كريستينا آليسون (@tawusparez) (أستاذ مشارك في الدراسات الكردية، جامعة اكستر. تعمل حاليا على الثقافات المهددة بالانقراض، وخاصة الإيزيديين والمندائيين)

ترجمة: محمد شمدين (@MohdShemdeen) (مترجم للإنكليزية والعربية والكردية، ماستر في العلاقات الدولية)

المقالة من كتاب في ذكرى الأستاذة في اللغة الكردية، الباحثة الفرنسية جويس بلاو بعنوان (جويس بلاو الخالدة بين الكرد) من منشورات المعهد الفرنسي لدراسات الاناضول- 2018 على موقع: https://books.openedition.org/ifeagd/2199

البحث على الرابط: https://books.openedition.org/ifeagd/2217

الملخص:

تتناول هذه المقالة فائدة عمل (الجماعات المتخيلة) لبنديكت أندرسن عند تطبيقها على الدراسات الكردية. بناء على الانتقادات السابقة لكل من (Chatterjee، Rosaldo، Silverstein، Wogan)، التي تجادل بأن “رأسمالية الطباعة[1]” لا تتناسب مع هذا السياق، لكنها تجد ميزة في مفهوم “تخيل الأمة” من خلال الخطاب. يتم استجواب “رأسمالية الطباعة” من خلال النظر أولاً في قضايا “الشفاهيّة” ومحو الأمية، ثم تلك “الآراء الغربية العميقة الجذور” المتعلقة بإيديولوجيا اللغة التي تدعم المجتمعات المتخيلة وتؤثر بشكل مباشر على السياق الكردي. من المؤكد أن الوضع الكردي قبل التسعينيات لا يمكن وصفه بدقة عبر استخدام مصطلح «رأسمالية الطباعة». بعد ذلك، نقلاً عن أعمال علماء الأنثروبولوجيا (مثل كارين باربر)، الذين يستكشفون العلاقة بين السياق الاجتماعي والهوية والخطاب، يستكشف المقال كيف يمكننا أن نحقق بشكل أكثر جدوى في “تخيل الأمة” بدون نموذج “رأسمالية الطباعة”.

المدخل

تم تخصيص هذا المقال في ذكرى الأستاذة جويس بلاو، التي ولسنوات عديدة، كانت شخصية رائدة في الدراسات الكردية، وأستاذة اللغة الكردية الوحيدة في «الغرب»، كما أنها كتبت الكثير عن اللغة والأدب الكرديين، التي نقلتها شفهيا وكتابيا. أصبحت هذه الآن قضايا رئيسية في المناقشات الكردية حول الهوية وهي موضوع الكثير من الأبحاث مع تقدم الدراسات الكردية. مع أخذ كل هذا في الاعتبار، سأمارس أحد الامتيازات العظيمة للعمل في هذا المجال، وهو استخدام الحالة الكردية المعقدة دائما لإعادة تقييم النظرية المقبولة، والنظر في عمل بنديكت أندرسن، الذي يقيم روابط متماسكة للغاية بين الخطاب والأدب والقومية ومن يندرج بشكل واضح في قوائم قراءة الدراسات الكردية. تم الاستشهاد بمجتمعاته المتخيلة: تأملات في أصول وانتشار القومية في العديد من المنشورات والمزيد من  أطروحات الطلاب الجامعيين. ومع ذلك، نادرا ما تذكر هذه الاستشهادات الانتقادات اللاذعة التي تعرّضت لأندرسن من قبل علماء آخرين، والحقيقة المزعجة المتمثلة في أن مخططه المعياري لـ “رأسمالية الطباعة ” لا يتناسب في الواقع مع الحالة الكردية. تهدف هذه المقالة إلى توضيح سبب عدم ملاءمتها، ولماذا يجب على أولئك الذين يكتبون منا (الباحثين) عن الكرد أن يناقشوا عمل أندرسن والأيديولوجيات الكامنة فيها بصرامة شديدة، خاصة في الوقت الحاضر. سوف أفكر أيضا في الاتجاهات المستقبلية المحتملة في الدراسات الكردية، والتي سعت الأستاذة بلاو في سبيل ذلك لسنوات عديدة، وبفضل جهودها إلى حد كبير، أصبحت مجالا متعدد التخصصات سريع التطور.

ليس هدفي هو الرفض القطعي لأفكار (الجماعات المتخيلة). فكما تتمسك نانسي فريزر بقوة بصحة مفهوم يورجن هابرماس عن “المجال العام” للتنظيرات المعاصرة للديمقراطية، لكنها تجادل بأن “الشكل المحدد الذي طور به هابرماس هذه الفكرة ليس مُرضيا تماما[2].  وبالمثل، سأدافع عن صحة المفهوم الأوسع لأندرسن عن “المجتمع المتخيل” أثناء قيامه بنقد الآلية التي يعتبر من خلالها أن هذا الخيال قد تم إنجازه، أي “رأسمالية الطباعة ” على الرغم من أن الستينيات شهدت زيادة كبيرة في ثقافات المطبوعات الكردية المحلية ويمكن للمرء أن يدافع عن بعض التطور في “رأسمالية الطباعة” في هذه المرحلة، إلا أن وصول المحطات التلفزيونية الفضائية الكردية في أوائل التسعينيات هو الذي حدد أفكار الأمة الكردية والوطن بطريقة تتفق تماما مع مفاهيم أندرسن[3]. إلى جانب تعداد أوجه القصور في ” رأسمالية الطباعة “، فإنني أسعى إلى فحص متكامل لخيال الأمة من خلال الخطاب، كعملية اجتماعية معقدة تحدث داخل أنظمة اجتماعية محددة، ويتم تحقيقها من خلال التفاعل الكتابي والشفهي، والمعرفي والعاطفي، والتي، كما تشير الجماعات المتخيلة، هي أضداد ثنائية.

نحن نعلم أن عملية تخيل الأمة الكردية قد تمّت. ففي عام 1994 أكدت ماريا أوشي أن كردستان كانت موجودة في عقول وقلوب الكرد و «على مستويات عديدة في خطاب سكانها وداعميها وحتى من ينكرون وجودها[4]. تم تتبع تاريخ التعبئة السياسية في مختلف الدول القومية[5] وانتشار الرموز الوطنية[6]. لكن هل يمكننا أن نؤكد بثقة أن هذا «التخيل” قد تم من خلال آلية رأسمالية الطباعة”»؟ سترد هذه المقالة بالنفي وستبحث عن آليات مرضية أكثر لشرح كيف يتم تخيل الأمة الكردية.

من المناسب تسليط الضوء على التعارضات ونقاط الضعف الموجودة في عمل أندرسن. حيث نادرا ما يتم التشكيك في الجماعات المتخيلة فيما يتعلق بالدراسات الكردية، على الرغم من حقيقة أنه خلال العقود الثلاثة الماضية، تم إثبات أن مفاهيم معرفة القراءة والكتابة والكلام واللغة التي يعتمد عليها في نموذج رأسمالية الطباعة هي أفكار أيديولوجية وليست مفاهيم مستقلة بذاتها. علاوة على ذلك، فإن «الآراء الغربية العميقة للغة» التي لاحظها بيتر ووغان في أعمال أندرسن[7] لعبت من خلال طرق أخرى دورا مهما في بناء الأمة في الدول التي يعيش فيها الكرد، حيث تم استيعابها في المنطقة بشكل واسع، وبالأخص في تركيا، وهي تلعب الآن دوراً في تطور أيديولوجية اللغة الكردية.

صدرت بالفعل بعض الدراسات القيمة (حسنبور وأحمد زاده)[8] حول دور الطباعة والأدب والإعلام في تطوير القومية الكردية. يعترف هؤلاء المؤلفون بأهمية أندرسن؛ ولكن بالنظر إلى المستويات المنخفضة لمحو الأمية بين الكرد خلال معظم القرن العشرين، فإنهم غير قادرين على تطبيق نموذج ” رأسمالية الطباعة ” كما صاغه أندرسن نفسه. شهدت الدراسات الكردية أيضا أعمالا ابداعية في التاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية لمؤلفين مثل غورغاس تيجيل، وسكالبرت-يوجل، وواتس،[9] والتي ألقت الكثير من الضوء على تطور وانتشار الأفكار الرئيسة حول الأمة الكردية. قد نسأل لماذا من المناسب النظر في كيفية تخيل الأمة من خلال الخطاب عموما؛ أخيرا، لعبت أفكار فوكو للبناء المنطقي بالفعل دورا مهما في الدراسات الكردية. لكن دراسة كيفية تخيل المجتمعات من خلال الخطاب قد تساعد في دمج المسارات المتباينة في كثير من الأحيان في الدراسات الكردية – مسار «العلوم الاجتماعية» للسياسة والتاريخ ومسار «الدراسات الثقافية» للأدب و «الفولكلور». هناك بالتأكيد مجال لمزيد من النقاش في العلاقة بين الثقافة والسياسة والهوية في الساحة الكردية. هناك أيضا اتجاه أحدث (ومرحب به) في الدراسات الكردية بعيدا عن التركيز على العلاقات بين الكرد والدول القومية التي هم فيها، تجاه قضايا مثل المعارضة والنضال من أجل السيطرة والمفاوضات التكتيكية للقوى[10].  قد تؤدي المناهج التي تراقب الخطاب إلى فهم أكثر تفصيلا لمثل هذه القضايا، لا سيما عند تطبيقها على المستوى الدقيق في مواجهة الجماهير[11]،  مع الأخذ في الاعتبار نقاط مثل اللغة والنوع الأدبي المتضمن في سياق اجتماعي محدد بدقة صارمة. تكتسي هذه العمليات أهمية خاصة في تطوير القومية الكردية، التي كانت بالضرورة مسألة مجزأة وغير مقيدة. على الرغم من تطبيق شيخ الاسلامي  مؤخرا لتحليل الخطاب النقدي على التليفزيون الفضائي الكردستاني[12] حيث منح رؤى حقيقية لبيئة متعددة الأصوات، والتنافسية على الفضاء الاجتماعي والسياسي الكردي، فإن مثل هذه الأساليب لا يجب أن تقتصر على تحليل الخطاب النقدي الرسمي. مع هذا، على الرغم من بعض الاستثناءات التي تعتمد على الإثنوغرافيات الخاصة بالكلام وعلم الإثنية العرقية أو التي تنظر صراحة إلى الأدب المكتسب جنبا إلى جنب مع التقليد الشفوي[13]، فإن دراسات الخطاب العملي نادرة في الدراسات الكردية[14].

سيتم تقسيم هذه المقالة إلى أربعة أقسام، بناء على انتقادات بارتا تشاترجي، وريناتو روزالدو، ومايكل سيلفرشتاين، وخاصة بيتر ووغان. أولا، للإشارة إلى عيوب ” رأسمالية الطباعة “، تتناول قضايا الشفوية ومحو الأمية وما يسمى بـ “الانقسام الكبير” بينهما؛ ثم ينتقل إلى وصف “الآراء الغربية العميقة الجذور” فيما يتعلق بأيديولوجية اللغة التي تدعم الجماعات المتخيلة وتؤثر بشكل مباشر على الكرد. بعد ذلك يوضح أن الوضع السائد بين الكرد قبل التسعينيات (وخاصة قبل الستينيات) لا يمكن وصفه بدقة باستخدام مصطلح ” رأسمالية الطباعة “. وأخيراً يقدم بعض الاقتراحات الهادفة إلى تطوير فكرة «خيال المجتمع» بما يتجاوز “رأسمالية الطباعة”. أنتقل إلى علماء اللغويات الاجتماعية والأنثروبولوجيا، ليس فقط لألاحظ كيف تكمن قوة الكلمات في العلاقات الاجتماعية لأولئك الذين يستخدمونها[15] ولكن أيضا للنظر في كيفية إنشاء أنواع جديدة من الذات والجمهور من خلال الخطاب [16]، والانتقال نحو طرق أكثر إثمارا للتحقيق في الكيفية. الأمة الكردية تتخيل من خلال الخطاب.

