خالد حسين

“الكتابة هي شفرة الحياة، تكثّف التجربة، وتجعلها ممكنة”

القارىء الأخير/ ريكاردو بيجليا

لَئِنْ كان العمل الأدبي شبكةً من العَلامات المنسوجة بمهارةٍ، فإنَّ قوته تكمن تحديداً في تحويل القارىء إلى متورطٍ، إلى “تائهٍ”، في الجغرافيات المتخيَّلة والانسياق خلف رغبات السَّرد في بناء العوالم المتنوعة وحِدَّةِ الأسئلة التي تهيكلها هذه العلامات على تخومها، قارىء ــ تائه مشدود بين الإقامة والبحث عن ممراتٍ للخروج على حدٍّ سواء، ومن ثمَّ فليست القراءة ــ الكتابة إلا توصيفاً لتلك المتاهة التي أوقعه فيها حدثُ القراءة ومنفذاً في الوقت ذاته. هذا التورُّط الذي يتحكّم فيه العملُ يمثّلُ حدّاً مائزاً للأدبيّ في حركـةٍ/حركاتٍ التفافيةٍ لاستدراج القرّاء إلى لعبة الفهم والتفاعل معه في نسج تأويلي معاكس لبناء عوالم المعنى.    

وفي إطار هذا المفهوم، النسج العنكبوتي لفعل السرديمكن النَّظرُ صوب رواية “مخطوط بطرسبورغ“([1]) للرِّوائيِّ جان دوست في سياق سلسلةٍ مُهِمّة له من العناوين السَّردية [مهاباد: وطن من ضباب، 2014، دم على المئذنة، ط2، 2014، ثلاث خطوات إلى المشنقة، 2017، كوباني، 2019، ممر آمن، 2019…إلخ] التي اتخذت من الصُّدوع التي انتابت الكينونة الكردية وتنتابها موضوعاً أثيراً لها، لأفتح هنا قوساً مشيراً إلى [المهمة الخطيرة التي يقوم بها الرِّوائيِّون الكرد لأرخنة شؤون الوجود الكرديِّ في ظلِّ هيمنةٍ ساحقةٍ للشفاهية إلا فيما ندر، التي جعلت وتجعل أرشيفات هذا الوجود نهباً للنسيان، والتلاشي، والضَّياع، والانقطاعات. من هنا تنبثق مغامرة جان دوست وغيره من الروائيين الكرد لتحيين التاريخ شبه المفقود في تجاويف التواريخ المدوّنة لشعوب المنطقة أو لبناء هذا التاريخ من كِسْرَاتٍ مكتوبة ومتبعثرة هنا وهناك من خلال وحدة المتخيّل الرّوائي وحضوره الآسر في تخيُّل الحدث التاريخي طالما أن كتابةَ التاريخ ذاتها تُعتقلُ برغبات الخيال الجارفة، إذ لا مَنْدُوحَةَ لها من آلية التخيُّل لبناء كلية الحدث التاريخي. لكنَّ هذا لا يعني تضييق المسافة بين الخطابين فالتمييز واجب “بين الخطاب التاريخي الذي يسرد والخطاب (الروائي) الذي يحوّل الحدث إلى سرد، بين خطاب يتبنّى صراحةً منظوراً يراقبُ العالم ويُبلغُ عما فيه وخطاب يتظاهر بجعل العالم يتكلم هو نفسه ويتكلّم هو نفسه كقصةٍ”([2])]. هكذا بإغلاق هذا القوس، وفي مواجهة هذا النَّصِّ السَّرديِّ، يحقُّ لهذه القراءة أن تنهض بسؤالها ما إذا كان النَّصُّ الراهن قد نجح في انتساج شبكة علاماته وتوريط قرائه في فعل القراءة أم لا؟ ولأداء ذلك يمكن للقراءة أنْ تسعى في حركةٍ مزدوجةٍ من الاقتراب النقدي؛ في المتن لملاحقة (عوالم الرِّواية وقواها الفاعلة ووجهات النَّظر) ومعاينتها من جهةٍ وفي الهامش ([3]) منها سيجرى التركيز على (تقنيات السَّرد وأسلوبيته) من خلال التفاعل مع أسئلة قارىء/ة افتراضي، مختلق لضرورات القراءة النقدية من جهةٍ أخرى.

  هنا والآن؛ في “مخطوط بطرسبورغ” تَنْهَضُ سيرةُ مخطوطٍ حقيقيٍّ في أفعالٍ سرديٍّة تتيح لفضاءاتٍ وأمكنةٍ متجاورٍةٍ، متباعدةٍ، قوى فاعلةٍ (امبراطوريات، أشخاص، كائنات، مدن، أشياء) بالتَّعبير عن نفسها من خلال كونٍ سرديٍّ يتكلّم بنفسهِ للقارىء، سيرة مخطوط سرعان ما تذوبُ في جغرافيا السَّرد، ليغدو المخطوط بذاته تَعِلّةً لإنجاز عملٍ روائي ومحاولة سردية للكشف عن النسق المضمر والمسبب عن تحقير مفهوم “الكتابة، التدوين” في الثقافة الكردية. لكن كون المخطوط يشكّل النُّواة الرئيسة للعمل الرّوائي؛ قد قاد السّرد إلى الاستمرارية والتماسك وبناء عوالمه مع سرعةٍ في الإيقاع وعبر توزيعه إلى مجموعة فصول توحي لوهلةٍ بالقطع الوهمي لكنّ خيوط السَّرد المتوزعة في الفصول ما تفتأ تتجمّع بقوة في الفصل الأخير [مخطوط بطرسبورغ/ المصير] معلنةً عن سؤال حارق يخصُّ كينونةً تعادي التدوين، كينونةً تعيش احتراقها…! هذا التكثيف ربما سيسمح لنا بالاقتراب أكثر من شبكة علامات هذا النَّصِّ، لنسلكَ هذه الممرات: 

  I ـــ قوة العنوان، مغزى التصدير وإشكالية كلمة الغلاف

  إنَّ قوة العنوان تتأتَّى من الأفق المجهول الذي يُدَشِّنُهُ في القراءة حتى وهو في حالة الإضافة [مخطوط بطرسبورغ]، فاسم المدينة الرُّوسية الشهيرة يكتفي بهيكلة المكان الذي يحتاز المخطوط، أي ينتشل المخطوط من عالم اللاـ مكان لكن مع ذلك تبقى عوالم المخطوط طيَّ اللاــ معرفة والمجهول: اسم المخطوط، كاتبه، محتوياته…إلخ. الأمر الذي يدعُ ثغرة تنحفرُ في العنوان ليؤدّي وظائفه بقوةٍ في اصطياد قارئه من حيث إنَّ المجهول ينطوي على سحر الانجذاب/الإغواء: ما هذا المخطوط؟  وما علاقة الروائي الكردي جان دوست بهذا المخطوط الذي يغفو في حيز ما من أحياز بطرسبورغ؟ لكنَّ العلامة الأجناسية، التعينية [رواية] هنا في الغلاف تخفّف من وطأة المجهول الذي يحفُّ بالعنوان، ليغدو المخطوط رهينَ لعبةٍ سرديةٍ، فنحن إزاء عنوان ــ ملغم يحتّم سؤالاً آخر: هل الرّواية هي سيرة للمخطوط؟ وقبل الردّ على السؤال والاستفاضة فيه بمحور آخر من محاور هذه المقاربة، يحسن بالقراءة الرَّاهنة أن تعود إلى العنوان ثانيةً من حيث إنَّ خطاب العنوان يتأطّر بمثلث الإغواء والتَّعيين وميثاق التلازم بين العنوان والنَّصِّ. هكذا يمكننا التوقف لدى الحدّ الثالث من هذا التأطير بعد الإشارة إلى أداء العنوان لوظيفتيه الإغواء والتَّعيين بنجاح من حيث تأسيسه ممراً للقارىء إلى تضاريس النّصّ. ويأتي “التلازم” بين العنوان والنَّصِّ، ليعكسَ وعياً ناضجاً لدى الرّوائيِّ بكينونة العنوان ذاتها، فالعنوان ليس هو [المتن] والأخير ليس [العنوان]، وإنما الأمر لا يخرج عن كون العنوان “ثُريّا” يهتدي بها الرّوائيُّ ليحبكَ “بنية من العلاقات تمنح الأحداث الواردة في العرض بموجبها معنى، وذلك بتحديدها كأجزاء في كلّ متكامل”([4]). وهذا ما يجري تماماً في العمل الروائي إذ يشكّل العنوان كثيمةٍ حدثاً لإنجاز عمل روائي هو ليس بسيرةٍ متخيلة لمخطوطٍ فحسب وإنما سِيَرٌ مقتصدة لقوى وجغرافيات وكائنات تتعاضد فيما بينها لتشكّل الجسد الروائيّ ذاته. ومع ذلك فالعنوان يسيلُ من الغلاف إلى النَّصِّ ليحضرَ بقوة في تضاريس الرّواية وفصولها حضوراً مباشراً تارةً ودلالياً تارةً أخرى، ليؤدّي وظيفة تلاحم فصول الرِّواية وتماسكها بإحكام. تبدأ هوية “المخطوط” بالتمظهر منذ الصفحة الأولى:

[أنا في ساحة القرية من محطة المترو في الشمال الشرقي من مركز مدينة بطرسبورغ

الوجهة الآن: المكتبة الوطنية الروسية. ساحة أوستروفسكوغو.

