ترجمة: خالد حسين

مقابلة مع جاك دريدا [1] 

حوار: إيفلين غروسمان

إيفلين غروسمان: في “شيبوليث”Shibboleth[2]، أي الكتاب المخصّص لپاول تسيلان[3]، تذكرون في نقطةٍ ما، وباختصار شديد، الصّداقة التي ربطتكم به، وذلك ليس قبل وفاته بوقت طويل. وتدخل بعد ذلك في تأمل طويل حول التواريخ/المواعيد في قصائد تسيلان، وتشير إلى “الانبعاث الشبحي” spectral revenanceللتاريخ، فتقول: “لن أمنح نفسي هنا لاحتفاءاتي الخاصة بالذكريات؛ لن أتخلّى عن تواريخ” ومع ذلك، هل يمكنك التحدُّث قليلاً عن لقائك بتسيلان في باريس، عام 1968، كما أعتقد ذلك؟

جاك دريدا: سأحاول التحدُّث عن ذلك. وينبغي، هنا، أن أقول إنَّ الجملة التي تقتبسينها عن “تواريخي” ربّما تشير إلى تواريخ لقاءاتي مع تسيلان أو تلك التواريخ التي جرت بموجبها المشاركة معه. وكما تعلمين، فقد لمّحتُ مراراً وتكراراً، عن موضوع هذه القصيدة أو تلك، إلى الشهود، مثل بيتر زوندي، أولئك الذين أوّلوا قصائد معينة على أساس معرفتهم بأحداث مؤرَّخة في حياة تسيلان ــ خلال مكوثه في برلين في ديسمبر 1967، على سبيل المثال. في الموضوع ـــ قيد النقاش كانت هناك تواريخ وأحداث مؤرَّخة. لا أعرف ما إذا كنتُ، في تلك الجملة، أشير إلى المزيد من التواريخ أو إلى التواريخ السّرية التي جرت مشاركتها مع تسيلان. لا أستطيع حتى أن أقول. لكن ما يمكنني القيام به، مع ذلك، هو إعادة سرد، ولو بإيجاز، هذه اللقاءات مع تسيلان. وقد حدث أن تسيلان كان زميلاً لي في الـ Ecole Normale Supérieure لسنوات دون أن ألتقي به، ودون أن يلتقي أحدُنا بالآخر فيما مضى حقاً.  إذ كان مدرّساً للغة الألمانية، شخصاً كتوماً، متواضعاً ومنطوياً على نفسه.  إلى حدِّ أنه في يوم ما، وخلال اجتماع حول بعض الأمور الإدارية في مكتب المدير في Ecole، قال المدير شيئاً ما يشير إلى كونه لا يعرف حتّى مَنْ كان تسيلان. ردَّ زميلي مدرّس اللغة الألمانية: “لكن سيدي، ألا تعلم أن مدرّسَ اللغة لدينا هنا هو أعظم شاعر حيٍّ في اللغة الألمانية؟”. وهذا يقول شيئاً عن جهل هذا المدير، وأيضاً عن حقيقة أن حضور تسيلان، مثل كينونته كلها وإيماءاته كافةً، كان متحفظًا للغاية، منطوياً على نفسه ومتواضعاً. وهذا يفسّرُ، على الأقل وبشكلٍ جزئي، السبب بعدم وجود تبادل بيننا، على الرّغم من أنّني كنتُ زميلًا له لسنواتٍ عدّة. كان ذلك فحسبُ بعد رحلة قمتُ بها إلى برلين في عام 1968، بدعوةٍ من بيتر زوندي، حيث أخيراً قابلتُ تسيلان. كان زوندي، الذي أصبح صديقي، صديقاً رائعاً لتسيلان، وحين قَدِمَ إلى باريس فيما بعد قَدَّمني إلى تسيلان. إنه موقفٌ مثيرٌ للفضول إلى حدٍّ ما، ولكن ثمة لديكِ أمر، أنه قدّمني إلى زميلي الخاصّ، وتحدّثنا قليلاً. ومنذ ذلك الحين فلاحقاً، سلسلة من اللقاءات يمكن أن تُؤرَّخ، غالباً ما كانت موجزة، صامتة، سواء من جانبه أو من جانبي. وقد[لاذ] به الصمت له بقدر ما [لاذ] لي. تبادلنا الكتب التي وقّعنا عليها، بضع كلمات، ثم كنا بعد ذلك نغفل عن بعضنا البعض. وبعيداً عن هذه الإشارات المجرّدة من المحادثة، التي بدورها انتهت تقريباً بمجرد بدئها، أتذكّر كذلك وجبةَ غداءٍ في بيت إدموند جابيس([4]). إذ دعا جابيس، الذي كان يعرف تسيلان، كلينا إلى منزله ـــ حيث كان يعيش بالقرب من Ecole. مرة أخرى، قد تكرر الأمر ذاته: ظلَّ تسيلان صامتاَ أثناء الوجبة والوقت اللاحق لذلك. [في الحقيقة] لا أعرف كيف أُفسّر هذا.  وأعتقد أنّه كان فيه صنفٌ من السّرية والصّمت والدقة جعله لا يجد الكلمات التي لا غنىً عنها، ولا شكَّ وبشكلٍ خاصٍّ تلك الكلمات التي يتبادلها المرء أثناء وجبةِ طعام. وفي الوقتِ ذاته، ربما كان ثمّة شيء أكثر سلبيةً. وقد عَلِمَتُ من خلال مصادر أخرى أنَّهُ كثيراَ ما كان مكتئباً أو غاضباً أو ليس سعيداً جداً بسبب ما أَحَاطَ به في باريس. كما أنَّ تجربته مع العديد من الفرنسيين والأكاديميين وحتى مع زملائه الشُّعراء والمترجمين كانت، كما أعتقد، ميؤوساً منها، وأظنُّ أنه كان، كما يقول أحدهم، صعباً للغاية، بمعنى أنه كان مِلْحَاحَاً للغايةِ ومحاولاً الأناة. ومع ذلك، وعبر هذا الصَّمت، كان ثمّة رابطٌ عظيمٌ من المودّة بيننا، إذ استطعت اكتشافه من خلال [النقوش] الإهداءات في الكتب التي منحني إياها. وأعتقد أنه بعد سنتين من ذلك قد اقترف الانتحار. التقيتُ به عام 1968 أو 1969، ومن ثمَّ أتحدّثُ عن مدّة ثلاث سنوات على الأكثر. . . لا، أقل بكثيرٍ. . . في الواقع، هذا تسلسلٌ، هذا كلُّ ما أستطيع قوله عن هذه اللقاءات. إنها، بالأَحْرى، ذكرى هؤلاء، بعد وفاته، الذين استمروا في العمل، وأعادوا تفسير [القصة] نفسها، ونسجوا ذاتها فيما سمعت عنه، عن حياته في باريس، وأصدقائه، وما يُسمَّى بأصدقائه، والأصدقاء المزعومين، حول كل خلافات الترجمة والتفسير التي تعرفينها.. فيما يتعلق بتسيلان، الصُّورة التي تتبادرُ إلى ذهني هي نيزكٌ، ألقٌ متقطعٌ من الضّوء، نوعٌ من الانقطاع، لحظةٌ مكثفةٌ للغاية تاركةً وراءها أثراً من الشَّرر، الذي أحاول استرداده من خلال نصوصه.