رأسمالية الطباعة: الوقوع في الانقسام الكبير؟

بالنسبة لأندرسن، لم تكن تجارة الكتب فقط واحدة من أولى أشكال الرأسمالية في أوروبا، بل شكلت تحديا كبيرا للكنائس والدول التي سعت للسيطرة عليها، ولكنها لعبت دورا كبيرا في “معركة عقول الرجال” في سبيل الإصلاح[17]. أدت طباعة اللغات المحلية، وتطوير أنواع جديدة، إلى خلق “مجال موحد” للتواصل. خلقت تجربة القراءة المشتركة للروايات والصحف وعيا بمجتمع أوسع، أكبر من أن يعرفه الجميع؛ ساعدت اللغة المستقرة في إنشاء ارتباط متصور مع العصور القديمة[18]. لا يجادل أندرسن في أن الطباعة أو معرفة القراءة والكتابة وحدهما يحققان تغيرات عارمة في الهوية. في الواقع، يمكننا التفكير في “معركة عقول الرجال” للكنيسة المسيحية الأولى والإسلام المبكر، والتي وصلت إلى عدد كبير من السكان قبل فترة طويلة من ظهور الطباعة؛ في الواقع، يوضح أن الشروط المسبقة الأخرى مثل الرأسمالية التجارية والصناعية كانت ضرورية. ومع ذلك، كما تقول كارين باربر، يؤكد أنه بعد القرن الثامن عشر تم تصدير نموذج أوروبي، حيث «في كل مكان تم تأسيسه، لعبت الصحافة دورا مماثلا في استجواب جمهور وطني متخيل ومقيد »[19]، وعلى الرغم من أن هذا النموذج قد يفسر الأحداث في أوروبا ويبدو سليما لما يسميه أندرسن بـ «الدول الكريولية» في العالم الجديد، إلا أنه يدخل في مياه أكثر صعوبة وسط معرفة القراءة والكتابة المتنافسة في الشرق الأوسط والمؤسسين تماما على صخرة انعدام الجنسية الكردية، حيث كان هناك القليل على معرفة بالقراءة والكتابة ولا توجد مطبوعات يمكن أن توجّه للجمهور الوطني ككل.

نُشر عمل (الجماعات المتخيلة) لأول مرة في عام 1983، بعد عام واحد فقط من الطبعة الأولى من كتاب والتر جيه أونغ، والذي كان له تأثير كبير في “الشفاهية ومحو الأمية: تكنولوجيا الكلمة”. بالاعتماد على أعمال تيدلوك، لورد وماكلوهان، ومشاركة بعض الميزات مع غودي، اقترح أونج تمييزا قويا بين “المجتمعات الشفوية” – التي عادة ما تكون مجتمعات محلية، ضمن نطاق ضيق، غير منكشفة على الكتابة – وبين “المجتمعات المتعلمة” التي أنتجت الخطاب التحليلي والتجريدي. من خلال التغييرات المعرفية التي يمكن التنبؤ بها ضمنيا، جلبت معرفة محدّدة بالقراءة والكتابة، كذلك “التقدّم” قاد من مرحلة ما قبل معرفة القراءة والكتابة إلى حالة معرفة بالقراءة والكتابة. تعرضت هذه الثنائية الصارمة بين المجتمعات الشفوية والمتعلّمة، والمعروفة باسم “الانقسام الكبير”، لانتقادات كثيرة ضمن العديد من التخصّصات. أظهر المؤرّخون أن محو الأمية لم يتم اعتماده “في جميع المجالات” وأنه قد يستغرق سنوات عديدة حتى يتم الوثوق به لغرض استخدامات معينة[20]. وفي التعليم، أكدت دراسة ستريت القائمة على العمل الميداني في قرية إيرانية على الطبيعة الأيديولوجية غير المستقلة لمحو الأمية[21]. بينما تحديات علماء الأنثروبولوجيا كانت عديدة أيضا، لا سيما أولئك الذين يعملون في إفريقيا حيث تعمل المنظمات الاجتماعية المعقدة والإدارات مع القليل من الإلمام بالقراءة والكتابة أو بدون معرفة القراءة والكتابة. اشتهر بذلك عمل فينيجان[22]؛ وتقفز دراسة باربر لأنثروبولوجيا النص بشكل طفيف فوق الانقسام الكبير من خلال التركيز على كل من الشفاهية  والكتابية[23]؛ يعزز فورنيس النقطة الواضحة التي غالبا ما يتم تجاهلها وهي أنه حتى بعد اكتساب معرفة القراءة والكتابة، تظل الشفاهية [24]؛ في ليبيريا، كما لاحظ سكريبنر وكول التفاعل بين محو الأمية المتنافس في المدارس الحكومية (الإنجليزية) والمدارس القرآنية (العربية) والنص المقطعي المحلي. وهذا مثال وثيق الصلة بالتعدد اللغوي والكتابي عند الكرد [25].

يوضح ملخص فورنيس الممتاز للمناقشة أننا قد نعتبر نماذج “الانقسام الكبير” مرفوضة بشكل حاسم[26]. تمتنع الدراسات الحالية عموما عن إسناد طرق محددة في التفكير، أو مراحل من التحصيل التنموي، إلى الطريقة نفسها (أي الشفوية مقابل معرفة القراءة والكتابة)، ولكن للنظر في استخدامات معرفة القراءة والكتابة – أو تقنيات الاتصال الأخرى في السياق – النوع المتقدم (المنطوقة والمكتوبة على حد سواء)) والبنى الاجتماعية وديناميكيات السلطة. من الواضح أن مثل هذه الأساليب تقودنا بعيدا عن المفاهيم “المعيارية”. في الواقع، يبدو أن قبول نموذج واحد للتطور التواصلي يناسب الجميع، كما تدعونا ” رأسمالية الطباعة” للقيام بذلك، هو أمر محفوف بالمخاطر إلى حد ما. يمكن تمييز الشرق الأوسط ككل عن أجزاء كثيرة من إفريقيا وعن أوروبا، في تلك الأشكال القديمة والمرموقة من محو الأمية، المرتبطة بكل من الكتب المقدسة والقانون الديني، وبتراث من الكتابة العلمية القديمة المشتركة مع عصر ما قبل التنوير. كانت أوروبا مؤثرة لعدة قرون. في القرنين التاسع عشر والعشرين، دخل هؤلاء في نزاع مع ممارسات محو الأمية والأيديولوجيات المستوردة من أوروبا، والتي تطورت جنبا إلى جنب مع أنظمة التعليم الحكومية المعاصرة.

نظرا لأن معظم هذه الدراسة اتبعت النسخة الأولى من الجماعات المتخلية، فليس من المستغرب أن اندرسن لا يستجوب بجدية حول ثنائية معرفة القراءة والكتابة/ الشفوية. من السهل توجيه انتقادات معينة؛ على سبيل المثال، من الملاحظ أن أندرسن يتحدث عن “محو الأمية” بصيغة المفرد؛ كما هو مذكور أعلاه، ولكن هذا ليس مناسبا لحالات الشرق الأوسط بشكل عام، وبالتأكيد ليس للحالات الكردية. كما أن هناك بعض الالتباس حول مفهوم “النص” الذي يبدو أنه يساويه ب “المكتوب”؛» فهو يقول، عند الحديث عن أوروبا عند ظهور الطباعة، «لم تكن اللاتينية القديمة غامضة بسبب موضوعها أو أسلوبها، ولكن ببساطة لأنها كتبت أصلا، أي بسبب وضعها كنص»[27].هذه إشكالية كبيرة. قد يقول علماء مثل باربر أو باومان وبريجز[28] إنه “نص” لأنه تم تمييزه على هذا النحو لتمييزه عن أشكال الخطاب الأخرى، وأن هذا “السياق [تحديد السياق] [29]” لا يحتاج إلى الكتابة. قام الكرد (وجيرانهم) بتأليف ونقل العديد من النصوص دون كتابة – ليس فقط مجموعات مثل الإيزيديين[30] الذين لم يمارسوا محو الأمية تقليديا، ولكن أيضا الغالبية العظمى الذين أدوا العديد من أنواع الأدب الشفوي، أو الذين حفظوا النصوص الأدبية المكتوبة والسياسية، والنصوص الدينية التي تم تناقلها. ليس من المعقول لوم أندرسن على افتقاره إلى الدقة في تحديد الشفاهية ومحو الأمية، نظرا لتاريخ نشره، ولكن في وقتنا الحالي، يجب أن تؤخذ في الاعتبار أوجه القصور في الجماعات المتخيلة في هذه النقطة.

«الآراء الغربية العميقة في اللغة»

يتعلّق جزء مهم من نقد ووغان لأندرسن بالمركزية الأوروبية لأنماط الفكر التي تقوم عليها رأسمالية الطباعة. في قسم يذكرنا بانتقادات منظري “الانقسام الكبير”، يلخص ووغان افتراضات “رمزية المعرفة (محو الأمية)” السائدة في الغرب وحضورها في الجماعات المتخيلة، حيث يسرد خمس مجالات مرتبطة بشكل شائع بمحو الأمية في مقابل الشفاهية – الديانات الكتابية (مقابل الديانات «القبلية»)؛ الفكر العلمي «الحديث» (مقابل الفكر «اللاعقلاني»)؛ الوعي التاريخي من خلال الوثائق المكتوبة (على عكس الأسطورة الشفوية)، الدولة القومية، مع بيروقراطية وحفظ السجلات الحديثة؛ ومفهوم «الحضارة» (كمفهوم أخلاقي مقابل «أمية» الآخرين)[31]. يمكن ملاحظتها جميعا في السياق الكردي وتم تناولها في الأدبيات العلمية[32]. يوضح أيضا كيف يتوافق تصوير أندرسن للشفاهية مع هذا، مستشهدا بحالات ترتبط فيها بالعواطف، على عكس الإدراك، المرتبط بالطباعة. وهكذا فإن الأمة «متخيلة» عبر الطباعة، ولكن «محببة» في الشفاهية[33].ستتم إعادة النظر في مسألة الإدراك والتأثير هذه لاحقا.

أحد المجالات الرئيسية للنقاش حول القضية الكردية هو أيديولوجية اللغة، والتي تُعرَّف على أنها «أي مجموعة من المعتقدات حول اللغة التي عبر عنها المستخدمون على أنها تبرير أو تبرير لبنية اللغة المتصورة واستخدامها[34]. تم انتقاد تأكيد رأسمالية الطباعة على أهمية مجال الاتصال الموحد: «يفترض أندرسن أن اللغة المشتركة هي شرط أساسي وظيفي” للجماعات “سواء تم تخيلها على أنها دينية أو قومية. في الواقع، هذا يتلخص في التعامل مع التجانس (اللغوي) باعتباره معيارا إنسانيا، وليس كمبدأ عرضي للنظرة القومية إلى العالم[35]. في الواقع، يدلي أندرسن بالتصريح الاستثنائي، “في ذلك الوقت [القرن السادس عشر] واليوم أصبح الجزء الأكبر من الجنس البشري أحادي اللون”[36]. وهنا يستشهد ووغان بجمبيرز: «ثنائية اللغة أو ثنائية الاتجاه تميل إلى أن تكون القاعدة وليست الاستثناء[37].من الواضح أن الأمة بالنسبة لأندرسن تتطور من ثنائية اللغة إلى أحادية اللغة، على الرغم من أنه، من الناحية النظرية، لا يجب أن يكون “المجال الموحد” للتواصل هو اللغة الأم لجميع أعضاء المجتمع المتخيل.