الغاية: البحث عن أيّ أثر يدلّ على المخطوط الذي دوّنه الملا محمود البايزيدي قبل قرن ونصف لصالح الأكاديمية الإمبراطورية الروسية. ص 7].

هذا الحضور للعنوان في البداية النّصية يميط اللثام عن المكان المتوقع لوجود “المخطوط” وعن اسم المؤلِّف، في الحالتين يتقدّمُ إلينا العنوانُ من طيّ المجهول كاشفاً بذلك عن “مكانه” ومسوّغاً أسباب إقدام روائيّ كردي للاهتمام بـ مخطوط بطرسبورغ” المجهول، فالأمر يرتبط بالمؤرخ الكردي الشهير الملا محمود البايزيدي الذي سبق للروائي أن ترجم له كتاباً للعربية [رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم]. إنّ مخطوط بطرسبورغ لايني ينفض أغبرة المجهول عن كاهله مع تقدّم القارىء في تضاريس النَّصِّ إذ يشعُّ اسم المخطوط ليكتسب هويته الناقصة من خلال تقاطع تناصيّ مع نصية تحيلنا إلى المستشرق الألماني بيتر ليرخ عام 1867 مفادها [“المقال الذي وصلنا في الثلاثين من شهر آذار هذا العام من قبل السيد جابا في إزمير، ليس سوى ترجمةٍ فرنسيةٍ لمقدمةِ كتابِ تواريخ جديد كردستان. ص14″]، وحسب ليرخ فالمخطوط مكتوب بالكردية وعن التاريخ الكردي كما أنه يعد استكمالاً لكتاب شرفخان البدليسي الغنيُّ عن التعريف، لكنه غير موجود بين يديه…! بناءً على ذلك فالسُّؤال: ما شأن مخطوط كردي يمكث في بطرسبورغ؟ وما محتوى هذا المخطوط الخطير؟ سؤالان، محفّزان يقودان الرِّوائيَّ إلى ارتكاب هذا النَّصِّ الروائيّ، فبعد أن فشل الرّاوي في العثور على المخطوط كان لابدّ من إذابة سيرة المخطوط في جسد الرواية كما لو أن الرّواية هي المخطوط، لنستمع إلى المخطوط ذاته، متحدثاً عن نفسه ومصيره كصنف من الميتاسردmetanarration في سياق مواثيق وبرتوكولات العلاقة بين العنوان والنص وفي سياق أنسنة الأشياء في الرواية التي لجأ إليها الروائي: [… هو (الملا محمود البايزيدي)، بالمناسبة، لم يسمّ كتابه باسم مخطوط بطرسبورغ. هذا الاسم الذي نبع من خيال كاتب هذه الرواية الذي يقع في غرام شخوصه. أمّا اسمي الحقيقي فهو تاريخ كردستان الحديث أو بالكردية العثمانية: تواريخ جديد كردستان. أما لماذا لقبني كاتب هذه الرّواية مخطوط بطرسبورغ؟ فلأنه يظنُّ أن المقام استقرّ بي في عاصمة القياصرة وبالذات في مكتبتها الإمبراطورية الضخمة (…) لكن الحقيقة ليست كذلك. لم أصل إلى بطرسبورغ ولم يطأ من حملني في جعبته أرض روسيا قطعاً. ص 140].

ليس بالأمر البعيد على القارىء، ليدرك الزحزحة التي تمارسها النُّصوص الأدبية على النَّصوص الأصلية أو التشويش التي تبثُّها في لعبةٍ تناصيةٍ من شأنها أن تنتج أليغوريا/ألغوزة أدبية لبناء فارقٍ بين الأدب واللاـ أدب؛ ماذا لو أن الرّوائي ارتكب خطأً قاتلاً وعنونَ نصه بالعنوان الحقيقي للمخطوط؟! لذلك أرى بهذا التركيب البسيط والدّال للعنوان الذي اختاره الروائيُّ وعبر تحريف في التسمية قد أصاب الهدف، من حيث إنّ شأن الأدب هو صناعة الاختلاف…!

من جهةٍ أُخرى وفي السِّياق ذاته فإنّ العنوان “مخطوط بطرسبورغ” الرئيسي لا يكفُّ عن الانتشار في تضاريس النّص لفظاً أو دلالةً أو خلال شبكة العلاقات التي أنتجت المخطوط ذاته، التي تتمظهر من الفهرس ذاته: [مخطوط بطرسبورغ/ بداية المتاهة، السمرقندية، لقاء في القنصلية، ورقة من المخطوط، نيفا ــ سانت بطرسبورغ، الأسطوانة التاسعة، الجد والحفيد(1و2)، مخطوط بطرسبورغ/الإنجاز، اللقاء الأخير، سميرنا، مخطوط بطرسبورغ/ المصير] وحتى الفصول الأخرى المستبعدة هنا من سياق التلازم؛ فمن السهولة بمكانٍ الربط بينها وبين العنوان الرئيسي ضمن شبكة العلامات المكوِّنة للجسد الرّوائيِّ ليؤدّي “العنوان” تسميةً وثيمةً مَهَمّةَ ضمان استمرارية القَصِّ والتماسك البنائيّ وإنتاج الكون الدلالي أو”كعمليةٍ لتوحيد الحبكة”([5])برمتها.

 وعلى صعيد محاذٍ نصيٍّ آخر وما بين العنوان والنَّصِّتتموضع هذه الشَّذرة كتمثيلٍ للتصدير المتعارف عليه في الإرث الكتابي:

 [والعقول حين تتجاور، تتحاور أيضاً

فينتج من تحاورها ثمر بهيُّ نسمّيه المعرفة] / مخطوط بطرسبورغ

وكما يُلحظ فهذا التَّصدير الذي صدّرَ به الرَّوائيُّ نصَّهُ يُسْهمُ في تعميق ميثاق القراءة ويتيح للفعل التأويليّ أنْ يتقدَّمَ في تضاريس النَّصِّ، فالتصدير هو إبلاغ محتوى النَّصِّ أو قسط منه إلى القارىء على سبيل الإغواء مثيل العنوان في وظائفه، فمن جهةٍ أولى تنفتح الشَّذرة على العنوان من حيث اقتران “المخطوط” بفعل “المعرفة” وأُخرى تكثّف لقاء المؤرّخ والمستشرق الذي نتج عنه إنجاز المخطوط “تواريخ جديد كردستان” ثم لقاءات المؤرِّخ ــ الجد والحفيد  لتلقين الحفيد بمعرفة تأويلية تكشف عن الصّدوع العميقة التي تضرب الحياة الكردية بعنفٍ عصرئذٍ، ولذلك فالتصدير هنا يؤدّي مهمّة القنطرة والربط بين العنوان والنَّص وتقريب النَّصِّ من القارىء بوصفه مفتاحاً من مفاتيح الكشف عن عوالم النّصِّ.

 إن العمل الأدبي لايمارسُ كينونته إلا في إطار قصديّ، وغالباً لا يحضر إلى “العالم” إلا بنصوص/ مفاتيح تحفّز القارىء على اقتنائه والانخراط في فعل القراءة. لكنّ هذه المفاتيح ــ القرائية أو التأويلية تختلف من حيث الأهمية والانتماء إلى جسد النص من عدمه. في هذا السِّياق تفرض “كلمة الغلاف” بدمغةِ “الناشر“[دار مسكيلياني ــ الرافدين] حضورها على القارىء وهي بقدر ما تشير إلى النَّص وأهميته وخطورته؛ فإنها تنطوي على غايةٍ تَسْويقيةٍ. بيد أنها تتضمن حكمَ قيمةٍ وربما يمكن للقارىء أن يمضي أكثر ويتساءل عن التطابق بينها وبين النص ذاته من حيث توصيفها للنص، لكن علينا أن نتذكر أن كلمة الغلاف لا تحسم النَّصَّ جمالياً وهي ليست أكثر من مفتاح للدخول إلى تضاريس النّصّ، أي أنّ قيمة النّص لاتحدّده كلمة غلاف ولايرتهن بها، فالنص كائنٌ ببنيته وأسلوبه المفارق وعوالمه المحتملة والمستحيلة التي يختلقها وليس بكلمةٍ طارئة احتمت بغلافه. زد على ذلك أن “الكاتب” لا يتحمّل مسؤولية مضمون هذا المؤشر الموازي للنَّصِّ ــ الأساس، طالما ثمة إمضاء لهذه الكلمة تمنحها الهوية. 