إيفلين غروسمان: أنتم تحلّلون في شبّوليث”Shibboleth” ما تدعونه “تجربة اللغة” في أعمال تسيلان، طريقة معينة لـ “للإقامة في اللغة” (“موقع: تسيلان بمكان محدّد في اللغة الألمانية التي كانت ملكه وحده”). وفي الوقت ذاته، تقولون إنَّ تسيلان يقترحُ أنّ هناك “تعدُّداً للغات وهجرةً لها، بلا شكّ، وداخل اللغة ذاتها”. “بلدك “، يقول تسيلان، “يهاجر عبر كلّ مكان، مثل اللغة. والبلد ذاته يهاجر وينقل حدوده «هل نرى في هذا، برأيك، توهماً للانتماء، أو توهم معكوساً الانتماء، أم كليهما؟ كيف نحاول أن نفهم: الإقامة في مكان ما من لغةٍ متعددة ومهاجرة؟

جاك دريدا: قبل محاولة الإجابة على هذا السُّؤال الصَّعب بأسلوب نظريّ، يجب أن نسترد حقائق واضحة. لم يكن تسيلان ألمانياً؛ ولم تكن الألمانية هي اللغة الوحيدة في طفولته؛ ولم يكتب باللغة الألمانية فقط. ومع ذلك، فقد فعل كلَّ ما يمكنه وبترتيبٍ، ولن أقول لامتلاك اللغة الألمانية، لأن ما أقترحه على وجه التحديد هو أن المرء لا يستحوذ على لغةٍ أبداً، بل بالأحرى يواصل يداً بيدٍ، صراعاً جسدياً معها. ما أُحاولُ التفكير فيه يتمثّل بمصطلحٍ[عبارةٍ]([5]) (والمصطلح، على وجه التحديد، يعني الصحيح، أي ما هو مناسب لـ) وكذلك بتوقيعٍ في المصطلح اللساني الذي يدفع بالمرء في الوقت ذاته إلى اختبار حقيقة أنَّ اللغة لا يمكن أبداً امتلاكها. وأعتقد أنَّ تسيلان حاول أن يترك علامةً، بصمةً فريدةً إذ ستكون بمنزلة توقيع مضادٍّ للغة الألمانية، وفي الوقت ذاته، شيئاً ما يحدث للغة الألمانية ــ وهو يحدث في كلا معنيي المصطلح: شيء ما يقترب من اللغة، ويصل إليها، دون أن يستحوذ عليها، ولا يَخضع لها، ولا يسلّم ذاته لها؛ ولكن كذلك الشيء الذي يمكّن الكتابةَ الشعريةَ من الحدوث، أي أن يكون حدثاً يوسمُ اللغة. وعلى أيّ حال، هذا هو النهج الذي أقرأُ به تسيلان، عندما أستطيع قراءته، لأنَّني أمتلك قلاقل مع الألمانية ومع لغته الألمانية. وأنا بعيد عن اليقين من أنني أستطيع قراءته بطريقة دقيقة أو عادلة، ولكن يبدو لي أنه يلامس [يلمس] اللغة الألمانية عبر تقدير الروح الاصطلاحية لتلك اللغة، بمعنى أنه يحلُّ محلَّها حيناً، وبمعنى أنه يترك عليها نوعاً من ندبةٍ، علامةٍ، جرحٍ حيناً آخر. إنه يحوّر اللغة الألمانية، يعبث [touche à] بها، ومن أجل القيام بذلك، عليه أن يقرَّ بها ـــ ليس كلغته، لأنني أعتقد أن اللغة لا تُمتلك البتة، ولكن كلغةٍ قرر الصَّراع معها، للتخلص منها، على وجه التحديد، بمعنى الجدال، التحدي Auseinandersetzung([6])، لاستنباط اختلافاته مع اللغة الألمانية. كما تعلمين، فقد كان مترجماً رائعاً. مثل الكثير من الشُّعراء الذين هم كذلك مترجمون، إذ كان يعرف مجازفات الترجمة ورهاناتها. لم يترجم فحسب من اللغة الإنجليزية والرُّوسية وما إلى ذلك، ولكن أنجز عمليةً داخل اللغة الألمانية ذاتها، قد لا يكون من المبالغة تحليلها على أنها ترجمة تفسيرية. بعبارةٍ أُخرى، ثمّة في لغته الشِّعرية لغةٌ ــ مصدرٌ ولغةٌ ــ هدفٌ، وكلُّ قصيدةٍ موجودةٍ نوعٌ من المصطلح الجديدnew idiom  الذي ينقلُ فيه ميراثَ اللغةِ الألمانيةِ. والمفارقةُ تتمثّل بأنَّ الشَّاعر الذي لم يكن ألمانياً لا بالجنسية ولا باللغة ـــ الأم وجب عليه ألّا يلحَّ على فعل ذلك فحسب، بل أن يفرض توقيعه بلغةٍ يمكن أن تكون بالنِّسبة له، على ما يبدو، لا شيءَ عدا الألمانية. كيف يمكننا أن نفسّرَ ذلك، على الرّغم من أنه كان مترجماً للعديد من اللغات الأوروبية، إلا أنَّ الألمانية كانت الموقع المميّز لكتابته وتوقيع شعره ـــ حتى لو رحّب، في  داخل اللغة الألمانية، بنوع مختلف من الألمانية، أو لغات أخرى، أو ثقافات أخرى ، إذ ثمة في كتابته تقاطع غير عادي ـــ بالمعنى الجيني/ الوراثي للمصطلح تقريباً ـــ للثقافات والإحالات والذكريات الأدبية، وفي نمط من التكثيف الصارم  condensationوالانقطاع caesura والحذفellipsis والإعاقةinterruption؟ هذه هي عبقرية هذه الكتابة.