إذن، جزء ضروري من نموذج رأسمالية الطباعة هو توحيد اللغة. إن تأثير هذا على الكرد يستدعي بعض النقاش هنا. يشير سيلفرشتاين إليها على أنها «مشروع اجتماعي حديث وشامل[38]. يؤكّد ووغان بشدّة على التصنع الأساسي للأيديولوجية الغربية لتوحيد اللغة:

… إن تخيل الجماعة القومية على أساس معيار لغوي معين، وهو المعيار المهيمن الذي يتم الترويج له في المنتجات المطبعية مثل القواميس وكتيبات القواعد. تماما كما تدعي معايير اللغة هذالحيادا، “نظرة من العدم” بعيدة عن اللهجات والشوائب الأخرى، ابتكر أندرسون صورة مماثلة للأمة والطباعة المعيارية[39].

وبالمثل، على الرغم من وصف سيلفرشتاين الجماعات المتخيلة بأنه “كتاب صغير لامع”، إلا أنه ينتقد استعداد أندرسن الواضح لقبول الاستعارات التي تحافظ على أنظمة اللغة كأمر واقعي، رافضا كل الاختلافات والتعددية اللغوية والتباين اللغوي الموجود بالفعل[40].

بما أن الكرد يشكلون أقليات في دولهم الأصلية، فإن نقد ريناتو روزالدو لأندرسن مهم أيضا[41]. يعبر عن قلقه من تطور المعايير اللغوية والثقافية المهيمنة التي تتكشف كما يتخيله المجتمع القومي. أخذ مثال إيلونغوت/ Ilongot في القومية الفلبينية (التي ناقشها أندرسن في الواقع الخطاب الروائي[42]؛ يشدد روزالدو على محنة المستبعدين بسبب “التوحيد القسري” للأمة المتخيلة والصعوبات التي يواجهونها في الحصول على “المواطنة الثقافية”، التي تُعرّف على أنها “الحق في الاختلاف والانتماء، بمعنى ديمقراطي تشاركي[43].يتم إرسال الأطفال من قبل والديهم إلى المدارس الحكومية ويتم تشجيعهم على تعلم الدين «الفلبيني» وأساليب الزراعة؛ يمنح هذا الجيل الأصغر مزايا اقتصادية كبيرة، ولكنه ينشئ فجوة ثقافية بين الآباء والأطفال. لا يسعنا إلا التفكير في الوضع الكردي والقضايا المعقدة المتعلقة بالحصول على المواطنة الثقافية، خاصة في تركيا وسوريا[44].

بالنسبة لمعظم القرن العشرين، كان لدى جميع الدول القومية التي يسكنها الكرد، باستثناء الاتحاد السوفيتي السابق، لغات وطنية واحدة رسمية بالكامل، ولم يكن أي منها كرديا[45]. ربما كانت سياسة اللغة التركية هي الأكثر رسوخا في عملية بناء الدولة. تم وضع إصلاح لغة الجذور والفرع التي طهرت اللغة التركية من العديد من الاقتراضات “الأجنبية” (معظمها من العربية والفارسية). تم إدخال أبجدية لاتينية جديدة، فُصل خطاب الدولة عن الماضي العثماني، في وقت قصير، في حملة قادها أتاتورك نفسه، في عام 1928. مثّل إنتاج المعرفة الذي تسيطر عليه الدولة على مستوى الجامعة نماذج لغوية تركز على اللغة التركية مثل «نظرية لغة الشمس» في الثلاثينيات[46]. في المدرسة، تم تعليم الأطفال أن اللغة التركية أثبتت علميا أنها جميلة وذات مكانة عالية، وهي ممارسة مستمرة حتى اليوم[47]. قد ننظر في وصف سيلفرشتاين لعملية التوحيد القياسي:

… يكتسب المجتمع اللغوي ما يمكن أن نصنّفه معيارا للهيمنة فيما يتعلق بالتباين الذي يتم اختباره على أنه مساحة تباعد هرمية أو مخروطية: حيث يقع استخدام السجل القياسي في القمة والوسط، ويتم اختبار كل مجموعة متناسقة من التباين على أنها مجرد «لهجة» … وهكذا يصبح المعيار الذي يُعلِم (نموذج للتدريس) معيار مجتمع اللغة هو الشعار ذاته لوجود ذلك المجتمع، مع توزيع اجتماعي مميز للقوة ونمط الولاء الذي يمكن دراسته ببعض الدقة[48].

لم تكن سياسة اللغة المتجانسة هذه قاتلة فقط للأشكال المختلفة، “اللهجات المجردة” للتركية كتطهير اعتبره جيفري لويس “كارثة” ولكنها كانت أيضا كارثية على الكردية، والتي بحلول وقت إنشاء الجمهورية في عام 1923 لم يكن لديها أشكال محو الأمية التي كانت تمارس على نطاق واسع والتي حظيت بها بعض اللغات العامية الأخرى، مثل اليونانية والأرمنية.

كان الوضع في تركيا بالتأكيد حالة صراع لغوي، كما توضحه سكالبرت-يوجل[49]. اتسمت سياسة الدولة تجاه اللغة الكردية ببرنامج «التخفي»[50] تخلله فترات من التجريم الصريح. في عام 1924، تم حظر المدارس والمؤسسات والمنشورات الكردية. بعد ثورة ديرسم عام 1938، دخل حيز التنفيذ حظر لا يشمل النشر والتعليم فحسب، بل شمل أيضا استخدام اللغة الكردية في الحياة اليومية[51]. خلال هذه الفترة تم حظر مصطلحي «كردي» و «كردستان» وطور مصطلح «أتراك الجبل»، وتغيرت تسمية العديد من الأماكن إلى أسماء تركية[52]. بعد فترة من التخفيف في الستينيات وما تلاها من الانقلابات العسكرية، مرة أخرى فرض دستور عام 1982 قيودا صارمة على “اللغات المحظورة”[53]. في عام 1991، تم تشريع السماح للمطبوعات، ثم بعد فترة وجيزة، بدأ السماح للدروس الخاصة بتعليم اللغة (التي كانت قلة من الناس يستطيعون تحمل تكاليفها) متاحة، لكن كثيرا ما كانت هناك عقبات غير ضرورية[54]. في عام 2009، سمحت حكومة حزب العدالة والتنمية بالبث لمحطة تلفزيونية باللغة الكردية، TRT-6؛ كما شرعت في برنامج دمج التدريس الكردي في التعليم الجامعي الحكومي، على المستوى الجامعي، بدءا من جامعة ماردين في عام 2010. رغم ذلك، فمنذ التسعينيات، كانت هناك العديد من التقارير التي توثق عن المضايقات والاعتقالات والمحاكمات بحق أنشطة مختلفة، حتى في حالة إعطاء الطفل اسما  كرديا[55]، أو استخدام برامج حاسوبية باللغة الكردية في الأمور الإدارية المحلية او في استخدام الحروف غير التركية q وx و w في الإشعارات العامة. وفي خطاب الدولة التركية، بما في ذلك وسائل الإعلام، أعيد اصدار كلمات مشحونة مثل «الإرهاب» و «الانفصالية» و «العشائرية» و «المتخلفة» وربطها بالكرد[56]. في عام 1992 أعيد طباعة كتيب يحمل اسم مستعار يعود الى قبل الثورة عام 1918 يصف اللغة الكردية بأنها “بدائية”[57].

في إيران البهلوية (1925-1979) تم تقليد نموذج أتاتورك المركزي لبناء الأمة في العديد من النواحي وفرضت الفارسية كلغة رسمية وحيدة، على الرغم من تخفيف ذلك خلال فترات ضعف الحكومة مثل 1941-1953. شهدت جمهورية مهاباد الكردية (قصيرة العمر) عام 1946 زيادة ملحوظة في النشر باللغة الكردية[58]. كانت اللغة الكردية أفضل من اللغات “غير الآرية” مثل التركية، ولكن بحلول عام 1960 كانت لا تزال تُصنف على أنها “لهجة” فارسية. النشر الكردي لم يكن مسموحا به ولم يكن يدرس في المدارس. وأفاد مثقفون بإخفائهم  كتب وحفظ نصوص لتجنب حيازة مواد كردية مكتوبة. فرضت الدولة تطوير وتنقية اللغة الفارسية ووجدت «نظرية لغة الشمس» الفارسية[59]. كما هو الحال مع تركيا، تنطبق ملاحظات سيلفرشتاين المذكورة أعلاه، وكذلك استمرارها:

يميل أولئك الذين يتمتعون بأكبر قدر من الولاء لشعار المجتمع اللغوي، إلى تخيل وجود العضو المثالي الذي يستخدم المعيار في مجتمع اللغة كموقف متاح ديمقراطيا وعالميا لسكان المجتمع اللغوي الذي يمكن للجميع، بل وينبغي لهم أن يطمحوا إليه[60].

تجعل المكانة الرمزية للأدب الكلاسيكي الواسع هذا الأمر صحيحا بشكل خاص في إيران، حتى بعد فترة البهلوية. في ظل الجمهورية الإسلامية، يتم النشر، ولكنه يخضع للرقابة، ولا يوجد حتى الآن تعليم في المدارس الحكومية، على الرغم من أن بعض الجامعات افتتحت دورات تدريبية في بعض الحالات؛ والدروس الخصوصية، وهو الخيار القانوني الوحيد، بعيدة عن متناول الكثيرين[61].

في العراق، كانت الحقوق اللغوية والوضع الرسمي للكرد موجودة، لكن هذه كانت دائما أقل من المطالب الكردية، والتي كانت فكرة مهيمنة للمقاومة الكردية. خلال فترة الانتداب (1918-1932)، التي شهدت سياسة لغوية متناقضة إلى حد ما[62]، تم تدريس اللغة الكردية في السليمانية في المدارس الابتدائية حول تلك المدينة. ومع ذلك، فشل قانون اللغات المحلية في تلبية المطالب الكردية لاحتياجات المناطق الأخرى الناطقة باللغة الكردية (مناطق أربيل والموصل وكركوك) من حيث الهياكل التعليمية والإدارية. استمرت فترة النظام الملكي في هذه الأحكام – على مضض، وفقا لإدموندز [63]– وشهدت الفترة الجمهورية المبكرة التي أعقبت عام 1958 طفرة في الصحافة والنشر والبث. ومع ذلك، كانت الحقوق اللغوية في قلب المطالب التي قامت عليها ثورة الملا مصطفى بارزاني في أوائل الستينيات ومرة أخرى في السبعينيات. شهد عام 1970 اتفاقا تاريخيا تم بموجبه الاعتراف باللغة الكردية كلغة ثانية في العراق وتطبيقه في مؤسسات الدولة في المناطق الكردية؛ لم يتم حظره أبدا حتى بعد معاهدة الجزائر التي أنهت المقاومة الكردية الفعالة في عام 1975، على الرغم من وجود بعض الأدلة على أن نظام صدام حسين كان ينوي القيام بذلك[64].