جاء في كلمة الغلاف [… وهكذا تغدو الرواية رحلة بحثٍ للعثور على الكنز الكردي المفقود، كنز الهوية والمصير المحفوف بالمحن]. إن الدِّقة تقتضي وتتطلب أن البحث عن “المخطوط” توقف تماماً في الفصل الأول “بداية المتاهة”وقد فشلت محاولة الرّاوي/ الكاتب المتخيَّل في إيجاد “المخطوط” في المكتبة الوطنية في بطرسبورغ وأمسى نهباً للاحتمالات، احتمال وجود المخطوط في مكان ما [أضع بسبب يأسي احتمالات عديدة لمصير المخطوط. ص3]، قد يكون مدفوناً في [“بقعة قريبة من جامع أرضروم الكبير. ص3” أو “أزمير حيث سيعيش (جابا) بقية حياته. ص4” أو “ربما استولى عليه لصوص في الطريق فأحرقوا كل ورقاته. ص5]، هذا الإحباط الباهظ المتجلّي هو الذي سيقود الكاتب ــ المتخيّل، الراوي إلى قرار حاسم ليس باستمرار البحث عن “المخطوط” وإنما إذابة “المخطوط” ذاته في متخيّل روائّي بتفاصيل وجغرافيات متنوعة وقوى فاعلة متعددة ووجهات نظر مختلفة لإضاءة العوالم التي كانت تحفُّ بالمخطوط والمؤلف والمستشرق معاً، عوالم قريبة ونائية في الوقت نفسه. وهكذا فالقارىء ليس بإزاء بحثٍ عن المخطوط وإنما في مواجهة مع إعادة “الحياة” إليه والتكهن ببعض ما جاء فيه كما في الفصلين [الجد والحفيد (1و2)] وبصورة أقرب إلى الاحتمال وهذا شأن من شؤون المتخيّل الرِّوائيّ، فالمتخيّل لا يقول “حقيقة الشيء” وإنما يقولُ هذه الحقيقةَ احتمالاً كما هو الشَّأن فيما يخصُّ مصيرَ مخطوط بطرسبورغ حين وقعَ في أيدي قطّاع طرق من الكرد أنفسهم فجعلوه نهباً للنيران…! ولذلك محور مرتقب آخر للتحليل والتأويل.

II ـــ من التاريخ المفقود إلى لعبة المتخيَّل الروائيِّ:

إلى أين سيقودنا هذا الممرّ/ المحور؟

يكشفُ تاريخُ الرّواية عن خياراتٍ لانهائيةٍ لتأسيس نواةٍ أو مركز أوليّ للانطلاق نحو عوالم طيَّ المجهول، فمغامرة الكتابة الرّوائية ما أنْ تبدأ حتّى تلتهم كلَّ الخطط والترسيمات المرسومة وتفرض منطقها بذاته، تُلزم الكاتبَ جغرافيتها وحدودها وقواها الفاعلة. يضعُنا النَّصُّ ومنذ السطر الأول في قلب الحدث: [أنا في ساحة قريبةٍ من محطةِ المترو في الشمال الشرقي من مركز مدينة بطرسبورغ. ص7] بغاية البحث عن ” أثر” يأخذ الكاتب المتخيّل إلى المخطوط الذي دوّنه مؤرخ كردي قبل قرن ونصف لصالح الأكاديمية الإمبراطورية الروسية. وفي الوقت الذي جرى البحث فيه عن “المخطوط” كانت ثمة رواية تشرعن حضورها في عالم النقش: […. أعيش في زمن الرواية. أنا أكتب رواية عن مخطوط ضاع أثره. ص9]، فمنطق المتخيَّل هو الذي يمسك بزمام “البحث” فالمخطوط ليس إلا تَعِلّةً كما أشرتُ مسبقاً، وهو المنطق الذي سيشترط الفشلفيالعثور على المخطوط التاريخي المرتقب [تورايخ جديد كردستان] لتأسيس العمل الروائي وإنهاضه وتحريك قواه الفاعلة بمعنى أنّ فقدان المخطوط شرطٌ للمتخيّل بالعمل والالتهام والاحتياز على الوجود. ومن هنا سينتهي الأمر بالكاتب الرّوائي المتخيّل، وبعد تقديم احتمالات وجود “المخطوط” في عدة أمكنة، إلى الإمكانية الأقوى “حرق المخطوط” لإزالة أية أسباب أمام الفعل الرِّوائيِّ بالحركة والانفساح والمضي قدماً في الانتهاك والانحراف ورسم الوجود بمشيئة الخيال:

 [ــ لقد أحرقوا المخطوط. أحرقوه بلا شك.

ثم، وقبل أن أستقرّ في مقعدي بجانب النافذة، أهمس لنفسي:

  ــ ربما أجد المخطوط في الرّواية.  ربما تدلّني صفحات روايتي التي أكتبها على مصير المخطوط. من يدري. ففي بعض الرّوايات أجوبة كثيرة لأسئلة تؤرّق الإنسان. ص16].

وبذلك كان لابدَّ من إحراق المخطوط، حتى يكون ثمة “رواية” بموجبها يجري تخيُّل “حياة مخطوط” في تاريخ الكرد الحديث: حياة مؤلفه، أسباب كتابته [اللقاء بين المؤرّخ والمستشرق]، أصناف ورقه، إنجازه وأخيراً مصيره المشؤوم. في هذه التخيُّلات يتقدّم السّرد في عوالم جغرافية متنوعة: الدولة العثمانية، الإمبراطورية الروسية، كردستان، إيران، فلسطين، دفينا، كراسلافا، أرض روم، سُمِيرْنا…إلخ. عوالم متصارعة وقوى بمصالح وبرامج سردية متناقضة تترامى على الشَّريط اللغوي للسّرد الرّوائي في مغامرةٍ لتشريح الكينونة الكردية في ضوءِ هذا الصّراع وذلك في النَّصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث الرِّوائيُّ لا يسرد ذلك على سبيل التذكر “وإنما ليجعل الحدثَ مرئياً، ليجعلَ مرئياً الروابطَ والأماكنَ واستعداداتِ الأجسادِ كلها”([6]).  في هذا السِّياق يمكن تكثيفُ الأسئلة التي تؤرّق الإنسان تلك التي يومىء إليها المقبوسُ في ثيمة “التاريخ الكردي ومعضلة التدوين”، وهي الموضوعة ــ الأساس التي تَكمُن لها هذه الرّواية ليس بإجاباتٍ محددةٍ وإنما بإيقاد الأسئلة وتقليبها على وجوهٍ: لماذا ظلَّ التاريخ الكردي في حوزة “الصوت” دون “الكتابة”، التاريخ ــ الصَّوت الذي سرعان ما كان يذوب ويتلاشى في تضاريس النّسيان؟ ولماذا ظلّت “الكتابةُ” بوصفها تسجيلاً للوعي أو ترسيخاً له وتنظيماً للحياة، بل للمجتمعات، ظلّت غريبةً على الوعي الكردي الذي لم يفتأ يترنّح في الصّوت بتجلياته الغنائية المختلفة، مستلذاً بانقضائه كما لو أنَّ الصوت هو القدر الوحيد للكرد في حفظ تواريخهم وشؤون كينونتهم، الصَّوت ــ القدر الذي لا يحتفظُ بأيّ شيءٍ بعد حدوثه؟! ولذلك نجد أن الأمراء الكرد مالوا إلى المنشدين أكثر من الميل إلى أصوات المؤرخين، إلى صوت ــ العقل، كما لو أنهم عن سابق قصدٍ يرفضون “الكتابة” حيث يحضر صوت ــ العقل المترسخ. ففي سياق توسط “الملا محمود البايزيدي” بين الدولة العثمانية و”بين أمير جزيرة بوطان الثائر بدرخان بك بعد فشل شيوخ النقشبندية في إقناع الأمير بترك الجزيرة” يمكن أن نقرأ المشهد الدّال التالي بين الجد(البايزيدي) وحفيده:

 [خرجتُ من عند الأمير بدرخان خالي الوفاض. لم يكن لديه وقت كثير ليسمعني. كان في قصره يوم غادرته منشدٌ جَوَّال يسرد له أغاني الحبّ والحروب. آثر أن يسمعه على أن يصغي إليَّ قبل أن يحلَّ الدمار بالإمارة(…) عمّت الفوضى بلادنا وصارت ساحة للحرب من بايزيد إلى وان إلى هكاري إلى مُكْسْ إلى الجزيرة إلى بلاد بهدينان وغيرها. لم ينتبه حكامنا إلى عربة التاريخ وهي تنعطف في تلك الأعوام. لم يروا أبعد من ظلال سيوفهم. (…) يا ولدي الفروسية شيء غير السياسة. والشجاعة في المعركة لا تنفع إن لم يكن وراءها عقل راجح. الكيِّس يغلب الجسورَ والقلم أمضى من السيف. وهذا بالذات ياولدي ما غاب عن بال حكامنا فأهملوا القلم لأنهم لم يتحلوا بالحكمة ولذلك زالت دولهم في نهاية الأمر. ص 129، 130].        