وفيما يتعلق، الآن، بمسألة “السّكن شعرياً”، فهولدرلين  Hölderlinيُعَدُّ بالطبع أحد إحالاته العظيمة. وما “يسكن اللغة” فالمرء يدرك أنه لا يوجد وطن وأنه لا يمكن للمرء أن يمتلك لغةً.

إيفلين غروسمان: … ناهيك عن لغة “المهاجر”.

جاك دريدا: تماماً! كان هو ذاته مهاجراً، وقد أشار في موضوعات شعره إلى حركة عبور للحدود، كما في قصيدة “شبّوليث”. لا أرغب في التأكيد بيسر، وبسهولة أيضاً، كما يحدث في بعض الأحيان، على الهجرات العظيمة في ظلِّ الهتلرية، ولكن لا يمكن للمرء أن يدع ذلك يمرُّ من دون التحدُّث عنه.  وتلك الهجرات، تلك المنافي، تلك الترحيلات هي نموذج للهجرة المؤلمة لزمننا، ومن الواضح أن عمل تسيلان وحياته يحملان العديد من سماته.

إيفلين غروسمان: ولكونكَ قد أثرتَ بشكلٍ مباشرٍ مسألة الحدود القومية واللغوية، أرغب أن أتطرق إلى ما تدعوه، في أحادية لغة للآخر([7])، أحادية لغتكmonolingualism . فأنتم تطورون بإسهاب المفارقة التالية، التي لا تخصُّكم فحسب ولكن كذلك وفق طابع عام: “نعم، لديَّ لغة واحدة فقط؛ وعلى وجه التحديد، إنها ليست لغتي” تقول هناك: إن الحماية الغيورة الذي يقيمها المرء حول لغته، حتى عندما يندّد المرء بالسياسة القومية للغة (أفعل هذا الشيء والشيء الآخر)، يطالب بمضاعفة shibboleths/ الطلاسم مثل العديد من التحديات التي تواجه المترجمين، والعديد من الضرائب المفروضة على حدود اللغات. وتختتم بالقول: “مواطنو كل بلد، الشعراء ــ المترجمون، يتمردون ضد الوطنية!” كيف تتصور الدور السياسي للشعراء ــ المترجمين أو الفلاسفة ـــ المترجمين الذين يتلاعبون بـ”اللا ــ هوية نفسها لكل لغة”؟