بعد أحداث عام 1991[65]، أصبحت محافظات دهوك وأربيل والسليمانية الكردية مستقلة بشكل غير رسمي، وكانت التحركات لاستخدام اللغة الكردية في جميع إدارات الدولة والتعليم محدودة فقط بسبب نقص الموارد. كان البث، من خلال المحطات التلفزيونية المحلية ثم المحطات الفضائية، يطرح مشاكل أقل وكان غزير الإنتاج منذ البداية. إن نشر المجلات والصحف، ومعظمها (مثل محطات التلفزيون) لأحزاب سياسية معينة، وفير (على الرغم من قلة عدد المطبوعات) وكان هناك انخفاض ملحوظ بين الطلاب في معرفة اللغة العربية، فيما شهدت المرحلة زيادة الثقة باللغة الكردية. ومع ذلك، فإن نموذج التعليم ثنائي اللغة باللهجتين المنطوقتين في المنطقة يثير الكثير من الانتقادات المحلية.

تأثر الوضع في سوريا بالأحداث في كل من تركيا والعراق. في ظل الانتداب الفرنسي (1920-1946)، سُمح بالنشر (على الرغم من أنه لم يتم تدريسه في المدارس) وقام جيل من القوميين، وبعض اللاجئين من تركيا، بنشاط في النشر[66]. تم كبح الأمر، ثم أعيدت الكرة بعد الحرب العالمية الثانية التي أحيتها سياسة النظام البعثي، والتي يسميها حسنبور “القتل اللغوي”[67]، حيث تشبه سياسة تركيا في “التخفي”، إلى جانب سياسات التعريب في المناطق الكردية. منذ عام 1999، وخاصة بعد انتفاضة القامشلي عام 2004، برزت المطالب الكردية بالحقوق اللغوية، إلى جانب المطالب بحقوق المواطنة الكاملة. إلى وقت كتابة هذا التقرير، لا يزال الوضع في سوريا غير مستقر، لكن بالنسبة لكرد سوريا، فإن الوصول إلى “تعلم” لغتهم يخضع حالياً لسيطرة الأحزاب السياسية الكردية[68].

في الاتحاد السوفياتي كان الوضع متفاوتا عبر الجمهوريات المختلفة. وصنّف الكرد على أنهم «قومية»، وتطورت اللغة من خلال محو الأمية والتعليم والأدب والإذاعة والمنح الدراسية. كان هذا التطور خاضعا لتقلبات التاريخ السوفيتي – الرقابة الأيديولوجية، عدم النشر بين عامي 1937 وأوائل الخمسينيات، وبعد ذلك الأبجدية السيريلية لتحل محل الأبجدية اللاتينية التي شاركها الكرد السوفييت على الأقل مع بعض مواطنيهم. ومع ذلك، في أرمينيا، وإلى حد ما في جورجيا وأذربيجان وتركمانستان، تم التعليم باللغة الكردية في معظم الحقبة السوفيتية. شكل الكتاب الكرد جزءا من المثقفين المبدعين وفي أرمينيا كان لديهم قسم خاص بهم من اتحاد الكتاب. منذ عام 1991، انهار جزء كبير من هذه البنية التحتية الثقافية بسبب نقص التمويل. ومع ذلك، فإن نوع دعاية الدولة التي ميزت تركيا وإيران على وجه الخصوص، والتي خصت الكردية على وجه التحديد باعتبارها شكلاً لغويا أدنى، كانت أقل انتشارا في الدول السوفيتية.

بالتالي، يرزح معظم الكرد تحت عبء ثقيل من الأيديولوجية اللغوية العدائية التي تشمل تشويه الدولة لسمعة لغتهم في مقابل تثمين لغة رسمية “موحدة” و “حديثة”. على الرغم من أن حملة واسعة النطاق من أجل الحقوق اللغوية قد جاءت متأخرة نوعا ما، لا سيما في تركيا وسوريا، إلا أن ملاحظة تشاترجي تظل وثيقة الصلة بالموضوع:

بدأ المثقفون ثنائيو اللغة يفكرون في لغتهم على أنها تنتمي إلى ذلك المجال الداخلي للهوية الثقافية، والتي يجب إبعاد الدخيل الاستعماري عنها؛ لذلك أصبحت اللغة حيّزاً كان على الأمة أولاً أن تعلن سيادتها عليها ثم يتعين عليها التحول من أجل جعلها مناسبة للعالم الحديث[69].

لأجل هذا التحول، فإن توحيد المعايير أمر بالغ الأهمية. وقد لاحظ الباحثون أهميتها في الأوساط الفكرية الكردية[70]، وهي واضحة في جميع مراحل الخطاب. مرة أخرى، تتناسب ملاحظات سيلفرشتاين العامة حول المفاهيم المرتبطة بتوحيد اللغة مع المثال الكردي جيدا:

كما أنه، يتخيل أولئك الأشخاص الذين يتمتعون بأكبر قدر من الولاء للمعايير كشعار لجميع أنواع النتائج الجيدة التي تتبادر إلى أذهان المستخدم وشبكات التواصل الخاصة بالمستخدمين والمجتمع ومؤسساته نتيجة لغرس استخدام الكتاب المعياري. المثير للاهتمام بشكل خاص هنا هو الارتباط الخيالي لاستخدام المعيار بما يمكن أن نسميه العقلانية التفسيرية، والتي يُزعم أنها مثبتة في فعل صنع نص دلالة متماسك منطقيا، والحالة النقدية والتجريبية للعقل التي يُقال إن هذا يوضحها[71].

وهكذا، تظهر في الخطاب الكردي «الآراء الغربية العميقة للغة» حول عدم الرغبة في استخدام لهجة الأقلية والطبيعة «العلمية» للشكل القياسي السائد في سياسة اللغة التركية[72].والمثال الكلاسيكي هو الالتماس الذي وجهه 53 من «الأدباء والكتاب والأكاديميين الكرد» إلى حكومة إقليم كردستان في نيسان / أبريل 2008، للمطالبة بقبول اللغة الكردية السورانية «كمعيار» وطني على أسس مختلفة، بما في ذلك درجة «تطورها» الأكبر. وقد تسبب هذا في ردود صاخبة سواء مؤيدة أو معارضة، فيما يستمر الجدل، مع تبادل الانتقادات اللاذعة في وسائل الإعلام الكردية وعبر الإنترنت[73].

المخاوف الكردية الحالية بشأن توحيد اللغة هي مرحلة طبيعية في تطوير سياسة اللغة الكردية، بالنظر إلى البيئة السياسية للدول القومية. قد تفسر سياسات الهيمنة أيضا إلى حد كبير الأهمية المتصورة للإنتاج الأدبي[74]، وخاصة الروائي، والدافع الذي شوهد في بعض الدوائر لمتابعة البحث في الأدب الكردي المكتسب على حساب الخطاب الشفهي الكردي. صحيح أنه جرت محاولات جادة لإخفاء أو قمع الأدب الكردي والحياة الفكرية الكردية بشكل عام، ويجب تصحيح هذا الظلم. ومع ذلك، إذا افترضنا، في معالجة هذا الخطأ، أن الشفاهية لا يمكن أن تكون وسيلة للحياة الفكرية، وأنها دائما علامة على الجهل أو الركود، فإننا نخاطر بالوقوع في العقلية الأوروبية المركزية التي تسعى الدولة الكمالية إلى فرضها. سيكون من المجدي استجواب تصنيفات أندرسون وأنماط الفكر الأوروبية التي تقف وراءها والتي تقبل الافتراض القائل بأن توحيد اللغة بداهة تساوي التقدم، وأن الشفاهية مرتبطة بالعواطف وبالتالي هي أدنى من معرفة القراءة والكتابة، وأن الأمي يلعب دورا سلبيا فحسب في خيال الأمة. على الرغم من أن هذه الأفكار المتأصلة بعمق في التركيبات المعاصرة للأمة الكردية، إلا أنها لا تساعد في منهجياتنا عندما نسعى إلى تحليل طريقة عمل الخطاب الكردي.

ليست رأسمالية الطباعة كما نعرفها

لقد جادلت بأن “الآراء الغربية العميقة” للغة والثقافة المتضمنة في نموذج رأسمالية الطباعة تطلع أيضا خيال الأمة الكردية. إلى جانب هذه القضية المفاهيمية، لا تزال هناك مشكلة عملية لا يمكن التغلب عليها في تطبيق مصطلح ” رأسمالية الطباعة” على المناطق الكردية قبل التسعينيات، على الرغم من ازدهار الطباعة المحلية والبث الإذاعي في الستينيات. في أوروبا وفي “دول الكريول”، يشير المصطلح إلى ثقافة طباعة فاعلة قادرة على الوصول إلى الجميع، (على الرغم من أن القليل الذي يُقال عن الأميين، الذين قد يكونون عديدين جدا في الدول “الجديدة”). ومع ذلك، لم يكن لدى الكرد (ككل) وصول شامل إلى وسائل الإعلام التي تركز على الكرد، ولا يزالون يفتقرون إلى نظام تعليمي كردي شامل. فمعدلات معرفة القراءة والكتابة في المناطق المأهولة بالسكان الكرد أقل من المتوسط بالنسبة للدول القومية التي يعيش فيها الكرد[75].

على الرغم من انتشار اللغة العامية للأدب في المناطق الكردية منذ القرن الثامن عشر وما بعده[76]، إلا أن الطباعة وصلت في أواخر القرن التاسع عشر. أصبحت قصيدة الحاج قادر كويي التي كتبها عام 1890 والتي تقول كيف أصبحت الصحف والمجلات العصرية معروفة الآن[77].ومع ذلك، انتقل كويي في دوائر النخبة، حيث عاش في المراكز الحضرية وفي وقت لاحق من الحياة المرتبطة بعائلة بدرخان، الأمراء السابقين لجزيرة بوطان و (جنبا إلى جنب مع عائلة شمدينان النقشبندية)، قادة الحركة الكردية في نهاية عهد الإمبراطورية العثمانية[78].جاءت انتاجات المطبوعات الكردية المبكرة من منظمات وشبكات صغيرة من الأفراد النشطين من عائلات بارزة ومن الوجهاء الساعين إلى الهيمنة[79]. في ثلاثينيات القرن الماضي، جاء القوميون المنفيون الذين شكلوا تنظيم خويبون في سوريا من نفس الدوائر المحدودة[80].كان كل من ثريا وجلادت وكاميران بدرخان مسؤولين عن نشر المجلات الكردية الأولى، من كردستان (1898) إلى هوار (1932-44). وفي العراق، خلال النصف الأول من القرن العشرين، كانت الطباعة الكردية متقطعة واستمر بها عدد قليل من الأفراد الأقوياء مثل الأخوين موكرياني[81]. حتى في النصف الثاني من القرن، ظل عدد المنشورات (القانونية والسرية) لكل فرد من السكان منخفضًا[82].كانت أعلى معدلات معرفة القراءة والكتابة في أرمينيا، حيث كان القرويون والمهنيون يقرأون صحيفة كردية، “ريا تزه ” بانتظام، من عام 1930 حتى عام 1935 ومرة أخرى من عام 1955 حتى التسعينيات. أولى باحثو الإعلام الكردي أهمية كبيرة لظهور الطباعة الكردية كعلامة لبداية الخطاب حول الحقوق القومية[83].يصف حسنبور الصحافة الكردية بأنها «جهاز القومية الكردية[84]. يعبر شيخ الاسلامي عن الوضع بإيجاز:

يبدو من الآمن الإشارة إلى أن الصحافة الكردية لم تكن أبدا الوسيلة الجماهيرية التي من شأنها أن تمكن الكرد من تخيل أنفسهم كمجتمع واحد. لكن يمكن القول إن الصحافة صاغت أفكار وسياسات المثقفين والناشطين، الذين هم مهندسو القومية[85].

