان المسلمين في الثمانينات. ذلك الولاء كان يعتمد بدرجة كبيرة على المزايا التي قدمتها الحكومة لهم في حينه.

       يبدو الوضع الحالي للعقد الاجتماعي للنظام هو كما يلي: المشاركة السياسية لم تتغير جوهريا. بالنسبة للحماية, الحقيقية والمختلقة, ارتفع مستوها خلال سنوات الحرب الاهلية. أي أن الدولة قدمت الحماية المطلوبة, بكفاءة منخفضة,  سواء كان ضد تهديدات حقيقية أو مختلقة. ان ارتفاع حاجة الناس للحماية خوفا من الفوضى والصراع الطائفي والعرقي,  رفع من قيمة الحماية التي تقدمها الدولة في مناطق النظام مما جعلهم أكثر ولاءا. وبالنسبة للخدمات الاساسية والسلع المدعومة فإنها دعمت الولاء للحكومة سواء كانت تمول من قبل الحكومة أو كانت مساعدات تأتي ما جهات خارجية, باعتبار أن المساعدات الخارجية توزع من قبل اجهزة الدولة أو جهات محسوبة عليها.

       بالعودة للتعديل الاخير في سياسة الدعم, فإن الاحتمال الارجح أن تتم عملية تراجع تكتيكي جزئي عنها  بهذه الصيغة أو تلك,  لامتصاص غضب الناس المتضررين , وربما تلميع صورة الرئيس بشار الاسد باتخاذه قرار بالغاء السياسة الجديد أو تغيير الحكومة, لكن لن يتم التراجع كليا عنها نظرا لجفاف مصادر تمويل الحكومة. إن استمرت هذه السياسة ما الذي يمكن أن يحدث بمنظور العقد الاجتماعي؟

          من منظور العقد الاجتماعي , وأخذا في الاعتبار أن قيمة الحماية التي تقدمها الحكومة قد تراجعت في اعين الناس بعد انحسار العمليات العسكرية في السنوات الثلاث الاخيرة, فإن انحسار الدعم عن فئة جديدة, هي في الغالب من الطبقة المتوسطة والفقيرة, يتطلب احداث تعديل ما في العقد الاجتماعي الانتقالي للحكومة السورية يعوض ضعف الحماية وتقلص الخدمات الاساسية بتوسيع المشاركة السياسية أو أن تلجأ الحكومة إلى تسخين جبهات الحرب الاهلية الباردة حاليا, والا فإنه قد هذا العقد الاجتماعي قد ينهار وتتجدد  الحرب الاهلية بصيغة جديدة وقد تظهرعقد أو عقود اجتماعية جزئية جديدة. أعتقد أن القمية المتصورة للحماية التي تقدمها الحكومة للناس, حقيقية أو مخترعة, ستلعب دورا حاسما, نظرا لانه توسيع المشاركة السياسية قد تتناقض مع طبيعة النظام الحاكم. وهذا يعني أن الحكومة قد تدفع بقوة نحو تسخين جبهات الحرب الاهلية القائمة, وربما تحدث انفجارات أو عمليات ارهابية,  من أجل تعزيز قيمة الحماية التي تقدمها في أعين الناس, لكن مفعول هذا الاجراء قد يكون مهدئا لفترة معينة بعدها سيعود مطلب تغيير العقد الاجتماعي لطرح نفسه من جديد.

تم الاعتماد في اعداد هذا المادة على المقالين التاليين المنشورين في عدد خاص من مجلة التنمية الدولية

El-Haddad, A. (2021) Redefining the social contract in the wake of the Arab Spring: The experiences of Egypt, Morocco and Tunisia, World Development, 145, https://doi.org/10.1016/j.worlddev.2019.104774.

Loewe, M., Zintl, T.  And Houdret, A. (2021), The social contract as a tool of analysis: Introduction to the special issue on ‘‘Framing the evolution of new social contracts in Middle Eastern and North African countries”, World Development, 145 , https://doi.org/10.1016/j.worlddev.2020.104982.

المصدر : تلفزيون  سوريا