 جاك دريدا: كتمهيدٍ، سأقول إنَّ المرء لا يستطيع، لألف من الأسباب الواضحة أيضاً، أن يقارن تجربتي أو تاريخي أو علاقتي مع اللغة الفرنسية بتجربة تسيلان وتاريخه وتجربته في اللغة الألمانية. ولألف سبب. كما يقال، فما كتبته هناك، كتبته كذلك في ذكرى تسيلان. وعرفت أنَّ ما كنت أقوله في كتاب “أحادية لغة الآخر” كان نافعاً لحالتي الفردية إلى حدٍّ ما، على سبيل المثال، ولجيل من اليهود الجزائريين قبل الاستقلال. ولكن كان لهذه الحالة كذلك قيمة النموذج العالمي، حتى بالنسبة لأولئك الذين ليسوا في مثل هذه المواقف الغريبة والدّراميّة تاريخياً مثل وضع تسيلان أو وضعي. وأود أن أتجرّأ على الزَّعم بأن التحليل صالح حتى بالنسبة لشخص ما تكون تجربته مع لغته الأم مستقرة، ومطمئنة، وبدون أي دراما تاريخية: وبعبارة أخرى، اللغة ليست امتلاكاً البتة. ومن جوهر اللغة أنها لا تدع ذاتها مخصَّصة. فاللغة هي على وجه التحديد هي ما لا تسمح بامتلاكها ولكنها، لهذا السَّبب بالضبط، تستفزُّ كل أنواع حركات التملُّك.   ولكون اللغة يمكن أن تكون مرغوبة ولكن غير مخصوصة، فإنها تحدّد في إشارة جميع أنواع إيماءات الملكية و التخصيص. وما هو على المحكّ هنا سياسيّ يتمثل بتلك القومية اللغوية التي هي على وجه التَّحديد واحدة من إيماءات التملُّك، وإيماءة ساذجة للاستيلاء. ما ينبغي على المرء أن يحاول التفكير فيه، هو عندما تبحث عن المزيد من الاصطلاحية في لغة ما ـــ كما يفعل تسيلان ــ فإنك تقترب من ذلك الشيء الذي، ينبض داخل اللغة، الذي لا يدع لنفسه أن يكون مقبوطاً عليه. لذلك أَودُّ أن أحاول فكَّ المصطلح، المتناقض كما قد يبدو، عن [مفهوم] الملكيةproperty. والمصطلح هو ما يعاند الترجمة، ومن ثم فهو ما يبدو مرتبطاً بتفرُّد الجسد الدَّال للغة ــ أو الجسد، الفترة ــ ولكنها، بسبب هذه الفَرَادَة، تتملص من كلِّ حيازة، وأي زعم بالانتماء إليها. وهنا تكمن الصعوبة السياسية: كيف يمكن للمرء أن يحابي اصطلاحية أعظم ـــ حيث ينبغي أن يكون، كما أعتقد ـــ بينما يقاوم الأيديولوجية القومية؟ كيف يمكن الدِّفاع عن الاختلاف اللغوي من دون الانصياع للوطنية، ولصنفٍ محدّدٍ من الوطنية والقومية على أيّ حال؟ هذا ما يكون على المحك، سياسياً، في زمننا. إذ يعتقد البعض أنه للكفاح من أجل القضية العادلة لمناهضة القومية، يجب أن نندفع بغير تردُّدٍ في لغةٍ عالميةٍ، بكل شفافية، ومن ثمَّ محو الاختلافات. أود أن أفكر بخلاف ذلك. إذ أعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك معاملة واحترام للمصطلح، الذي لا يُبعد نفسه عن الغواية القومية فحسب، بل يُبعد أيضاً عما يربط الأمة بالدولة، وسلطة الدولة. أعتقد أنه ينبغي اليوم على المرء أن يكون قادراً على تشجيع الاختلافات اللغوية دون الانصياع للأيديولوجيا أو لسياسات قومية الدولة أو القومية.  والعنصر الأساسي في السياسات الذي أرغب في المرافعة عنه هو هذا: ذلك لكون المصطلح[التعبير] ليس مملوكاً ـــ ومن ثمَّ لا يمكن أن يصبح شيئاً أو ملكية لمجتمع قومي أو عرقي أو مجتمع الأمة ــ الدولة ـــ لذا فكلُّ نوع من النزعة والحماسة القومية من أجل الامتلاك ينقضُّ عليه. ومن الصعب للغاية أن تجعل بعض الناس يفهم أنه يمكن للمرء أن يحبَّ ما يقاوم الترجمة من دون الخضوع للنزعة القومية، ومن غير الانصياع لأية سياسات قومية. لأنه ــ وهذا حافز آخر ــ في اللحظة التي أبدأ فيها باحترام فرادة المصطلح[التعبير] وتنميته، فإنني أنمّيه بوصفه “مأواي” و “مأوى الآخر”. وبكلمات أُخر، يجب تقدير مصطلح/تعبير الآخر (فالمصطلح أولاً وقبل كل شيء هو آخر، حتى بالنسبة لي فإن مصطلحي هو آخر)، ونتيجة لذلك، ينبغي أن أواجه أيَّ إغراء قومي، الذي يكون على الدوام إغراء إمبريالي أو استعماري لتجاوز الحدود. هنا، خارج هياكل العمل التي نتحدث عنها، ينشأ شكل سياسي كامل من التفكير الذي يبدو لي أنه يمتلك أهميةً عامةً داخل أوروبا وخارجها. ومن الواضح أنَّ ثمّة مشكلةً في الوقت الرَّاهن مع اللغات الأوروبية، مع لغة أوروبا، وأنَّ تلك [اللغة] الأنجلو ــ أمريكية تغدو مسيطرةً بشكل لا يُقاوم. كلنا نمتحن هذا. فقد عدت توّاً من ألمانيا، وتحدّثت الإنجليزية لمدة ثلاثة أيام، فقط الإنجليزية. عندما تكلمنا أنا وهابرماس([8]) عن هذه المشكلات، تكلمنا عنها بالانكليزية. ما الذي يمكن القيام به بحيث أنَّ نوعاً جديداً من الأممية، مثل أوروبا، يمكن أن يجد وسائل لمقاومة الهيمنة اللغوية، وبخاصة الأنجلو ــ أمريكية؟ إنه أمر صعب للغاية، وبخاصةٍ لأنَّ هذه [الهيمنة] الأنجلو ــ أمريكية لا تؤذي اللغات الأخرى فحسب، بل كذلك انكليزية محددة أو العبقرية الأمريكية. هذه مناظرات صعبة للغاية، وأعتقد أنَّ المترجمين ــ الشُّعراء، عندما يختبرون ما نَصِفُهُ في هذه اللحظة، فهم يمثّلون نموذجاً سياسياً. إن واجبهم هو أن يفسّروا، وأن يعلّموا، ويمكن للمرء أن ينتج المصطلح ويبدعه، لأنه لا يتعلق الأمر بتنمية مصطلح مُعطى، بل بإنتاج المصطلح. أنتج تسيلان تعبيراً. أنتجه من مصدر، من ميراث، دون، ولأسباب واضحة، أن يخضع أقل [ما يمكن] للنزعة القومية. وفي رأيي، لدى هؤلاء الشعراء اليوم درسٌ سياسيٌّ لتعليم من يحتاجونه في مسألة اللغة والأمة. ما قد قلته للتوّ حول كيفية إعادة تنشيط تسيلان لتراث العبارة الاصطلاحية يسمح لي بطرح سؤال أردتُ طرحه عليك حول حياة اللغات وموتها. فكل امرىء على دراية بتصريح جورج شتاينر بأن لغز أوشفيتز([9]) لا يمكن إدراكه إلا باللغة الألمانية، وهذا يعني، في الكتابة “من داخل لغة الموت ذاتها”. هذه العبارة خلافية، بالطبع، لكنها ربما تلقي الضوء على جانب واحد من كتابات تسيلان. هل يمكن أن نقول إن تجربته للغة هي تجربة لغة تعيش إلى الأبد بقدر ما تكون مطاردة من الموت والسلبية؟ على سبيل المثال، في “Shibboleth” تقتبس هذا السَّطر من تسيلان: “تكلم – / ولكن استمر بنعم ولا غير منقسمة.” أنت نفسك تدّعي الحق بعدم التنازل عن شكل من أشكال الخطاب الذي قد يبدو في بعض الأحيان متناقضاً: “أنا أعيش في هذا التناقض” تكتب في مكان ما، “بل هو أكثر ما هو حي بداخلي، لذلك أجزم ذلك.”