لا يمكن لأحد أن ينكر التأثير المنتشر لهؤلاء الرواد. إلا أنه، لم تتم قراءة منتجهم المطبوعة بصمت، كما هو الحال في نموذج رأسمالية الطباعة، ولكن تم تقديره وقراءته وتمريره وإعادة قراءته بصوت عالٍ والتعليق عليه ومناقشته بين دوائر الأشخاص المهتمين والموثوقين. هذه ليست رأسمالية الطباعة كما نعرفها، حيث يجلس مئات الآلاف يوميا أمام نفس الصحف، ولكن كانت طريقة اتصال أكثر تعقيدا.

جانب آخر من نموذج ” رأسمالية الطباعة” لا يتناسب مع السياق الكردي يتعلق بتوزيع معرفة القراءة والكتابة والمكانة الاجتماعية في كردستان. يجب أن نشكك في ملاحظة أندرسن بأن “البرجوازية الأمية بالكاد يمكن تخيلها[86].  ينتمي معظم الرجال المتعلمين إلى الدوائر الكتابية أو دوائر التعليم الديني؛ على الرغم من أن البعض كان يتمتع بسلطة حقيقية، إلا أن العديد منهم كان له تأثير محلي محدود. على النقيض من ذلك، كان العديد من زعماء القبائل وملاك الأراضي أميين، لكنهم كانوا رجالا مطلعين يتمتعون بمكانة سياسية واجتماعية هائلة، وبالكاد يمكننا الشك في تأثيرهم على الرأي العام الكردي الأوسع بين الطبقات الدنيا، خاصة قبل الستينيات[87]. مرة أخرى، نفكر في الجماهير المضادة التي ذكرتها فريزر، بدلا من المجال العام البرجوازي المتماسك.

وبالتالي، فإن ” رأسمالية الطباعة”، على الرغم من جاذبيتها من نواحٍ عديدة، هي فكرة يجب أن نتوخى الحذر منها في الدراسات الكردية. من الناحية المفاهيمية، يجب على أولئك الذين يسعون لاستخدامها أن يفهموا ويستجوبوا روابطها العميقة مع تلك المفاهيم الأيديولوجية الأوروبية المركزية للكتابة “العلمية” و”المتحضرة” التي تدعم أيضا الدول القومية. من الناحية التجريبية، لم يكن التزامن الواسع النطاق للمدخلات والذي يعد شرطا أساسيا لرأسمالية الطباعة جزءا من التجربة الكردية حتى أوائل التسعينيات، مع وصول المحطات التلفزيونية الفضائية الكردية. كما يفترض نموذج رأسمالية الطباعة توزيعا لمحو الأمية والوضع الاجتماعي (ناهيك عن الموارد المادية مثل المكتبات) التي لا تناسب المجتمع الكردي خلال معظم القرن العشرين. وبالتالي، فإن استخدام نموذج الرأسمالية المطبعية في أي منطقة كردية قبل الستينيات، وعالميا قبل التسعينيات، لن يكون حكيماً.

تخيل الأمة: ما وراء رأسمالية الطباعة

ومع ذلك، فإن رأسمالية الطباعة ليست سوى نموذج عمل أندرسن. إن فكرته المركزية بأن الأمة “متخيلة” – كما يتم تخيلها من خلال الخطاب – تظل صالحة ومفيدة. سوف يستكشف الجزء المتبقي من هذه المقالة كيف يمكن أن تعمل هذه الفكرة مع الدراسات الكردية دون عائق نموذج رأسمالية الطباعة.

يظهر شيخ الاسلامي بشكل مقنع أنه منذ منتصف التسعينيات، تم تخيل الأمة الكردية بتفاصيل متزايدة باستمرار من خلال وسائل الإعلام الجديدة للتلفزيون الفضائي والإنترنت. يمكن للكرد في كل من الدول الأصلية والشتات مشاهدة نفس نشرات الأخبار والأفلام الوثائقية والكوميدية وبرامج المسابقات، ويظهر التفاعل، الذي يظهر من خلال التعليقات عبر الإنترنت ومجموعة الأشخاص الذين يتصلون بالبرامج هاتفياً. عن طريق القنوات الفضائية الكردية، يتم تعويض الافتقار إلى “المجال اللغوي الموحّد” من خلال وسيلة بسيطة للبث متعدّد اللغات. يبدو أن الأدلة تظهر أن الجمهور يتعلم كيفية فهم المواد في أصناف غير مألوفة من اللغة الكردية. لدى الجمهور أيضا معرفة كاملة أكثر من السابق بالأحداث التاريخية في أجزاء أخرى من كردستان، والرموز الوطنية مثل العلم والخريطة[88]. في جانب التعبئة، لعبت المحطات الفضائية دورا رئيسا في المظاهرات في جميع أنحاء أوروبا بعد ترحيل عبد الله أوجلان إلى تركيا في عام 1999[89]. يقارن شيخي الاسلامي هذا بالنقص النسبي في التعبئة الكردية عقب القصف الكيميائي لحلبجة عام 1988، مما يشير بشكل معقول إلى أن الملكية الكردية لوسائل الإعلام الفضائية هي التي تضمن ثقة الجمهور. علاوة على ذلك، في عملي الميداني الخاص، كان معظم من قابلتهم من الناس (غير المثقفة) في شمال العراق (إقليم كردستان العراق) عام 1992 يعرفون القليل عن تاريخ الكرد في تركيا. في أواخر التسعينيات، أخبرني محاورون من شمال العراق (إقليم كردستان العراق) وتركيا يعيشون في أوروبا أنهم تعلموا تاريخ مناطق أخرى من كردستان في الشتات[90].

ومع ذلك فقد ضحى الكثيرون بحياتهم من أجل القضية الكردية قبل هذا التعليم الأيديولوجي المفصل – ألم يتخيلوا دولة كردية؟ اعتمدت الثورات السابقة – الشيخ سعيد (1925)، وسمكو (1919-1922)، والشيخ محمود برزنجي (1920)، وديرسم (1937-1987) – على شبكات الولاء القائمة على العشائر أو الدين. فشلت أرارات (1930) إلى حد كبير لأنها لم تستطع الاعتماد على تلك الدوائر. ومع ذلك، كان لدى القوميين الكرد إحساس بالوحدة الكردية منذ بدايات القرن العشرين على الأقل[91]. بحلول الستينيات من القرن الماضي، لمس الملا مصطفى بارزاني مجد جمهورية مهاباد المنكوبة (1946) ونفيه لاحقا إلى الاتحاد السوفيتي (1946-1958)، تمكن من تجنيد مقاتلين لحرب العصابات وأنصار سياسيين من خارج شبكات الولاء لعشيرته؛ امتد الدعم لحزبه الديمقراطي الكردستاني إلى ما وراء حدود العراق[92]. في الستينيات، قبل «الطابع العرقي» للحركات الكردية، كان بإمكان الناشطين الشباب في تركيا حشد أعداد كبيرة من المؤيدين للمطالبة بحقوقهم كأعضاء في قومية مختلفة، وفقا للأيديولوجية الاشتراكية[93]. اعتمد الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي تأسس عام 1975، على شبكات واسعة من التعاطف الاشتراكي. بحلول الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، تم تحفيز العديد من الكرد من خارج تركيا للانضمام إلى قوات حزب العمال الكردستاني المتمردة[94]. التعبئة الإنسانية الكردية، حيث حاول السكان المحليون على المستوى الشعبي تقديم مساعدات مادية للكرد (لم يكونوا بالضرورة من أقاربهم) بل من دول قومية أخرى، لوحظ من قبل المجتمع الدولي لأول مرة بعد حرب الخليج في مقدمة لـ «عملية توفير راحة “؛ ولكنه كان أمرا مألوفا منذ الحرب الإيرانية العراقية. كل هذه الأمثلة، سياسية وإنسانية، تفترض مسبقا فكرة مطورة إلى حد ما عن الكردية المشتركة بمعنى «مجتمع يعاني». من المؤكد أن أندرسن محق في تأكيده على دور الرابطة العاطفية لتخيل المجتمع[95].

هل الأفكار الكردية المشتركة والمعاناة المشتركة شيء مختلف عن «تخيل» الأمة؟ هل تبقى الأمة غير متخيلة عندما يكون لدى أعضائها فهم محدود للتاريخ أو للشؤون الجارية؟ هل من معايير الخيال الكامل للمجتمع هو معرفة بعض العناصر القومية التي تعتبرها الحركة أساسية، الذي هو نوع من الوعظ؟  بالتأكيد لا، بل لقد أظهرت الدراسات المتعمقة لبوزرسلان وغورغاس تيجل وواتس[96] مدى تعقيد تطور القومية الكردية ومقاومة مخطط شامل يناسب جميع المجالات. يبدو أحياناً أن السؤال «متى بدأت القومية الكردية؟» وصلت إلى طريق مسدود من الخلافات حول متى تصبح «الكردية» أو «القومية البروتونية» أو حتى «القومية الإقطاعية» «قومية»[97]. تعود “الآراء الغربية العميقة” التي ينتقدها ووغان إلى الظهور مرة أخرى، ويتساءل المرء في بعض الأحيان عن عدد المربعات التي يحتاجها الكرد لوضع علامة عليها قبل اعتبارهم “أمة”. من الواضح أن شيخ الاسلام يشعر بالحاجة إلى التفكير على نطاق أوسع:

… ليست كل القوميات سياسية: بعضها ثقافي والبعض الآخر يجمع بين الاثنين … بما أن القوميات تخلق كل الأمم … يمكن للمرء أن يقترح أن بعض هذه الأمم يمكن أن تكون سياسية من البداية (أي دولة – أمة)، البعض الآخر قد يكون ثقافيا في البداية (مثل الأمة)، ثم يصبح سياسيا وثقافيا (دولة قومية)[98].

مثلُ شيخ الاسلامي، أنا أفضّل وجهة نظر أوسع. أملي الشخصي هو التفكير في مجتمع أكثر “ضبابية” كما أوضح كافراج وناقشه شاترجي.

…. المجتمع [الذي] لم يدّعِ أنه يمثّل أو يستنفد جميع طبقات الذات لأعضائه … المجتمع، على الرغم من أنه يمكن تحديده بدقة لجميع الأغراض العملية للتفاعل الاجتماعي، إلا أنه لم يطلب من أعضائه أن يسألوا كيف كان الكثير منهم في العالم[99].

وهذا يعني مفهوم المجتمع الكردي الأوسع، والكردية خارج المنطقة الأصلية للفرد والمناطق الكردية في الدولة القومية، والتي يشعر الفرد بالانتماء إليها. من خلال دراسة التدفقات الفوضوية للخطاب في بعض الأحيان، أود أن أزعم أننا قد نتوصل إلى فهم أكثر تفصيلاً لكيفية تحديد هذه المفاهيم والنقاش حولها.

