الكتابة شكل من أشكال الصلاة…

 كافكا

لا يخفى على أحد أن الكتابة هي الشجرة التي يستظل بها كل من لديه شغف الحلم والخيال، هكذا يمضي الكاتب ببث كل لواعجه للصفحة البيضاء التي تكون بمثابة شخص يصغي إليه بكل هدوء، دون شكوى أو تذمر. هي الخطيئة ـ وأعني هنا الكتابة ـ التي يحمل الكاتب وزرها ويرتاح بإفراغها على تلك الصفحة لتستكين روحه وتهدأ. أكتب هذه الكلمات وفي ذهني ملامسة مجموعة القاص صالح حبش(“يوم ماطر” التي صدرت عن دار آڤا 2021) المندرجة في إطار القصة القصيرة جداً أو ما يصطلح عليها في القراءات النقدية بالهوامش السردية وهي نوع من الكتابة تشغل مساحة واسعة من المشهد الأدبي  حيث ترتكز على الاختصار والتكثيف وعلى إحداث الدهشة في الخاتمة. وقد أثبت هذا النوع أنه قادر على التقاط العوالم غير المرئية وتحويلها إلى عوالم مرئية وبقدر ما تكون القصة  بسيطة بقدر ما تكون معقدة ومستعصية على فهم القارئ أحياناً. وإذ أقرأ نصوص الصديق الكاتب صالح حبش (يوم ماطر) ارتأي أن أكتب عنها قراءة انطباعية باعتباري أكتب في المجال نفسه ويشدني كل ما هو على صلة به.

حين نقرأ عناوين المجموعة نلاحظ المناخ العام المسيطر عليها ينحاز نحو التنوع في الموضوعات فقد غرف الكاتب من كل ما يحيط بالإنسان من حالات الانكسارات والخيبات التي تلاحقه أينما توجه فأتت العناوين تفسيراً لهذه الحالات مثل: جسد محترق، أسطورة العشق، نصفا وجهي، في مقبرة.. وغيرها من العناوين التي جسدت حالات النصوص المكتوبة.

1 ــ تفسير العنوان

من المتعارف عليه أن كاتب/ة القصة القصيرة جداً حين يختار عنواناً لمجموعته فإنه يختار عنواناً مميزاً من داخل المجموعة ويدرج كل المجموعة تحت هذا العنوان أو يختار للمجموعة عنواناً آخر لا ينتمي للعناوين بين دفتي الكتاب. وما لاحظته عند الكاتب صالح حبشأنه اختار من عناوين المجموعة وبتركيب وصفي (يوم ماطر) عنواناً للمجموعة ربما وجد فيه الأفضل ليوسم به مجموعته. وهذا يدل على تميز هذه القصة عن غيرها من قصص المجموعة والتي ربما قد تكون أقرب إلى الواقع الذي حدثت فيه أوهي قريبة من روح الكاتب. ذلك اليوم الماطر الذي كان سبباً لالتقاء الراوي بنصفه الآخر الجميل والشغف والحب اللذين رافقا ذلك اللقاء ثم استحواذ يوم ماطر على مساحة مميزة في الذاكرة الأمر الذي جعل الراوي يسرد عنه بكل حبّ لابنه الصغير ويشاركه فرحة ذلك اليوم الذي يتجدّد دوماً الذي هوـ الطـفل ـ ثمرة هذا الحب وهذا اليوم الغرائبي.    

No description available.

 2ــ  يوم ماطر والموضوعات المتنوعة

امتلك القاص صالح حبش جرأة في طرق كل الأبواب ونجح في الإتيان بمواضيع مختلفة ولكن هذه المواضيع لم ترتقِ إلى خلق عوالم غريبة، فقد استند في مواضيعه إلى الواقع المعاش وقام بسردها بأسلوب بسيط ممزوج بالخيال حيناً ومساندةً من الذاكرة أحياناً أخرى مثل موضوعات: الحب، الحرب، الحلم، الخيانة، الصداقة والانتقام ووو إلخ.  بيد أن تنوع المواضيع ليس كافياً لخلق عالم القصة القصيرة جداً؛ فهذا العالم وأقصد هنا عالم القصة القصيرة جداً هو تحويل الموضوعات البسيطة والمعقدة وكل ما يتعثر به القاص إلى عوالم موازية من النصوص الجميلة، متنوعة المواضيع التي يفترض أن ترتبط بالصياغة الجمالية والفنية والتي افتقدتها أغلبية النصوص. في هذه القصة سنلاحظ ما شرحته للتو:

[كالعادة
اليوم انتظرتك كالعادة، انتظرت بيأس وأمل، بحزن وفرح، بخوف وشجاعة، لم تأت، كالعادة، بقيت أنتظر وأخدع يقيني بعدم قدومك] (صفحة 32).  النص هنا مكثف وقصير جداً وهذا يحقق شرطاً من شروط القصة القصيرة جداً لكنه جاء اعتيادياً يفتقد إلى الدهشة والمفاجأة، العنصرين المهمين اللذين يعول عليهما في هذا النوع من الأدب.  