جاك دريدا: نعم، شريطة أن تعلن بنفسك وعلى نحو واضح، أن “البقاء على قيد الحياة” يعني كذلك الترحيب بالفناء، والموتى، والأشباح (وقد تكلمت عن “السلبية”). وإذا كان تعريض النفس للموت والاحتفاظ بذكرى الفانيين والموتى فهو من مظاهر الحياة، ومن ثمَّ نعم. لا أرغب في التنازل ــ وأنا واثق من أنه ليس الاتجاه الذي تدعونني لاتخاذه ــ لنوع من الحيويةاللغوية. إنها قضية حياة بمعنى أنَّ الحياة لا تنفصل عن تجربة الموت. لذا، نعم، هذا هو النموذج الأول للتناقض: حياة اللغة هي كذلك حياة الأشباح؛ وهي أيضاً عمل الحِدَاد، حِدَاد مستحيل. إنها ليست فحسب مسألة أطياف أوشفيتز أو الأموات كافةً الذين قد يندبهم المرء، ولكنها مسألة ملائمةٌ لجسد اللغة على نحو شبحي. اللغة، الكلمة ــ بطريقةٍ ما، حياة الكلمة ــ هي في الجوهر شبحية. إنها تشبه إلى حدٍّ ما التاريخ: فهي تكرّر ذاتها، بوصفها ذاتها، وتكون في كلّ مرة آخر. ثمة نوع من الافتراض الشبحي في وكينونة الكلمة، في كينونة النحو تماماً.  ولذلك، وعلى اللسان مباشرة، فإن تجربة الحياة والموت تكون محسوسة داخل اللغة بالفعل.