قد تدفعنا فكرة أندرسن عن رأسمالية الطباعة إلى التركيز على النص كموضوع على حساب العمليات المحيطة بالنص، مثل الترميز[100] ونقله. كشفت الدراسات السابقة لشبكات التبادل والبث عن الكثير. قد نستشهد بالعمل التاريخي لكلاين[101]، بالإضافة إلى هاكان أوز أوغلو وغورغاس تيجل حول القوميين الأوائل والحكم الذاتي، ودراسة سكالبرت يوسيل البورديوسية للجهات الفاعلة في المجال الاجتماعي للأدب الكردي، والتي تم وضعها في سياق الصراع اللغوي في تركيا[102].منظور مفيد آخر للدراسة هو الفضاء الاجتماعي أو الساحة التي يتم فيها تبادل خطابات الكردية. يذكر سكالبيرت يوسيل السجن كمكان للتعلم للعديد من المؤلفين[103]. اعتبرتها يوكسل مدرسة[104]. كانت حركات حرب العصابات نفسها ساحة للتعلم والتفاعل، حيث ترافقت اجتماعات أيديولوجية منظمة عقدها حزب العمال الكردستاني في الجبال والمزيد من عمليات تبادل المعرفة المخصصة التي وصف بها مقاتلو بيشميركه السابقون في الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني[105]. يذكر كاناكيس استخدام الموسيقى والرقص والكلمات في شوارع ومقاهي المدن الكردية، وتحديدا هكاري (سيصدر قريباً)؛ تسلط إيمي دو لا بريتك الضوء على الفضاء الأنثوي: العلاقات بين الأم والطفل، تجمعات النساء (مرتقب). قد يستشهد المرء أيضا ببيوت الضيافة التقليدية في القرية (دار الضيافة/ dîwanxane ) أو (الأمسية/ şevberk ) ومناسباتها، والجنازات، سواء كانت واسعة النطاق ومسيسة أو أكثر عائلية وقروية، والمساحات المسيسة علنا – من التجمعات الضخمة والحفلات الموسيقية ونوروز الاحتفالات، عبر بيوت الطلاب في أنقرة حيث تم صياغة وصقل أيديولوجية حزب العمال الكردستاني[106] في ورشة مهدي زانا في سليفان في الستينيات[107]. لا ينبغي التغاضي عن المساحات المملوكة للدولة أيضا، مثل المدرسة وقاعة المحكمة، حيث تحدث أشكال مشفرة من الاتصال والطعن.

في كل هذه الأماكن الاجتماعية، يتم تنفيذ وتبادل مجموعة واسعة من أنواع الكلام؛ فهم طريقة عملهم وتفاعلاتهم أمر بالغ الأهمية لفهم الخطاب على نطاق أوسع. إن المنهجيات المعروفة لدراسة الخطاب تركز جميعها بقوة على النوع والسياق. تعمل CDA على مستويات الممارسة الاجتماعية والثقافية وممارسة الخطاب والممارسة النصية[108]؛ يأخذ تحليل الرابطة في الاعتبار نطاق الممارسات الدلالية والخطابية المحيطة بأحداث معينة[109]؛ تشير الإثنوغرافيا الخاصة بالتحدث وعلم الإثنوغرافيا إلى السياق الاجتماعي وأشكال الخطاب[110].تتبع كارين باربر التقليد الأخير وتنظر في كيفية استقطاب الخطاب لجماعة جديدة وصياغة هويات جديدة[111]، باستخدام مفهوم باختين عن نوع الكلام[112] والتركيز بشكل كبير على الاستقبال[113]. قد تطور هذه الأساليب فكرة أندرسون عن خيال المجتمع من خلال الخطاب، بينما تنهار الثنائيات غير المفيدة المتضمنة في الجماعات المتخيلة، مثل الشفهية / معرفة القراءة والكتابة والإدراك / العاطفة.

للعثور على طرق أكثر إنتاجية للتفكير حول الشفهية ومحو الأمية، يجب أن نترك فكرة أي ارتباط حصري بين محو الأمية والنص. النصوص، بما في ذلك المخرجات الأدبية للمؤلفين الكرد الأعزاء، لعبت دورا مهما في خطابات الكردية، والتي لا يمكننا استبعادها. لكن “النص” لا يدل على الإنتاج الأدبي فحسب، بل إلى الإنتاج الشفاهي أيضا؛ أود بشكل عام أن أتبع تعريف باربر للنص على أنه جزء من الخطاب تم إنشاؤه (كما رأينا في اشتقاقه من texere “لنسج”) والذي تم نقشه أو وضعه بطريقة يمكن إزالته من سياقه ووضعه. في مكان آخر[114]. يصف مصطلح سيلفرشتاين “الأداة النصية”[115] قيمته المحتملة بشكل مفيد ويشير إلى مجموعة كاملة من العمليات المحيطة بالإنتاج والاستهلاك ونقل القطع الأثرية.

هناك العديد من النصوص الكلاسيكية للكردية. دون إعادة فتح السؤال الذي لا معنى له حول ما إذا كان الكاتب الكردي أحمدي خاني من القرن السابع عشر قوميًا أم لا (أو ما قصده بالفعل بمصطلحات «كردي» أو «عربي» أو «تركي» أو «فارسي»)، يمكن للمرء أن يلاحظ أنه في مطلع القرن الثامن عشر كتب عن الكرد على أنهم متميزون عن الآخرين، وقادرون على ممارسة السلطة السياسية في ظل القيادة الصحيحة، واستحقاق الأدب بلغتهم الخاصة. وقد تمت قراءته على نطاق واسع باللغة الكردية في القرون التالية[116]. كتب الشيخ عبيد الله عن الكرد على أنهم «شعب منفصل» في عام 1880. قام الشاعر كويي، معلم أبناء بدرخان، بتحويل مفاهيم اللغة والهوية من أسلافه، نالي وكوردي وسليم، إلى لغة أكثر قومية، والتي ألهمت بعد ذلك ليس فقط الإخوة بدرخان، ولكن أيضا الشعراء القوميين في القرن العشرين جكرخوين/ Cigerxwîn، دلدار/Dildar، بيرمرد/ Piremêrd وآخرون. انضم الروائيون في أواخر القرن العشرين إلى الشعراء وكتاب المقالات المعاصرين. مثل هذه الأمثلة العزيزة، والتي لا يمكن سردها هنا، مكرسة في مختارات وتواريخ الأدب الكردي. أصبحت القائمة متعارف عليها تقريبًا.

كما ذكرنا سابقا، تم نشر مثل هذه النصوص الرئيسية للكردية، سواء كانت أدبية أو صحفية أو سياسية، بطرق معقدة. النصوص والاقتباسات المستخدمة في اللكنات والأفكار من النصوص المرموقة أو المفكرين، منتشرة على مسافات كبيرة. يمكننا أن نرى من تفاعلات الضباط السياسيين البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى وفترة الانتداب مع الأعيان الكرد – رجال الدين وزعماء القبائل وملاك الأراضي[117] – أنه على الرغم من قلة توزيعها وطبعها[118]، الأفكار المعبر عنها في المجلات الكردية المنشورة في المراكز الحضرية انتشروا إلى ما هو أبعد من النخبة في القراءة العامة في شرق الأناضول والجزيرة السورية وشمال العراق[119]. غالبا ما يشير التاريخ الشفوي للحركات القومية الكردية إلى الإخفاء والحماية ونقل النص بعناية[120]. كما يجب ألا ننسى الكم الهائل من النصوص الشفوية، المنطوقة والمغنية. شكلت هذه العناصر عنصرا رئيسا في الخطابات المحلية للهوية، ومع تقدم القرن واستقرت أفكار “الفولكلور” كمورد وطني عن الهوية الكردية الأوسع[121]. في نهاية الطيف الأكثر “روعة” تكمن الحكايات الشعبية والرومانسية الشعبية مثل (ممي آلان/ Memê Alan [122]؛ أقرب إلى «التاريخ» تقترب من الأحداث التاريخية مثل قلعة دمدم[123]، وقصة عائلية كما رويت للزوار والأجيال الشابة والعديد من الأغاني. قصص تروي المعارك والحب والخسائر في القرى وبين القبائل التي عاشها أقارب لا يزالون على قيد الحياة حتى اليوم[124].

نحن هنا نقترب من مسألة الإدراك / التأثير الثنائي. بعض الأنواع، مثل كلمات المعارك والبطولة والحب الضائع، كانت شائعة للغاية. مثل الأغنية الغربية، قد تكون هذه الأغاني الكردية أكثر ثراءً من المعلومات وقد تحتاج إلى شرح لجمهورها. إنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بمشاعر الهوية، مما يثير الحنين إلى التجارب الإنسانية للفرد [125]؛ كانوا مرتبطين سابقا بمشاعر الانتماء الإقليمية والمحلية، وهم الآن يلهمون المشاعر المرتبطة بالكردية الأوسع. في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لم تكن هذه الأنواع مجرد مقاطعة لغير النخبة؛ كانت تؤدّى ليس فقط في دور ضيافة القرى، ولكن أيضا للأغوات وزعماء القبائل (وكثير منهم وظّف مغنّين خاصين بهم). واستمر البدرخانيون في تثمينهم أكثر، من خلال تضمينهم في كتاباته الخاصة، وخاصة في هوار. وجدوا جمهوراً متحمساً في عدد قليل من المحطات الإذاعية التي تبث مواد كردية. بعد اختراع الكاسيت، شهدت الثمانينيات والتسعينيات انتشارا واسعا لأعمال الموسيقى الكردية. اعتمدت العديد من الأغاني السياسية الأكثر شعبية (جديرة بالملاحظة في تشكيل جماهير جديدة)[126] على الألحان والتعابير الخاصة بالأنواع التقليدية. وبالنظر إلى الارتباط الوثيق بين التأثير والتعبئة، فإن مثل هذه الأنواع هي جزء أساسي من خيال الأمة، إلى جانب النصوص الأدبية والأيديولوجية والصحفية. ومع ذلك، فهي مرتبطة بروايات تاريخية قيّمة يتم تقديمها غالبًا جنبًا إلى جنب مع أنواع الكلام التي تنقل معلومات “معرفية” (في صفحات منشورات مثل هوار، أو في dîwanxane، أو في تجمع سياسي). كل من هؤلاء والمواد السياسية والفكرية التي تظهر بشكل علني تجلب مشاعر قوية مرتبطة بالانتماء إلى المجتمع المتخيل الذي يثيره الخطاب. إذن، من الصعب للغاية فصل الإدراك والتأثير، وقد يتشابكان بشكل عميق ليس فقط في نفس الأداء، ولكن في نفس الكلام.

الخاتمة

أندرسن هو منظّر يجب استجوابه بجدية في الدراسات الكردية. هذه الأنماط الفكرية الأوروبية المركزية التي تدعم نموذج رأسمالية الطباعة تدعم أيضا سياسة اللغة في الدول التي يعيش فيها الكرد، وداخل المعارضة الكردية؛ من السهل علينا جميعا، الأوروبيون والكرد على حد سواء، استيعاب تلك الافكار. سوف تتطور السياسة الكردية بطريقتها الخاصة، ولكن بالنسبة لأولئك الذين هم منا، ممن يعملون في المجال الأكاديمي، من المهم استخدام نموذج لا يضع مثل هذه الافتراضات، والذي لا يعطي تلقائيا قيمة أكبر لمحو الأمية من الشفاهية، ولا للإدراك أكثر على التأثير، ولكن الذي يفحص دور كل هذه الطرائق، ويفكر من منظور الطيف الواسع بدلاً من الثنائيات. لا تخدم رأسمالية الطباعة كنموذج السياق الكردي جيدا، على الأقل بالنسبة لمناقشات الفترة التي سبقت التسعينيات. ومع ذلك، فإن فكرة أندرسن الأوسع عن تخيل الأمة من خلال الخطاب تعتبر وثيقة الصلة بالموضوع. يمكن أن توفر دراسات الخطاب الكردي، عبر العديد من الأنواع والسياقات، اتجاهات جديدة في الدراسات الكردية، تكشف الكثير عن استراتيجيات التفاوض على الهوية وتطوير اتجاهات جديدة في هذا المجال، والابتعاد عن دراسات هيمنة الدولة مقابل المقاومة الكردية نحو دراسات الديناميكيات واستراتيجيات الدوائر الكردية البينية.