 يهيكل المشهدُ السَّرديُّ من خلال حديث الملا محمود البايزيدي لحفيده [وهو حديث يُفترض به أن يكون له صدىً افتراضي في المخطوط] لنا مجموعة ثنائيات تضادية: منشد/ مؤرِّخ، عربة النسيان/ عربة التاريخ، الفروسية/ السياسة، الشجاعة/ العقل، الجسور/ الكيّس، السيف/ القلم، الجهل/ المعرفة [القلم، الحكمة]، ويمكن لهذه الثنائيات أنْ تصبَّ في ثنائية مجازية عامّة: الصّوت/ الكتابة من حيث [وبتوسيع المجاز] إنَّ الصَّوتَ انعكاسٌ أو تمثيلٌ للفوضى والإنشاد والنسيان والتهور وهو أسلوب الكينونة السائد لدى السّلطة الكردية  في قراءة الحدث عصرئذٍ بمواجهة الكتابة التي ترمز إلى النظام والتاريخ والسياسة والقلم والمعرفة/ الحكمة أو صوت العقل الذي يغيب عن المشهد السياسي الكردي. هكذا يتحسّر المؤرّخ حين يُؤْثر أحد الأمراء الاستماع إلى أغاني الحب والحروب من منشد جوال على السّماع من مؤرخ في لحظة خطرة محدقة بالإمارة بجعل مصيرها نهباً للدّمار والخراب، وبذلك ينتصر الصوت/ التهور على الكتابة/ الحكمة وكأني بالمؤرّخ يلمّح إلى غياب العقلانية لدى الحاكم الكردي في تلك اللحظة المصيرية التي تحتاج إلى صوت ــ المؤرخ ــ العقل وليس إصاخة السّمع إلى الأناشيد الحماسية والرومانسية في ظلّ فقدان التوازن بين الإمبراطورية وإحدى الإمارات الصغيرة (بوطان) وفي ظلّ خلافات حادة ومتأزمة بين الإمارات الكردية ذاتها من جهة أخرى. في هذا السياق من قراءة المؤرخ للكينونة الكردية يُلْمِعُ لحفيده إلى مفهوم “عربة التاريخ”: [لم ينتبه حكامنا إلى عربة التاريخ وهي تنعطف في تلك الأعوام]؛ إذ يلمّح المفهوم إلى الفهم التاريخي للزمن في تلك الانعطافة من تاريخ الشّرق الأوسط بانحدار الدولة العثمانية إلى حالة الرجل المريض ونهوض امبراطوريات جديدة، هذا الفهم التاريخي هو الذي غاب ودفع معه الكينونة الكردية إلى ضفاف النّسيان رهينة السّيف والفروسية والتهور وتغييب الحكمة وبكلماتٍ أُخَرَ: إهمال التاريخ فهماً وكتابةً…! فالوعي بـ “العالم” لم يكن وعياً من خلال “الكتابة” وبها وفيها حيث إمكانية التأمل العميق لمنعطفات الزمن السَّابق على الحدث الراهن والمتزامن معه واللاحق له؛ لأنَّ “التأريخ” و”التاريخ” نافذتان مشرعتان على الماضي والمستقبل لكنّ “حاكم بوطان” أصرَّ أنْ يقرأ ماضي إمارته وحاضرها ومستقبلها بأغاني الحب والحروب والرقص، بنعمة الصوت الآفلة! ولذلك سيمضي المؤرّخ البايزيدي أبعد من ذلك إلى الاستخلاص أنّ تهاوي الإمارات الكردية كان مرتهناً بغياب الوعي التاريخي للصِّراع آنئذٍ: من لم يركب “عربة التاريخ” فلن يتحصّل حتى خارج التاريخ ذاته! هذا الغياب المتقصّد للوعي التاريخي وتحديداً للوعي بالكتاب والكتابة يمثّل “فاجعةً للكتابة” ذاتها، لنقرأ مايرويه الجد للحفيد: […لقد خالطت كثيراً من أمراء الكرد فلم أجد في قصر أحد منهم كتاباً واحداً، بل لم أجد أحداً منهم يقرب إليه وإلى مجلسه سوى المنشدين.  ربما كان أمراء بدليس الروزكيون فلتة من فلتات التاريخ الكُردي لم تتكرر وإلى الآن ولن تتكرر.  لقد ضاعت مخطوطاتنا وكتبنا القليلة بتأثير الإهمال والنسيان يا ولدي.  155]، هذه الفكرة تتكرر في الصفحة 156، 157، لتكتسب بعداً أكثر جلاءً من خلال الإشارة إلى مفهوم التدوين بسبب الخوف من ضياع فصول كثيرة في التاريخ الكردي: [التدوين يا بني. التدوين أساس المعرفة. لم يهتم أمراؤنا بالتدوين بقدر ما اهتموا بالمنشدين وأغاني الملاحم التي لا تأريخ فيها ولا يمكن بيان الواقعة التاريخية فيها من الحكاية الخيالية. خيال المنشدين واسع مثل ذمتهم يا ولدي. ص165]. لاريبَ بأنَّ المقبوسين يعكسان انتصار “الصَّوت” على “الكتابة” في الحواضر الكردية، الصّوت ذي الحضور المؤقت الذي لا يسمح بالتأمل لاندثاره فور انطلاقه، بل لايتيح أو لا يحرّض على التفكُّر سوى مدة دوامه. في هذه الثقافة الشفوية التي ابتلعت الزمن الكردي برمته من المنطقي أن يهيمن فيها حضور”المنشد” على حضور “المؤرّخ”، النسيان على التذكر، الإهمال على التدوين، الحكاية الخيالية على الواقعة التاريخية، أكاذيب المنشدين على صرامة المؤرخين. هكذا ينحاز المؤرّخ إلى المعرفة عبر “التدوين” حيث يتأبّد الفكر في كفاف الحبر ويصلح للتداول والتأمُّل والمساجلة والانتقال من زمن إلى آخر، وهو ماعناه المؤرّخ بقوله: [التدوين أساس المعرفة]؛ لكونه يتيح المجال للمفكر أن يتخارج عن ذاته صوب جهات الزمن بدون مكوثٍ في لحظته الراهنة، أن يمسك بجهات التاريخ في اللحظة ذاتها. وهنا يمكن للمرء أن يتساءل ماذا لو أنَّ الأرشيفات الكردية قد تجاهلت شرفنامه، الكتاب العظيم للمؤرخ شرف خان البدليسي [1543 ـــ1603] وهو الكتاب الوحيد الذي يسلّط الضوء على التاريخ الوسيط لدى الكرد، ماذا لو لم يكتبه شرف خان واكتفى بوصفه أميراً يستمع إلى أغاني المنشدين؟  لكنّ خطوة إلى الخلف ستكون لازبةً هنا: ما الذي حتّم على البايزيدي أن ينحاز إلى “وعي الكتابة” ليكتبَ في عاصفة “ثقافة الصوت” مصنفه “تواريخ جديد كردستان” في مسعى حثيث لاستكمال مصنّف البدليسي، مصنّفٌ دُوِّنَ لكنْ لا أثر له حتى اللحظة وما هذه الرّواية سوى مغامرةٍ تخيلية للإحاطة بشؤونه والتنبيه إلى أهميته؟ فما الذي حفّز البايزيدي على أنْ يخثّر التاريخ في مئتي صفحة من الورق السّمرقندي؟

هنا على وجه الضبط تتجلّى فضيلة الاستشراق ولسنا بصدد التأكيد على أنَّ منابت الاستشراق لا تخرج عن إطار المعرفة/ القوة، فالثنائية قارّة في الجذور مع نهوض الحداثات الأوروبية، لكنه قدّم على تخوم هذه الثنائية أعمالاً جليلةً لايمكن الطعنُ بها. هكذا في فضاء الاستشراق الرُّوسي بالحالة الكردية سينزلق مخطوطُ “تواريخ جديد كردستان” من بين أصابع المؤلّف إلى الوجود في سيرةٍ تتخيَّلُها هذه الرّواية: [القنصلية: لقاء المستشرق بالمؤرّخ، الإنجاز أو المتخيّل التاريخي واقعاً، اللقاء الأخير ومن ثم المصير المشؤوم]، إذ يعكس اللقاء بين المستشرق الروسي/ البولوني الأصل أُوْغوسْتْ جابـَا([7]) August Kościesza-Żaba والمؤرّخ الكردي البايزيدي (علاقة السياسي بالمثقف) بل من الأصوب القول: علاقة المثقف ــ السياسي بالمثقف ــ المؤرِّخ، هذه العلاقة التي شابها التوتر بين الرجلين في سياق الجدال الذي دار بينهما، إغراءات من المستشرق للمؤرخ [ــ ياملا محمود! العمل المشترك بيني وبينك لن تستفيد منه الأكاديمية العلمية الروسية في بطرسبورغ وحدها. المستفيد الأكبر هم قومك. سنعمل سويةً في هذا المجال ولن أبخل عليك بالأجر الذي تطلبه لقاء عملك. ص26] وامتناع المؤرخ عن ذلك لسببٍ شخصي: [ــ لقد قتلت روسيا شقيقي في هذه الحرب. دمه لم يجفَّ بعدُ. أرى صعوبةً في تلبية طلبكَ الآن بصفتك تمثّل روسيا. ص27]، لكنَّ العقلين المتحاورين يشرعان بالانفتاح على حين غرّة حينما يكشفُ المستشرقُ عن أصله البولوني [ــ نعم. لكنك ربما لا تعرف أنني من لَهِسْتان (الاسم العثماني القديم لبولونيا). أنا لستُ روسيا ياملّا. ص29]، إزاء هذه المعلومة ورفقةَ عصير التوت الأحمر وساعة سويسرية ينكسر الجدال في مسار آخر، فالبايزيديّ لم يكُ بمواجهة قاتل شقيقه بقدر ما جمعت الصدفةُ بين مثقفين ينتميان إلى أمتين تصارعان من أجل كينونةٍ حرّة. على خلفية هذا التقارب سينمو المخطوط ويسلك طريقه إلى الإنجاز [لقد انتهى مني ــ يسرد المخطوط ذاته ـــ أنا المخطوط الذي اشتغل عليه مدة عامين تقريباً. انتهى من عمله الذي كلّفه به قنصل روسيا العظيمة مقابل مبلغٍ مجزٍ من المال وهدايا قيّمة. أما أنا فلا أعتقد أن المال كان دافعه لإنجاز عمل خطير مثلي. بل الرغبة في تدوين تاريخ بني جلدته كانت حافزه الأكبر. ص139]. ما يهمُّنا هو الرغبة في تدوين البايزيدي لتاريخ أمته والانتقال بذلك من “ثقافة ــ الصوت إلى ثقافة ــ الكتابة”، وبكلماتٍ أخرى نقل ماضي ــ الكرد وحاضرهم إلى اللحظة الراهنة، لحظة القراءة، اللحظة المفتوحة على المستقبل، لذلك من الأناقة بمكانٍ أن تسكن وريقات المخطوط المئتين بين دفتي كتابٍ بجلد أُيّل أو وَعِلٍ([8]) أحمر بعد أن استعجب الصّحاف من اختيار المؤرخ لجلد أُيَّل أحمر:

[ـــ يُقال (رد البايزيدي) إنّ جلود الأيائل الحمر أبقى وأنقى من غيرها.