إيفلين غروسمان: وهل هذا ما ينبغي ألا يهرب منه أحد؟

جاك دريدا: حقاً. حتى لو كانت التصريحات التي يوقّع عليها المرء حول هذا الموضوع متناقضة أو تبدو متناقضة: السير في هذا الاتجاه أو ذاك. ينبغي على المرء أن ينمي المصطلح والترجمة. وينبغي على المرء أن يقطن دون اقتطان. ويجب عليه أن يشجّع الاختلاف اللساني من دون نزعة قومية. ويجب على المرء أن يؤيد الاختلاف لديه واختلاف الآخر. علاوة على ذلك، عندما أقول “أنا أملك لغةً واحدةً فحسب؛ مع أنها ليست لي”، مثل هذا البيان يتحدى الفطرة السليمة و[ينطوي على] تناقض ذاتيّ. ومثل هذا التناقض ليس تناقضاً شخصياً مؤلمًا لشخص ما، ولكنه تناقض منقوش في إمكانية اللغة. ومن دون هذا التناقض، لن تكون ثمة لغة. أعتقد، لذلك، أنه ينبغي على المرء أن يتحمّله. . . ينبغي على المرء . . . ولا أعرف ما إذا كان ينبغي على أحد… على المرء أن يتحمَّل ذلك وهذا نابع من حقيقة أنّ اللغة هي، في الأساس، ميراث. لا يختار المرء ميراثاً: المرء يولد في لغة، حتى لو كانت لغةً ثانيةً. وبالنسبة لتسيلان، فهي ألمانية. هل وُلِدَ في ألمانيا؟ نعم ولا. عندما يولد المرء في لغةٍ، فإنّه يرثها لأنها موجودةٌ قبلنا، فهي أقدم منا، وقانونها يسبقنا. ويبدأ المرء بإدراك قانونها، أي معجمها، قواعدها، وكل هذا يكاد يكون دائم الحيوية. لكن الوراثة لا تعني ببساطة أن تحصل بشكل سلبي على شيء ما كائن بالفعل، مثل الحيازة. والوراثة هي إعادة التأكيد من خلال التحوّل والتغيير والإحلال. وبخصوص كائنٍ محدود، ليس ثمة ميراث لا يتضمن نوعاً من الاختيار أو التصفية. علاوة على ذلك، هناك ميراث فقط لكائن محدود. يجب أن يكون الميراث مُوَقَّعَاً؛ أن يكون مُصَدَّقَاً على الإمضاء ـــ أي، في الأساس، ينبغي على المرء أن يترك توقيعه على الميراث نفسه، وعلى اللغة التي يتلقاها. هذا تناقضٌ: فالمرء يتلقى ويمنح، في الوقت ذاته.  يتلقّى هديةً، ولكن من أجل تلقّيها كوريث مسؤول، ينبغي على المرء أن يستجيب لها بمنح شيءٍ آخر، أي يدع علامةً على جسد ما يتلقّاه. وهذه إيماءات متناقضة، صراعٌ جسديٌّ حميمٌ. فالمرء يتلقّى جسداً ويدع توقيعه عليه. هذا الصَّراع الجسديُّ، عند ترجمته إلى منطق رسميٍّ، يؤدي إلى تصريحاتٍ متناقضةٍ. لذا، هل ينبغي على المرء أن يهرب من التناقض، متفادياً إياه، أو ينبغي أن يحاول تفسير ما يجري، لتسويغ ما [تمثّله] هذه التجربة للغة؟ أما بالنسبة لي، فأنا أختار التناقض، وأختار أن أعرض نفسي للتناقض.

إيفلين غروسمان: وأخيراً، أودُّ أن أطلب منكم التعليق على هذه الفِقْرة الجميلة للغاية من “شيبوليث”، إذ تتحدّث عن “الانحراف الشبحي للكلمات”:

هذه العودة الشَّبحية revenance لا تصيب الكلمات بالصّدفة، فيما بعد سيصيب الموت بعضها أو يجنّب بعضها الآخر. الكلمات كلها All words، منذ بزوغها الأول، تشترك في العودة الشبحية. وهي باستمرار سوف تملك أطيافاً، وذاك هو القانون الذي يحكم العلاقة بينها، [يحكم] الجسد والروح. لا يمكن للمرء أن يقول إننا نعرف هذا لأننا نختبر الموت والحِداد. وتَقْدُمُ هذه التجربة إلينا من علاقتنا مع العودة الشبحية للعلامة، ومن ثمَّ اللغة، فالكلمة، فالاسم.  وما يُدعى بالشعر أو الأدب، الفن ذاته (دعونا لا نميز راهناً) ــ بعبارة أخرى، تجربة معينة للغة أو للعلامة أو للسّمة على هذا الغرار ــ ربما يكون معرفة كثيفة فحسبُ للأصالة الحتمية للشبح.

هل هذا “الانحراف الشبحي” للكلمات هو تعريف للشعرية والتجربة الفلسفية للغة (لدىكما؛    تسيلان وأنت)؟ هل الكلمات معلّقة إلى الأبد بين الحياة والموت، لتغدو بذلك، كما يقول أرتو([10])، “نصف أبدية”؟

جاك دريدا: ما أحاول قوله هناك [في مقالته: شيبوليت]، يبدو لي، سيكون صالحاً لتجربة اللغة بشكل عام. فأنا أحاول القيام بنوع من التحليل لبنية اللغة على نحو عام.لا أحبُّ مفهوم”جوهر” اللغة كثيراً. بل أفضّل منحَ معنىً حيٍّ وديناميكي لطريقة الوجود هذه، لهذا التجلي من الشبحية اللسانية، وهو فعّال للغات كافّة.هنا تغدو التجربة الشمولية، العامة للغة بشكل عام تجربة على هذا النحو as such وتتجلّى على هذا النحو في الشعر والأدب والفن. وسوف يكون ثمة الكثير للقول حول [عبارة] “على هذا النحو“. . .