يجب أن يلهمنا تعقيد البناء الخطابي الكردي ورفضه التوافق مع النماذج النظرية المنظمة لمواجهة العديد من الأفكار الأكاديمية التي تم تلقيها. ربما علينا أن نفكر على نطاق أوسع في الشفهيات البرجوازية، في المجالات العامة البروليتارية. بالتأكيد يجب أن نلاحظ ما “يناسب” (نا) وما لا يناسبنا. أندرسن هو مثال على ذلك: ” رأسمالية الطباعة ” قد لا تعمل من أجلنا، ولكن مع فكرة تخيل المجتمع من خلال الخطاب، فقد قدم بعض السبل المثيرة لمزيد من البحث ولهذا قد نشكره بشكل مشروع.


[1] ] المترجم]: رأسمالية الطباعة هي نظرية يقوم عليها مفهوم الأمة، كمجموعة تشكل مجتمعا متخيلا، والذي يظهر مع لغة مشتركة وخطاب ناشئين عن استخدام المطبعة، والتي تنتشر بفعل السوق الرأسمالي. وقام رواد الأعمال الرأسماليون بطباعة كتبهم ووسائطهم باللغة المحلية (بدلا من اللغات النصية الحصرية، مثل اللاتينية) من أجل تعميمها بشكلٍ أوسع. ونتيجة لذلك، أصبح القراء يتحدثون اللهجات المحلية المختلفة قادرين على فهم بعضهم البعض، وظهر خطاب مشترك. وقال أندرسون أن أول الدول القومية الأوروبية تشكلت بالتالي حول «لغات الطباعة الوطنية». ويكبيديا: https://en.wikipedia.org/wiki/Print_capitalism

[2] Nancy Fraser (1990): « Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing Democracy, » Social Text 25/26, p. 57. https://doi.org/10.2307/466240

[3]  Jaffer Sheyholislami (2011): Kurdish identity, discourse, and new media, New York, Basingstoke, Palgrave Macmillan.

[4] Maria T. O’Shea (1994): « Between the Map and the Reality. Some Fundamental Myths of Kurdish Nationalism, » Les Kurdes et les États, Peuples Mediterranéens 68-69, p. 165. URL: https://www.researchgate.net/publication/316627778_Between_the_map_and_the_reality_some_fundamental_myths_of_Kurdish_nationalism.

[5] David McDowall (1996): A modern history of the Kurds, London, IB Tauris; Hamit Bozarslan (1997): La question kurde : États et minorités au Moyen-Orient, Paris, Presses de Sciences Po ; Idem (2007): « Kurdish Nationalism under the Kemalist Republic: some hypotheses, » in Mohammed M.A. Ahmed and Michael M. Gunter (eds.), The evolution of Kurdish nationalism, Costa Mesa, Mazda Publishers, p. 36-50; Gareth R.V. Stansfield (2003): Iraqi Kurdistan: political development and emergent democracy, London, Routledge, Curzon; David Romano (2006): The Kurdish nationalist movement: opportunity, mobilization, and identity, Cambridge Middle East studies, Cambridge, New York, Cambridge University Press.

[6] Maria T. O’Shea (2004): Trapped between the map and reality: geography and perceptions of Kurdistan, New York, London, Routledge; Jaffer Sheyholislami, op. cit.

[7] Peter Wogan (2001): « Imagined Communities reconsidered: is print-capitalism what we think it is? » Anthropological Theory 1:4, p. 403-418. DOI : 10.1177/14634990122228809.

[8] Amir Hassanpour (1992): Nationalism and language in Kurdistan, 1918-1985, San Francisco, Mellen Research University Press; Hashem Ahmadzadeh (2003): Nation and novel: a study of Persian and Kurdish narrative discourse, Acta Universitatis Upsaliensis Studia Iranica Upsaliensia, Uppsala, Uppsala Universitet; Jaffer Sheyholislami, op. cit.

[9] Jordi Tejel Gorgas (2007): Le mouvement kurde de Turquie en exil: Continuités et discontinuités du nationalisme kurde sous le mandat français en Syrie et au Liban (1925-1946), Berne, Peter Lang; Abbas Vali (ed.) (2003): Essays on the origins of Kurdish nationalism, Costa Mesa, Mazda Publishers; Clémence Scalbert-Yücel (2005): « Conflit Linguistique et Champ Littéraire kurde en Turquie, » PhD thesis, Sorbonne–Paris IV, Paris; Nicole F. Watts (2010): Activists in office: Kurdish politics and protest in Turkey, Seattle, University of Washington Press.

[10] Nicole F. Watts (2012): « The Role of Symbolic Capital in Protest: State-Society Relations and the Destruction of the Halabja Martyrs Monument in the Kurdistan Region of Iraq, » Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East 32:1, p. 70-89. DOI:10.1215/1089201X-1545327 

[11] Nancy Fraser, op. cit.

[12] Jaffer Sheyholislami, op. cit.

[13] Estelle Amy de la Bretèque (2007): « La Passion du Tragique: Paroles Mélodisées chez les Yézidis d’Arménie, » PhD thesis, Paris X, Nanterre; Metin Yüksel (2011): « Dengbêj, mullah, intelligentsia: The survival and revival of the Kurdish-Kurmanji language in the Middle East, 1925-1960, » PhD, Department of Near Eastern Languages and Civilisations, University of Chicago, Chicago.

[14] Partha Chatterjee (1993): The nation and its fragments: colonial and postcolonial histories, Princeton, N.J, Princeton University Press; Renato Rosaldo (1994): « Social Justice and the Crisis of National Communities, » in Frances Barker, Peter Hulme and Margaret Iverson (eds.), Colonial Discourses and Postcolonial Theory, Manchester, Manchester University Press; Michael Silverstein (2000): « Whorfianism and the Linguistic Imagination of Nationality, » in Paul V. Kroskrity (ed.), Regimes of language: ideologies, polities and identities, Oxford, James Currey, p. 85-138; Peter Wogan, op. cit.

[15] Cf. Pierre Bourdieu (1992): Language and Symbolic Power, Cambridge, Polity Press, p. 111

[16] Michael Silverstein, op. cit., p. 117-8; Karin Barber (2007): The Anthropology of Texts, Persons and Publics: oral and written culture in Africa and beyond, Cambridge, Cambridge University Press.

[17] Benedict R. O’G. Anderson (1991): Imagined communities: reflections on the origin and spread of nationalism, London, Verso, p. 39-40.

[18] Ibid., p. 44-46.

[19] Karin Barber, op. cit., p. 142.

[20] E.g. Rosalind Thomas (1992): Literacy and orality in ancient Greece, Cambridge, Cambridge University Press; Michael T. Clanchy (1993): From memory to written record: England 1066-1307. 2nd ed. Cambridge, Mass., Oxford, Blackwell.

[21] Brian V. Street (1984): Literacy in theory and practice, Cambridge, Cambridge University Press.

[22] Ruth Finnegan (1988): Literacy and orality: studies in the technology of communication. Oxford, Blackwell.

[23] Karin Barber, op. cit.

[24] Graham Furniss (2004): Orality: the power of the spoken word, Houndmills, Palgrave Macmillan.

[25]  Sylvia Scribner and Michael Cole (1981): The psychology of literacy. Cambridge, Mass., London, Harvard University Press.

[26] Graham Furniss, op. cit., p. 131-141.

[27] Benedict R. O’G. Anderson, Imagined Communities, p. 39.

[28] Karin Barber, op. cit.; Richard Bauman and Charles Briggs (1990): « Poetics and Performance as Critical Perspectives on Language and Social Life, » American Review of Anthropology 19, p. 59-88. URL: http://www.jstor.org/stable/2155959.

[29] [المترجم] يشير تحديد السياق في علم اللغة الاجتماعي إلى استخدام اللغة (كل من اللغة المنطوقة ولغة الجسد) للإشارة إلى الجوانب ذات الصلة بالتفاعل أو الموقف التواصلي. قد يشمل ذلك أدلة على من يتحدث، وعلاقته، ومكان حدوث المحادثة، وغير ذلك.

[30] See Philip G. Kreyenbroek (1995): Yezidism: its background, observances and textual tradition, Lewiston, N.Y., Lampeter, Edwin Mellen.

[31]  Peter Wogan, op. cit., p. 412.

[32] On religions of the Book, see Philip G. Kreyenbroek, Yezidism; Philip G. Kreyenbroek and Khalil Jindi (2005): God and Sheikh Adi are perfect: sacred poems and religious narratives from the Yezidi tradition, Wiesbaden, Harrassowitz; on modern scientific thought, see Eszter Spät (2005): « Changes in the Oral Tradition of the Yezidis of Iraqi Kurdistan, » Journal of Kurdish Studies 5, p. 73-82; on historicity, archives and the nation-state, see Yavuz Aykan (2013): « Unacknowledged Memory: The nineteenth-century Ottoman Empire and the Ambivalence of National Memory in the Turkish Republic, » in Philip G. Kreyenbroek, Christine Allison (eds.), Remembering the Past in Iranian Societies, Wiesbaden, Harrassowitz, p. 78-93. URL: https://www.academia.edu/18518702/Unacknowledged_Memory_The_nineteenth-century_Ottoman_Empire_and_the_Ambivalence_of_National_Memory_in_the_Turkish_Republic; on the notion of « civilization », see Dicle Koğacıoğlu (2004): « The Tradition Effect: Framing Honor Crimes in Turkey, » Differences 15:2, p. 118-151. DOI : 10.1215/10407391-15-2-118; Mesut Yeğen (1996): « The Kurdish State Discourse and the Exclusion of Kurdish Identity, » Middle Eastern Studies 32:2, p. 216-229. DOI : 10.1080/00263209608701112; Selim Deringil (2003): « ‘They Live in a State of Nomadism and Savagery’: The Late Ottoman Empire and the Post-Colonial Debate, » Comparative Studies in Society and History 45, p. 311-342, DOI : 10.1017/S001041750300015X.

[33] Peter Wogan, op. cit., p. 411.

[34] Michael Silverstein (1979): « Language Structure and Linguistic Ideology, » in P. R. Clyne, W.F. Hanks and CL Hofbauer (eds.), The Elements: A Parasession on Linguistic Units and Levels, Chicago, Chicago Linguist. Soc., p. 193.

[35] Daniel Segal and Richard Handler (1992): « How European is Nationalism? » Social Analysis 32, p. 1-15. URL: http://www.jstor.org/stable/23164547.

[36] Benedict R. O’G. Anderson, op. cit., p. 38

[37] John J. Gumperz (1982): Discourse strategies, Cambridge, Cambridge University Press, p. 20; cited by Peter Wogan, op. cit., p. 408.

[38] Michael Silverstein, op. cit., p. 121.

[39] Peter Wogan, op. cit., p. 410.

[40] Michael Silverstein, op. cit., p. 129.

[41] Renato Rosaldo, op. cit.

[42] Benedict R. O’G. Anderson, op. cit., p. 26ff.

[43] Renato Rosaldo, op. cit., p. 241, 243.

[44] cf. Mesut Yeğen, op. cit.