 ـــ سأصنع لكتابك إذن جلداً من عنق الوعل الذي أردى سيامند([9]) قتيلاً بقرنيه.

 أجاب الصحاف ضاحكاً فضحك الملا معه. ص141].

لاينفصل الخطاب الأدبي عن القصدية، قصدية الخطاب المركومة بين الأسطر إذ تُمسي العلامة الأدبية حادّة وبارزة في حضورها في صورة المخطوط المصحّف بجلدٍ وعل أحمر. إن الميتة الطبيعية للمؤرّخ تَحُوْلُ دون إقامة التشاكل بين الزوجين الآتيين: [سيامند/ الوعل والبايزيدي/ المخطوط]، في الحكاية التراثية يفتك الوعل الجبلي بسيامند العاشق في حين ينجح المؤرّخ بالانتهاء من المخطوط وتسليمه للمستشرق. لكنّ لعنة الوعل ذا الجلد الأحمر لن تكتفي بالانتقام من العاشق فحسب، بل ستصل سلسلة الانتقامات إلى المخطوط ذاته الذي أضحى هذه اللحظة طيَّ الفقدان؛ فهل انطلت ضحكة الصّحاف على البايزيدي؟ هل كان الصّحّاف يتنبأ بالنهاية المأساوية للمخطوط؟ وهل تمثّل وريقات المخطوط جسد سيامند وجلد الوعل المقتول قطّاعَ الطرق الذين استولوا على المخطوط وفق المتخيّل الروائي؟

لنتابعَ سيرة حركة المخطوط، وفي الوقت ذاته ينبغي وضع هذه التساؤلات في مواجهة الفعل التأويلي، إذ يصل المخطوط إلى المستشرق أوغوست جابا، المخطوط الذي يقيم فيه [تاريخ قومي الذي أخاف أن يندثر ويضيع تحت سنابك خيل النسيان كما ضاعت تواريخ كثيرة قبله. ص143]. وفي اللقاء الأخير بالقنصل ــ المستشرق يسأله البايزيديُّ بعد أن أَرَاه المستشرقُ ترجمةً فرنسيةً لكتابه “جامع الرسائل والحكايات”: [ــ وأين كتاب تاريخ كردستان الحديث؟ هل ستترجمه إلى الفرنسية أيضاً؟ ص151]. كما لو أنَّ المؤرِّخ العجوز كان قاب قوسين أو أدنى ليقول: إنّ تاريخ كردستان هو الأَوْلَى بالترجمة وليس كتاب الحكايات. لكنّ المستشرق يفاجئه بأنه قد ترجم مقدمة المخطوط إلى الفرنسية وأنه سيأخذه معه إلى أزمير بعد أن يترجمه ليرسله مع أحد الثقات إلى الأكاديمية القيصرية بعد أن عدّل عن رأيه في إرساله بعربة البريد إلى طرابزون ومنها إلى ميناء أوديسا ثم إلى بطرسبورغ. سيتذكر أوغوست جابا وهو في خريف العمر بأزمير أن ثمة مخطوطاً لمؤرخ كردي في خزانته عمره ثلاثون عاماً وعليه أن يرسله إلى الأكاديمية القيصرية بأقصى ما يمكن! لكن البحث عنه مرّ بفشلٍ ذريعٍ! ومع رحيل المستشرق في العام 1894 سيغدو مخطوط بيايزيدي لغزاً عويصاً…! مخطوط الملا محمود البايزيدي: تواريخ جديد كردستان ما الذي حلَّ به، في أية مكتبة ابتلعه الصمت أو يركن إلى الصمت دون كلام؟ مجموعة جابا من الكتب الكردية تمكث كلها في المكتبة الوطنية ببطرسبورغ ما خلا هذا المخطوط؟ كما لو أنّ مصيره يشاكل مصير الكرد أنفسهم، مصير في مهب العواصف أو النسيان ليس إلا…!   

III:  تاريخ كردستان الحديث: زمن القيامة:

ينتهي الفصل الأخير [مخطوط بطرسبورغ/ المصير] على لسان الورقة الأخيرة بجملةٍ من القوة بمكانٍ إذ تمثّل خاتمة تبثُّ الحزن والرعب مع الإشارة إلى أن هذا الحدث الذي تنطوي عليه الجملة/ الخاتمة قد جرت الإشارة إليه كاستباقٍ سرديٍّ في بداية المتاهة (الفصل الأول):

 [ــ إنها القيامة إذن أيتها السمرقندية البائسة! إنه الحريق! ص188]. إلى ذلك وقبل الخوض في دلالات هذه الخاتمة لنعد إلى بداية الفصل الأخير نتقرّى اللحظات الأخير من كينونة المخطوط الذي تتقمص ورقته الأولى دورَ الرّاوي بضمير الأنا في مسعى لإزالة أيِّ حجاب بين القارىء والمشهد الروائي [الراوي داخل الحكاية] فضلاً عن زَجّ المشهد في عالم غرائبي عبر أنسنة الشيء. هكذا ــ وعلى لسان الورقة ــ الراوي يبدو أن القنصل الرُّوسي أوغوست جابا قد غيّر رأيه ثانيةً وأرسل المخطوط مع رسائل وطرود أخرى بعربةٍ بريدٍ متوجهةً صوب ميناء طرابزون على البحر الأسود. سيعلم القارىء أن العربة ذات الجواد التركماني يقودها شاب من قوم “اللاز”([10]) بمرافقين، أحدهما شركسي والآخر أرمني، وأنها تعرّضت إلى كمين محكم بسبعةٍ فرسان شاكي السَّلاح ولحسن الحظ يقول الحوذيُّ: [ــ هؤلاء قطاع طرق أكراد. لاتخافا. هؤلاء ينبهون ولايقتلون والحمد لله ليس معنا مال. ص180]. هكذا ينتقل المخطوط ذو جلد الوعل الأحمر من يدٍ مؤرخ كردي إلى أيدي قطاع طرق كرد! والسُّؤال المتوقع الذي لا مفرَّ منه: لماذا أسبغ الروائي الصفة الكردية على هذه المجموعة من قطّاع الطرق…؟ لاريب أنّ الأمر لا ينبو عن علاقة الكرد المعقدة بالدولة العثمانية، فالتمرُّد الكردي ضدّها لم يتوقّف البتة قديماً وحديثاً سواء على صعيد أمراء الإمارات المنتفضة، كما يشير البايزيدي إلى أسمائهم في فَصْلَيْ [الجد والحفيد (2،1)]، أو المجموعات الصغيرة “الأشقياء” التي اتخذت الجبال مأوى لها إذ لا ينفكُّ صدى أسماء الكثير من هؤلاء الرّجال الذين واجهوا سلطة الدولة العثمانية ــ التركية ترنُّ بقوةٍ على ضفاف التاريخ الشفوي للكرد. يردُّ قائد المجموعة ذو الحاجبين المعقوفين إلى الأعلى على ساعي البريد الشركسي الذي يتوسّل إليه أن يدعهم لحال سبيلهم؛ فهم سُعاة بريدٍ والصناديق لا تحوي سوى رسائل ربما تكون فرمانات سلطانية وليس بالأمر الجائز أن تضيع:

 [ــ ها ها ها ها. فرمانات! ألا تعرف أيُّهذا الأبله أننا لا نستوطن هذه الشعاب إلا لكي نمسح مؤخراتنا بهذه الفرمانات السلطانية ونبول عليها. ص 182].

 إنّ استيطان هؤلاء الرّجال الشّعاب ورؤوس الجبال موئلاً لهم والإنكار السَّاحق للفرمانات بهذه الصورة ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه رفضاً سياسياً للسلطنة العثمانية قبل كلّ شيءٍ وذلك بغريزةٍ حدسيةٍ دالّة على كينونةٍ مغايرة للوجود العثماني: نَسْتَوْعِلُ هذه الجبال لأننا نرفض سلطة الإمبراطورية التي تغتصبُ وجودنا، روح التمرّد الغريزيّ، الوجوديّ هو السّاري هنا على الرّغم من الكارثة التي تنتظرُ “المخطوط ـ التاريخ” على أيدي هؤلاء الكرد من “الأشقياء”! تمرّد بدون سياساتٍ، لنقل: تمرّد ليس أبعد من المناكفة، لا يتجاوز سوى إرباك السّلطة فحسب. ستخيبُ ظنونُ المجموعة المتمردة بالاستيلاء على تحفٍ وبضائع ثمينة،إذ لا شيءَ يُذكر في عربة البريد خلا رسائل مختومة و“مجموعة أوراق يضمُّها جلد أحمر” وهذا ما أغاظ قائد المجموعة؛ فسأل مستنكراً عن ماهية هذه الأوراق؟ لنقرأ المشهد بتأمُّل:

[رد ساعي البريد الشركسي بثقة:

ــ إنه مخطوط يا آغا. مخطوط في التاريخ كما قال لنا سعادة القنصل.