[وهنا] أرغب أن أمنحَ اسم الشَّاعر لمن يختبر هذا الأكثر حميميةً، في الجسد، في اللحم الحي [à vif]. ومن كان يملك هذه الخبرة الجسدية، الحميمية بهذا الانحراف الشبحي، ومن يخضع لحقيقة اللغة هذه، فهو شاعر، سواء كتب الشِّعر أم لا. وقد يكون المرء شاعراً بالمعنى القانوني للمصطلح، في داخل المؤسسة الأدبية، وهذا يعني كتابة القصائد داخل الفضاء الذي يُدعى “الأدب”. وأسمّي “شاعراً” ذاك المرء الذي يفسح مجالاً لأحداث الكتابة التي تمنح جوهر اللغة هذا جسداً جديداً وتجعله يتجلى في عملٍ. لا أرغب في تناول كلمة العمل [النص] work بأي معنى بسيط. ما هو العمل [النص]؟ إن إبداع عمل هو منح جسد جديد للغة، وإعطاء اللغة جسداً بحيث تتجلّى حقيقة اللغة هذه على هذا النحوas such، وقد تتجلّى وتختفي، وقد تظهر على أنها انسحاب ناقص. أعتقد بأن تسيلان، وفق وجهة النظر هذه، شاعر نموذجي. فالآخرون، في لغات أخرى، يبدعون أعمالًا نموذجية بالقدر ذاته، لكن تسيلان، وفي هذا القرن وباللغة الألمانية، وضع اسمه لعمل نموذجي. هذا، مرة أخرى، له قيمة عامة، وهذه القيمة العامة يجري تمثيلها بطرائق فريدة لا بديل لها في عمل تسيلان. وهذا صالح للجميع ولتسيلان على وجه التحديد.

إيفلين غروسمان: هل يمكن أن تقول إنه ينبغي على المرء أن يكون قادراً، مثل تسيلان، ربما، ليعيش موت اللغة ليتمكن من محاولة التكلُّم عن هذه التجربة “في الجسد الحي”؟

 جاك دريدا: يبدو لي أنه ينبغي قد عاش، في كلّ لحظةٍ، هذا الموت. وبعدة طرائق. ينبغي أنه قد عاشها في كل مكان، شعرَ فيه أن اللغة الألمانية قد قُتلت بطريقة معينة، على سبيل المثال، من خلال أولئك الذين صاغوا موضوعات اللغة الألمانية لاستخدام معين؛ إنها [لغة] قتيلة، قُتلت، إنها صِيغت لتموت من خلال ما يقوله المرء بهذه الطريقة أو تلك. والتجربة النازية هي جريمة ضد اللغة الألمانية. وما قيل بالألمانية في ظلّ النازية هو موتٌ. ثمة موتٌ آخر في الابتذال المحض، تفاهة اللغة، على سبيل المثال، اللغة الألمانية، بصرف النظر عن أين، وبغض النظر عن متى. وثمة موت آخر، الموت الذي يصيب اللغة بسببٍ من ماهية اللغة ذاتها: التِّكرار، البلادة، والآلية، وما إلى ذلك. ومن ثمَّ، يشكّل الفعل الشعري نوعاً من الانبعاث: من حيث إنّ الشاعر شخص متورط باستمرار في لغة تحتضر فَيُحْييهَا، ليس من خلال ردّها إلى طريق صائب، ولكن عن طريق إعادتها في بعض الأحيان، مثل العائد من الموت أو الشّبح. إنه يوقظ اللغة، ومن أجل أن يمتحن اليقظة، والعودة بالحياة إلى اللغة، في الجسد، في اللحم الحي حقاً، يجب أن يكون قريباً جداً من جسدِها. ينبغي أن يكون قريباً قدر الممكن من بقاياها ورمائمها. ولا أريد هنا أن أستسلم للرثاء، بيد أنني أتصوّر أن تسيلان كان يعملُ باستمرار على لغةٍ كانت في خطر من أن تغدو لغةً ميتةً. والشاعر هو الشخص الذي يدرك تلك اللغة، لغته، اللغة التي ورثها بالمعنى، الذي كنت أكّدت عليه للتو، وهو في خطر من أن تغدو [لغة الشاعر] لغةً ميتةً مرة أخرى، ولذلك فإنه يتحمّل المسؤولية، مسؤولية خطيرة للغاية، لإيقاظها، لإحيائها (ليس بمعنى المجد المسيحي ولكن بمعنى انبعاث اللغة)، ليس مثل جسد خالد أو جسد مجيد، ولكن مثل جسد فانٍ، سقيمٍ، وأحياناً مطلسم، مثل كل قصيدة لتسيلان. كل قصيدة هي انبعاث، ولكن القصيدة قد تورطنا في جسد ضعيف، التي يمكن نسيانها مرة أخرى. أعتقد أن كل قصائد تسيلان تظل بطريقة محددة طلسمية(عدم القابلية للفهم) indecipherable، وتحتفظ ببعض الطلسمية، ويمكن أن تدعو هذه الطلسمية [غير القابلة للفهم] لنوع من إعادة التفسير إلى ما لانهاية، الانبعاث، أو التنفس التفسيري الجديد، أو بخلاف ذلك، يمكن أن تهلك أو تضيع مرة ثانية. لا شيء يكفل القصيدة بمواجهة موتها الخاص، إما لأن الأرشيف يمكن أن يُحرق باستمرار في محارق الجثث أو النيران، أو لأنه، بدون حرق [الأرشيف]، يمكن ببساطة أن يكون منسياً، أو ليس مُفَسَّراً، أو يُترك للبلادة. فالنسيان ممكن باستمرار.


([1]) ــ الحوار منشور ضمن كتاب يتضمن دراسات لجاك دريدا مترجم إلى الإنكليزية بعنوان:

Sovereignties in Question: The Poetics of Paul Celan, Edited by Thomas Doutoit and outi Basanin, Fordham University Press New York 2005.