لغة يوم ماطر

اللغة التي كتب بها القاص نصوص الكتاب هي لغة سلسة، بسيطة لا تحتاج إلى التفكيك والتحليل فهي بعيدة عن تلك المصطلحات الجزلة وباستطاعة كل من لديه الإلمام بالقراءة أن يرجع إلى الكتاب ويقرأه بمعنى أنها تناسب كل مستويات التفكير والأعمار. وهذا يدل على حرص الكاتب أن تقرأه الشرائح كلها. إلا أن نصوص (يوم ماطر) تفتقد إلى اللغة الشعرية التي تستند إلى الاستعارات والانزياحات اللغوية التي يمكن أن تمنح اللغة بعداً تأملياً وبالتالي فالقارئ يبحث عن هذه اللغة التي تمنحه شعوراً بالنشوة حين يقرؤها. وهنا من الأهمية بمكان أن نقرأ هذه القصة القصيرة جداً والتي باستطاعتي القول إنها تدعم رأيي:

[حفلة تنكرية

دعيت أول أمس إلى حفلة تنكرية، لم أحتر كثيراً في اختيار أقنعتي، فقد منحتني الحياة الكثير منها، أسرفت في الشرب، في المشافهات، في المصارحات، أكثرت من الأكاذيب، من الأحاديث التافهة، تعرفت على الكثير من النساء، أعجبتني فتاة ذات قناع مميز، رائحة جسد مبهرة. قبلتها كانت الأشهى منذ أن امتهنت فن التقبيل، قبيل انتهاء الحفل نزع الجميع أقنعتهم، المفارقة أن الفتاة التي أعجبتني والتي عشقتها تقريباً، كانت جارتي التي مقتها بشدة] (صفحة 16). نص القاص هنا يذهب الى الوضوح والمباشرة ولا يترك مجالاً للقارئ كي يقوم بتأويله وتحميله بعداً آخر. وهنا تأتي أهمية الاستعارات المدهشة التي يلجأ إليها كاتب القصة القصيرة جداً لما لها من أهمية في إغناء النص الذي يفتقد أصلاً للطول فتكون تلك الانزياحات والاستعارات اللغوية بمثابة تعويض للقارئ عن قصر النصوص وتعطيه جرعة جمال وانتشاء.

يوم ماطر والخاتمة

من الملفت في القصة القصيرة جداً أن الخاتمة تدهش القارئ وتصدمه لكن للأسف لم تكن خاتمة نصوص القاص صالح حبش مدهشة أو صادمة لي ولم تكن النصوص مفتوحة على خاتمة تتيح للقارئ تأويلها وإنما كانت أغلبها مغلقة بخواتيم اعتيادية. ومن الملاحظ أن غالبية النصوص كانت ذات طابع عادي في بداياتها ونهاياتها، فالقارئ يبحث عن الغرائبي والدهشة في القصة القصيرة جداً لكنني لم أعثر عليهما في مجموعة يوم ماطر وهنا لابد لي أن استعرض قصة لجعل القارئ يقارن بين ما قلته وما سيقرأه:

[أناوأنت
لملمت كل صور الذاكرة لم أجد لك بينها شبيهاً، جمعت كل نساء الأرض، لم أجدك بينهن، جمعت كل رجال الأرض وجدتك في عيون الجميع، قتلتهم جميعاً لتكوني لي، لي وحدي، لكنك خلقت من ذاكرتك ظلال رجل آخر وعشقتيه] (صفحة 18). من أحد أهم شروط القصة القصيرة جداً هو خاتمة مدهشة تقوم بتفجير الحدث المكتوب عنه، حتى وإن كانت بداية القصة لا تدهش القارئ لكن من المفروض أن تصدمه وتفاجئه في الخاتمة أو القفلة كما يسميها البعض من كتّاب/كاتبات القصة القصيرة جداً، لكن هنا في هذا النص لم يلامس القارئ تلك الدهشة، الخاتمة لا تصدمه بل تكون كما البداية لذا سنفسر ذلك بعدم اهتمام القاص بالخاتمة وبالتالي؛ فإن القصص من البداية إلى النهاية اعتيادية لا تمتاز بالدهشة وتفتقد لعنصر المفاجأة الذي يضع القارئ تحت سطوته ويجعله يفكر ملياً في كيفية حصول ذلك. وأخيراً ما كتبته يبقى مجرد وجهة نظر وأترك للقراء حرية الحكم على العمل.