ـــ تاريخ؟ أية أكاذيب. دعني أرى.

(…)

ـــ ألا تصلح هذه الأوراق للحرق أيضاً؟ اجمعوا بعض الحطب وسنشعل ناراً بهذه الورقات لعلنا نتدفأ قليلاً. لقد حلَّ المساء وبرد الجو ولن يدفئنا إلا التاريخ. ص 183].

هكذا ليس “التاريخ”، التاريخ في هيئة المخطوط الذي خطّه البايزيدي في مسعى للإمساك بشؤون الكرد ليس سوى أكاذيب، ولايصلح إلا للحرق! فالمتمرد، البعيد عن روح المعرفة والكتابة، لا يرى أكثر من أنفه، يحيا بخبرة حدسية، صوتية، فلا مستقبل يرتسم لمعارضته إلا بوصفها رفضاً لكلِّ ما يتعلق بالسّلطة وما يحصل في فضاءاتها [إننا متأخرون يا ولدي ــ يقول البايزيدي لحفيده ــ لأنَّ الكتاب أقلّ قدراً من الحذاء. ص156]، أما هنا؛ فالكتاب لا يصلح إلا للحرق. إنها القيامة تصرخُ الورقة ــ الراوية في نهاية الرواية، إنه الحريق! ليست الورقة ــ الراوية سوى صوت المؤلِّف، صوت البايزيدي، نداء الجهد الذي بذله خلال سنتين قاب قوسين أو أدنى من الحريق المرتقب لتحويل “تاريخ كردستان الحديث” إلى رماد، فكاهةٍ للنيران، المخطوط الوحيد، روح البايزيدي وهي تستغيث حينما طلب قائد المجموعة من رفيقه انتزاع ورقةٍ لإشعال الحطب:

[صرتُ ــ تروي الورقة الأولى ــ أرتجف رعباً سأحترق إذن! سأموت هذا المساء الكئيب وفي هذه الشعاب النائية دون أن يتشجم أحد عناء قراءة ما دوّنه مولاي البايزيدي على صدري وصدر رفيقاتي! لقد دنت النهاية إذن. ياربّ. ص186].

كما لو أنّ “المخطوط” لم يُدوَّنْ، كما لو أنّ المؤرّخ لم يقلب الأحداث والعبر على وجوهها ليحفرها حبراً بعدئذٍ في بياض الورق السّمرقنديللأجيال القادمة، كأنَّ لا “تاريخ” البتة قد خطّه البايزيدي! ستطول أصابع الجهلة الورقة الثمانين (وقائع منطقة بهدينان)، ثم الورقة المئة (وقائع منطقة بوطان) ثم ورقات المخطوط المئتين إذ يصل لحظتئذٍ الحريق إلى الورقة الأولى، أول التدوين في المخطوط: [لكل شعبٍ تاريخٌ يبحث في أصل ذلك الشعب ويهتم بالوقائع الجسيمة التي عاشها وتشهد للأمم الأخرى على وجوده. ص187]. لكل شعبٍ سجلٌّ ينقذه من صمت المجهول وإنكاره، يرسم حدود كينونته بين الأمم، يتكلم باسمه، يجعله حاضراً، متواصلاً يدفع التأويلات والاتهامات العمياء عنه، تاريخ/ مخطوط كان من المفترض أن يضيء الزمن الكردي الذي تلا كتاب شرفنامه للمؤرّخ العظيم البدليسي لكنه الآن، إذ تعتمل النيران فيه، ليس أكثر من روث[تا(ريخ)]([11])، بل أقلّ من ذلك، في نظر قاطع طريق،وهو يستلذُّ بحرقالمخطوط على آخره جهلاً، ولا يُبقي منه سوى الجلد الأحمر للوعل الوحشي، المعادل الرمزي للوجهَ الكالح لقاطع الطَّريق، الوعل الذي أودى بسيامند السّليڤي Siyamedê Silîvi قتيلاً وقاطع الطريق الذي أطعم روحَ/ تاريخَ البايزيدي لألسنة النيران، ليدع المستقبل مفتوحاً على رمادالتاريخ: إنها القيامة…إنه الحريق! إنه الإصرار على المكوث في الصّوت المتلاشي!

هوامش الدراسة:   


([1]) ـــ جان دوست: مخطوط بطرسبورغ، بيروت/ تونس: دار الرافدين ــ مسكيلياني، ط1، 2020. سيجري التوثيق في متن القراءة منعاً لتكرار المصدر.

([2]) ـــ هايدن وايت: محتوى الشكل (الخطاب السردي والتمثيل التاريخي)، ترجمة: نايف الياسين، المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار، ط1، 2017، ص 30. 

([3]) ـــ أسئلة الحوار الافتراضي: (البنية، التقنية، الأسلوب، الأنسنة و التناص):

يُفعّلُ القارىء الافتراضي المشار إليه في متن هذه القراءة هواجسه حول هذا النَّص الروائيّ من خلال أسئلةٍ وجّهها لي. وحتّى تظلَّ الأسئلةُ وردودي عليها في إطار حيّزٍ متماسك فقد خصصتُ لها هامش القراءة؛ ليتحرَّك قارىء هذا المقال وليس فقط كاتبه بدوره بين المتن والهامش في الوقت ذاته:

س ـــ [بعد قراءتك لروايةمخطوط بطرسبورغ” هل يمكن الحديث بتفصيلٍ عن الربط والتماسك في هذه الرّواية، فالسَّرد لا يكون سرداً إلا بتحقيقه لتماسكٍ بنيويٍّ لعناصر الرواية ومكوناتها من البداية إلى النهاية كأنَّ القراءة قد تاهت بي أو…؟].

 ج ـــ هذا السؤال يقع في القلب من التحليل البنيوي للنص وتقتضي الإجابةُ الإشارةَ إلى أمر هامٍّ وهو التفريق بين “مشكلات البناء والتشييد” ونظيرتها “مشكلات التأويل”، أي إننا إزاء مسألة من مسائل البناء النصي. وبغض النظر عن الانقطاع بعد حرف العطف [أو..] في سؤالك؛ فإنَّ رواية “مخطوط بطرسبورغ” تتبع بناءً ما بعد حداثيٍّ في التشييد [وهذا توصيف وليس تقييماً]. وأقصد بذلك تعرُّضَ المادة الحكائية ذاتها [قصة مخطوط البايزيدي] إلى جملةٍ من أساليب “الانقطاع في عملية السرد عبر التوزيع إلى فصول متنوعة وكذلك التشويش على صعيدي الدلالة وممارسة الأنسنة” وتفعيل تقديم الأحداث وتأجيل بعضها الآخر، حتى يتخيّل القارىء إنه إزاء نصٍّ يتوسّع في جهات متعددة بدون تواصل بينها ومن ثم يتخيّل القارىء غياب التماسك. لكنّ البناء النصيّ يتهيكل لدينا من خلال تحليل بنيوي قمنا به في البند الموسوم “قوة العنوان” عبر الربط البنائي بين العنوان والنص والعنوان والعناوين الداخلية. إنَّ البناء المتّبع هنا يستدعي إلى الذاكرة أسلوب كافكا القائم على [الانقطاع والتشويش والانحراف] وتعطيل خاصية التشويق بفتح ثيمة جديدة في ظلال الثيمة الأصل. ومن هنا فالرواية لا تسير بشكل خطيّ معتاد في السَّرد التقليدي وإنما تتبعثر في خطوط متعددة ومتشابكة إلى أن تتجمع خيوط السّرد كلها في الفصل الأخير بكل رشاقةٍ وحنكةٍ.

س ـــ [وماذا بشأن فكرة “المخطوط” أتراها مناسبةً لكتابةِ رواية بعد أن جرى استهلاكها في كثير من الروايات؟]

ج ـــ هذه ليست مثلبةً تُؤخذ على الرّوائيّ ولا على غيره من الروائيين، فالموضوعات والتقنيات والأساليب متاحة للمطلعين على شؤونها والعبرة ليست باستخدام تقنية أو ثيمة قد جرى استخدامها سابقاً والآن. وإنما الأمر برمّته يتوقف على معالجة الموضوع بطرائق سردية غير اعتيادية والزجّ به في عوالم مختلفة. إن رواية “مخطوط بطرسبورغ” تبدأ ببدايةٍ عن مخطوط حقيقي(مفقود) ثم تشرع آليات الانقطاع والتشويش والتأجيل وتوسيع الجغرافيات في العملية السردية لتصبّ في نهايةٍ قويةٍ عن وعي الكتابة لدى الكرد من عدمه، فتغدو فكرة المخطوط أو سيرته موضوعة من موضوعات الرواية وليس الموضوع الوحيد. في هذا المجال دعني أستحضر لك تلك الرواية القصيرة [قصة وقائع موت معلن] لغابرييل غارثيا ماركيز وكيف أستغل الروائي موضوعاً شائعاً جداً [علاقة جسدية] لينسجَ سرداً في غاية الإدهاش.