إيفلين غروسمان ناقدة أدبية فرنسية معروفة ويمكن للقارىء العودة إلى ويكيبيديا للاطّلاع على حياتها وأنشطتها وأعمالها النقدية.

 ([2])ـــ شيبولييث، Shibboleth عنوان دراسة خصّصها الفيلسوف للشاعر باول تسيلان أما من حيث المعنى فقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة سابقة وعنها أنقل: في المعاجم الإنكليزية الكلمة تعني:1) ــ مقولة مفضلة لطائفة أو جماعة سياسية.  2) ــ أسلوب حديث مميز لمجموعة معينة من الناس.  3)ــ شعار. أما أصول المصطلح؛ فتأتي من الكلمة العبرية shibbólet (שִׁבֹּלֶת) بمعنى “سنبلة أو مجرى ماء” أو مخاضة. ووفقاً لمعجم الكتاب المقدس، [تحرير: بطرس عبد الملك وآخرون، القاهرة: دار الثقافة، ط1، 1995، ص504]: ” عندما حارب يفتاح الجلعادي أفرايم وانتصر عليهم، أقام أناساً على الأردن. فالذين هربوا من الأفرايميين كانوا يسألونهم: هل أنت أفرايميٌّ؟ فإن أجاب “لا”، طلبوا منه أن يقول: ” شِبُّولَتْ، فإن أخطأ وقال “سِبُّولَتْ” قتلوه في الحال والسبب في ذلك أنّ هذه الكلمة تميّز لهجة الأفرايميين عن الجلعاديين، فالأفرايميون لاينطقون الشين في شبّولت”، العهد القديم، القضاة 12: الآيات (5-7): “فَأَخَذَ الْجِلْعَادِيُّونَ مَخَاوِضَ الأُرْدُنِّ لأَفْرَايِمَ. وَكَانَ إِذْ قَالَ مُنْفَلِتُو أَفْرَايِمَ: «دَعُونِي أَعْبُرْ». كَانَ رِجَالُ جِلْعَادَ يَقُولُونَ لَهُ: «أَأَنْتَ أَفْرَايِمِيٌّ؟» فَإِنْ قَالَ: «لاَ» كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: «قُلْ إِذًا: شِبُّولَتْ» فَيَقُولُ: «سِبُّولَتْ» وَلَمْ يَتَحَفَّظْ لِلَّفْظِ بِحَقّ. فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ وَيَذْبَحُونَهُ عَلَى مَخَاوِضِ الأُرْدُنِّ. فَسَقَطَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ مِنْ أَفْرَايِمَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا. وَقَضَى يَفْتَاحُ لإِسْرَائِيلَ سِتَّ سِنِينٍ. وَمَاتَ يَفْتَاحُ الْجِلْعَادِيُّ وَدُفِنَ فِي إِحْدَى مُدُنِ جِلْعَادَ”.

([3]) ـــ الشاعر پاول تسيلان (1920ــ 1970) نشأ لعائلة يهودية تتكلم اللغة الألمانية، راح أبواه ضحية للنازية 1941. استقرّ في باريس في العام 1944 ومات منتحراً فيها. من أعماله رمل أوعية الرماد 1948، وردة اللأحد 1963، تحوّل النفس 1967 وغربة الوقت 1976.

([4]) ـــ ادمون جابيس Edmond Jabès (1912 – 1991) شاعر وكاتب فرنسي من أصل مصري. ولد ونشأ في القاهرة لعائلة يهودية…من أعماله المترجمة إلى العربية: كتاب الهوامش، ترجمة: رجاء الطالب، بيروت ــ الجزائر: دار الضفاف ــ منشورات الاختلاف، ط1، 2015.

([5]) ــ غني عن البيان أن جاك دريدا يقصد بالمصطلح، وحسب فهمي، نحت لغة داخل اللغة ولنقل حفر أسلوب في اللغة التي يتخذها الكاتب.

([6]) ـــ الكلمة الألمانية تعني المواجهة والمشاجرة والصراع والجدال، والانشغال العميق بشأن ما. معجم عربديكت(شبكة الانترنيت).

([7]) ـــ كتاب لجاك دريدا، ترجم إلى العربية بـ”أحادية الآخر اللغوية”، ترجمة: عمر مهيبل، بيروت ــ الجزائر:  الدار العربية للعلوم ناشرون ــ منشورات الاختلاف، ط1، 2008.

([8]) ــ يورغن هابرماس، فيلسوف ألماني معاصر(1929ــ …..)، غني عن التعريف وصاحب النظرية التواصلية ومن أهم مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية.     

([9]) ـــ أي المعسكرات النازية التي جرى فيها إبادة اليهود إبان الحرب العالمية الثانية..

([10]) ــ أنطونان أرتو (‏1896 ــ 1948) هو شاعر سريالي وممثل. كما أنه ناقد وكاتب ومخرج مسرحي فرنسي. أسهم في بلورة ما يعرف بمسرح القسوة في كتابة الخاص “المسرح وقرينه” الذي يُعَدُّ المرجع الأول لتوجهه المسرحي. ويعدُّ أرتو امتداداً طبيعيا لاتجاهات رفض الواقعية والتمرد عليها، ولكنه ذهب إلى أبعد مدى من الذي ذهب إليه أصحاب اتجاهات مناهضة الواقعية. ويكيبيديا.