[45] Kurdish, a Western Iranian language, has two major dialects, Kurmanji (spoken in Turkey, Syria, the Caucasus and parts of Iraq and Iran) and Sorani (dominant in Iraq and Iran), alongside two smaller variants, Zaza and Gorani/Hewrami. See Geoffrey Haig, and Yaron Matras (2002): « Kurdish linguistics: a brief overview, » Sprachtypol. Univ. Forsch. (STUF) 55:1, p. 3-14. URL: https://www.uni-bamberg.de/fileadmin/aspra/bib-haig/kurdish_linguistics_a_brief.pdf; Philip G. Kreyenbroek (1992): « On the Kurdish Language, » in Philip. G. Kreyenbroek and Stefan Sperl (eds.), The Kurds: An Overview, London, Routledge, p. 68-83.

[46] For this and the « Turkish History Hypothesis » see Geoffrey Haig (2003): « The Invisibilisation of Kurdish: The other side of language planning in Turkey, » in Geoffrey Haig and Stefan Conermann (eds.), Die Kurden: Studien zu Ihrer Sprache, Geschichte und Kultur, Schenefeld, EB-Verlag, p. 121-150

[47] Yiannis Kanakis (2013): « Dancing the future of Hakkari’s past, according to 9-year-old Ayfer, » in Philip G. Kreyenbroek, Christine Allison (eds.), Remembering the Past in Iranian Societies, Wiesbaden, Harrassowitz, p. 113-123; See Tove Skuttnabb-Kangas, and Sertaç Bucak (1994): « Killing a mother tongue – how the Kurds are deprived of linguistic human rights, » in Tove Skuttnabb-Kangas and Robert Phillipson (eds.), Linguistic Human Rights: Overcoming Linguistic Discrimination, Berlin, New York, Mouton de Gruyter, p. 347-370. URL: http://people.cas.sc.edu/dubinsk/LING240/readings/Skutnabb-Kangas.Bucak.1994.Killing.a.mother.tongue.pdf.

[48] Michael Silverstein, op. cit., p. 122.

[49] Clémence Scalbert-Yücel, op. cit.

[50] Geoffrey Haig, op. cit., p. 131.

[51] Philip G. Kreyenbroek, op. cit..

[52] See Geoffrey Haig, op. cit., p. 135-136; Mehmet Fırat (1961): Doğu İlleri ve Varto Tarihi (The History of Varto and the Eastern Provinces), Ankara, IQ Kültür Sanat.

[53] Philip G. Kreyenbroek, op. cit., p. 75; Tove Skuttnabb-Kangas and Sertaç Bucak, op. cit., p. 355.

[54] E.g.: European Commission Against Racism and Intolerance Third Report on Turkey, June 2004. URL: http://hudoc.ecri.coe.int/XMLEcri/ENGLISH/Cycle_03/03_CbC_eng/TUR-CbC-III-2005-5-ENG.pdf.

[55] Senem Aslan (2009): « Incoherent State: The Controversy over Kurdish Naming in Turkey, » European Journal of Turkish Studies 10. URL: https://ejts.revues.org/4142.

[56] Mesut Yeğen (1999): « The Kurdish Question in Turkish State Discourse, » Journal Of Contemporary History 34:4, p. 555-568. URL: http://www.jstor.org/stable/261251; Aykan, op. cit.

[57] « Dr. Fritz » (1992): Kürtlerin tarihi (History of the Kurds), Istanbul, Hasat Yayınları.

[58] William Eagleton (1963): The Kurdish Republic of 1946, Oxford, Oxford University Press.

[59] Amir Hassanpour, op. cit., p. 125-130.

[60] Michael Silverstein, op. cit., p. 122.

[61] Jaffer Sheyholislami, op. cit.

[62] Amir Hassanpour, op. cit., p. 103-107.

[63] Ibid., p. 118.

[64] Jaffer Sheyholislami, op. cit., p. 64.

[65] The Gulf War, the uprising in the Kurdish areas, the imposition of the « no-fly zone » and the inception of the Kurdish autonomous zone.

[66] Jordi Tejel Gorgas, op. cit.

[67] Amir Hassanpour, op. cit., p. 139.

[68]  I am grateful to Thomas McGee for information on the Kurds of Syria.

[69] Partha Chatterjee, op. cit., p. 7.

[70] « What is important … is the perception of Kurdish nationalists and elites regarding the necessity of a standard unifying Kurdish language. Given this perception, the status quo of political-educational-linguistic division will be seen by them as highly unsatisfactory, and they will seek out remedies for the situation. » David Romano (2002): « Modern Communications Technology in Ethnic Nationalist Hands: the case of the Kurds, » Canadian Journal of Political Science/Revue Canadienne de Science Politique 35:1, p. 132-133. DOI : 10.1017/S0008423902778207.

[71] Michael Silverstein, op. cit., p. 122.

[72] In the current climate where accusations of « Kemalism » have been levelled against those who prefer to use the Latin alphabet, I should emphasise that the issue of alphabets is not part of my argument; it is the standardising « one nation-one language » policy which rejects « dialects » and « variants » as inferior which I would cite as consistent with Kemalism.

[73] See Hassan Ghazi (2009): « Language standardisation and the question of the Kurdish varieties: The language debate in Iraqi Kurdistan, » Kurdish Academy of Language http://www.kurdishacademy.org/?q=node/582.

[74] Cf. Timothy Brennan (1990): « The National Longing for Form, » in Homi Bhabha (ed.), Nation and Narration, London, Routledge, p. 44-71. DOI : 10.1007/978-1-349-20079-5_4.

[75] Jaffer Sheyholislami, op. cit., p. 79-82.

[76] Cf. Michiel Leezenberg (2012): paper presented at Exeter, January 2012.

[77] Amir Hassanpour, op. cit., p. 221; Sheyholislami, op. cit., p. 80.

[78] M. Hakan Özoğlu (2004): Kurdish notables and the Ottoman state: evolving identities, competing loyalties, and shifting boundaries, Albany, State University of New York Press, p. 87-120.

[79] Ibid.

[80] Jordi Tejel Gorgas, op. cit., p. 124.

[81] Amir Hassanpour, op. cit., p. 224.

[82] Ibid., p. 244-258.

[83] Hashem Ahmadzadeh, op. cit.

[84]  Amir Hassanpour, op. cit., p. 221.

[85] Jaffer Sheyholislami, op. cit., p. 83

[86] Benedict R. O’G. Anderson, op. cit., p. 76.

[87] Many « previously silent » sheikhs opposed the government of Turkey after it closed down the brotherhoods following the Sheikh Said rebellion; Hamit Bozarslan, op. cit., p. 42.

[88] Jaffer Sheyholislami, op. cit., p. 113-117.

[89] David Romano, op. cit., p. 145-147.

[90] Oral history interviews, Berlin, 1997 and 1998.

[91] Jaffer Sheyholislami, op. cit., p. 102.

[92] E.g. Two of my interviewees stressed the impact of KDP radio among Kurds in Turkey.

[93] Nicole F. Watts, op. cit., p. 41. For Soviet « nationality » see: Terry Martin (2001): The affirmative action empire: nations and nationalism in the Soviet Union, 1923-1939, Ithaca, London, Cornell University Press; Francine Hirsch (2005): Empire of nations: ethnographic knowledge & the making of the Soviet Union: Culture & society after socialism, Ithaca, Cornell University Press.

[94] My own fieldwork, Iraq and Armenia.

[95] Benedict R. O’G. Anderson, op. cit., p. 141-154.

[96] Hamit Bozarslan, op. cit.; Jordi Tejel Gorgas, op. cit., Nicole F. Watts, op. cit.

[97] Abbas Vali, op. cit.

[98] Jaffer Sheyholislami, op. cit.

[99] Partha Chatterjee, op. cit., p. 222.

[100] Cf. Richard Bauman and Charles Briggs, op. cit.

[101] Janet Klein (2011): The margins of empire: Kurdish militias in the Ottoman tribal zone, Stanford, Stanford University Press.

[102] Clémence Scalbert-Yücel, op. cit.

[103] Ibid., p. 322.

[104] Metin Yüksel, op. cit., p. 141-178.

[105]  My interviews, Berlin, 1997, 1998.

[106]  Joost Jongerden and Ahmet Akkaya (2011): « Born from the Left: The Making of the PKK, » in Marlies Casier and Joost Jongerden (eds.), Nationalisms and Politics in Turkey: Political Islam, Kemalism and the Kurdish Issue, London, Routledge, p. 123-142. URL: https://www.academia.edu/376932/Born_from_the_Left_the_making_of_the_PKK

[107]  Hamit Bozarslan, personal communication.

[108] Norman Fairclough (1995): Critical discourse analysis: the critical study of language, London, Longman; Ruth Wodak, Rudolf de Cillia, Martin Reisigl, Karin Liebhart (eds.) (2009): The discursive construction of national identity, 2nd ed, tr. Angelika Hirsch, Richard Mitten and J.W. Unger, Edinburgh, Edinburgh University Press.

[109]  Ronald Scollon, and Suzanne B. K. Scollon (2004): Nexus analysis: discourse and the emerging Internet, London, New York, Routledge.

[110] Richard Bauman and Joel Sherzer, (eds.) (1989): Explorations in the ethnography of speaking: studies in the social and cultural foundations of language, 2nd ed. Cambridge, New York, Cambridge University Press.

[111] Karin Barber, op. cit., p. 138.

[112] Bakhtin described speech genres as « relatively stable … types of utterance; » see Mikhail Bakhtin, Caryl Emerson, and Michael Holquist (1986): Speech genres and other late essays Austin, University of Texas Press.

[113]  Karin Barber, op. cit., p. 174.

[114] Ibid., p. 22.

[115] Michael Silverstein, op. cit., p. 110.

[116] Many Kurdish manuscript collections associated are now lost or hidden, but Jaba’s collection, made in Erzurum in the 1850s and now in St Petersburg, shows Xanî’s popularity.

[117] Hakan Özoğlu defines Kurdish notables thus « …notables came from among the Sufis, especially the Naqshbandis, from the Kurdish tribal nobility, and also from families whose leaders managed to secure local administrative positions, » op. cit., p. 12.

[118] Hawar had a print-run of 500 in 1933, though only 75 readers had paid their subscriptions: Jordi Tejel Gorgas, op. cit., p. 284.

[119] Hamit Bozarslan, personal communication.

[120] E.g. Jaffer Sheyholislami, op. cit., p. 57 n.18, on the value of printed materials smuggled from Iraqi Kurdistan into Iran, following the Islamic revolution.

[121] Clémence Scalbert-Yücel, op. cit..

[122] Michael Lewisohn Chyet (1991): « And a Thornbush Sprang Between Them: Studies on Mem û Zin, a Kurdish Romance, » PhD thesis, University of California at Berkeley.

[123] Ordixan Celîl (Djalilov) (1960): Kurdskij Geroičeskii Epos ‘Zlatorukii Xan’ (The Kurdish Heroic Epic ‘Khan Goldenhand’), Moscow.

[124] Christine Allison (2001): The Yezidi oral tradition in Iraqi Kurdistan, Richmond, Curzon.

[125] bid.,p.  206-7.

[126] E.g: Dildar’s poem Ey reqib (O enemy!) which became the Kurdish national anthem; Cigerxwîn’s poem Kîme ez (Who am I?) sung as Kîne em (Who are we?) by Şivan Perwer; Zakaria’s rendition of the song Kurdistan, which is analysed by Jaffer Sheyholislami, op. cit., p. 123-138.