أما على صعيد [الرواية الكردية المكتوبة بالعربية] لا يحضرني بكل أسف [وربما أتحمل هذا الوزر إلى حدّ كبير] اسم روائي كردي استعمل ثيمة المخطوط واللعب عليها لبناء سردٍ روائيٍّ. من جهة أُخرى إنّ عَقْدَ سردٍ روائي حول “مخطوط مفقود” حول تاريخ الكرد يُعَدُّ أمراً مهماً لاسيما أن هذا التاريخ ظلَّ طيَّ الشَّفاهيّة من دون تدوين إلا فيما ندر! فكيف لمؤرخ كردي [البايزيدي] أن يسطّر تاريخاً بعنوان [تواريخ جديد كردستان] ثم نتفاجأ بأنه مفقود؟! ألا يستحق الأمر سرداً جمالياً يدفعنا للتفكير في مصير مخطوط من حيث هو تاريخ كتلة بشرية [ضحلة التدوين بكل حزن] وقد أضحى هذا التاريخ نهباً للنسيان والعبث؟ ماذا لو أنّ الكتاب العظيم [شرفنامه: في تاريخ الدول والإمارات الكردية] لشرفخان البدليسي قد فُقِدَ بدوره ألا يستحق أن يكون بدوره ثيمةً تفرض ذاتها على روائي ما؟! في هذا السياق أشرت أكثر من مرة إلى أنَّ الرواية الكردية تحاول استعادة التاريخ المفقود بالمزج بين الحدث الواقعي والمخيِّلة الرِّوائية. وأظنُّ أن رواية “مخطوط بطرسبورغ لا تخرج عن هذا السياق.

س ــ [لديّ سؤال عن أسلوب الرّواية، وتحديداً عن الصياغة اللغوية ومنها لجوء الروائي إلى التكرار وكذلك ما تفسيرك لاستعماله للتشخيص أو أنسنة الأشياء؟]

ج ـــ تنحو أسلوبية الروائي من خلال روايات ثلاث قرأتها إلى البساطة العميقة مع انفعال شعري بدون إغراق؛ فهذا الأسلوب بانسيابه وبعباراته الرشيقة يخدم إيقاع السّرد السَّريع في عرض الحكاية/ الحكايات. وهذا الأسلوب يدمج القارىء بسرعةٍ في عالم السرد. أما التكرار فهو خاصية أي لغة، وهو ثيمة لها مكانتها في الدرس البلاغي. والتكرار في الشِّعر يختلف عنه في الرّواية أو القص في الدرجة وليس في النوع، إذا نجد أنَّ التكرار يتحقق في الشعر على صعيد الحرف، أو الكلمة، أو الجملة، أو التركيب النّحوي [التوازي التركيبي] وعلى نحو كثيف مؤدياً دور الإيقاع على مستويات عدة وكذلك إضافة أو ابتكار دلالات جديدة.. كما أن السّرد يستثمر تقنية التكرار وعلى مستوى البنى المجردة والبنى اللغوية السَّطحية بغية تحقيق وظائف خلق الإيقاع الروائيِّ كتكرار ثيمة مكانية أو زمانية أو موضوعاتية أو عاملية(اسم علم أو رمز،…إلخ)  وكذلك لفت انتباه القارىء لقضيةٍ ما ثم وظيفة الاختلاف أي التكرار على سبيل الاختلاف لإضافة معنى. لا شك بأن التكرار يظهر في رواية “مخطوط بطرسبورغ” سواء على صعيد الثيمات أو اللغة. وسأحاول هنا أن أحلّل بعضاً من الأمثلة التي وقعتُ عليها في الرِّواية في إطار الأسلوبيات. في سياق الفصل الأول [مخطوط بطرسبورغ/ بداية المتاهة]، الفصل الذي يمثل الجملة ــ النواة للرواية بأكملها نجد أن الخطاب السَّردي يتسم بالانفعال والأحكام الذاتية التي تنعكس تماماً في لغة الراوي: [أسبوعاً كلاماً نبحث، موظفة الأرشيف مارينا وأنا في ردهات المكتبة العملاقة. (…) عبثٌ/ في عبثٍ/ في عبث (…) خيبة أمل للمرة المئة. يمر أسبوع دون أن نعثر على المخطوط الذي كتبه البايزيدي في بداية النصف الثاني في القرن التاسع عشر]. إنَّ المساحة الضيقة هنا لا تسمح بنقل المكتوب في إطار البياض الذي يسكنه (وهذا له دلالاته أيضاً في علم السيمياء) لذلك اضطررتُ إلى ضغط المقطع في هذه المساحة وفيها نجد أن تكرار مفردة “عبث” ثلاث مرات وبأشكال مختلفة [اسم: عبثٌ، جار ومجرور مرة بإظهار تنوين الكسر: في عبثٍ ثم بتسكين المجرور في المرة الثالثة: في عبثْ] إنما يكشف عن حالات التوتر التي تصيب أو أصابت الراوي هو يبحث عن المخطوط من دون جدوى حيث الفشل والخيبة ومن ثمَّ فالتكرار عاكسٌ لإيقاع النفس من الذروة إلى الهدوء  ولم يأتِ من قلة الحيلة الأسلوبية، فالتكرار برسم القصدية التي فرضت تكرار السَّطر الأخير أيضاً وإنما بصورة مختلفة فالاسم والضمير[مارينا وأنا] يأخذان صيغة ضمير الجمع [نحن] والجملة تنتقل من الزمن الحاضر [أسبوعاً كاملاً نبحث] إلى الماضي معبراً عنه بالحاضر [يمرُّ أسبوع دون أن نعثر…] والفرق بين الفعلين [نبحث ونعثر] وبين الجملتين من الوضوح بمكانٍ، فالتكرار علاوة على وظيفته النفسية فإنه يراكم معنًى إضافياً في كل مرة.

في الحقيقة يأخذ التكرار أشكالاً متعددة من الحضور في الرواية ومنها على سبيل المثال أيضاً: [ــ مات ملا محمود. سمعتُ هذه العبارة وأنا رمادٌ تذروه الريح قرب جبل مسجد داغ على الطريق بين أرضروم وميناء طرابزون على البحر الأسود.  رددتها الريح التي كانت تذروني دون أن تأبه بي وبألمي على الفقيد الحبيب. ص17/ السمرقندية]. إنّ التكرار يأتي هنا في حضرة الموت على لسان الورق السمرقندي لرثاء الملا محمود للإشارة إلى قوة المشاعر والأحاسيس التي تنشأ بين الكاتب وورق الكتابة. وقراءة الفصل تكشف عن ارتفاع منسوب الشاعرية والحزن(التحسُّر) في خطاب السمرقندية. لكن لنقارن بهدوء بين “المعنى” المتكرر هنا؛ فالجملة الأولى [وأنا رمادٌ تذروه الريح]، جملة اسمية مركبة توحي بالمعنى الثابت [تذرية الرماد] أما في الجملة الثانية [رددتها الريح التي كانت تذروني] حيث السمة الفعلية والدينامية، فالريح تقوم بفعلين، ترديد موت الملا محمود وتذرية الرماد/ الورق، أي المشاركة في الرثاء والتذرية في الزمن الماضي، فالتكرار مختلفُ هنا وضرب من الرثاء الشّعري يخدم النص ويركم المعنى وليس بطارىء على القصدية الأسلوبية. في الشريط اللغوي للرواية يتكرر اسم “ألكسندر” مقروناً مع الاسم وهو لقب حصل عليه المستشرق أو القنصل الروسي أوغست ڇابا وذلك وفق العبارات الآتية:

[1ــ سيمنحه الروس خلال دراسته في جامعة بطرسبورغ اسم ألكسندر. ص22.

2 ــ …والأكاديمي أوغست جابا الذي اكتسب لقب ألكسندر، أثناء دراسته في الأكاديميّة القيصريّة في بطربسبورغ…ص33.

3ـــ كان ألكسندر، وهذا هو الاسم الروسي الذي حصل عليه الشاب أوغست، بمقتضى العرف الغريب المعمول به في الأكاديميّة الروسيّة. ص63.

4ـــــ نادى الجد أوغست، أو ألكسندر، كما كان يحلو لبعض الأحفاد أن ينادوه حسب أعراف الأكاديميّة القيصريّة العلميّة في بطرسبورغ! ص174].

إن التأمل في العبارات الآنفة يكشف أنَّها تتكرر على مسافات طويلة في صفحات [22، 33، 63، 174] مع اقتران اللقب ألكسندر بأفعال [سيمنحه، اكتسب، حصل، حسب أعراف…] فالتكرار ليس تماثلياً محضاً وإنما على سبيل تذكير القارىء باللقب الروسي نظراً لاتساع المساحة بين تكرار وآخر. ومع ذلك كان على الكاتب أن يورد المعلومة مرة واحدة ثم يستعمل الاسم وفق صيغة [أوغست جاباـ ألكسندر مثلاً] أو أي رسم آخر منعاً لأيّ تكرار. إن التكرار بوظائفه التي أشرنا إليها يمكن أن يخدم النص حين يُوظّف بطريقةٍ أدبيةٍ ـ اقتصادية. سأنهي هذه الإجابة عن أسلوبية التكرار بحديثٍ عن تكرار متواتر في الصفحة 23 للفعل الناقص [كان] الذي يرد في مشهدٍ [من اثني عشر سطراً] على لسان نهر “دفينا”على النحو التالي: [كنت أجري(النهر) ……كان(جابا)……..ممن كنَّ(الليتوانيات). كان(جابا). وكان حين (جابا)… فرح لاحدود له كان يرتسم …….حين كانت الحجارة…..].. وكما يرى القارىء فإنّ الفعل الناقص يرد بصيغ مختلفة وليس بالصيغة ذاتها [كنتُ، كان، كنَّ، كانت] مما ينفي الملل عن التكرار هنا وفي الوقت ذاته تحيلنا هذه الصيغ من الفعل الناقص إلى كائنات نصية مختلفة أو مشار إليه متعدد ومتنوع: [النهر، أوغست الطفل، الليتوانيات، فرح، الحجارة]. ومع هذه المشروعية لاستعمال الفعل الناقص فهذا لا يمنع من ممارسة ضرورية لاقتصاد النَّصِّ لتحسين المشهد باستعمال أفعال ناقصة من قبيل “أمسى” وغيره بدلاً من صيغة “كان” الواردة بالصيغة ذاتها ثلاث مرات أو حتى حذف إحداها. وأخيراً أعتقد أن الاقتراب من ثيمة التكرار في عمل ما يتطلب بحثاً كاملاً لايتسع المجال للوقوف عند أغلب التجليات التكرارية في النص وتفسيرها من منطق شعرية أسلوب الرواية.

س ـــ […كأنك نسيت الحديث عن أنسنة الأشياء في هذه الرّواية].

جـ ـــ نعم؛ الأنسنة هي تقنية بلاغية عتيدة في البلاغة وهي ملازمة للغة والفعل الأدبي. وحسناً فعل الروائي جان دوست باللجوء إليها في هذه الرواية حينما أسند فعل الكلام إلى الكائنات الصامتة، ليجعل لها لساناً فتتحدث عن ذاتها وعن آخرها وفضاءاتها لخلق مسار من الغرائبية الملائمة لفعل التخيُّل ذاته، لذلك سيجد القارىء نفسه على تماس مباشر مع المخطوط من خلال “السمرقندية/ ورقة الكتابة، أو أوراق المخطوط قبل رميها في النيران أو مع نهر دفينا، أو شجرة البرتقال أو سميرنا…إلخ. إن أنسنة الكائنات والأشياء الصامتة من شأنها إزاحة الراوي من المشهد الروائي ليغدو   القارىء في قلب المشهد بأشيائه وكائناته التي تمنح صفة التعدد الصوتي/ البوليفوني للرواية، لتغدو رواية ــ أصوات بوجهات نظر مختلفة (ميخائيل باختين). هذه العملية الغرائبية لايمكن تفسيرها بمنطق العقل الحسابي ولا يمكن تفسيرها أو قبولها إلا في سياق المنطق الأدبي الذي يسمح بالانحراف والزحزحة وكسر المنطق الحسابي/ اليومي وإلا كيف يمكن تفسير تحوّل فتاة إلى فراشة في رواية “مئة عام من العزلة”/ماركيز، أو تحول “مم” إلى ابن آوى في رواية الريش/بركات.

س ـــ [هل يمكن الحديث عن فعالية التناصّ أو التفاعل بين هذه الرّواية ونصوص، شذرات، أو أعمال أخرى وكيف جرى استثمارها]

ج ــ التناصُّ قدر أي خطاب، والتناص ضربٌ من الأثر، الدّمغة يَقْدُمُ من ملكية الآخر أو حتى من الكاتب ذاته ، بل هو نوع من التكرارية أو إعادة تدوير بعض المواد لصالح النّصِّ في طور الكتابة والإنجاز. والرواية تتفوّق على أيّ نوع آخر في التهام النصوص الأخرى بمختلف أشكالها: شذرات، حكم، شعر، تاريخ، فلسفة، أخبار …إلخ وتوظيفها في السرد. ورواية “مخطوط بطرسبورغ ” لا تنأى عن هذا المنطق الالتهامي في التعامل مع النصوص الأخرى القادمة من أصقاع مختلفة. بل إن فكرة “المخطوط ذاتها” تجعل التناصّ يضرب بقوة في تأسيس الطبقات التكتونية للرواية على التداخل والتقاطع والتنادي مع خطاب آخر [تواريخ جديد كردستان] كنوعٍ من التناص غير المشعور به، فضلاً عن حضور واع لخطابات معروفة المصدر، ص 58 ــ 59 [رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم]، ص 83[الجنرال إيفان باسكفيتش] وغير معروفة المصدر…أيضاً، لكن القاعدة الذهبية في التناص تتمثل بكيفية إعادة تدوير الرُّكام النَّصيّ لصالح الاختلاف والمغايرة سردياً.  

س ــ [ماذا تقصد، وهو السؤال الأخير، بالطبقات التكتونية للرواية …هلا وضّحت؟]

ج ــ العلوم باتت متداخلة وتستعيرُ مفهوماتِها بعضُها من بعضٍ والمفهوم التكتوني مأخوذ من علوم الأرض أو التضاريس العميقة في جوف الأرض وأقصد بهذه الطبقات هنا “البنى المجرّدة” أو الأساسات التي يُبنى العمل عليها وتخوض سلسلةً من الخطوات والحذوف والتوسعات والإضافات إلى أن تكتسي وجوداً لها في البنى السَّطحية للعمل. ويمكن لي أن أمثّل لها بجملةٍ من الركائز في الرواية ــ قيد القراءة: فكرة المخطوط، المؤلف، المستشرق، مصير المخطوط، هذه الأفكار لا أهمية لها إلا حين تدخل في جملة من العلائق البنيوية وهذا ما يستدعي أطرافاً أخرى: أزمنة ولادة الفاعلين وأمكنتهم في العمل، اللقاءات وتوصيف أوراق المخطوط وحركة انتقاله من مكان إلى آخر إلى ينتهي إلى مصير مشؤوم علاوة على الصراعات الدولية عصرئذٍ … فالطبقات التكتونية للنّصِّ تحدّد شكل البنى السطحية للخطاب وأي أشكال ستكتسب.                             

([4]) ـــ هايت وايت، محتوى الشكل (الخطاب السردي والتمثيل التاريخي)، مرجع مذكور، ص43

([5]) ــ ريكاردو بيجليا: القارىء الأخير، ترجمة: أحمد عبد اللطيف، ميلانو: منشورات المتوسط، ط1، 2020، ص 173.

([6]) ـــ ريكاردو بيجليا: القارىء الأخير، مرجع مذكور، ص54.

([7])  ـــ غنيٌّ عن البيان أنّ الصيغة المتداولة والمعروفة لاسم المستشرق هي [أُوْغوسْتْ زَابا] في الترجمات القادمة من اللغات الإنكليزية والفرنسية والروسية لكن التلفظ الأصلي للاسم في اللغة البولونية هو [أوغوست ڇابا] فالحرف البولوني[Ż] المرسوم بنقطة في أعلاه يُلفظ قريباً من الحرف الكردي [j،J] وفق صوتيات الأبجدية البولونية في Google  وأظن أن الرّوائي اختار اللفظ البولوني للتأكيد على الانتماء البولوني للمستشرق والزحزحة بعمله عن مطامع الاستشراق الروسي الذي كان يبحث عن معرفة بالشعوب الرازحة تحت استبداد الدولة العثمانية وتحريكها ضدها.    

([8]) ـــ في اللسان العربي يُطلق اسما الأُيّل والوعل على المشار ذاته: [أُيَّل: (اسم) الجمع: أيايلُ، وأيائل. الأُيَّلُ الأُيَّلُ الإيَّل حَيَوَانٌ مِنْ فَصِيلَةِ الأَيِّلِيَّاتِ، مِنْ رُتْبَةِ شَفْعِيَّاتِ الأظْلاَفِ، لِذُكُورِهِ قُرُونٌ مُتَشَعِّبَةٌ بِهَا تَجْوِيفٌ يُعْرَفُ أيْضاً بِالوَعْلِ. معجم جامع المعاني/ غوغل].

([9]) ـــ نقلاً عن الرواية، هامش (1)، ص 141: [في قصة حب سيامند وخجه الشهيرة بين الكرد والأرمن، يحاول العاشق سيامند اصطياد وعل لحبيبته فيقتله الوعل ويرميه أسفل واد عميق ليموت هناك وتنتحر خجه بعده مباشرة بأن ترمي نفسها فوق جثة حبيبها الملقاة في قعر الوادي بعد حوار تراجيدي بين حبيب يرجو حبيبته ألّا تنتحر وحبيبة لا ترى معنى للحياة بعد حبيبها].

([10])ـــ اللاز أو لازي ) باللازية:ლაზი، تنطق لازي) هم مجموعة عرقية من شعوب شواطئ البحر الأسود في تركيا وجورجيا الأصلية، ناطقة باللغات الكارتفيلية كان اللاز من أوائل من اعتنقوا المسيحية، لكن معظمهم غيّر دينه إلى الإسلام السني خلال الحكم العثماني للقوقاز في القرن السادس عشر. ويكبيديا (شعب اللاز).

([11]) ــــ يلعب الرّوائي بمهارة على كلمة “تاريخ” التي اُستخدمت في القرن التاسع عشر ولاتزال تُستخدم في الكردية، فالحروف الثلاثة الأخيرة من الكلمة [تا…ريخ] تعني الروث بالكردية Rîx فالتاريخ ليس أكثر من روث/ريخ لدى قاطع الطريق الكردي الذي يصرخ بصلافةٍ في نهاية الرواية على رفيقه أن يخبره عن محتوى الورقة الأخيرة التي تنتظر الحرق:ٍ

[قل لي ماذا في هذه الورقة؟

ــ لاشيء. لاشيء. إنها تتحدث عن قصص التاريخ.

ــ قل إنها تتحدث عن الروث…إلخ ص188].